أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كمال الجزولي - عصيان نوفمبر 2016م: وجهة نظر















المزيد.....

عصيان نوفمبر 2016م: وجهة نظر


كمال الجزولي
الحوار المتمدن-العدد: 5364 - 2016 / 12 / 7 - 09:28
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


(1)
من أوضح آثار التَّجربة التَّصعيديَّة غير المسبوقة، خلال سنوات الإنقاذ المتطاولة، لدعوة الجَّماهير للدُّخول في "عصـيان مدني" على مدى ثلاثة أيَّـام متَّصــلة، في أواخــر نوفمــبر المنصــرم (2016م)، ما أصاب السُّلطة من ارتباك إزاءها، انعكس على بعض التَّعبيرات المتراجعة التي قاربت بين بعض صقور النِّظام وبعض حمائمه! نسوق، على سبيل المثال، الدعوة التي وجَّهها للإنقاذ د. حسن مكي، أحد الحمائم الفكريَّة، "لإعادة التفكير في الأمر أكثر من مرة خوفاً من أن يتطوَّر"، على حدِّ تعبيره، ومن جهة أخرى ثمَّة قول الطيِّب مصطفى، أحد الصقور الصَّحفيَّة، بأن أمر ذلك العصيان إنَّما يُعزى "لأسباب منطقيَّة تتمثَّل في السَّخط الشَّعبي"، أو كما قال. على أن ذلك وحده لا يكفي لتقرير نجاح تلك التَّجربة في زعزعة أعمدة النِّظام، حيث سيتعيَّن على المعارضة، بجميع أقسامها، وتلاوينها، قبل الإقدام على أيَّة خطوة تالية، أن تعكف، أوَّلاً، على توحيد صفِّها، ومن ثمَّ الانكباب على مراجعة عوامل القوَّة والضَّعف في تلك التَّجربة، بأكبر قدر من الموضوعيَّة، والابتعاد عن التَّفكير الرَّغائبي wishful thinking، لاستخلاص أهمِّ الدُّروس والعبر.
(2)
من أبرز الملاحظات، كذلك، أن تلك الدَّعوة، رغم احتياجها، حسب طبيعتها نفسها، لأكبر قدر من الجُّرأة والبسالة، إلا أن الغموض حول مسائل أساسيَّة فيها ترك، بلا شك، أثراً سالباً عليها، تمثَّل في تفاوت الاستجابة لها، وبالتَّالي محدوديَّة أثرها ما بين المستوى العالي من التَّنفيذ خلال ساعات الصَّباح الأولى من اليوم الأوَّل، ما يؤكِّد الرَّغبة الأصيلة لدى الجَّماهير في التَّجاوب، وبين انحسار هذا المستوى تدريجيَّاً خلال باقي ساعات اليوم، ثمَّ التَّراجع النِّسبي خلال اليومين التَّاليين، ما يستوجب التَّدقيق في العوامل والأسباب. دروس الثَّورة السُّودانيَّة تشير إلى أن الانتصار الحاسم لهذا التَّصعيد النَّوعي يعتمد، بالأساس، على توفُّر ثلاث ضرورات غابت جميعها، للأسف، من أفق التَّجربة، وهي:
أولاً: ضرورة بلوغ المواجهة بين الجَّماهير والسُّلطة درجة من الوسع والعمق والقوَّة بما يتيح، في ذات اللحظة الثَّوريَّة، طرح هذا التَّصعيد كخطوة أخيرة، لا كخطوة أولى، وذلك من داخل مختلف التَّعبيرات الاحتجاجيَّة الدِّيموقراطيَّة المتواصلة لأيَّام بلا انقطاع، بما فيها الحراكات المسائيَّة في الأحياء السَّكنيَّة، وهذه كانت غائبة، كما ومن داخل مختلف الإضرابات الفئويَّة المتواترة والمتقاربة، وهذه لم تختبر بجديَّة كافية إلا على صعيد إضراب نوَّاب الاختصاصيين قبل بضع سنوات، ثمَّ إضراب الأطباء الكبير مؤخَّراً.
ثانياً: ضرورة تأكُّد الجَّماهير اليقيني من هويَّة الجِّهة المعرَّفة بالألف واللام، المجترحة للتَّصعيد، والدَّاعية له، الأمر الذي كان مفقوداً، أيضاً، في هذه التَّجربة، إذ لا يكفي الإعلان عن أن الدَّعوة صادرة من "شباب"، أو من "نشطاء حقوقيين وسياسيين" .. الخ! هنا يكمن مغزى "القيادة" الملهمة؛ إذ كيف يتأتَّى للجَّماهير أن تستوثق من أن من يدعونها لهذا البذل هم، بالفعل، شباب طامح من خيرة أبنائها، لا محض جماعات مغامرة، أو ذات أجندة خاصَّة؟! ليس القصد، طبعاً، أن من يتصدر حراك هذا التَّصعيد ينبغي أن يكون حزباً معروفاً، أو زعيماً مشهوراً، بصرف النَّظر عن عمره البيولوجي، فالنِّضال ليس ظاهرة بيولوجيَّة، إنَّما المقصود، فقط، أن يُعلِم من يتصدَّى للقيادة عن نفسه، في ذات اللحظة التي يطرح فيها دعوته، فرداً كان أو جماعة، حتَّى لو كان مستجدَّاً، أو غير معروف قبلها. هذا الإعلام، لمن يدرك ذهنيَّة وسايكولوجيَّة جماهير الثَّورة السُّودانيَّة، يساوي، وحده، نصف عوامل الكسب، بينما تساوي نصف عوامل الخسران محاولة التَّقليل من شأن هذا الإعلام، أو الاستهانة به، مهما كانت المبرِّرات، بما في ذلك مبرِّر "الخوف" على "طارحي الدَّعوة" من انكشاف هويَّاتهم (!) تلك حُجَّة تحمل، في الحقيقة، عوامل فنائها المنطقي في جوفها هي ذاتها، إذ كيف يستقيم لك أن تدعو جماهير الشَّعب لتقديم فروض الفداء والتَّضحية، بينما تحجم أنت نفسك عن تقديم هذه الفروض "خوفاً" على نفسك من مغبَّتها؟!
أمَّا قوى المعارضة المعروفة أصلاً، فبرغم مسارعتها للإعلان عن "توحُّدها" في "مباركة" الدَّعوة، إلا أن أيَّا منها لم يعلن مسؤوليَّته عن طرحها، ومن ثمَّ تصدِّيه لرفدها بالشِّعارات المناسبة، ما يشي بأن هذه القوى قد فوجئت بها، فكان مبلغ همِّها إعلان عدم تخلفها عنها، دون الإعلان عن أنها ستكون، هي نفسها، على أهبة الاستعداد لقيادتها، أو تحمُّل نتائجها!
ثالثاً: ضرورة وضوح الرُّؤية التَّام لدى الجَّماهير، من الوهلة الأولى، حول هدف تلك الخطوة النِّهائي end game، والذي يكشف عمَّا ينبغي عمله في "اليوم التَّالي the day after" تحت عنوان “إلى أين نحن ذاهبون، أو مساقون” .. الخ. فمن أخطر المعاول التَّدميريَّة التي يمكن أن تتهدَّد حركة الجَّماهير، في مثل هذا الظرف، الدُّخول في تجربة دون علم كافٍ بهدفها النِّهائي.

(3)
غياب هذه الشروط الثَّلاثة، مجتمعة، يجعل من غير الممكن لأيِّ أحدٍ أن يكابر في حقيقة أن تجربة نوفمبر كانت قد أخذت تتعرَّض، منذ البداية، ثمَّ على مدار اليوم، ساعة فساعة، لتراجع مؤسف، مِمَّا لم تفت ملاحظته على المراقبين الحادبين، وبالعين المجرَّدة! كما ولا يملك أحد أن يكابر في طابع البلبلة الذي وسم بالحيرة تساؤلات الجَّماهير، ومزاجها العام، خلال الأيَّام الثَّلاثة، على تفاوت مستوى الاحتشاد فيها بين يوم ويوم، حيث ظلت تلك الحيرة تراوح بين الطابع "الرَّاديكالي" لإسقاط النِّظام عند البعض، والطابع "الإصلاحي" لإلغاء زيادات الأسعار عند آخرين!
ومن أخطر ما فاقم من تلك البلبلة، ضغثاً على إبالة، النَّبرة المعادية للأحزاب السِّياسيَّة، والطعن في جدارتها، والتَّشكيك في جدواها، والدعوة لتجاوزها، مِمَّا جرى تداوله، بنشاط، ضمن تحليلات ونداءات بعض وسائط التَّواصل الاجتماعي الدَّاعية والدَّاعمة لتلك التَّجربة. ولئن كان من المُجدي تماماً، بطبيعة الحال، والمشروع جدَّاً، بل والمطلوب بشدَّة، تسديد النَّقد المستقيم المباشر لهذه الأحزاب وقياداتها، فمن غير المعقول، بل من قبيل الخطأ الجسيم، يقيناً، محاولة شطبها نهائيَّاً، أو الإنكار التَّام لضرورتها الموضوعيَّة، خصوصاً في هذا المفصل التَّاريخي الرَّاهن، على ما يشوب "جبهة" عملها الموحَّد المأمول من عوار.

***





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,795,132,948
- العَدَالةُ الاِنتِقَاليَّةُ: أَهِيَ تِرياقٌ مُضادٌّ للآي سِي ...
- الأَغْيَارُ يَحْتَفون بِهِمْ .. والبِلادُ تَرْمِيهِمْ بِالحَ ...
- فِي المَشْهَديَّةِ الشِّعْرِيَّةِ عِندَ وَدَّ المكِّي
- في ذِكرى الانفِصال: جَحْدُ التَّنّوُّع متلازمةُ المرضِ السُّ ...
- 19 يُوليو: فُتُوقٌ بِانْتِظِارِ الرَّتْق!
- كمال الجزولي - كاتب وباحث وناشط يساري شيوعي وشاعر وكاتب - في ...
- كونفِدراليَّةُ السُّودانَيْنِ: بُشَارَةُ بَاريسَ الثَّانِية!
- فِي الدَّعْوَة لاسْتِعَادَةِ الخِلافَة!
- الجَّنْقُو: فِي الاِقْتِصَادِ السِّيَاسيِّ لِلإِبْدَاع!
- الإِبْرَاهِيميَّةُ السِّياسِيَّةِ بَيْنَ التَّدَيُّنِ والذَّ ...
- اليَوْمُ التَّالِي: المُعَارَضَةُ السُّودانيَّةُ تَتَجَاوَزُ ...
- أُكتوبَر: حِكَايَةُ رَجُلٍ اِسمُهُ بَشِيرُ الطَّيِّب!
- حَوْلَ قِيمَةِ الإجْماعِ بَيْنَ الشُّورَى والدِّيمُوقْرَاطيّ ...
- مَلامِحٌ مِن المُقدِّمَاتِ الفِكْرِيَّةِ لِحَفْزِ الانْفِصَا ...
- عِيدُ أَضْحَى سَعِيدٌ: بَيْنَ رِحَابِ الحُرِّيَّةِ وحَظَائِر ...
- السُّودَانُ وَحُقُوقُ الإِنْسَان: بين السَّيِّئ والسَّيِّئ ج ...
- دَارْفُورْ: دُرُوسُ الانْتِفَاضَةِ والانْفِصَال!
- رِجَالٌ فِي الشَّمْسِ .. رِجَالٌ فِي الثَّلْج!
- أَثَرُ العَلاقَاتِ الإِسْلاميَّةِ المَسِيحيََّةِ عَلَى وُحْد ...
- الدَّوْلَةُ: في الإِبَانَةِ حَوْلَ المَفْهُوْمِ والمُصْطَلَح ...


المزيد.....




- ترامب يعلن عن إمكانية تأجيل القمة الأمريكية-الكورية الشمالية ...
- رئيس فنزويلا يطرد أعلى دبلوماسي أمريكي بتهمة التآمر ضد حكومت ...
- بومبيو: واثقون بتشكيل نهج مشترك مع أوروبا بشأن إيران
- تقرير: داعش يستخدم بودرة الأطفال لتمويل عملياته
- فيديو يظهر مدنيين يحرقون موقعا لقناصة الاحتلال
- مطالب واشنطن.. بين تبسيط بومبيو ورفض طهران
- بومبيو: الولايات المتحدة مستعدة لتحسين حياة الكوريين الشمالي ...
- مسؤول كوري جنوبي يرجح استئناف المحادثات مع الشمال بعد 25 ماي ...
- نائب ليبي يكشف الحل السياسي الوحيد للأزمة في بلاده
- احذر... نظافة أطفالك الشديدة قد تصيبهم بمرض خطير


المزيد.....

- النزاعات في الوطن العربي..بين الجذور الهيكلية والعجز المؤسسي / مجدى عبد الهادى
- مجلة الحرية المغربية العدد 3 / محمد الهلالي وآخرون
- مفهوم مقاطعة الإنتخابات وأبعادها / رياض السندي
- نظرية ماركس للأزمات الاقتصادية / ستيوارت إيسترلينغ
- الإسلام جاء من بلاد الفرس / ياسين المصري
- التغيير عنوان الانتخابات المرتقبة في العراق / رياض السندي
- الاستعمار – موسوعة ستانفورد للفلسفة / زينب الحسامي
- الإضداد والبدائل.. وهج ولد الحرية / shaho goran
- تێ-;-پە-;-ڕ-;-ی-;-ن بە-;- ناو ... / شاهۆ-;- گۆ-;-ران
- الأسس النظرية والتنظيمية للحزب اللينينى - ضد أطروحات العفيف ... / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كمال الجزولي - عصيان نوفمبر 2016م: وجهة نظر