أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منصور عمايرة - الثورة الجزائرية في المسرح، مسرحية أبناء القصبة















المزيد.....



الثورة الجزائرية في المسرح، مسرحية أبناء القصبة


منصور عمايرة

الحوار المتمدن-العدد: 5356 - 2016 / 11 / 29 - 22:45
المحور: الادب والفن
    



ثورة الجزائر المجيدة تجسدت في الأجناس الأدبية المختلفة كبعد ثقافي ثوري ومقاوم، وكان للمسرح حضور مميز في تصوير الثورة الجزائرية ونقلها إلى الداخل والخارج، ولأن المسرح يتوافر على جملة عناصر تجعله أكثر تميزا، فهو لا يكتفي بنقل الصورة الأدبية والحكي، بل بتجسيد الفعل الدرامي، والثورة فعل درامي، وقد شهدت الجزائر حالة غير مسبوقة في تاريخ البشرية، وهي تتعرض لكل أنواع القهر والتدمير والاستعمار الممنهج على كل المستويات، والبعد الثقافي أو تشويه الثقافة الجزائرية كان يتم على قدم وساق، لإخراج الجزائر من هويته الثقافية وأبجديته الأم، والتي تمتد عبر القرون، وهي تشكل ثقافة أمة، فجاء الاستعمار الفرنسي؛ ليقرر تغييب هذه الثقافة بوسائل همجية تعسفيه، جعلت الجزائري يقرر منذ بدايات الاستعمار حالة المقاومة، التي استمرت حتى بزوغ الاستقلال.
وكان للمسرح الجزائري دور مهم، فتشكلت فرق مسرحية جزائرية تتبع الثورة، لتمثل فعل المقاومة، وتنقل الصورة الحقيقية الواقعية التي كان يتمثلها الاستعمار البغيض، وبدأ المسرح يشكل وعيا مقاوماتيا في ربوع الجزائر، ويمثل صوره التجسيدية، وهو ينقل المسرح الثوري الجزائري إلى خارج الحدود، ليطوف البلاد العربية والأجنبية.
يزداد العنف الاستعماري ضد الشعب الجزائري، فتنبري الأقلام الجزائرية والعربية، لتدافع عن الجزائر، وتوعّي الأمة الجزائرية بما يحدث في بلادهم من تدمير ممنهج، ويتقصد البلاد والعباد على مستوى الأرض والإنسان، فيدمر الأرض ويدمر الهوية والوجود، ولذا، فإن الأدب المسرحي الجزائري بدأ يقول كلمته، فألفت المسرحيّات الاستنهاضية التي تمثل المقاومة الجزائرية، والتي تتعرض إلى كل أنواع القهر الذي تعرض لها الجزائري في بلاده. والمسرح لا يكتفى بالأدب ونقل الكلمة، وهذا ما يجعله مميزا عن الأجناس الأدبية الأخرى، فيجسد الفعل، ليكون المسرح فكرا وفنا يصنع الحدث ويواكب مسيرة الأمة الجزائرية، ليبزغ فجر جديد.
***
والثورة كرؤية معجمية تشير إلى الاستنهاض والتغيير، ثار: ثورانا ، ثورا، ثورة: هاج وانتشر. وثارت به الناس: وثبوا عليه. الثورة : تغيير أساسي في الأوضاع السياسية والاجتماعية يقوم به الشعب في دولة ما. فالمعنى المعجمي يبين عن الاضطراب والحركة والتغيير، وبالتالي فالمعنى مصطلح دال على معنى الثورة، والتي نستطيع أن نسمها بالحركة والتغيير والمقاومة؛ لتحرير الوطن من المحتل، وهذه الثورة حتما ستحدث تغييرا في بنى المجتمع المتعددة، الثقافية، والسياسية، والاجتماعية والاقتصادية، وهي بالتالي تنسحب إلى بنيات المجتمع الأم كهوية أولى تحقق ذاتها من خلال التخلص من المحتل. ويبدو لنا أن هناك معنى آخر لصيقا بالأحداث التي تستدعي تحرير البلاد والعباد، إننا نشير بذلك إلى المقاومة، وقد تبدو المقاومة حالة أولى للثورة، فكأن الثورة نبتة تنمو شيئا فشيئا، حتى تتحقق أهدافها بثورة يشارك فيها الجميع. فالمقاومة تتبع أساليب متعددة، لتكتمل بالثورة. فالمقاومة تعني الصراع، وتقاوموا في الحرب: قام بعضهم لبعض.1 و المسرح مقاوم، والمقاومة فيه متعددة، ومقاومة المحتل تبدو كحالة مقدسة يسعى إليها المسرح؛ لتخليص الإنسان من القيود والجبروت. وعند الحديث عن الاستعمار/ الاحتلال تبرز مقولة الدفاع عن الوطن، فالمقاومة هي الاستنهاض في وجه العدو ومقارعته.
إن المقاومة متمثلة في القرآن، والآيات القرآنية تشير إلى المقاومة ودفع الظلم، قال تعالى:(أذن للذين يُقاتَلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير)2 ودفع الظلم يكون بوسائل متعددة، ولذا يستطيع الجميع المشاركة بالمقاومة، لتخليص الوطن من الاحتلال. ونستحضر صورة المقاومة المتمثلة بالدفاع عن الدين، إذ كان الرسول - عليه السلام - يحضّ حسان بن ثابت على هجاء المشركين، وقالت عائشة فسمعت رسول الله يقول لحسان: إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله"3
وإذا ما نظرنا في أدب المقاومة نجده يتمثل بالكلمة، وللكلمة وقع شديد في نفس الإنسان، وقد تكون أشد فتكا من السلاح، ولكن المسرح كأدب أصلا، يمثل الكلمة والفعل، فالمسرح فعل تجسيدي، يستنهض النفوس، ويمثل المقاومة مجسدة، وهو بالتالي ، المسرح أداة تحريضية مهمة في إنتاج فعل المقاومة، وهــذا الفعل أصبح ضرورة حياة لإيجاد حياة، وهذا ما يتمثل بمقاومة الاحتلال. والمسرح العربي يقوم بهذا الفعل التحريضي، فتبدو المقاومة في المسرح كرؤية مقدّسة.
***
المقاومة الجزائرية: إن المقاومة الجزائرية - والتي تمثلت بثورات متعددة منذ دخول الفرنسيين إلى أرض الجزائر في العام 1830، وحتى انتزاع الاستقلال في العام 1962- مقاومة بطولية لم تخمد جذوتها، وكلما تقادم الزمن على الاحتلال كلما ازدادت ضراوة، وهذه المقاومة تمثلت برؤى متعددة ما بين الفكر والسلاح، والثورات السليمة المطالبة بالخروج من الجزائر والمنددة باحتلال الجزائر، حتى تكللت بالنصر المبين. وسنجد أن الحملة الفرنسية على الجزائر قد ارتبطت " بعدة عوامل سياسية، اقتصادية، اجتماعية، دينية صليبية ممقوتة "4 إذن هذه هي جملة من أهداف وغايات فرنسا لاحتلال الجزائر، وما الإشارة إلى حادث المروحة التي ضرب بها الداي القنصل الفرنسي إلا القشة التي ستقصم ظهر البعير، وبدأت فرنسا بإعداد العدة للحملة العسكرية على الجزائر لاحتلالها لأسباب كثيرة كانت تعاني منها فرنسا"5 إن فرنسا لم تكتف بإبادة للجزائريين على مستوى القتل ونهب الأراضي وسلبها، بل عمدت إلى إبادة ثقافية، وقد تمثلت هذه الإبادة " بهدم وتدمير البنيات الثقافية والاجتماعية والتشريعية والروحية للشعب الجزائري، وإحلال بنيات أخرى محلها مستمدة من ثقافة المستعمر ونظمه الاجتماعية "6
إن الثورة الجزائرية طبقت أخبارها العالم، لما قدمته من مقاومة عزّ نظيرها، ولمدة طويلة من دون كلل أو ملل، ومنذ ولوج الاستعمار الفرنسي لأرض الجزائر، وحتى وصلت أخيرا كتتويج للثورة الطويلة في العام 1954م في الأول من نوفمبر، وإن هذه الثورة تكمن أهميتها بأنها " جاءت تتويجا للكفاح المستمر للشعب الجزائري، وأدت كذلك إلى استرجاع السيادة المفقودة "7 أمام كل هذه الآلة الاستعمارية الرهيبة التي كانت تقوم بها فرنسا، كان لا بد من وضع حد نهائي لها عن طريق المقاومة الشاملة في كل الأرض الجزائرية في العام 1954 عند انطلاق الثورة، والتي " تميزت ليلة الفاتح من نوفمبر بتنظيم محكم، عند منتصف الليل نفذت عمليات عسكرية، و وزعت المنشورات باللغة العربية والفرنسية إيذانا ببدء الكفاح المسلح "8
وإن صور المقاومة في الجزائر تعددت وتنوعت، ما بين الكفاح المسلح وتعبئة الشعب الجزائري للمقاومة بشتى السبل، لتتمثل المقاومة بمقاومات عدة، سياسية، شعبية، سرية، وثقافية من خلال النشاط الفكري برمته، وتفوت الفرصة على الفرنسيين من خلال " تمسك الجزائريين بالشعارات الواقعية الإسلام ديني، والعربية لغتي والجزائر وطني، أدت إلى الإحالة دون ذوبان الشعب والقضاء عليه "9 واشتغلت في الوقت ذاته مقاومة سياسية في الجزائر، تتشكل من مكتب سياسي يدار في خارج البلاد، لنقل قضية الجزائر إلى العالم، من هنا ندرك أهمية الدعوات المتنوعة، للحفاظ على الجزائر من خلال البعد المقاوماتي لطرد الاستعمار.
الاحتلال يتمثل بالسيطرة على المكان، والمقاومة والثورة تنبلج من المكان، وعندما يكون المكان محتلا سيكون معاديا، لأن الآخر هو الذي يسيطر عليه تماما، ليصبح مكانا منعزلا " فالركن المنعزل الذي ننزوي فيه ينزع إلى رفض أو كبح أو حتى إخفاء الحياة "10 في هذا الوضع المأساوي، تنبلج رؤية جديدة للإنسان، إما أن يكون كوجود وحرية، أو يكون مسلوبا من كل إرادة، لكن الثورة الجزائرية، تمثلت بمقاومة لصنع وجود وحرية، إنها الثورة المسلحة التي انبلجت كفلق النهار، لتعلن أن على أرض الجزائر يعيش الإنسان الجزائري ليحيا، وجذورة ضاربة في أعماق الأرض التي شكلها عبر مرحلة تاريخية طويلة، وشكلها مرة ثانية من خلال ثقافته التاريخة الطويلة، فبدأ يقاوم على كل الجبهات الداخلية والخارجية، ليؤكد وجوده ويدحر الاستعمار إلى الأبد.
إن المقاومة تنشأ من خلال الإيمان المطلق بالقضية، وهنا الحديث مثلا عن الأرض، فالحدث الدرامي يصنع الشخصية، وقد تتعدد أشكال المقاومة، وليست ذات طرف واحد، بل قد تكون من خلال مستويات متعددة، تتراوح بين الدفاع عن الفكرة والرؤية والدعوة إلى الإيمان بها والمحاورة، وبين الصراع القائم على التحارب، ولهذا نجد في مسرح المقاومة وسائل متعددة تمثل أوجه المقاومة المختلفة، ولكنها بالتالي تتجمع ، لتحقق أهدافها لتحرير الأرض، وطرد العدو، والبحث عن الحرية والوجود. وكان المسرح كبعد تواصلي إذ يقوم الكاتب " على دفع الجمهور للتفاعل مع أوضاعه"11
ويبقى المسرح " الفكر/ الفن " المقاوم الأول في ركب الإنسانية، لما للمسرح من قوة متدفقة في النفس البشرية، والمسرح له ميزتان، الميزة الأولى: المسرح الأدب الذي يقرأ، الأدب المقاوم. والميزة الثانية: المسرح الفن الذي يعرض أمام جمهور يخاطبهم، ويدعوهم للتأمل والمشاركة والتورط في الفعل المسرحي واتخاذ موقف مما يرى. هذا هو المسرح " أبو الفنون " يصور معالم الحياة الإنسانية مندمغا بكل أشكال الفنون التعبيرية الصوتية والسمعية والمرئية والحركية الجسدية والباطنية، وقد برزت المسرحية الجزائرية بوجود كتاب جزائريين، ومنهم كاتب ياسين، وهو يقول " من ناحيتي أريد أن أقدم مسرحا للإرادة، أضع فيه يدي على كل الجروح .. المسرح يسمح باتصال مباشر وسريع التأثير في أكبر عدد من الناس"12 والنص المسرحي الجزائري اشتغل على الثورة والمقاومة، ونتمثل بمسرحية أبناء القصبة لعبدالحليم رايس.
***
مسرحية أبناء القصبة: مثلت مسرحية عبد الحليم رايس المقاومة الشعبية، التي دخلت إلى كل بيت جزائري، ليشارك فيها الجميع مهما كانت النتائج قاسية، فتحرير الوطن رؤية مقدسة لا بد أن تتحقق وترخص في سبيل ذلك الروح.
والثورة الجزائرية في مسرحية الرايس تتمثل بأبعاد مختلفة:
أولها: المكان، إذ يبدو المكان" البيت الجزائري" تحديدا النواة الأولى التي تبزغ منه المقاومة ثم الثورة، فارتكزت المسرحية على البيت الجزائري كوحدة مكانية مقاومة، تنتج المقاومة وتستقبلها أيضا، فكان أفراد الأسرة ينتجهم المكان، وكان المكان يستقبل الثوار، وكان المكان ينشر خبر الثورة كمكان أيضا.
والمكان، وهو بيت العائلة في مسرحية أبناء القصبة، نجده يشتغل على فضح الاستعمار الفرنسي، ويكشف عن الثورة الجزائرية، ويبدو على لسان حمدان وهو الأب ، إذ يشير إلى المقاومات المتعددة التي اشتعلت في الجزائر قبل أن تصل إلى ثورة نوفمبر، والتي سيشارك فيها الجميع، بل إن لكل واحد دورا مهما في الثورة مهما كان دوره في المجتمع.
والبيت يحتوي الخلافات العائلة التي تتصارع من أجل الثورة، كما يحدث بين عمر وتوفيق، فعمر يقول: أنت ما كانش ليهدر معاك.
توفيق: لو كان ماجيتش خويا.
عمر: ولاش هذوك اللي تديهم المركز الشرطة ماشي أخوك.
توفيق: اسكت.
عمر: ما نسكتش.
توفيق: يصفعه.
عمر: هذه المرة الأولى اللي صفعتني ما تعودش.13 إن توفيق في المسرحية يلعب دورين في آن واحد، فالدور الظاهر كمجند للشرطة الاستعمارية، والدور الخفي كمقاوم يندرج في الثورة الجزائرية، ويحاول جاهدا أن يبعد الشك عن بيت العائلة. ويبرز الشك، ويحتدم الأمر بين الأخوة في بيت حمدان الذي يقول بغصة:
كبرناكم وتعذبنا عليكم باش تتكافوا في الخير والشر، باش تكونا في صف واحد أمام العدو... جات الثورة قلت تردهم للطريق وتنزل العطف والحنان في قلوبهم.14 فالثورة تحتاج إلى التعاضد لتنتصر.
إن أهمية المكان/ بيت الأسرة في مسرحية الرايس أبناء القصبة، تبرز كمكان عام مفتوح، وهو ما يؤكد حضور بيت الأسرة في أتون الثورة، ليس أفراد البيت فقط، بل المستعمر أيضا. وهذا ما يؤكد أهمية البيت الجزائري كنواة أولى للمقاومة، وهو مقاومة مساندة للمقاومة في الجبل كعمل فدائي، ومساندة للمقاومة كعمل سياسي وفكري ينقل إلى الخارج. والبيت أمسى مشاعا في ظل الاستعمار الفرنسي، بعيدا عن المكان الخاص، وهذا المكان الخاص الذي يتلاشى أمام الاستعمار الفرنسي يبين عن أحداث حقيقية واقعية عاشها الجزائري، فالبيت يشارك في الثورة وينتجها. ولذا لا نبالغ إذا ما قلنا إن البيت/ المكان ، نقطة الارتكاز في مسرحية أبناء القصبة.
فالمسرحية – أبناء القصبة - ذات طابع مكاني ثوري مقاوم، وكل ما في المكان يعبر عن الأحداث التي تجري. وتكد حضور المكان كمنتج للثورة من خلال العنوان "أبناء القصبة". وهو يشير إلى مجاميع الناس الذين يعيشون في القصبة، وإلى الذين لهم علاقة بالقصبة أيضا. وهذا يعني أن القصبة مكان عام مفتوح. ولكن أحداث المسرحية تدور في بيت أسرة جزائرية، إنه مكان خاص استطاع أن يتسع لكل الجزائر، لأن الثورة عامة رؤية جماعية. وكل شخصيات الأسرة في بيت حمدان شخصيات تتشابه مع كل أسرة جزائرية في كل الوطن، وتمثل هذا بدخول ميمي إلى بيت الأسرة، وكذلك دخول الغرباء.
ونجد المكان " بيت الأسرة " يملك خصوصيته، لأنه يتضمن كل ما يعني العائلة. ويصبح كمعمل مخبري ورصد وإنتاج للفعل، فيبدو كعمل سري لأفراد الأسرة، الأم تحاور حميد وهو يتحدث عن عمر : بالشرع والنبي ما تخلطش خوك كبير عليك.
حميد : علاش كاش ما قلت.
الأم: كنت رايح تقول.15
وتمثل بدخول الفتاة المقاومة " ميمي " إلى بيت الأسرة، ومعها منشورات حريصة على حمايتها، لأنه تعني الثورة كمخطط سري، ميمي وهي تبدو فزعة: راني بين يديكم العسكر راهم وراية.
حمدان: واش تكوني.
ميمي: أنا مجاهدة، بالله عليكم خبوني لو كان يلقوا علي القبض يقتلوني، لو كان يعثروا على هذي لكواغط اللي راهي في المحفظة تموت جماعة من الأبطال.16
إذ يصبح بيت الأسرة مصدرا لمعرفة الخبر، ويتمثل بما يجلبه القادمون إليه، ميمي مطاردة، وهذا يعني ملاحقة الثورة من قبل الاحتلال، ويعني تأجيج الثورة من خلال التخطيط والتنفيذ.
وهو معمل مخبري؛ لأنه مثل روح السرية التامة، فكل واحد من أبناء العائلة لا يعرف عن الآخر بأنه مشارك في الثورة وينتجها، توفيق الابن الكبير يعمل في البوليس ولكنه يساعد الثورة ويشارك فيها. عمر يتأخر كل يوم خارج البيت فيدخل الشك للعائلة بأنه فاشل، ولكنه مشارك في الثورة. حميد مشارك في الثورة ويدخل ذات مرة مصابا، فتستقبله مريم: حميد واش بيك تصرخ.
حميد: ارماو قنبلة.
مريم: قبضوا عليهم.
حميد: قابلوهم بالرشاشات.17
وكل واحد من هؤلاء يشك بأخيه بأنه ضد الثورة، أو لايقوم بخدمتها. عمر يخاطب توفيق: ولاش هذوك اللي تديهم المركز الشرطة ماشي أخوك. توفيق: يصفعه.18
الأب والأم، مصدر الثورة، وهذا ما يقوله حمدان رب الاسرة عندما يحتدم النقاش والصراع بين توفيق وعمر وحميد، فتقول الأم بحزن أنها ولدت الجميع، ليقول حمدان: معاها الحق كبرناكم وتعذبنا عليكم باش تتكافوا في الخير والشر، باش تكونا في صف واحد أمام العدو.
الأم : ما تغضبش روحك حمدان، باك قالك الطبيب ما تزقيش.
حمدان: جات الثورة قلت تردهم للطريق وتنزل العطف والحنان في قلوبهم.
عمر: سامحني بابا.19
ثانيها: الإنسان، تلك الشخصيات التي تربت في البيت الجزائري، وقد اشتغلت الشخصيات بهم واحد، ألا وهو كيف تجسد الشخصيات روح الثورة الجزائرية. ومرة أخرى يستقبل المقاومين الملاحقين من الجنود. وتبدو الشخصية القادمة من خارج الأسرة كمقاومة، والتي تمثلت بشخصية ميمي: أنا مجاهدة، بالله عليكم خبوني ...20
ومريم زوجة توفيق التي ترعى البيت تتمنى أن تكون مجاهدة أيضا.
إن الإنسان في المكان يؤمن بقدراته الفكرية، التي تبدو المطلب الرئيس الذي ينشر قضية الجزائر في الداخل والخارج، ولذا شخصية حمدان " الأب " في المسرحية تعلن هذه الرؤية، فالثورة ليست في مجاهدي الجبل وفدائيي المدن فقط، ولكن الثورة تحتاج إلى السياسة وهي ضرورة لكل ثورة. هذا ما أشير إليه بتعدد المقاومة، من خلال المحاججة ونقل الفكر المقاوم إلى الخارج، ولذا، فمسرحية أبناء القصبة تطوف البلاد العربية، ولأن المسرح أكثر تجسيدا لقضايا الإنسان، لأنه يطرح القضايا مباشرة عبر الحوار الذي يجسده الفعل.
الشخصية في مسرحية أبناء القصبة – شخصيات الأسرة - شخصية وطنية محملة بهم الوطن، شخصيات الأسرة كانت تمثل شخصيات مكانية، تربطها بالمكان علاقة حميمية ممتدة في جذر التاريخ، ولها تطلعات لتحرير هذا المكان، والذي سيمثل الوطن كله فيما بعد. ولكن الشخصيات المسرحية المكانية في " بيت الأسرة " لم تقتصر على شخصيات الأسرة وحدها، بعدما تحول المكان إلى مكان عام ومشاع، وهذا العام والمشاع قد يكون في حالة الصدفة ذات مرة، حينما تلج ميمي – المقاومة - إلى البيت، ويصبح وجودها حالة حميمية تتلاقى مع تطلعات الأسرة حول الثورة، فهي مقاومة ومشاركة بإنتاج الفعل الثوري. وهذا العام المشاع، يكون مرة أخرى بحالة مقصودة لذاتها، تتمثل بالبحث عن ميمي المقاومة، وعن بعض أفراد الأسرة من قبل الجنود الفرنسيين، فيصبح المكان منتهكا وعدوا مفزعا، وتجب مقاومته كما يبدو بحالة الشخصيات من خارج الأسرة.
والمذياع كحضور دائم في المسرحية، يبدو كشخصية سمعية تنقل الأخبار الوطنية عمّا يحدث في الوطن، وعن مجريات الثورة، وأشكال التعسف الاحتلالي. لتصبح المسرحية ذات طابع وطني شامل لكل الأرض الجزائرية.
وللشخصية رؤية ثقافية في مسرحية أبناء القصبة، لتنجح الثورة، لا بد لها من خطة تقويها وتحميها، وبالتالي تنصرها، لتحقق الهدف المنشود الذي انطلقت من أجله، وهذه الرؤية كانت تتمثل بنشر ثقافة الثورة في البلدان المحيطة والعالم، ليتعرفوا شناعة الاحتلال الفرنسي، والمطالبة بالمساندة الخارجية، لتحقيق هدف خلاص الجزائر من الاحتلال.
وللشخصية حضور على مستوى اللغة، عبدالحيم رايس كتب المسرحية عام 1958 باللهجة الجزائرية، وقد مثلت في تونس بداية في العام 1959، وهنا لا بد أن نشير إلى هذه الجزئية حول اللغة، ولكن بالنشر عبر اللغة العربية الفصحى، تصل المسرحية إلى الجميع، إلى الداخل والخارج، ولكن قد يلجأ الكاتب لاستخدام العامية، ليتبع أقصر الطريق بتوصيل الرسالة إلى هدفها، وهدفها الشعب الجزائري وما يحط به أيضا ، وعندما تكون اللغة أقرب إلى المستعمل اليومي – في المكان المتجانس - تكون أكثر فهما، وتكون محملة بمضامينها كأصوات منطوقة تعبر عن حالة الشعور الإنساني، ولذا نبين أن عبد الحليم رايس غاضب ، وأقرب رسالة لغوية للإنسان الغاضب اللغة المحكية، فيكون النص المسرحي شعبيا تماما، وقد ينطبق عليه مقولة "لكل مقام مقال "، والمقام الثورة والمقال اللغة المفهومة كفعل للتحريض على الثورة وإنتاجها، ومسرح الثورة هو مسرح تحريضي أصلا. واللغة العامية لغة إشارية إذا ما جاز لنا هذا التعبير، والمقصود بهذا أنها لغة مشفرة، فقد تكون ردة فعل على الاستلاب والقهر والغبن، الذي مورس على فئة من الناس من خلال شخص غريب يحكمه، عندئذ تصبح لغة تهكمية تحدث حالة تثويرية، توجه لفئة معينة وتعزل فئة أخرى، فاللغة المسرحية توافق مقتضى الحال، أو لكل مقام مقال.21
ثالثها: الآلة، وقد مثل المكان كمكان ينتج فعلا إنتشاريا، إذا ما صح هذا التعبير، وقد تمثل بالمذياع الذي كان ينشر الخبر، وينتج بالتالي فعلا تجسيديا من خلال التحريض على المقاومة. إن المذياع يبرز من خلال اهتمام حمدان بالأخبار، التي تذيعها إذاعة الثورة، فالوطن هو القضية الأولى، ليشتغل المذياع كخبر رئيس عن الثورة. ولكن المذياع وإذاعة الثورة ممنوعة في بيت الجزائري.
والمذياع يمثل مصدر خبر أيضا، للوقوف على تفاصيل الثورة، حمدان يطلب من توفيق فتح المذياع، حمدان : حلو الراديو نسمع أخبار.
حميد: مازال الوقت ياك على التاسعة وربع.
حمدان: راني على الجزائر ماشي على تونس.
حميد : آه يفتح المذياع.
المذيع: في جرجرة وقع اشتباك عنيف بين وحدات من قوات الأمن والعصابات، واعتدي على مفتش بوليس كان نازلا من السيارة العمومية، وأصيب بعدة رصاصات.
حمدان: يلزمنا نطلعوا على راس العدو.
حميد: ما تعرفش لما يصرحوا بموت عشرات جنود من الجيش الفرنسي يلزمك تزيد صفر باش توجد الحقيقة.22
والمذياع مصدر مهم للجزائري، ومصدر رعب للمحتل، فيقرر المحتل منع المذياع أو الاستماع إلى الاذاعة الوطنية، ليصبح المكان الخاص، المكان الشامل من منظور الأسرة والبيت الجزائري، ويستحضر المكان الشامل للجزائر من خلال المذياع، الذي ينقل الأحداث؛ فيتحول المكان العائلي إلى مكان شامل، ويتجاوز المكان العام المنحصر في حي القصبة، والمذياع يستدرج الخوف، لأن فرنسا كانت تمنع الاستماع الى الاذاعة الوطنية لنقل اخبار الثورة.
***
في مسرحية أبناء القصبة رؤية استشرافية للمستقبل، ومؤازرة الثورة الداخلية عندما يدعو حمدان الى التنوير الثقافي بالسياسة والفكر: ولكن الثورة تحتاج إلى السياسة وهي ضرورة لكل ثورة.
وتأكيدا على استمرارية الثورة كفعل مقصود لذاته، تبدو في المسرحية رؤية استرجاعية للماضي كفعل تحريضي، عندما يبين أن الثورة كانت قبل الأمير عبد القادر، ثم الأمير عبد القادر ، ثم ثورة المقراني وغيرهم، حتى تصل إلى الثورة الأخيرة.
مسرحية أبناء القصبة مسرحية مقاومة شعبية تمثلت في البيت الجزائري، وشارك فيها كل أبناء الوطن منذ زمن بعيد كثيرا عن تاريخ اندلاع الثورة الكبرى في 1 نوفمبر 1954، ولكن الثورة الأخيرة تبقى متأججة حتى الانتصار على فرنسا، وتحقيق الاستقلال، لنؤكد أن مسرح المقاومة/ الثورة ، مسرح شعبي وطني مقدس يتمثل بوسائل متعددة.23
كتب عبد الحليم رايس مسرحية أبناء القصبة عام 1958، وأخرجت في الخمسينيات من القرن العشرين قبل الاستقلال، وتجولت فيها فرقة المسرح الوطني/ جبهة التحرير الوطني، في بقاع العالم، ليتعرف العالم إلى ما تفعله فرنسا، وبذا فهي تبدو رؤية ثقافية فنية تندرج في مفهوم المقاومة. فكما إن المقاومة تحتاج للمقاومة الندية والمجابهة والقوة، فهي تحتاج للفكر وتحتاج للسياسة، وهذا ما يقوله حمدان وهو يحدث ابنه حميد فالثورة ليست في مجاهدين في الجبل وفدائيين في المدن فقط، ولكن : الثورة تحتاج للسياسة وهي ضرورة لكل ثورة.
إن المقاومة في المسرحية تبدو كرؤية مقدسة، وهل هناك أكثر قداسة من تحرير الوطن من كل معتد؟ إن المسرح اشتغل كثيرا على المقاومة والتي تبدو بصور متعددة، وأجلها المقاومة التي تناهض وتناجز العدو وتطرده من أرض الوطن، وهي مقاومة مقدسة يسعى ويشارك فيها كل أبناء الوطن. والمسرح أكثر تجسيدا لقضايا الإنسان، لأنه يطرح القضايا مباشرة عبر الحوار الذي يجسده الفعل.
***
هوامش:
1- مجموعة من المؤلفين، المعجم الوسيط ، دار الفكر، القاهرة، مادة: ثار، قام.
2 – القرآن الكريم، الحج آية39
3 - مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار الحديث ، ط1، القاهرة، 1991، باب فضائل حسان بن ثابت2490 ،
4 - يحيى بوعزيز، الموجز في تاريخ الجزائر ج2، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2007م ،
5 - الموجز في تاريخ الجزائر ج2، المرجع نفسه،
6 - أحمد منور، الأدب الجزائري باللسان الفرنسي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2007
7 - الثورة الجزائرية في عامها الأول، مرجع سابق، ص 54 / محمد العربي الزبيري، الثورة الجزائرية في عامها الأول، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1984
8 - الثورة الجزائرية في عامها الأول، المرجع نفسه،
9 - الثورة الجزائرية في عامها الأول، المرجع نفسه، ،
10 - غاستون باشلار، جماليات المكان ، ترجمة غالب هلسا، دار الجاحظ، بغداد، 1980م.
11 - المقاومة في الأدب الجزائري المعاصر مرجع سابق، ص37 / عبد العزيز شرف المقاومة في الأدب الجزائري المعاصر، دار الجيل، بيروت، ط1، 1991م،
12 - المقاومة في الأدب الجزائري المعاصر، المرجع نفسه،
13 - عبد الحليم رايس، أبناء القصبة، دراسات ونصوص من المسرح الجزائري،منشورات برج الكيفان، ع2 ، 2000،
14 - أبناء القصبة، المصدر نفسه،
15 -أبناء القصبة، المصدر نفسه،
16 -أبناء القصبة، المصدر نفسه،
17 -أبناء القصبة، المصدر نفسه،
18 -أبناء القصبة، المصدر نفسه،
19 -أبناء القصبة، المصدر نفسه،
20 - أبناء القصبة، المصدر نفسه،
21 - منصور عمايرة، اللغة المسرحية ، مجلة المسرح العربي، الهيئة العربية للمسرح، ع12، الشارقة، 2013م.
22 - أبناء القصبة، مصدر سابق،
23 - منصور عمايرة، المسرح والمقدس، دار المحتسب للنشر، الأردن ، 2016،





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,328,993,197
- المسرح والهجرة
- الجوقة المسرحية
- 1846م تاريخ المسرح العربي؟
- نظرية اشتغال سينوغرافيا المسرح
- المسرح المدرسي
- جمالية الأداء والإخراج في المسرح الطفلي
- من جماليات العرض المسرحي الطفلي
- اللغة المسرحية
- كينونة المقاومة لدى عبد الرحمن الشرقاوي وكاتب ياسين
- القسوة والقسوة مسرحية هاملت3D
- بترا وجود وهوية، مسرحية صدى الصحراء
- مئة عام من المسرح في الأردن
- ترى ما رأيت تشكيل مسرحي تعبيري
- التوثيق المسرحي
- كتاب المسرحية الشعرية في الأدب المغاربي المعاصر للباحث الجزا ...
- تأريخ المسرح الأردني الحديث
- جهود وتجارب مسرحية عربية
- المونودراما/ مسرح الموندراما
- الممثل المسرحي الذات والأداء والمعرفة
- المسرح الأردني ، إثنوسينولوجيا الفرجة الأردنية - التعليلية -


المزيد.....




- وفاة? ?الشاعر? ?خضير? ?هادي? ?أشهر? ?شعراء? ?الاغنية? ?العرا ...
- مخرج عالمي شهير يدرس إمكانية تصوير أفلام في روسيا
- وسائل إعلام أجنبية تصور مسرحية -موت- سبعة أشخاص في حماة من أ ...
- رحيل الشاعر العراقي خضير هادي
- رفاق بنعبد الله غاضبون من برلمانيي العدالة والتنمية
- -غوغل- تدعم اللغة العربية في مساعدها الصوتي
- كيف أخذتنا أفلام الخيال العلمي إلى الثقب الأسود؟
- جميلون وقذرون.. مقاتلو الفايكنغ في مخطوطات العرب وسينما الغر ...
- جائزة ويبي تكرم فيلم -أونروا.. مسألة شخصية- للجزيرة نت
- -بعد ختم الرسول- في السعودية.. سمية الخشاب تظهر في سوريا (ص ...


المزيد.....

- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- ‏قراءة سردية سيميائية لروايتا / زياد بوزيان
- إلى غادة السمان / غسان كنفاني
- قمر وإحدى عشرة ليلة / حيدر عصام
- مقدمة (أعداد الممثل) – ل ( ستانسلافسكي) / فاضل خليل
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في سياقاته العربية ، إشكال ... / زياد بوزيان
- مسرحية - القتل البسيط / معتز نادر


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منصور عمايرة - الثورة الجزائرية في المسرح، مسرحية أبناء القصبة