أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أفنان القاسم - قمر الجزائر المِصراع الأول الفصل الأول1














المزيد.....

قمر الجزائر المِصراع الأول الفصل الأول1


أفنان القاسم

الحوار المتمدن-العدد: 5377 - 2016 / 12 / 20 - 16:58
المحور: الادب والفن
    


تردد سعدي في الذهاب إلى دار حسيبة عند المساء. "ربما كان من الأفضل أن أقلع عن ذلك"، فكر. في الواقع منذ بعض الوقت، لم يعد يحتمل كل تلك اللقاءات الليلية. كانا يلتقيان سرًا، وأكثر فأكثر غدا الاختباء له هكذا شيئًا لا يطاق. انتهى الأمر بما ليس متوقعًا في لقاءاتهما إلى فقدان السحر وقوة الإغراء. لُعَبُ الإرجاء الأولى، الكلمات التي نرغب في نطقها ونُمْسِكُ عنها، الأحاديث التي تقودك إلى الأحاسيس اتفاقًا: لم يعد يبالي بكل هذا. سار بخطى ثقيلة، وهو يفكر في مشاعره التي كانت تموت. فكر في الموت. توقف تحت فانوس، وفكر في كل الذين ماتوا من أجل الوطن. بلا ثمن. ماتوا بلا ثمن. مجانًا. ماتوا كيلا يتركوا من ورائهم غير كل هذا الحزن الذي تَبْيَضُّ منه العينان. كان لدى سعدي إحساس من يشاهد أثرًا من آثار الموت.
توغل في طريق طويل يذهب به إلى القصبة، طريق مستقيم، كأنه الصراط الفاصل بين فردوسه وجحيمه. ماذا سيكون اختياره؟ الفردوس أم الجحيم؟ الجحيم أم الفردوس؟ أصابه الدوار. لم يكن يمكنه الاختيار إطلاقًا. كان أبوه يريده أن يكون قاسيًا، جامدًا. حاصل الكلام أن يكون رجلاً! لكنه هو، سعد، لم يكن يعتقد بذلك. حاول جاهدًا، غير أنه في الحقيقة كان يعلم كونه ضعيفًا، مترددًا، يُؤَثِّرُ فيه أي واحد. سيعلو القمر في كبد السماء، وسيستعد لهزم نفسه شر هزيمة. سيعاني آلامًا كبيرة، الضعفاء والجبناء وحدهم يعرفون احتمالها. أذهله هذا المرأى. كان يسعى إلى حتفه. تَطَيَّرَ من مستقبله. فكر في حسيبة التي كانت تنتظره بفارغ الصبر كل مساء، كسفينة ترسو في الطين كانت تنتظره، وتجعله يسير على الماء حتى ميناء ضياعه.
في زقاق غرناطة، طوقته العتمة. كان يخاف من الظلام: ذُعر طفولته الشديد المَرَضي. أبوه. دومًا وأبدًا. كان يخاف من الظلام لأنه لم يكن يعرف أمه، ولأن أباه كان يرغمه دومًا على إطفاء الضوء قبل النوم. "أنت لست امرأة، سعد!" كان يقول له. "أنت رجل، وأنت لا تخاف من شيء، هل تسمعني، أيها الغائطي الصغير؟ أنت لا تخاف من شيء! من شيء!" كان يتخيل أباه غولاً مروعًا، غولاً أسود، أو شيئًا مشابهًا، غولاً يشبه الليل الأسود، ليلاً من تلك الليالي التي لا تتلألأ في جَلَدِها أية نجمة، فيغمض عينيه، ويبكي. "أنت لست خَرِعًا، يا وليدي، أليس كذلك؟ عقلة الإصبع! أنت لست خَرِعًا، أنت لست خَرِعًا!" أخذ سعد يسير بسرعة في الوقت الحاضر، كما لو كان يهرب من الغول، من السواد، من الليل، وخطواته على البلاطات الرطبة دون صدى. توقف، وتأوه. حسيبة! يا لها من مجنونة! رجلها، ربها، عالمها: كانت تتوهم أنني كل شيء لها! كانت مجنونة تمامًا! إلى مستشفى المجانين، حسيبة الصغيرة! منذ الوقت الذي توقفت فيه عن حب أبيها، تخيلت أنني رجل حياتها الأوحد. لا توجد إلا لأني أوجد، لأني هنا إلى جانبها، وتكفيها رضىً الساعات القليلة التي أقضيها معها. عالم بأكمله لعدة ساعات. مجنونة تمامًا أقول لكم. ومع ذلك، أنا لستُ من تظن. أنا لست إلهًا، يا بيت البغاء!
استدار ليطمئن على ظله متابعًا، لكنه كان بلا ظل. تساقط ضوء باهت، وأرهق الصمت المدينة. كان وحيدًا، وكان يقطع الظلام مع شعور بكونه مكبلاً. في تلك اللحظة، كان باستطاعة الموت وحده أن يحرره. كان في قلب القصبة، فأخذ يصرخ: "ليمت كل الموتى! أنا لا أريد أن أكون امرأة، أنا لا أريد!"
سيؤثر سعدي ترك الموتى للموتى، فلا يفكر إلا في الهوى. الحب الذي يحلم به، الحب الحلو، الحب السحري، حب الحكايات الخارقة، حب عقلةِ الإصبع. الحب الذي يَفْتِنُ، والذي يجمح جموح الجواد. لكنه كان تعبًا. أمله الخداع. حسيبة، حسيب، حَس، مجنونته الصغيرة، حبه. كانت تنتظره لتلجأ إلى ذراعيه. لكن هو، ماذا كان يستطيع من أجلها؟ ماذا كان يستطيع؟ هو من كان يكظم غيظه، معطَّلاً برجولته، فهل تكون عواطفه إنقاذًا، وذراعاه من طين، هو من أُرْغِمَ على أن يغدو رجلاً؟ رجولته، كان يجرجرها ككرة المحكومين. كانت تمنعه أن يقول لحسيبة حاجته إليها، أو رغبته فيها. لم يعد يعرف، لم يعد يفرق. كان الأُصَيْبِع، الرجل رغمًا عنه، في حاجة إلى امرأته الصغيرة. "لا تنس. إذا أردت أن تكون رجلاً، إذا أردت أن تكون رجلاً..." فَكَّرَ في هذا الحب الذي يشيخ، الذي شاخ. مع ذلك، لم تكن حسيبة تعلم أن بإمكان الحب أن يموت يومًا. لم تكن تريد أن تعلم. كانت تريد فقط الاحتفاظ بِسَعْدِيِّها. كانت مستعدة لكل شيء. رجته وطلبت منه الزواج بها، فرفض طبعًا. كان نِير الزواج له أسوأ من نِير الغرام. لم يكن يريد الاختناق. لم يكن يستطيع العيش من أجل هذا. لكن هذا لم يكن يقلقها، هي. كان في وسعها القبول بأقل شيء. إن وافق سعد على البقاء قليلاً قربها، اعتصمت بالصبر. كانت تريد الاحتفاظ به، الإمساك به. لها، قربها. لأنه كان هو، ولم يكن شخصًا آخر. لهذا تبقى في الليل هناك، وهي تمسكه من يده، وهي تنظر إليه بلا كلل. كانت تخلع وِشاحها لأجله، وتُبدي وجهها. كانت تعلن تحبيذها له، بشكل طبيعي. شيء ضخم لامرأة من القصبة أن تستقبل الرجل الذي تحب في السَّنَى المتكبر لحرمانها. في النهار، يلزمها الاختباء من جديد، البقاء في السر، الاعتزال. خلف حجابها، تصبح المرأة عالمًا من المتعذر بلوغه. لكن في الليل، تَهَبُ كل كيانها قلب الرجل العاشق. المرأة العالم.

يتبع المِصراع الأول الفصل الأول2





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,470,211,250
- قمر الجزائر المقدمة
- السعودية هذا النظام الجائر
- السعودية هذا الزمن البائد
- السعودية هذا البلد الباطل
- الله والزنزانة النص الكامل
- قحطانيات: المقدمة
- قحطانيات16: عبد الله مطلق القحطاني
- قحطانيات15: عبد الله مطلق القحطاني
- قحطانيات14: عبد الله مطلق القحطاني
- قحطانيات13: عبد الله مطلق القحطاني
- قحطانيات12: عبد الله مطلق القحطاني
- قحطانيات11: عبد الله مطلق القحطاني
- قحطانيات10: عبد الله مطلق القحطاني
- قحطانيات9: عبد الله مطلق القحطاني
- قحطانيات8: عبد الله مطلق القحطاني
- قحطانيات7: عبد الله مطلق القحطاني
- قحطانيات6: عبد الله مطلق القحطاني
- بيروت تل أبيب النص الكامل
- بيروت تل أبيب القسم الثاني تل أبيب الفصل الحادي عشر والأخير
- بيروت تل أبيب القسم الثاني تل أبيب الفصل العاشر2


المزيد.....




- انطلاق الدورة 12 لمهرجان المسرح بمصر
- كان فنانا ورياضيا.. المواهب الخمس المذهلة للإنسان البدائي
- لأول مرة.. حيوانات في عروض السيرك بغزة
- -ولاد رزق 2-.. هل تنجح أفلام -الأكشن- دائما؟
- فوز رواية -لا صديق سوى الجبال- للكاتب بهروز بوجاني
- شاهد: معرض من نوع آخر في فينيسيا ... لوحات فنية تنتظر زائريه ...
- إليسا تعلن اعتزال صناعة الموسيقى -الشبيهة بالمافيا-
- الأدب العربي ناطقًا بالإسبانية.. العدد صفر من مجلة بانيبال ي ...
- حصون عُمان وقلاعها.. تحف معمارية وشواهد تاريخية
- قداس بكنيسة صهيون.. الفنان كمال بلاطة يوارى الثرى بالقدس


المزيد.....

- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أفنان القاسم - قمر الجزائر المِصراع الأول الفصل الأول1