أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جواد بشارة - الإنعطافة الخطيرة في بنية الإسلام















المزيد.....



الإنعطافة الخطيرة في بنية الإسلام


جواد بشارة

الحوار المتمدن-العدد: 5348 - 2016 / 11 / 20 - 00:28
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


الإنعطافة الخطيرة في بنية الإسلام
الظروف التي سبقت و أعقبت وفات محمد
د. جواد بشارة
هذه مقاربة خاصة للمراحل المبكرة للإسلام يمكن اختزالها بالجملة التالية: لقد مات الدين الإسلامي بموت مؤسسه محمد ابن عبد الله وما نعرفه اليوم هو دين آخر ابتكره الصحابة ليحل محل الدين الحقيقي الذي نادى به صاحب الدعوة وتجسد بشخصه وانتهى مع اختفائه ورحيله إلى العالم الآخر. لذلك ينبغي القيام بمقاربة جديدة لهذه الفترة الحرجة من تاريخ الإسلام والمسلمين لما لها من أهمية قصوى لأنها خلقت الظروف التي قادت إلى نشوء التفرع المذهبي والطائفي منذ نشوء الصراع الشيعي السني كما يعرف اليوم وهو في الحقيقة بداية لصراع طبقي بين فئة الفقراء والمعدمين الذين يسميهم القرآن المستضعفين من جهة، وفئة ألأثرياء المترفين المستغلين والتي كانت موجودة قبل ظهور الإسلام وحاربته بشراسة بقياد الأمويين ، ومن ثم اخترقت الإسلام ودخلت فيه لتدميره من الداخل وصارت تحكم باسمه فيما بعد، بل إن ذلك انعكس حتى داخل البيت المحمدي ذاته بين نسائه اللذين انقسما إلى مجموعة بقيادة عائشة ومعها حفصة بنت عمر، وهي الفئة السنية، وأخرى بقيادة أم سلمة، ومعها فاطمة بنت محمد، وهي الفئة الشيعية . كان علي بن أبي طالب، ومن حوله من الصحابة المتقشفين يمثل فئة المستضعفين، ومنهم سلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري والمقداد بن الأسود الكندي وعمار بن ياسر وبريدة الأسلمي، من جهة، وعثمان بن عفان ومن حوله، من جهة أخرى، يمثلون المستغلين الأقوياء والأثرياء الذين سيطروا على الإسلام منذ الأيام الأولى لمرض محمد الذي أدى إلى وفاته في ظروف غامضة، ربما مسموماً على يد جزء من أصحابه الذين كانوا يخشون أن تفلت السلطة من بين أيديهم واستقرارها بيد الثوريين بقيادة علي فقامت المجموعة المضادة للثورة بعملية انقلاب عسكري بمواصفات العصر الحاضر كتطويق المدينة عسكريا وفرض منع التجوال والإقامة الجبرية على بعض الصحابة ، وهي الإجراءات التي أتخذها عمر وأبو بكر ومن معهم من صحابة محمد واستبعدوا قصداً علي بن أبي طالب من مفاوضات السقيفة بالرغم من إلحاح الأنصار بقيادة سعد إبن عبادة على حضور علي بن أبي قبل البت في موضوع خلافة محمد في السلطة ، في حين فرض عمر وأبو بكر وعبيد بن الجراح أنفسهم بأنفسهم كممثلين عن المهاجرين وقريش ولم ينتخبهم أحد أو يفوضهم لذلك الدور، بل بادروا هم بأنفسهم لفرض خليفة لمحمد ولو كان ذلك بقوة السلاح ومخاطر اندلاع حرب أهلية، وهي التي حدثت بالفعل منذ الأيام الأولى لخلافة أبو بكر والتي سمتها مصادر التاريخ الإسلامي بحروب الردة. كان محمد واعياً لمخاطر تلك الأيام العسيرة التي سبقت وفاته وكان يشك ببعض صحابته، حيث كان يشك أيضاً بما يقدم له من علاج لمرضه الغامض مما حدا بأحد أصحابه وهو عمر باتهامه بأنه يهذي و لا فائدة للاستماع له ولما يريد أن يكتبه فالقرآن يكفي في تسيير أمور المسلمين بعد محمد. ومن هنا نشأت المشاكل والقضايا التي تؤرق المجتمع الإسلامي منذ 1500 سنة تقريباً. وبالرغم من هذا الموقف السلبي تجاه محمد ورغبته في كتابة وصيته قبل انطفائه ورحيله للعالم الآخر، تعمدت هذه الفئة فيما بعد في أصنمة محمد وإضفاء القدسية على شخصيته وحولته إلى إنسان بدون ظل وجردته من صفاته البشرية ووضعته خارج إطار الزمان والمكان طيلة قرون طويلة. وحولت كلامه وأحاديثه إلى نصوص مقدسة غدت أهم من الدستور القانوني الوضعي. كان محمد غارقاً في أيامه الأخيرة في زوبعة من مشاعر الحب والكره والغيرة والطمع والطموحات المتنافرة والمعارك الداخلية الخفية والمعلنة بين أصحابه ونسائه، والتي تلبست بصيغة ملحمية. كان الإسلام على مفتقر طرق في اللحظات الأولى التي أعقبت وفاة محمد، وكانت مراكز القوى داخل التكوين الإسلامي تتربص ببعضها البعض. كانت مراكز القوى عبارة عن تكتلات لعدد من الصحابة ويقف على رأس كل كتلة أحد الصحابة المتنفذين أو المقربين من محمد ، ولكن بشكل عام أفرزت الدعوة الدينية الجديدة فئتين متنافستين هما فئة الأغنياء والأقوياء ممن تقف خلفهم قبائل قوية ، وفئة الفقراء الضعفاء وأغلبهم من العبيد والموالي وبعضهم ينتمي لقبيلة ليست ذات شأن في مكة أوالمدينة، باستثناء علي بن أبي طالب الذي هو ابن أبو طالب أحد وجهاء مكة وحفيد عبد المطلب وأشهر وجهاء بني هاشم بعد محمد والذي أصبح عميدهم بعد وفاة هذا الأخير. كان هذا الاستقطاب ملحوظاً وواضحاً حتى في فترة حياة النبي محمد ولكن على نحو أقل حدة. كان بنو أمية أشد المعادين للدين الجديد وهم الذين حاربوا محمد بشراسة وكان الاستثناء هو الثري عثمان بن عفان الأموي وأحد الصحابة المقربين لمحمد، والذي نجح الأمويون من خلاله إحداث اختراق خطير في جسد ونسيج ومنظومة الدين الجديد ليتقلدوا الخلافة بشخص عثمان باعتباره ثالث الخلفاء الراشدين، وبذلك سيطروا على مقدرات الإسلام والمسلمين وحولوه من دين إلى دولة وسياسة وأسرة حاكمة تقوم على التوريث منذ معاوية ابن أبي سفيان. وهذا إن دل على شيء فهو يدل على أن صحابة محمد ليسوا كلهم عدول كما يعتقد ويروج أهل السنة ، وبينهم الكثير من ضعيفي الإيمان أو المنافقين والانتهازيين وأصحاب المصالح الذاتية والشخصية حيث حققوا طموحاتهم وراكموا ثرواتهم ونفوذهم باسم الإسلام. وللحديث عن هؤلاء الأشخاص وتلك الفترة الحرجة والمبكرة من تاريخ الإسلام السياسي والاقتصادي والعسكري والاجتماعي، لا بد من نزع هالة القدسية عن هذا التاريخ والفصل بين مسألة الإيمان والعقيدة ، من جهة ، والتطور التاريخي للحركة وشخصياتها. المراجع الإسلامية ومصادر التراث والتاريخ الإسلامي كثيرة وتعج بالتفاصيل عن تلك المرحلة التي لم تكن مجهولة ولا محظورة في السابق بيد أن المؤسسات الدينية الرسمية هي التي تعمدت على إضفاء قدسية زائفة عليها وعلى شخوصها وأبطالها وحرمت الخوض فيها أو اقتحامها والبحث في تفاصيلها وأسبابها وظروفها بمقاربة علمية وعلمانية محايدة . فهي متخمة بالعنف والمناورات الخفية والدسائس والمؤامرات والاغتيالات السياسية والتصفيات الجسدية، لذلك فهي بحاجة إلى إعادة قراءة تفكيكية معمقة بعيداً عن التقديس و بمعزل عن السلطات الدينية التي تفرض قراءتها ورؤيتها الخاصة لما حدث في تلك الانعطافة التاريخية الخطيرة التي نعيش اليوم تداعياتها المدمرة. فالمؤسسات الدينية الرسمية جعلت المسلمين رهائن لصورة مزيفة وتاريخ مزيف ومزور للإسلام وقادته. وهذه الصورة الضبابية هي التي فتحت باب التساؤلات المجردة للبحث عن إجابات ممكنة أو مفترضة . كيف أمضى محمد أيام مرضه الأخيرة قبل وفاته؟، وما هو مرضه الحقيقي الذي جعله يحتضر ويتألم لمدة خمسة عشر يوماً؟، هل كان هناك أطباء يعالجونه ويشخصون حالته المرضية أو علته كما يقال في تلك الأيام؟، وكيف كانت طبيعة علاقته بأصحابه وبزوجاته؟، لا سيما عائشة بنت أبي بكر التي لعبت دوراً جوهرياً في توجيه مسار الأحداث؟،هل كان الناس يزورونه بلا تحفظ ولا شروط مسبقة؟ وهل كان يسمح لأي شخص كان بأن يزوره؟، وهل كان مسروراً وراضياً عما يدور ويجري من حوله؟، وهل رحل وهو مطمئن أم حزين ويحمل أسراراً كثيرة لا يعرفها غيره وقلة قليلة من المقربين إليه وعلى رأسهم علي بن أبي طالب مما أثار غيرة وحسد عدد كبير من الصحابة؟، وهل ظهرت حقائق وأسرار كنت مطوية ومكتومة في زمن النبي وظهرت بعد وفاته؟، وكيف يمكن لصاحب دعوة دينية مهمة أن لا يخطط ويمهد لخلافته وهو حي؟، ولماذا يتعمد أهل السنة في التقليل من أهمية خطبة الوداع في غدير خم والتي قال فيها: من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم عادي من عاداه وانصر من نصره، الخ الخطبة؟، هل كان يخطط لأمر لكنه كان يخشى عواقب ونتائج مخططاته؟، وهل حدث فعلاً ما كان يخشى منه بعد وفاته مباشرة؟، بل وحتى قبل وفاته بساعات؟، وهل منع حقاً من كتابة وصية للمسلمين قبل خمسة أيام من رحيله؟، ولماذا منع؟، ومن الذي منعه؟، وكيف تم منعه؟، هل خالف أبو بكر وباقي كبار الصحابة أوامر الرسول بالالتحاق بجيش أسامة المتوجه إلى سوريا والذين أمرهم جميعاً بالالتحاق بالحملة ما عدا علي بن أبي طالب؟، وهل حدثت مؤامرة سياسية وانقلاب عسكري على علي بن أبي طالب في حادثة سقيفة بني ساعدة التي أستبعد منها قصداً؟، هل كان محمد يخشى أن يقوم بعض صحابته بتسميمه؟، ولماذا ثار غضبه بعد أن استفاق من غيبوبته ووجد مستحضرا طبياً على فمه ومطالبته لصحابته الحاضرين من حوله بوضع المستحضر على أفواههم أيضاً؟، وهل كان حقاً يهذي كما وصفه عمر ابن الخطاب أم كان واعياً تماماً لما يجري من حوله وخارج بيته وسط أمته؟، كيف كانت علاقة فاطمة بنت محمد بعائشة بنت أبي بكر؟، وهل كانت هناك ترتيبات وتنسيق بين عائشة وحفصة بنت عمر زوجتا محمد ووالديهما لترتيب خلافة النبي؟، وهل حقاً أكلت الماعز آية الرجم كما ادعت عائشة؟، وكم آية من القرآن فقدت بهذه الطريقة أو بغيرها؟، وكيف تم جمع القرآن؟ ولماذا استبعدت نصوص الصحابة الآخرين الذين قاموا بحفظ وجمع القرآن كل على طريقته كابن مسعود وعلي بن ابي طالب ,ابي بن كعب وزيد ابن ثابت وغيرهم؟، لماذا حرم أبو بكر فاطمة من ميراثها من أبيها وصادر أرض فدك منها؟ وكيف وماتت وهي غاضبة منه ورفضت أن يسير في جنازتها أو يمس نعشها لذلك دفنها زوجها على ليلاً وبالسر؟، ، و هل حقاً مات أبو بكر وهو نادم وخائف من تبعات غضب فاطمة عليه؟، هذه وغيرها عشرات بل مئات من الأسئلة المحيرة التي بقيت بدون أجوبة ناجعة وصريحة وحقيقية والتي يحرم أهل السنة الاقتراب منها ومناقشتها . المسلمون أسرى لماضيهم ومكبلين بقدسية الأحداث والأشخاص وخرافات ذلك الماضي المزيف فهل هناك عقل علمي في القرن الواحد والعشرين يمكن أن يقبل ويصدق ما ورد في إحدى المراجع الإسلامية الرسمية المقرة والمعترف بها :" بأن النبي ولد مختوناً مكحلاً ومدهوناً وحاجبه مقروتان ولأجله شق القمر وكانت أمه آمنة تقول : لما خرج محمد من بطني نظرت إليه فإذا به ساجداً قد رفع إصبعيه كالمتضرع والمبتهل لله"؟ أو حادثة شق الصدر عندما كان محمد في عمر الثالثة مع ابن مرضعته حليمة السعدية حين أخذه رجلان غريبان عليهما ثياب بيضاء فأضجعاه وشقا بطنه دون أن يشعر بشيء أو يتألم ثم جعلا يسوطانه ويغسلان قلبه ويطهروه من المعصية ثم يعيدان غلق الشق في الصدر دون ترك أية ندوب أو آثار؟ ولقد وردت أكثر من خمس روايات عن هذه الحادثة. كما نقلت المصادر الإسلامية حادثة عن الرسول رواها أبو ذر الغفاري أن محمد قال: فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبرائيل ففرج صدري،ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتليء حكمة وإيماناً فأفرغه في صدري ثم أطبقه ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء الدنيا. ولقد تسللت الخرافة في النصوص حتى في تفاصيل الوفاة فهناك نصوص تقول أن هناك شخص مجهول دق باب محمد وطلب مقابلته لكن ابنته فاطمة رفضت السماح له بالدخول وزيارة أبيها لأنه مريض جداً وغارق في شبه غيبوبة ولقد ألح الزائر المجهول ثلاث مرات بالاستئذان بالدخول على محمد لكن رد فاطمة كان هو الرفض في كل مرة. وفي هذه اللحظة نزل الملاك جبرائيل على محمد وأخبره أن ملك الموت يقف في خارج البيت وهو الذي طلب الإذن بالدخول، وهي المرة الأولى منذ أن وجد البشر على الأرض، يطلب ملك الموت الإذن من الشخص الذي يريد أن يتوفاه ويأخذ روحه ، حينئذ طلب محمد من فاطمة أن تأذن للزائر الغريب بالدخول . فدخل ووقف أمام محمد بأدب وخشوع وقال له يا رسول الله إن الله أرسلني لك وأمرني أن أتصرف حسب رغبتك فما عليك سوى أن تأمرني ماذا أفعل هل أتركك حياً أم أغادر ومعي روحك الطاهرة وسوف أطيع أمرك، فتدخل جبرائيل وقال لمحمد إن العلي القدير مشتاق لك ويرغب في رؤيتك بجواره عندها أمر محمد ملك الموت عزرائيل بأن يقوم بعمله كما ينبغي فودع جبرائيل محمد وتواعد معه على اللقاء في السماء. وقبل أن يتوفى محمد قال: والذي نفسي بيده إن عودة عيسى ابن مريم لقريبة جداً" وهذا نوع من التنبوء الغريب بنهاية العالم وهنا يحق لنا أن نتسائل لماذا بشر محمد إذن بدين جديد إذا كان يشعر أن نهاية العالم ويوم القيامة قريب جداً؟. هل كان المسلمون يعتقدون بأن محمد سيعود إلى الحياة بمعجزة إلهية بعد موته بأيام قليلة على غرار ما حصل للسيد المسيح عيسى بن مريم كما ورد في عدد من النصوص المقدسة الإسلامية والمسيحية، وهذا ما يفسر تأجيل دفنه لعدة أيام رغم حرارة الطقس المرتفعة في تلك المنطقة والتي تؤدي إلى تحلل الجسد؟ والدليل على ذلك صدمة عمر بسماعه موت محمد وتهديده لكل من يقول بذلك بقطع رأسه ما يعني أنه كان يعتقد بأن محمد خالد لن يموت وإنه رفع إلى ربه كما حدث مع موسى ليغيب أربعين يوماً ثم يعود ، ولقد تدخل أبو بكر ليعيده إلى رشده وتلى عليه آية قرآنية :" إنما أنا بشر مثلكم – سورة الكهف الآية 110 "، وما محمد إلا رسول خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم وأضاف : من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ومن كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات. وكان محمد قد أمر قبل وفاته أن يقوم بتغسيله علي ابن طالب فقط فلا يحق لأحد أن يراه عارياً إلا علي لأن من ينظر لجسده العاري سيصاب بالعمى فيما عدا علي الذي غسله محمد بيده عند ولادته ورباه في بيته وهو ابن عمه وزوج ابنته المفضلة فاطمة ووالد حفيديه الحسن والحسين الذين منهما نشأت ذرية محمد ومن هنا كان من المفترض والبديهي أن يحل علي محل محمد في مركز القيادة وهذا ما كانت تخشاه قريش وعدد كبير من صحابة النبي، وكان لابد من إيجاد آلية جديدة لمواصلة لعبة الحكم وهي آلية الخلافة الراشدة والتي سرعان من اضمحلت وحلت محلها سلطة سياسية دنيوية و ثيولوجية قبلية على يد بنو أمية إبتداءاً من معاوية والتي دامت حوالي القرن من الزمن.
إن ما وصلنا من تاريخ السيرة النبوية وحياة محمد، لا سيما المرحلة السابقة لعهد النبوة والسنوات الأولى للدعوة لغاية لحظة وفاة النبي كان على نحو يبعث على الشك بصحتها لتعدد الروايات وتناقضها خاصة وإن تدوين وكتابة التاريخ حصل بعد مرور عدة قرون من وقوع الأحداث المروية.
فلو تتبعنا المرحلة الأولى من عمر الدعوة الإسلامية وهي التي تشمل حياة محمد منذ بدء الدعوة إلى وفاته، فسوف نجد اتجاهين رئيسيين ومختلفين كلياً فيما بينهما، رافقا نشأة الدعوة الدينية كانا يتعايشان معاً داخل إطار الأمة الوليدة التي أسسها محمد ، ولقد قاد الاختلاف الطبقي بين الاتجاهين فيما بعد إلى انقسام وانشقاق عقائدي في أعقاب وفاة محمد مباشرة ، بل وقبل الوفاة بأيام قليلة، وهو الوضع الذي شطر الجماعة الإسلامية إلى شطرين أحدهما استحوذ على الأغلبية الغنية وهي السنة، وأمسك بمقاليد الحكم والسلطة فاستطاع أن يمتد وينتشر ويهمين ويستوعب غالبية المسلمين بينما أقصي الشطر الآخر عن الحكم وممارسة السلطة السياسية وهو الأقلية المعارضة المستضعفة داخل الإطار الإسلامي العام، الذي أوجده الخلفاء كبديل لإسلام محمد في حياته، وهذه الأقلية هي التي عرفت فيما بعد بالشيعة.
وخلال سنوات الدعوة الإسلامية الأولى ولغاية وفاة زعيمها محمد، نشأ اتجاهان رئيسيان رافقا ولادة المجتمع الإسلامي الوليد في حياة صاحب الدعوة، الأول يؤمن بالتعبد والتقيد بالدين ونصوصه وتحكيمه والتسليم المطلق للنص المقدس في كل جوانب الحياة، والثاني لا يرى في الدين سوى أداة للوصول إلى الحكم ويحصر التعبد في نطاق ضيق من الشعائر والغيبيات ويؤمن بإمكانية التجاوز على النص وتغييره والتصرف بحرية بمحتواه والقيام بالتعديل في النص الديني وفقاً للمصالح الدنيوية والذاتية والسلطوية، ولقد تحمل محمد على مضض وعاش مرارة كثير من الحالات التي أبدى فيها هذا الاتجاه تمرداً علنياً على توجيهات صاحب الدعوة حتى لو كانت تملى عليه من السماء، وهذا ما حصل له حتى وهو على فراش الموت في ساعاته الأخيرة ، ولقد تزعم هذا الاتجاه عدد من كبار الصحابة منهم أبو بكر وعمر بن الخطاب الذي اعترض على محمد في العديد من المناسبات وناقشه وتجرأ عليه واجتهد في مواضع عدة برأيه خلافاً للنص الديني معتقداً جواز ذلك ما دام يرى أنهلم يخطيء وأن ما يقوم به هو من أجل المصلحة العامة في اجتهاده الذي أملته الظروفحتى لو تعارض مع ماورد في النصوص المقدسة. فعمر احتج وعارض صلح الحديبية على سبيل المثال وتصرفه في إسقاط جملة حي على خير العمل في الآذان ومعارضة لتشريع متعة الحج من قبل النبي وتتوج هذا السلوك في مجلس النبي في لحظاته الأخيرة عندما حضرته الوفاة وهو يحتضر فقال محمد لمن حوله ومنهم عمر ابن الخطاب: "هلم أكتب لكم كتاباً لن تضلوا من بعده" ولقد شعر عمر بخطورة هذا الطلب وحدس مغزاه وتداعياته على مخططاته لمرحلة ما بعد محمد، فاعترض علناً وقال إن الرجل ليهذي وقد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله ومنع الآخرين من توفير ريشة وورق أو قرطاس لكي يملي النبي وصيته الأخيرة فغضب النبي وطرد الحاضرين من حوله وقال لهم قوموا وأخرجوا. وعند لحظة الوفاة سمع عمر وأبو بكر وعبيدة بن الجراح باجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة لتعيين سعد بن عبادة زعيم الخزرج خليفة للمسلمين بعد محمد فانطلقوا إلى هناك وفرضوا أنفسهم ممثلين عن المهاجرين كلهم ولم يبلغوا علياً أو يصطحبوه إلى الاجتماع وهو صاحب الحجة الأكثر إقناعاً خاصة وإن أغلب الأنصار يؤيدون خلافة علي لمحمد ولكن لم تجر السفن بما تشتهي الأنفس وأقصي علي من زعامة المسلمين وسلمت السلطة إلى غيره.
حكم أبو بكر سنتين ونيف تخللتها حروب الردة كما تسميها الأدبيات الإسلامية خاصة ضد من أدعى النبوة وأراد أن يبتكر ديناً ينافس دين محمد وهم كثر، وتم اختياره على أساس وضع الجميع أمام الأمر الواقع ولا خيار لأحد إلا بالمبايعة أو القتل أو الإكراه بالقوة. ومن ثم عهد أبو بكر بالأمر إلى عمر ابن الخطاب بوصية إسمية مباشرة ولم يترك لأحد فرصة الاعتراض، وحكم عمر مايزيد على العقدين صدر خلالها عمر أزمة الحكم والسلطة وشرعيتها إلى الخارج عبر ما سمي بالفتوحات الإسلامية وهي في حقيقة الأمر غزوات واحتلال لبلدان بغية سرقة خزائنها وممتلكاتها لتنعم بها الأمة الإسلامية الوليدة. ثم أغتيل عمر بمؤامرة حاكها له قيس ابن الأشعث عندما وجه عبده اليهودي أبو لؤلوة ليغتاله حيث بدا الأمر سهلاً نظرا لكون عمر كان يعيش بين الناس بدون حراسة و لا احتياطات أمنية. وقبل أن يموت متأثراً بجراحه أوصى لستة من الصحابة القدماء في محاول أخيرة ويائسة لإزاحة علي ابن أبي طالب عن الخلافة وجعله واحداً من ستة على أن يكون هناك صوتين لمن يتنازل عن حقه من بين هؤلاء الستة وكان الثري عبد الرحمن ابن عوف صهر عثمان ابن عفان الذي أوقع علي ابن أبي طالب في فخه لأنه يعرفه جيداً ويعرف إجابته مسبقاً عندما وضع شرطاً بينه وبين عثمان وهما المتنافسان الأخيران الباقيان على الحلبة وطلب من علي في حالة اختياره خليفة أن يسير بنهج محمد ويطبق شريعته وسنته وعليه أن يتعهد كذلك باتباع نهج وسيرة الشيخين ، أي الخليفتين السابقين أبو بكر وعمر، فرفض علي وأجاب أسير بنهج محمد وشريعته وسيرته واجتهادي الشخصي في حين قبل عثمان ابن عفان هذا الشرط وإنه لم يطبقه بتاتاً فيما بعد، فاختار عبد الرحمن ابن عوف بصوتيه عثمان وفضله على علي . وحكم عثمان أكثر من إثني عشر عاماً، كانت بمثابة التحول الحقيقي لتوجهات الدين الجديد وطغيان السياسة على الدين والعقيدة واستغلال هذه الأخيرة لإضفاء الشرعية على النهج السياسي الدنيوي للحكم مهما كان نوعه وسلبياته وطغيانه وبطشه واستبداده وظلمه. وفي عهده نشبت ما عرف في كتب التراث الإسلامي بالفتنة الكبرى التي تصدت لها مؤلفات كثيرة تراثية ومعاصرة ككتاب طه حسين وهشام جعيط وفالح مهدي، ألقت عليها أضواء مختلفة ومقاربات متنوعة ومتباينة. وبعد مقتل عثمان ابن عفان ، انتقل الأمر إلى علي ابن أبي طالب حيث تم اختياره بالإجماع في البداية خليفة للمسلمين ولكن سرعان ما تمرد عليه وانشق عنه العديد من خصومه وأعدائه بل وزملائه من الصحابة الآخرين الذي كانوا يخشون أن يجردهم من امتيازاتهم وممتلكاتهم فنشبت حروب بين المسلمين أولها حرب الجمل التي شنتها عائشة ومعها طلحة بن عبد الله والزبير بن العوام وقتل فيها آلاف المسلمين وانتصر فيها علي بن أبي طالب وكان معه في قيادة جيشه شقيق عائشة محمد ابن أبي بكر. ولم يكد الخليفة الرابع أن يستريح حتى شن عليه والي الشام معاوية ابن أبي سفيان الأموي حرباً بحجة المطالبة بدم ابن عمه عثمان وإنزال القصاص بقتلة عثمان الذين يحميهم علي في معسكره وكانت حرب صفين التي انتهت بخدعة التحكيم، وانشقاق جزء من جيش علي عليه وتمرده لرفضه التحكيم والذين عرفوا باسم الخوارج. ومن هؤلاء ترشح ثلاث فدائيين لاغتيال علي ومعاوية وعمر ابن العاص والي مصر، فشل إثنان منهم في مهمتهم الانتحارية ونجح الثالث وهو عبد الرحمن ابن ملجم الذي أفلح في اغتيال علي بن أبي طالب.
كان معاوية يطمح لتولي الخلافة رغم معرفته أنه من الطلقاء الذين لايحق لهم حكم المسلمين، وأغلبهم من بني أمية بزعامة والد معاوية أبو سفيان، ممن أسلم مكرهاً وعلى نحو شكلي وبالإكراه عند فتح مكة ولم يدخل الإيمان إلى قلوبهم، رغم نداء محمد " من دخل دار أبو سفيان فهو آمن". هناك رسالة مشكوك بصحتها ونسبتها إلى معاوية وتدل لو صحت نسبتها له أنه يعلم بطبيعة الصراع والتنافس بينه وبين علي ويعرف قيمة علي الحقيقة ومنزلته وسعيه للانتقاص منه من خلال أسلوب الرسالة التي تقول:" بلغني عنك أنك إذا خلوت ببطانتك الخبيثة وشيعتك وخاصتك الضالة المغيرة الكاذبة ، تبرأت عندهم من أبي بكر وعمر وعثمان ولعنتهم، وأدعيت أنك خليفة رسول الله في أمته ووصيه فيهم، وأن الله فرض على المؤمنين طاعتك وأمر بولايتك في كتابه وسنة نبيه وأن الله أمر محمداً أن يقوم بذلك في أمته، وأنه أنزل عليه الآية:" يا أيها الرسول بلغ ما أنزل عليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس"، فجمع أمته بغدير خم ، فبلغ ما أمر به فيك عن الله، وأمر أن يبلغ الشاهد الغائب، وأخبرهم أنك أولى بهم من أنفسهم وأنك بمنزلة هارون من موسى" ويقصد بذلك عندما قال محمد للمسلمين من كنت مولاه فهذا علي مولاه أللهم عادي من عاداه وانصر من نصره الخ الخطبة. وأضاف معاوية في رسالته :" بلغني عنك ايضاً أنك لا تخطب الناس خطبة إلا قلت قبل أن تنزل عن منبرك:" والله، إني لأولى الناس بالناس، ومازلت مظلوماً منذ قبض رسول الله".
وكان رد علي في رسالة مطولة حملها لمعاوية أبو هريرة وأبو الدرداء حاملي رسالة معاوية لعلي والتي جاء فيها :" بايعني الناس بعد مقتل عثمان ، بايعني المهاجرون والأنصار بعدما تشاورا في ثلاثة أيام، وهم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان وعقدوا إمامتهم، ولي ذلك أهل بدر والسابقة من المهاجرين والأنصار، غير أنهم بايعوهم قبلي على غير مشورة من العامة، وإن بيعتي كانت بمشورة من العامة. وكأنه يريد أن يقول لمعاوية ، بكل الأحوال لو كان الخيار للأمة وليس لله ورسوله فإن الأمة والعامة وأهل الحل والعقد قد اختاروه بالإجماع وبايعوه بدون إكراه وبالتالي باتت إمامته واجبة الطاعة لأنهم تشاورا فيه واختاروه بالإجماع ، ولو كان الخيار لله وبنص منه ورد في كتابه يستخلفه على الناس ويأمرهم بطاعته ونصرته كما جاء في الأدبيات الشيعية والسنية على السواء بخصوص غدير غم وخطبة الوداع فهذه تحسب له أيضاً وتقوي حجته وتتوجب حقه.
وهنا يبرز اتجاهان متضادان أحدهما يقول بالاختيار والشورى من قبل المسلمين لمن سيحكمهم، وهم أهل السنة، والثاني يقول بالنص الإلهي والوصية المنصوص عليها لمن يحكم الأمة الإسلامية ويكون أميراً للمؤمنين، وهم الشيعة، علماً بأن الطريقة التي تم فيها تعيين الخليفة الأول والثاني والثالث لم تكن وفق مبدأ الشورى وموافقة العامة من المسلمين. فالقراءة الفاحصة لمنطق الفريقين وذهنيتهم وحججهم التي عكستها أقوالهم وتصرفاتهم منذ سقيفة بني ساعدة وما تلاها، لا تكشف عن إيمانهم بالشورى، بوصفها تشريعاً دينياً يجب التقيد به في شغل منصب الخلافة وولاية الأمر من بعد محمد. والمعروف أن أبو بكر وعمر وعبيدة ابن الجراح شاركوا في اجتماع السقيفة دون مشورة المهاجرين وبدون أي تفويض رسمي منهم كي يمثلوهم وبالطبع بدون مشورة بني هاشم وعميدهم علي بن أبي طالب. ولم يحظوا بموافقة وتأييد أغلبية الأنصار في اختيارهم لأبي بكر خليفة لمحمد.
وفيما بعد أجبر الجميع بقوة السلاح على البيعة لأبي بكر أو التعرض للقتل، بما فيهم علي ابن أبي طالب وباقي بنو هاشم ومنهم العباس بن عبد المطلب عم النبي. كان محمد محاطاً بمجموعة من الرجال والنساء من ذوي الأهواء المتباينة والميول والأهداف المتناقضة. أقوياء وضعفاء، أثرياء وفقراء، عبيد وأحرار، سادة وموالي، شجعان وجبناء، دهاة وأغبياء، مؤمنين ومنافقين، مكيين مهاجرين و مدينيين أنصار، وأجانب أو أعاجم، مقربين وعامة، ممن عاصروه ولم يحتكوا به على نحو مباشر، قبائل وأفراد، أشهرهم العشرة المبشرين بالجنة والذين يوجد اختلاف كبير على أسمائهم، وكتاب الوحي والقراء أو حفظة القرآن، والسابقون في اعتناق الإسلام، والفرسان والمقاتلين، والممولين لتكاليف الدعوة والغزوات الخ.. لكن ذلك لم يولد قيادة منسجمة ومتجانسة بعد غياب مؤسس الدعوة الدينية فغاب دين محمد مع غيابه وظهر دين الصحابة من بعده.
عينات من الصحابة:
المستضعفون والمستكبرون، الأغنياء والفقراء، المستغلون والمستغلون، هذه هي ثنائية الاستقطاب والمواجهة بين فئتين من الصحابة المحيطين بمحمد.
تصدت الأوليغارشية المستغلة والحاكمة في مكة ، ومنذ البداية للدعوة المحمدية لأنها رأت فيها خطراً يتهدد مصالحها ونفوذها كما ورد في كتب السيرة ومنها طبقات ابن سعد والسيرة الحلبية وسيرة ابن إسحق وسيرة ابن هشام وتاريخ الطبري وغيرها والتي أجمعت على أن محمد كان يدعو لدينه الجديد سراً في البداية ومن ثم بدأ تدريجياً بالإعلان عن دعوته لا سيما بين الضعفاء والمقهورين والعبيد المستغلون، من قبل أسيادهم، ومن بينهم عدة نساء ، وقبلهم آل بيته وعشيرته. كما سافر محمد لزيارة عدة مدن منها الطائف لكنه لم ينجح في استمالة قبيلة ثقيف وكسبها لدينه الجديد. كانت مكة قبل الإسلام محطة مرور للتجارة العالمية ومرور القوافل التي تحمل البضائع من أوروبا باتجاه الهند وآسيا ، وتلك القادمة من سوريا واليمن ومن أثيوبيا، حيث يستخدم تجار وأثرياء قريش العبيد في الرعي وتربية المواشي والجمال وفي التجارة وممارسة بعض المهن اليدوية في النجارة والحدادة والبناء واستخدام النساء العبيد في خدمة البيوت وكذلك كمحظيات للفراش تدعى الواحدة منهن أم الولد، لإنتاج الأطفال العبيد منذ الولادة، وكانوا يعاملون معاملة سيئة، لذلك كان هؤلاء من أوائل من اتبع محمد واعتنق دينه الجديد الإسلام. كانت هناك استثناءات لبعض الميسورين ممن اعتنق مبكراً الإسلام كأبي بكر الذي كان يشتري بعض العبيد ويعتقهم، ومن أشهر هؤلاء العبيد بلال الحبشي الذي كان عبداً يملكه أحد أشراف قريش وهو أمية ابن خلف الذي عذبه كثيراً، وأصبح بعد إسلامه مؤذناً الرسول لجمال صوته، وصهيب ابن سنان الرومي وخباب القيان صانع السيوف وعمار بن ياسر وأمه سمية وأبوه ياسر وسالم مولى أبو حذيفة، وسلمان الفارسي الذي أنقد الإسلام في معركة الأحزاب لأنه صاحب فكرة حفر الخندق لمنع قريش من الزحف على المدينة واحتلالها، وبعض الفقراء كعبد الله ابن مسعود وسعد ابن أبي وقاص والمقداد بن عمر الأسود وأبو رافع القبطي وأبو ذر الغفاري، وأبي ابن كعب العارف الزاهد والمتقشف والمثقف جداً فهو من الأحناف قبل دخوله فلإسلام ويعرف القراءة والكتابة ويتقن عدة لغات وأحد الذين أوكل إليهم محمد مهمة جمع القرآن وكان يعرف الكثير من الأسرار التي لقنها له محمد ، وعند مقتل عثمان وغرق الأمة في حرب أهلية قرر أن يتكلم ويقول الحقيقة التي سمعها من محمد مباشرة وذلك في السنة 30 للهجرة وقال لو بقيت على قيد الحياة حتى يوم الجمعة القادم سأخبر الناس بما أعرف وأقول لهم الحقيقة و لا أخاف في قول الحق لومة لائم ، ولكن في يوم الخميس ، أي قبل يوم من حلول يوم الجمعة الموعود وجد أبي ابن كعب ميتاً في بيته ويقال أنه مات مقتولاً أي أغتيل لكي لايفضح عدداً من الصحابة المتنفذين، كما كان الصحابي حذيفة ابن اليمان موضع ثقة النبي وحافظ أسراره وكان يمتلك موهبة كشف المنافقين من المسلمين ويخشاه عدد الصحابة لكي لا يظهر حقيقة إيمانهم، هؤلاء وكثيرون غيرهم كانوا نواة الدعوة الجديدة. وكان سادة قريش غاضبون لأن محمد ساوى بينهم وبين عبيدهم وفقرائهم. وأغلب هؤلاء المسلمون الأوائل لديهم قصص ومآثر مشهودة، وقد غدوا مقاتلين أشداء حاربوا مع النبي في كل معاركه وغزواته، وإن قسماً كبيراً منهم مال لجهة زعيم الفقراء و المستضعفين علي بن أبي طالب. وهذا الأخير ابن عم النبي وربيبه منذ ولادته حتى وفاته وأقرب المقربين إليه وصهره زوج أبنته المفضلة فاطمة بنت خديجة، والفارس الذي قاتل ودافع عن الإسلام ونبيه في كل الحروب التي خضها وكان المنقذ للإسلام في واقعة الأحزاب المعروفة بمعركة الخندق عندما تصدى رغم صغر سنه لمبارزة الفارس الخطير عمر بن ود العامري الذي تمكن من عبور الخندق وتحدي المسلمين بإرسالهم إلى الجنة بسيفه، وعندما برز علي بن أبي طالب له قال محمد:" لقد برز الإسلام كله للشرك كله". وكان والد علي وعم النبي محمد أبو طالب أفقر أبناء عبد المطلب هو الذي تبنى محمد ورباه مع أولاده، ويعتبر علي أول ذكر يعتنق الإسلام وهو صبي لم يتجاوز العاشرة من عمره وأول من صلى وذاد عن النبي ونام في فراشه عند خروج محمد سراً مهاجراً ليثرب، وحمل لوائه في الكثير من حروبه. ولقد آخاه النبي في المدينة وقال له أنت أخي في الدنيا وفي الآخرة ، و علي مني وأنا من علي، و "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي من بعدي" وهذا التفضيل لعي من قبل محمد اثار حفيظة الكثير من الصحابة وخشيتهم من إمساك علي بكامل سلطات النبي بعد وفاته. بقي علي وفياً لمبادئه ومعتقداته ومدافعاً عنها حتى آخر رمق من حياته، وفي السنة 35 الهجرية بعد مقتل عثمان أختير خليفة للمسلمين بالإجماع، بيد أن الأغنياء والمستفيدين من الدين تآمروا عليه ونكثوا بيعتهم له وأشهرهم عائشة بنت أبي بكر زوجة محمد وطلحة بن عبد الله والزبير بن العوام ومعاوية بن أبي سفيان وعمر ابن العاص والأشعث بن قيس، ومات مقتولاً بعد أن حاول أن يعيد للإسلام نقاؤه الأول لكنه لم ينجح. أصبح علي رمزاً للفقراء والضعفاء مثلما تحول ابنه الحسين رمزاً للثوار فيما بعد. واعتبر الإمام الأول للشيعة وجامع القرآن على أصوله الحقيقية الصحيحة ووارث علم النبي حسب حديث" أنا مدينة العلم وعلي بابها". وبهذا الخصوص قدم الباحث العراقي المقيم في باريس الدكتور فالح مهدي مقاربة متميزة وجريئة لموضوعة الصراع السني الشيعي في كتابه القيم " الخضوع السني والإحباط الشيعي : نقد العقل الدائري" وقال فيه أن المسلمين قاموا " بأسطرة محمد، حيث جرت أسطرة شخصية محمد وامتزج الخيالي بالرمزي والتاريخي ، أي ذلك الذي وقع فعلاً ". كما أدخلوا حيز الأسطورة عدداً من الصحابة الذي لم يعد يحق لأحد انتقادهم أو المس بهم كابي هريرة الذي لم يلتق بمحمد أكثر من سنة على أكثر احتمال كما تخبرنا بذلك مصادر التاريخ الإسلامي ونفس الشيء فعلوه مع زوجة النبي الشابة الحقودة عائشة بنت أبي بكر التي أصبحت أحد أهم مصادر الحديث النبوي لدى كتاب الصحاح. والحال أن السبب الكامن وراء كل هذه التداعيات هو الصراع على السلطة ومحاولة إضفاء الشرعية عليها عند الحصول عليها بأية طريقة كانت وبأي ثمن. يقول الدكتور فالح مهدي بهذا الخصوص:" يمكن الجزم بأن السلطة الدينية تكاد تكون السلطة الوحيدة القادرة على الحياة، مع مرور آلاف السنين على بداياتها، كما هو الحال مع اليهودية مثلاً، والزرادشتية، حيث مازالت لها أتباع في غيران والهند، والهندوسية والبوذية والمسيحية، التي تجاوزت الألفي عاماً، وأخيراً الإسلام الذي بلغ عمره حوالي 1500 عاماً". ولقد لعبت الأساطير دوراً مهماً كوسيلة فاعلة في خدمة السلطات التقليدية، على حد تعبير الباحث الدكتور فالح مهدي. إذن كانت العقدة الأساسية تتعلق بمسألة السلطة والقيادة بين الفئة الثورية الضعيفة والمقهورة من صحابة محمد التي التفت حول علي ابن أبي طالب بعد وفات النبي، والفئة القوية والغنية المهيمنة والمتنفذة التي التفت حول محور أبو بكر وعمر، والتي تبلورت فيما بعد إلى جناحين مختلفين وتميزين في الإسلام هما الشيعة والسنة، وتفاقم الاختلاف بينهما واتخذ مناحي عقائدية وفقهية فيما بعد على يد الإمامين محمد الباقر وجعفر الصادق بالنسبة للشيعة ، وعلى يد المنظرين للمدارس الفقهية السنية الأربعة وهي الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، واستمرت إلى يومنا هذا وكل جناح انقسم وتفرع إلى عدة فرق وطوائف فرعية في إطار المدرسة الأم الشيعية أو السنية. فهناك الإمامية أو الإثني عشرية، والزيدية والإسماعيلية أو السبعية والوقفية وانبثقت منها اتجاهات فرعية ثانوية كالقرمطية والفاطمية والبهائية والبابية والنصيرية أو العلوية والنزارية والدرزية الخ عند الشيعة ، والأشعرية والمعتزلة والأصولية التيمية والوهابية الخ عند السنة.
يتبع





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,605,421,297
- الوجود المادي ومعضلة الزمن في الكون المرئي
- المتاهة العراقية ما قبل وما بعد الموصل
- فصل من المجلد الرابع عن الكون: الواقع الظاهر والواقع الخفي ف ...
- محاضرة عن الشيعة ومشكلات الدولة والسياسة والتشريع
- لغز مقتدى الصدر يربك العملية السياسية في العراق بشدة
- ثورة في فيزياء الجسيمات على النموذج المعياري
- جواد بشارة - كاتب وباحث اكاديمي - في حوار مفتوح مع القراء وا ...
- خواطر سينمائية من مرحلة الشباب والدراسة - 2 -
- خواطر سينمائية من مرحلة الشباب والدراسة - 1 -
- السينما والأثر الأدبي وجهاً لوجه
- تطورات الكون المرئي فيزيائياً وثيولوجياً
- قراءات في كتب
- الله بين العلم والدين
- أنشودة الكون الأنيق
- الكون المرئي من كافة جوانبه
- تيار السينما الذاتية عند شاعر السينما الراحل اندريه تاركوفسك ...
- وقفة مع شاعر السينما الراحل كريستوف كيسلوفسكي:
- الإستراتيجيات الدولية في الشرق الأوسط وصراع الدول العظمى سور ...
- شرخ كبير في نسيج العلاقات بين الجالية العراقية والسفارة العر ...
- حتى لا يدعي العالم بالقول أنه لم يكن يعلم الحقيقة عن داعش


المزيد.....




- رجل دين إيراني: قرار رفع سعر البنزين جاء في وقت غير مناسب وي ...
- 3 من معاوني الكهنة يعلنون تعرضهم للتحرش الجنسي في الفاتيكان ...
- البيان الختامي: القضية الفلسطينية محورية للأمة الإسلامية
- أهم ما تضمنته رسالة قائد الثورة للعالم الاسلامي
- البيان الختامي: منظمة التعاون الإسلامي عجزت عن اتخاذ أدنى مو ...
- البيان الختامي: نؤكد بأن القضية الفلسطينية لا تزال القضية ال ...
- طلال ناجي: عن أي وحدة إسلامية نتحدث وهناك بعض الدول العربية ...
- خليل حمدان: مؤتمر طهران الدولي للوحدة الاسلامية يبقي فلسطين ...
- عبد الله نظام: الوحدة الإسلامية لا تزال أملا منشودا وليس لدي ...
- آية الله ابراهيم رئيسي: على العالم الاسلامي ان لا يسمح ببث ا ...


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جواد بشارة - الإنعطافة الخطيرة في بنية الإسلام