أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد السعدنى - ترمب اختيار الدولة الأمريكية العميقة وليس ثورة عليها















المزيد.....

ترمب اختيار الدولة الأمريكية العميقة وليس ثورة عليها


محمد السعدنى
الحوار المتمدن-العدد: 5353 - 2016 / 11 / 26 - 17:40
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


أعرف أن ما أقدمه من تحليل في هذا المقال يحمل رؤية مغايرة لما صدر عن مراكز التفكير والدراسات والصحافة والميديا الأمريكية والعالمية، وأخشى أن يسبب صدمة أخرى فوق صدمة العالم بفوز دونالد ترمب، ذلك أن كثيرين من كتابنا المرموقين ذهبوا إلى أن فوز ترمب يعد ثورة على المؤسسة الأمريكية بكل أجهزتها ومراكزها ولوبياتها الفاعلة والمؤثرة، وأنه إيذان بتصدع قريب للمؤسسة الأمريكية "الدولة الأمريكية العميقة" ومراكز تحكمها. وذهب البعض إلى أن أمريكا استدعت "حفار قبرها" وآخرون رأوا أن فوز ترمب يشبه نجاح مرسى ويناقض القيم الديمقراطية. بينما ما نراه يأتي على خلاف ذلك، فتقديري أن فوز ترمب لم يكن خروجاً أو ثورة على المؤسسة الأمريكية الضخمة، بل هو اختيار المؤسسة نفسها التي رأت ضرورة تجديد ذاتها من الداخل للحفاظ على ما تبقى من أميركا بعد ما فقدت من تأثير وقدرات أضعفتها اقتصادياً وسياسياً واستراتيجياً، وصلت معها أمريكا إلى حافة الهاوية في ظل سنوات جورج بوش الابن وبعده أوباما الذى كان أيضاً محاولة بائسة من الدولة الأمريكية العميقة لتغيير قواعد اللعبة ومخاتلة العالم بالرئيس الأسود الكاثوليكي المشكوك في نسبه الإفريقي المسلم ليقوم بدور مرسوم في إعادة رسم خرائط القوى الجيواستراتيجية في الشرق الأوسط الجديد وسايكس بيكو جديدة تؤسس للسيادة الأمريكية المطلقة مع حلفائها الإسلاميين في الخليج وتركيا ومصر، وكانت الصدمة بفشل هذا النموذج الذى حاولوا الترويج له والذى جاء حصاده مراً قزم أميركا في الشرق الأوسط بفشل محاولاتها في الفوضى الخلاقة وركوب موجة الربيع العربي، وصغر بها أمام حلفائها الأوربيين وخسرت نقاطاً استراتيجية متتالية أمام عدوها التقليدي "روسيا" في القرم وأوكرانيا وسوريا والعراق والسعودية واليمن وإيران.
قضم بوتين القرم في لحظة خاطفة وانتصر في الحرب الأوكرانية ولاعب حلف شمال الأطلنطي وضرب داعش بقوة أسقطت ورقة التوت عن السياسات الأمريكية الداعمة للإرهاب ومعها التحالف الدولي الشكلي المخاتل، فاز بوتين على النظام الأمريكي لا بضربة قاضية هو بالفعل لا يستطيعها، إنما فاز بالنقاط، وحصل على جائزته ببقاء الأسد والإطلال بأساطيله وقواعده العسكرية على المياه الدافئة في طرطوس ثم قاعدة حميميم، وعقد حلفاً استراتيجيا مع القوى الناهضة، في مجموعة "البريكس" الصين والبرازيل والهند وجنوب إفريقيا، وأسس معهم البنك الأوروأسيوى وضم معها مجموعة شنغهاي وتحالف مع إيران ولعب دوراً مهدداً للنفوذ الأمريكي وتلاعب به. خسرت أمريكا حلفائها التقليديين في المنطقة الذين انتهزوا فرصة السياسات الأمريكية الغبية الجوفاء فخرجوا من العباءة الأمريكية وحرروا قرارهم السياسي ونوعوا مصادر السلاح مع روسيا والصين وفرنسا وكوريا وغيرها مما أخل بالتوازن الاستراتيجي الذى لطالما حافظت أمريكا على استمراره في الشرق الأوسط، وجاء على حساب خسائر اقتصادية لأمريكا تراكمت عبر السنوات ليصل ناتجها القومي العام ربع اقتصاد العالم بعد أن تجاوز لسنوات 40% منه، وبالضرورة هذا لم يرق المجمع الصناعي التجاري العسكري "الكوربوقراط" أو حكم المؤسسات الصناعية والبنوك، الذى يعد من أقوى مراكز المؤسسة الأمريكية لصنع القرار، أو الدولة الأمريكية العميقة مع البنتاجون والمخابرات المركزية الأمريكية.
ولقد كاتبتك هنا منذ شهور عن محاولات أوروبية نشطة للخروج من العباءة الأمريكية اقتصاديا وسياسياً مع بقائها على حلف شمال الأطلنطي قائماً، وحللنا المواقف الفرنسية والألمانية وغيرها في أوروبا وأفريقيا وآسيا والشرق الأوسط وكلها محاولات بقدر مالا يتسع المقال لتعديدها بقدر ما كانت خصماً من هيبة وتأثير الولايات المتحدة الأمريكية، التي وقفت بغباء ضد إرادة الشعوب فكذبت وتحايلت ودلست ولفقت وادعت ووعدت واخلفت، واستخدمت أحط السياسات في دعم الإرهاب وخلق داعش كما أسست القاعدة من قبل وتدخلت في الشأن الداخلي لحلفائها وتخندقت في الموضع الخطأ مع التنظيم الدولي للإخوان والإسلام السياسي، وكانت النتيجة أن تمدد الإرهاب ليطولها وحلفائها الأوروبيين عبر المتوسط. وتلقت درساً موجعاً من مصر في 30 يونيو، وفشلت كل مخططاتها للشرق الأوسط الجديد وتقسيم العالم العربي، حتى الحرب الطائفية سنة وشيعة فشلت في تصعيدها. الوقائع والمفارقات أكثر مما يستطيع المقال حصره، لكنك تستطيع تجميع الدلائل والإشارات على تآكل الدور الأمريكي كقوة عظمى مما أشعر الدولة الأمريكية العميقة "المؤسسة الكبرى" بضرورة التحرك بسرعة لتغيير قواعد اللعبة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه ولعلها تذرعت بمقولتنا التراثية "بيدي لا بيد عمرو" وعمرو هنا بوتين والصين وإيران وكوريا الشمالية وأوروبا والشرق الأوسط وفى مقدمته مصر وإيران بعد اتفاقها النووي، وتركيا وارتمائها في أحضان روسيا خروجاً على قواعد حلف الناتو الصارمة وغيرها.
لقد تحركت الدولة الأمريكية العميقة مبكراً للتمهيد لتغيير قواعد اللعبة وإنقاذ المؤسسة الأمريكية، هل تذكروا "جوليان آسانج" في 2010 وتسريبات ويكي ليكس بالوثائق والصور التي أغرقت العالم وأحرجت النظام الأمريكي القائم وفضحت أسراره وسياساته؟ هل كان آسانج يعمل وحده؟ هل تذكروا "إدوارد سنودن" عميل المخابرات المركزية وفضائح التجسس الأمريكي على المواطنين ورؤساء الدول الحليفة منذ 2013؟ هل كان يعمل وحده؟ وقبلها هل تتذكروا أزمة الرأسمالية الحادة في 2008 عندما أفلس بنك "ليمان براذرز" بفعل سياسات التوريق العقاري؟ وفضائح شركات البترول والطاقة "هالي برتون" و"إنرون" التي طالت دبليو بوش ونائبه ديك تشيني ووزيرة خارجيته كونداليزا رايس، وضربت أهم أسس الاقتصاد الرأسمالي في الشفافية والإفصاح؟ ودعت لاتخاذ إجراءات دولة حمائية بتدخل البنوك الفيدرالية والمركزية في أمريكا وأوروبا، ما اعده الخبراء ضربة قاصمة للرأسمالية العالمية لا الأمريكية وحدها.
ولعلكم تذكرون الخروج المفاجئ لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي؟ ودور "بوريس جونسون" في التمهيد والإعداد له، ثم أصبح وزيراً للخارجية البريطانية وتصريحاته التي قال فيها إن "أصول الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، الكينية، جعلته يكره تراث بريطانيا وتاريخها". وقد شبه هيلاري كلينتون، "بممرضة سادية تعمل في مصحة للأمراض العقلية". وقال "الاتحاد الأوروبي "مشروع زعيم النازية، أدولف هيتلر"، الذي حاول، على حد تعبيره، "إنشاء دولة أوروبية واحدة". إنها محاولات مبكرة لتوجيه ضربة للديمقراطيين الذين نجحوا في التخندق في البيت الأبيض ويريدون استمرارهم فيه، ومحاولة لتقزيم الاتحاد الأوروبي وتطويعه للمرشح الجديد الذي يستعيد القيم الأمريكية التاريخية للرئيس الـ "WASP" أي أن يكون الرئيس أبيض، أنجلوا ساكسون، بروتستانت. من هنا جاء اختيار "المؤسسة" لشخص يحقق هذه الشروط، ومن خارج السياق السياسي الحالي لأمريكا، خريج الأكاديمية العسكرية بنيويورك، على علاقات وثيقة بالعسكريين المتقاعدين، ورجال المال والأعمال والصناعة، أي قريب من البنتاجون والكوربوقراط، يسهل للأجهزة السيطرة عليه بما له من مصالح مالية كبرى وأيضاً مخالفات وأخطاء كبرى. ولأنه مقتنع أن أمريكا في أزمة، تركوا له العنان ليصدم العالم برؤيته وأفكاره، لكنها الأفكار نفسها التي كان يحسها المواطن الأمريكي البسيط والبعيد عن توجهات هيلاري وأوباما الذين هددت سياستهم مورد رزقه ودخله وتجسسوا على مكالماته وبريده الإلكتروني. كانت تصريحاته وشطحاته أهم وأكبر حملة إعلانية عنه. عندما وقفت الصحافة والميديا الأمريكية في أغلبها الأعم مع هيلاري، كان ذلك بتخطيط من الدولة العميقة لتفوز هي بترشيح الحزب الديموقراطي ويقطعوا الطريق على "برني ساندرز" بأطروحاته وتوجهاته اليسارية التي حتماً تصطدم مع أسس ودعائم الدولة الأمريكية العميقة. هل تذكروا أن الذي قدم دليل إدانة هيلاري بشأن بريدها الإلكتروني هو "جيمس كومي" رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي؟ هل كان يتصرف هكذا وحده؟ وهل توعده أوباما بالرفت إلا لأنه أوجعه وضربه في مقتل في وقت قاتل.
خلاصة القول أن دونالد ترمب جاء بخطة محكمة من الدولة الأمريكية العميقة، وهو اختيارها والرجل الذى استودعت فيه سرها لاستعادة العصر الأمريكي بقيادتها ومصداقيتها وقيمها، وتطويع أوروبا
وعدم الدخول في مواجهة مع روسيا والصين والدول الناهضة، ومحاربة جادة للإرهاب وتعديل السياسات مع الشرق الأوسط وفى المقدمة مصر، مما يتطلب أن تأتى سياساته الاستراتيجية على خلاف خطاباته الانتخابية، ولعل ترشيحات فريقه الرئاسي وتصريحاته بعد الفوز تؤكد هذا التوجه. ولعلها إشارة لنظام عالمي جديد كنا قد بشرنا بإرهاصاته وشواهده في مقالات سابقة.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,048,287,094
- البديل السياسى والرقص مع الذئاب
- حوار الغضب والأمل مع شباب 25/30
- الإيكونوميست وأخواتها: تاريخ من الترصد والمغالطة
- اللامنتمى يحلم بالمستحيل: إحالة إلى عصام حجى
- من شبه الدولة إلى الدولة الراسخة - 2
- من شبه الدولة إلى الدولة الراسخة
- سيادة الرئيس: إعادة هندسة الدولة أو الكارثة
- فى عمق الأزمة: فارق كبير بين التسويق والتسوئ
- متى تحلق الصقور فى سمائنا ياسيادة الرئيس؟
- تيران وصنافير: توقيت خاطئ وممارسات مخجلة
- كلاب الحراسة الجدد
- بشأن قواعد اللعبة: كلام للرئيس
- العم سيد حجاب: إلّاك
- مصر بين مراهقة الداخل وترصد الخارج
- لاهوت القوة وصناعة الفوضى
- مصر وإفريقيا: الصورة والإطار
- مهام الرئيس وتوجهاته لايحددها الفاشيون
- الشباب والدولة: الفيل والعميان
- د. حسين مؤنس وإدارة عموم الزير
- مجلس النواب وبيان الحكومة


المزيد.....




- نجل جمال خاشقجي يعلن إقامة عزاء لوالده بمدينة جدة
- النيابة السعودية: المطالبة بحد القتل بحق 5 بقضية مقتل خاشقجي ...
- نجل جمال خاشقجي يعلن إقامة عزاء لوالده بمدينة جدة
- أبرز محطات -الكاميرات المعطلة- بقضية مقتل خاشقجي
- مغردون عرب: أهلا بالسبوتيفاي
- أوغلو يرد على النيابة السعودية: إجراءاتكم غير كافية ويجب محا ...
- -تعليم على البلاطة-
- مفقودون بإيطاليا.. أرقام بنظر السلطات التونسية والقلق يلازم ...
- جدل الجيش الأوروبي.. ماكرون لترامب: لسنا تابعين لكم
- مشروع قرار في الكونغرس لمنع بيع أسلحة للبحرين


المزيد.....

- جنون الخلود / انطون سعادة
- اللفياثان المريض..ثنائية الطغيان السياسي والعجز التنموي للدو ... / مجدى عبد الهادى
- الأقتصاد الريعي المركزي ومأزق انفلات السوق / د.مظهر محمد صالح
- الحوار المستحيل / سعود سالم
- النظرية الثورية عند كارل ماركس / عبد السلام أديب
- اللامركزية المالية / أحمد إبريهي علي
- سقوط الوهم / بير رستم
- المنظومة التعليمية فى مصر التحديات والبدائل / كريمة الحفناوى
- نظرة على الأوضاع الاقتصادية في الضفة والقطاع (1-2) / غازي الصوراني
- كيف ساهم -اليسار الجديد- بصعود -اليمين-؟ / فرانسيس فوكوياما


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد السعدنى - ترمب اختيار الدولة الأمريكية العميقة وليس ثورة عليها