أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعيم إيليا - ذهان رويدة سالم على منهج الأورغانون 3















المزيد.....

ذهان رويدة سالم على منهج الأورغانون 3


نعيم إيليا
الحوار المتمدن-العدد: 5399 - 2017 / 1 / 11 - 20:54
المحور: الادب والفن
    


ج - باري إرمناس:
القصة، بما هي فن من فنون الأدب، شبكة من العلاقات المنطقية. يتحكم (الأورغانون) أداة العقل بتركيب بنيتها من مكوناتها المعروفة: فكرة مغزى، حدث، شخصية، بيئة، استهلال، متن، نهاية، حجم، طول، قصر، خيال رؤى، لغة ، قيم جمالية. المنطق لا يبدع مكونات القصة ولا يركّبها. تلك مهمة العقل؛ عقلِ الكاتب مستعيناً بحواسه. إن المنطق يتحكم بما يكوّنه عقل الكاتب، حين ينظم العلاقات بين المكونات وفق قانون الخطأ والصواب. فالعقلي إذاً والمنطقي، مفهومان ولكنهما مختلفان، ليسا مترادفين على معنى واحد.
(( الساعة الخامسة صباحاً. الظلام لازال يلف الكون. كانت تقف أمام نافذة المطبخ المطلة على سجن النساء. أفاقت منذ أكثر من ساعتين. أعدت قهوتها دون سُكّر، ووقفت هناك تشربه بتؤدة. نزل المطر غزيراً طوال الليل. والرياح التي ما يزال صفيرها يخترق السكون، جعلت هطوله أهوج فبدا كما لو أنه يهطل أفقياً.. صفع بعنف واجهات المباني المحيطة، وسكن الأحلام المضطربة. لكنه لم يكن هو سبب استيقاظها المبكر. أمر أهم منه بكثير جعل النوم يغادر شقتها، ويحلق بعيداً بحثاً عن ضحايا آخرين . 
لقد منحها نصبيها من الكوابيس ورحل ))
هذه هي البداية. إنها بداية القصة من حيث ترتيب أجزائها وتنسيقها فنياً، ولكنها ليست بداية قصة المرأة بطلةِ الذهان. فقصة المرأة بطلة الذهان، تبدأ من الطفولة وتنتهي بالارتطام على إسفلت الطريق العام.
بداية منطقية لحكاية امرأة تعاني صنوف الاضطهاد: ظلام يلف الكون، سجن النساء، قهوة سوداء في الغلس، مطر غزير، رياح هوج، أحلام مضطربة، ضحايا، كوابيس.
ولكن لماذا "وقفت هناك تشربه بتؤدة" ؟ تؤدة!؟ كيف، وهي في هذه الحال من الانفعال الذي اقتحمها، عصف بها تحت تأثير “ الحيرة، والتفكير، والإرهاب، والعذاب” ؟ إن التؤدة إنما تكون مصاحبة لحالة الانبساط.
كانت تحلم، قبل أن يغادرها النوم في الهزيع الأخير من الليل، بل كانت راقدة والكوابيس تجثم فوق صدرها، فماذا رأت في الحلم؟
(( في حلمها، رأته يعود. يقتحم الباب، ويدخل الشقة لاعناً التجارة والكساد وحراس الحدود، مثلما اعتاد أن يفعل بعد كل غياب طويل))
الاقتحام ! زوجها مقتحم لا يدخل شقته بكياسة وهدوء، يقتحم باب شقته كما يقتحمها عنوة. على أنه أثرى من التجارة "بدأت الأموال تتدفق بكميات هائلة... فهِمَت أخيراً سر أبواب الرزق الجديدة التي فُتِحَت بعد الثورة...“بعد الثراء المباغت، صار يعود إلى البيت عند الفجر" .
فكيف أثرى يا ترى ما دام الكساد اللعين كان منتشراً؟
وتتداعى في ذاكرتها أحداث حياتها. أحداث قاتمة مدمرة ليس بينها حدث واحد سعيد، إذا استُثنيت طفلتها (لين) البنت العذبة التي تأمل في ألا " تعيش في بؤرة السوء هذه" وتأمل في أن "تكون لها حياة مختلفة".
أحداث أجحفت بها، امتصت طاقتها الإيجابية المتفائلة ولم تدع لها منها قطرة واحدة. فماذا عساها الآن تفعل إن لم تفكر بالانتقام؟ فلتنتقم.. فلتقتله عند عودته! وتستولي عليها فكرة القتل تأسرها:
((فتحت الدرج. تلمست. سرت قشعريرة في جسدها. إنها اللهفة لوَّحت بها في فضاء المطبخ، ستخفيها في طيات ثوبها، حين ينحني لنزع حذائه، ستغرزها هنا.. في مستوى الرقبة. سينتهي كل شيء في لحظة.)).
!ويثيرها الدم :
((مشهد الدماء التي ستسيل وتغمر جسده، وفكرة الماء الدافيء حين ينساب على الجسد، أشعراها بالإثارة. رغبة مجنونة نبتت في كيانها، وامتلكت عليها عقلها)). من قال إن القتل، لا يوازي الرعشة مُتعةً؟ قتل العدو وقتل النفس التي رضيت الهوان قَدَراً))
إنها لحالة نادرة لا تصيب عادة إلا رجالاً يعانون اضطرابات جنسية. ولكن النساء...؟ هل حدث أن أصيبت امرأة بهذه الحالة المرضية؟
أجل، إن الانفعالات الحادة، قد تثير الرغبة الجنسية. ولكن أن يثير مشهد الدماء امرأة (بسيطة) من الشرق الأدنى، فأمر يبعث على الشك والحيرة؟
((ملأت الحوض، ثم خلعت عنها ملابسها. تشممتها قطعة قطعة قبل أن ترمي بها في سلة الثياب المتسخة. غمر الماء الدافيء جسدها واحتضنها بلمساته الحريرية المثيرة. استسلمت له كما تستسلم لحضن الحبيب الذي تعشق. شعرت بمداعباته اللطيفة حين حاول التطاول لبلوغ قمة الجبل في خريطتها: ذاك النهد المكتنز المغرق في بذخه فابتسمت. أغمضت عينيها لتستمتع بأكبر قدر من دفئه ومن هذا العناق القدسي الذي يمنحه بسخاء لا نهائي. رأت نفسها حورية أسطورية تنساب من بين متون القصص القديمة، وتنطلق عبر البحار والمحيطات بحثاً عن الحبيب المشتهى المنتظَر. 
اشتعلت حرائق الرغبة في دمائها. مررت أطراف أناملها على الحلمة. شعرت بها تتصلب شيئاً فشيئا منتصبة في خُيَلاء. ضغطت على النهدين بشدة إلى أن صدرت عنها تأوهات تختزل الألم والمتعة معاً في تزاوج ساحر رغم غرابته، ثم انزلقت الأصابع على البطن. لامست سهله، وداعبت وهاده ببطء، طافت حول السُرَّة، ثم تسللت نحو أعماق الغابة. انسابت بين أدغالها. طافت حول الهضبة المشرفة من عليائها على الوادي. لامستها في البدء بخجل، ثم مأخوذة بالتجربة، ازداد الضغط رويداً رويداً، واستمر الدعك إلى أن إستقامت قمتها، وارتفع رأسها ثم خاضت غمر الوادي. أغرقها الماء الذي سرعان ما اختلط بالماء فانزلقت إلى الداخل كما تنزلق قطرات المطر خلال الأرض العطشى، وتنساب إلى أعماقها واعدةً ببداية عصر الخصب والنماء ))
لماذا تشممت ملابسها قطعة قطعة قبل أن ترمي بها في سلة الثياب المتسخة؟ هل خيل إليها أنها ستشم رائحة الحبيب "المشتهى المنتظر" الذي دفعها الحرمان، عدم الإشباع الجنسي، إلى البحث عنه في الخيال؟ أم كان ذلك حركة لا شعورية صدرت عنها تلقاء ما جاء في السياق من ذكر لرائحة النساء العالقة بثياب زوجها، ورائحة النساء التي يمكن أن تعلق بثياب ابنتها (لين) لو كانت ابنتها لين ولداً فبلغ مبلغ الرجال وعرف النساء؟
وهنا يبرز سؤال: هل كان للمرأة عشيق؟ فإن عبارة "استسلمت له كما تستسلم لحضن الحبيب الذي تعشق" توحي بذلك. مع أنه لا توجد ألبتة قرائن تفيد بتورطها في الخيانة الزوجية. ويعقبه آخر: ألا يعتبر استسلامها في الخيال لحضن حبيب مشتهى خيانة ؟
ودت لو قتلته بالسكين، ولكنها خشيت من احتمال أن تخفق في قتله بالسكين. إنه أقوى منها، سيتمكن من صد ضربات سكينها عنه . لذا عنَّ لها قتله بالغاز. اختارت أن تقتله بالغاز. وأن تختار قتله بالغاز أو بطريقة أخرى، أمر لا يتعارض مع منطق القصة. ولكن ما لا يمكن فهمه، هو: لماذا همَّها ألا يعلم رجال التحقيق في الجريمة بأنها جريمة مدبرة من قبلها وهي التي قد عزمت على الانتحار، على قتل الجلاد والضحية؟
(( لن يشك رجال التحري القادمون للتحقيق في الحادثة أنها جريمة مرتبة عن سبق إصرار وترصد))
وبعد فما هي في الواقع إلا امرأة (بسيطة) بيد أنها لتفكر كما تفكر امرأة لها حظ وافر من الثقافة:
(( هل ستسكن روحه الجحيم حقاً؟ روحه مشوهة وستعرف كيف تصنع قنوات لتهرب من أسرِها، وتشارك في الاتجار بالممنوع، والتغرير بالجهَلة. هل في مملكة الرب أيضاً خارجون عن القانون؟
ربما... حياتنا في بؤرة الخوف والنفاق والخيانة جعلت إيماننا بكل شيء يهتز))
(( في كل معركة يجب أن يكون هناك حطب يُحرَق؛ ليعمي بصر العدو المتربص، والمصلحة أيضاً معركة دونها حرس يجب أن يُقصى من الميدان. 
"يجب أن نكون ذئاباً تنهش إن كنا لا نرغب أن تنهشنا أنياب الذئاب الكافرة التي تحكم البلاد))
(( لقد عاد لأصله الأول. لم يعد جنساً ثانياً. عادت الأرض لتعيش من جديد عصر الأنوثة المطلقة. ها قد عاد إلى الصورة الأولى التي خلقه عليها الإله قبل أن تتدخل الطبيعة في بعض طفراتها الجينية فتقلص حجم الثدي وتعبث بالجهاز التناسلي لنسل أفروديت وهيرمس))
((كانت تصبر مرددة: إنه حال كل من يشقى في بلاد لا تنصف أحداً... بلادٍ، جور الحاكم فيها، شرعة ومنهاج. هل جلب أهل الله الأمان ونشروا العدل؟ لا تزال العجلة تدور بنفس الوتيرة. تغيرت الواجهات فقط. كل يستعمل لغة مناسبة لمنطلقاته لكن النتائج واحدة))

هل هذا كل شيء؟
كلا، ثمة أشياء أخر.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- ذهان رويدة سالم على منهج الأورغانون 2
- ذهان رويدة سالم على منهج الأورغانون
- العرقيون
- حلم فرانتس كافكا
- محاورة المؤرخ شلومو زاند
- حديث الروح والمادة
- ديالكتيك الدين والدَّيِّن
- خابية الكنز المفقود 9
- خابية الكنز المفقود 8
- خابية الكنز المفقود 7
- خابية الكنز المفقود 6
- خابية الكنز المفقود 5
- خابية الكنز المفقود 4
- خابية الكنز المفقود 3
- خابية الكنز المفقود 2
- خابية الكنز المفقود 1
- سِخابٌ بجِيْد الزَّمان
- ذكرى جدال
- في الطريق إلى فلاديفوستك. المشهد الأول
- ما بين نظرية الوجود لأفلوطين ونظرية الانفجار العظيم


المزيد.....




- هدم ذاكرة بيروت في فيلم -الأرز والفولاذ-
- الخلفي : الحكومة ستعتمد البرنامج التنفيذي 2018 الخاص ببرنامج ...
- مجلس النواب: مايروج حول مسار ملف تقاعد البرلمانيين مجرد تخيل ...
- الروائي جورج سوندرز يفوز بجائزة -مان بوكر- لعام 2017
- ممثل مصري يرفض ترشح السيسي لولاية ثانية
- السلطات اللبنانية تعثر على -لوحة مسروقة لسلفادور دالي-
- قضاة النادي متخوفون من «غموض» علاقة وزارة العدل بالمجلس الأع ...
- فنان يعيد رسم لوحات فان غوخ بأسلوب جديد
- ان تكون عاشقا لـنيويورك: سينما الإفصاح عن المشاعر الانسانية ...
- الخلفي : الحكومة تولي أهمية كبرى لمجال التشغيل


المزيد.....

- تسيالزم / طارق سعيد أحمد
- وجبة العيش الأخيرة / ماهر رزوق
- abdelaziz_alhaider_2010_ / عبد العزيز الحيدر
- أنثى... ضوء وزاد / عصام سحمراني
- اسئلة طويلة مقلقة مجموعة شعرية / عبد العزيز الحيدر
- قراءة في ديوان جواد الحطاب: قبرها ام ربيئة وادي السلام / ياسين النصير
- زوجان واثنتا عشرة قصيدة / ماجد الحيدر
- بتوقيت الكذب / ميساء البشيتي
- المارد لا يتجبر..بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- من ثقب العبارة: تأملات أولية في بعض سياقات أعمال إريكا فيشر / عبد الناصر حنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعيم إيليا - ذهان رويدة سالم على منهج الأورغانون 3