أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ميشيل زهرة - أنثى بلا ضفاف ..!















المزيد.....

أنثى بلا ضفاف ..!


ميشيل زهرة
الحوار المتمدن-العدد: 5347 - 2016 / 11 / 19 - 15:46
المحور: الادب والفن
    



عندما يكويك الزمن ، و تذهب إلى مكان قصي ..في خليج هاديء ، و تجلس على شرفة ، حيث يمتد أمامك ذلك المدى الأزرق ..أول ما يتبادر لذهنك ، كما أظن ، قارب ومجذاف ، و رحيل مغامر ، و تأملات ترميك على جزر لم تطأها قدم . فما بالك ، و أنت على تلك الشرفة المطلة على شرفة أخرى ، نافرة المعاني و الدلالات ..!؟
سيدة رصينة تقرأ في كتاب تغرق في صفحاته ، و حولها أصص الورود ، و النباتات المعرّشة ، و طيور ليست في أقفاص ، تتقافز ، و تتطاير على تلك الشرفة بطمأنينة غامرة . تتجمع حول قفير من حبوب تنقر منه بهدوء ، و دون صراع بينها ..! لكن الأغرب من ذلك ، أن تضع السيدة كتابها على طاولة قفير الحبوب أمامها ، و تنهض لتسقي غراسها ، فترفرف الطيور فوق كتفيها ، فتغرف من القفير حفنة و تمدّ كفها ، لليمام ، و الحمام ، و العصافير التي اندفعت لتنقد من كفها الحبوب ..! ظاهرة تشدك إلى المعنى الخفي لتلك السيدة التي يصفها القاطنون بالغامضة ، و المتآخية مع الجن ..لأنها كما يقولون : تشعل بخورها في آخر الليل ، و تستحضر الأرواح ..! هي نوع من النساء قمحيّة اللون ، زرقاء العينين . تعقد في قمة رأسها من الخلف ، جديلتها الثخينة مثل كعكة ..لا تكترث لمن حولها ، حتى لو دق بابها أحدهم ، أو إحداهن ، لتقرأ لها الفنجان ، أو لتخرج الروح الشريرة من أجساد الأبناء ، و البنات الخارجات عن المألوف .! فترد بهدوء ساخر ، نافية أن تكون لها مثل هذه القدرة . فيرتدّ الطالبون خجلى .
تسير في الشارع المؤدي إلى البحر بهدوء واثق ، و قد ارتدت ( روب دي شامبر ) فوق لباس البحر ، ليبدأ همس النسوة على الشرفات : راحت لتلاقي حبيبها في الماء ..! أليست عشيقة لقبطان سفينة غرقت في زمن ما بعد أن حطمتها العاصفة ..؟؟؟
إذا دعوها تعيش أحلامها ، و آمالها بأنها ستلتقيه يوما ..و لم تقتنع بأن العاصفة قتلته..! و من يدري أنها تعيش الحالة التي نجهلها نحن البسطاء . تضع على طاولة على الشاطيء محفظتها الصغيرة ، و تخلع ( الروب ) لتبقى في ثياب البحر ، و تندفع إلى الماء بروح باحثة عن شيء في الأعماق . ثم تقوم بحركات إغراء لكائن غامض ، و تستلقي على سطح الماء . فاتحة ذراعيها باسترخاء ، فارجة ساقيها مثل خليج ..! و تبدأ طقوس بوحها الخفي .
ما يشدّك إلى غموضها ، أنها تستخدم الماء كفراش العشق ، تعقد يديها خلف رأسها ، و تغيب في تسليم حميم للماء ، تاركة جسدها للبحر أن يداعبه ، و يؤرجحه ، ساكنة هادئة في نشوة أنثى مع ذكرها المشتهى . لعل ذلك القبطان الذي غاب عنها ، الذي تراه بأم عينها ، يأتي من اللجّة ..أليست الأنثى الغامضة الدلالات في عرف القاطنين..؟؟ و إذا دفع بك الفضول أن تستيقظ باكرا لتمضي خلفها إلى البحر ، لتدرك سرّها ، و أنت العاجز عن مجاراتها ، لا يسعك إلا أن تجلس على الشاطيء تراقب طقوس الوصال الحميم مع الماء . و عندما تخرج من البحر ، و هي تنظر خلفها إلى البعيد ..يخيل إليك أنها تركت روحها هناك ، و خرجت بجسدها المثير لترتدي ( الروب ) و تجلس على طاولتها ، و قد اتجهت نحو البحر ، و الكرسي الفارغ الآخر أمامها ..و كأنه لأحد ما سيأتي ليشاركها الجلوس ..! إن سألتها : كيف تعلمت النوم على الماء بلا حراك ..؟؟ تجيبك أنها تتدرب على المسير على الماء ، لتذهب إليه ..!! هذه الإجابة كافية أن تترك لوثة في وعيك ، فتتهمها بالجنون ..! فهل ثمة من يسير على الماء سوى القديسين ..؟؟ و عندما تطلب منها أن تشرح لك كيفية النوم ، و المسير على الماء ، وعلى محياك ابتسامة خبيثة شكاكة ..تطلّ عليك من خلف جلدها أنثى أكثر دهاء منك ، تُجللّك بالاحتقار ، و العار : إن المرء عندما يتحرر من خوفه ، لا ينام على الماء كوسادة فقط ، و إنما يسير عليه ..! فهل تحررّت من خوفك يوما ..؟؟ فإن لم تفعل ستبقى مصعوقا مثل نعجة مذعورة .! هذا ما تقرؤه في ملامحها ، فتنسحب أمام قوة إخصائها لذكورتك ..! و إن كنت مُصرّا على الصمود ، و قد استبد بك شبق المعرفة ، تقبل أن تجالسك على كرسيّها المقابل ، التي هيأته لقبطانها المنتظر ..!
و تروح تحلم بدخول شقتها الغامضة ، بعد أن تستأذنك بأدب و تمضي ..!!!
*******
في المساء ، لا يسعك إلا أن تجلس قبالة شرفتها التي تراك منها ، و كأنها لم تعرفك ..و لم تلتق بك على الشط ..و لم تتحادثا .
تشرب كؤوسك الخمسة الأولى ، قبل إطلالة الفجر ..بعد الكأس الخامسة تكون قد أسدلت الستارة على كل التاريخ الذي تعلمته في المدارس ، و المعابد ، و منابر الثقافة ، ليتوحد العالم في روحك ..تصبح كل الكائنات سواء ، أخوة لك ، و أبناء عم ..! أليست الخمرة من تدوس على كل ما وضعه الإنسان من قيم لتعيدك إلى مجدك الأزلي ..؟؟
تغرقُ في الظلمة . و في الظلمة تتفكك الأشياء ، و تعود إلى أسّها..! تنحدرُ محلقا إلى البوابة السادسة في كأسك السادسة لعالم الظلام السامي ..! يطير الصرصار قريبا منك ..يقترب من كأسك السادسة ، و يحاول الاقتراب أكثر ..تناجيه في روحك : تفضل يا ابن العم شاركني خمرتي ..يسقط الصرصار في كأسك ..لم تصب بقرف ..و لا تأفف ..تروق لك المشاركة الخمرية ، فتنتشله من الغرق لتضعه قرب الكأس ليستعيد صحوته ..يحاول أن يباعد جناحيه قليلا بوهن . يحرك قرني استشعاره ببطء شديد ..ينتصب على قوائمه و يقترب نحو الكأس ، كأنه يطلب منك غرقا آخر . تضحك في سرّك و تخاطبه ليس الآن يا عزيزي ..تريث قليلا أيها الأخ الذي سكن الكوكب قبلي ..! انتش بخمرتك الآن ..فالسكرة بعد صحو أجمل . لا تخشاني فانا نديمك مادمت على هذه الشرفة .! يقترب من الكأس بعناد ..كأنه شعر بتفوقه عليك ، لأنه الأسبق في الظهور على سطح الأرض . يحاول تسلق الكأس .. يتزحلق مرات عدّة ، و أنت سادي النزعة أحيانا..تتلذذ في المماطلة ..لكن شعورا عميقا ، أقوى منك ، من التآخي بينك و بينه يظهر ، لتعطف عليه . لتتضامن معه ، لتتوحد فيه ، فينقل روحك ، و تنقل روحه و تتماهى الكائنات..! يستعيد نشاطه ..يقفز على أصيص قريب و يغرد أنشودته الغزلية لأنثاه ..تخرج إليه ..يمازحها ، و تمازحه ، كأنها تقول له : اذهب إلى من كنت عندها مخمورا ..! يعود إليك كأنه الشريد المطرود ..تبتسم له ..تفهم مشاعره و يفهم مشاعرك ..يقفز ليطير دورتين خلف رأسك كأنه يقول لك : ها أني قد استعدت و عيي ..دعني أسكر..! و لكي أثبت لك ذلك سأطير إلى الشرفة ، الأخرى ، المقابلة حيث تقطن السيدة ..و يطير نحو الشرفة ..! تراقبه بلهفة و شوق . فتتجلى لك الشرفة بكل بهائها وغموضها ..يقف على النافذة و يغرد ..تسمعه بملء أذنيك ..وبكل أرجاء روحك ..يستيقظ البدء فيك ..فتحدق في الشرفة ، و ترنو إلى النافذة التي تحتل مساحة الجدار كله ..كشاشة سينما هي النافذة ..! خلف الزجاج قماش أبيض شفاف ..و خلف الأبيض طبقة من قماش أسود شفاف أيضا ..! و في العمق أضواء خافتة مختلفة الألوان . تظهر الأظلة لك كأنها دخان يخرج من موقد يحترق فيه حطب ..! تفكر في سرّك : ألهذا يظن القاطنون أنها تشعل البخور لتستحضر الأرواح ..؟؟؟
تصب كأسك السابعة ..تكون قد رميت آخر ورقة توت عن عريّك المقدس ، و حلقت في سقوطك نحو السامي ، لتتفكك ، بنشوة عظمى ، إلى بدئك المجيد ..تخرج إليك أنثى الصرصار ابن عمك ..تعاتبك كما يخيل إليك : ما الذي فعلته بشريكها ..؟؟ تغمض عينيك عن الشكوى ..و ترتشف من كأسك بلذة ..تقترب أنثى الصرصار أكثر ..تضع لها نقطة من كأسك أمامها على رخام مسند الشرفة ..تقترب منها .. تتذوقها ..تنظر إليك بخجل ..تفرك قرني استشعارها ببعضهما قليلا ، ثم تتذوق أكثر ..تبدأ في تغريدة جميلة ..تحاورك بها .. بعد كأسك السابعة أصبحت تفهم ما تقوله الصراصير ..ألم تصبح صرصارا بعد كأسك السابعة ..؟؟ تطير إلى هناك ..إلى الشرفة . تسترضي شريكها ..تعيده معها ..يطيران حول رأسك سبع دورات ..كأنها دورات شكر..أو هكذا خيّل لك ..! و يدخلان في أصيص الورد ، يمارسان طقوس الطبيعة المقدسة ، و يغردان تغريدا لم تسمعه من صرصار من قبل ..!
تتركهما في عوالمهما ، و تراقب النافذة ..!
الدخان المتصاعد من بخورها .. كان جديلتها المفكوكة ، و التي تنثرها في فضاء عالمها الغامض..تدور حول نفسها دورات سبع ، كما يخيل لك ..كل الأرقام صارت سبعة بعد كأسك السابعة ..أليست البوابات التي دخلتها عشتار إلى عالم الظلام ، هي سبعة ..؟؟ ترفع السيدة ساعديها إلى الأعلى ، بعد أن تركت الجديلة تتدفق مثل شلال ساقط من قمة . و يرتعد الردف في نشوة ..كأنها تمجد قوة ما في هذا الكون . ثم تخفض يديها ببطء ملحوظ . تعيد رفع الساعدين الذين يلتفان بطريقة أفعوانية في لحظة خصوبة . و عندما تنحدر الأكف التي تداعب انحناءات الجسد ، كأنها تشير إلى مفاتنها ، و ترسمها رقصا ..و تعيد الكرّة حول الورك الذي يرسم دائرة في الفراغ ليعود مستقرا في مركز الدائرة ..!! لعل في الحوض سرّ مختلف عن باقي الجسد ..! هناك بوابة الميلاد ، و حامل الخصب ..! ألهذا تمجّده ..؟؟ تقترب من طاولة ..ترفع كأسا ..خيل إليك إنها الكأس السابعة ..ترتشفها كلها ..تضعها على الطاولة ، فترتشف أنت كأسك كلها ، و تقوم من مكانك ..و تبدأ بالرقص على الشرفة ..يتوحد العالم المنتشي في رقصة سرّانية كونية ..و عندما خرجت الصراصير من أصيص الورد مغردة أجمل موسيقاها..انزاحت الستارة عن النافذة ، و ظهرت الأنثى بكل بهائها الجليل ..و قد تماهت مع روح الكون ..! ألم ينقل الصرصار الرسالة ..؟؟ إذا ، ارقص يا صديقي ارقص ..و لكن حذار أن ترقص لوحدك ..فالرقصة ..!! الرقصة ثنائية المبنى ..وحدانية المعنى ..!! بذلك فقط تحقق حلم السيدة : إن القبطان لم تقتله العاصفة ..و إنك القادم على سطح الماء من الأعماق .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- الحلم الحكاية ..!
- منارات في الذاكرة ..!
- صحوة متأخرة ..!!
- المنافقون .!
- حوار الآلهة ..!
- أبو خليل ..!
- صانع العاهرات ..!
- المعبد الأول ..!!
- الاسطبل ..!
- الشموع ..!!
- الأنا ، و النحن ، و الشخصية .!
- الزيف الإنساني ..!
- أم رمضان و ساكو ..!
- الخبر الذي يهز البشرية الآن ..!
- النثر ، و الشعر ..!
- شطحة خيال ..!
- تهافت الأمراء ..!
- أنا المكتوم بلا انتماء ..!
- السيدة الغامضة ..!
- الصورة ..!


المزيد.....




- مشاهير الغناء العربي ينعون رحيل أبو بكر سالم
- إلغاء حفل موسيقي أميركي بالخرطوم تضامنا مع القدس
- رحيل الفنان اليمني أبو بكر سالم عن 78 عاما
- غوتيريش يدعو لايقاف -الحرب العبثية- في اليمن
- الأزمي ردا على اتهامه بالعيش في جلباب ابن كيران: أنا بغيت حت ...
- أسوأ 10 أفلام لعام 2017
- رحيل الفنان اليمني أبو بكر سالم عن 78 عاما
- رحيل الفنان أبو بكر سالم
- بالفيديو...فنانة أمريكية توقف مقابلة تليفزيونية لهذا السبب
- العثماني أمينا عاما لحزب العدالة والتنمية


المزيد.....

- من الأدب الفرنسي المقاوم للنازية - القسم الثانى والاخير / سعيد العليمى
- من الأدب الفرنسى المقاوم للنازية - الفسم الأول / سعيد العليمى
- من الأدب الفرنسي المقاوم للنازية - مقدمة / سعيد العليمى
- تطور مفهوم الشعر / رمضان الصباغ
- البخاري الإنسان... / محمد الحنفي
- يوم كان الأمر له كان عظيما... / محمد الحنفي
- التكوين المغترب الفاشل ) أنياب الله إلهكم ) / فري دوم ايزابل Freedom Ezabel
- عندما كان المهدي شعلة... / محمد الحنفي
- تسيالزم / طارق سعيد أحمد
- وجبة العيش الأخيرة / ماهر رزوق


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ميشيل زهرة - أنثى بلا ضفاف ..!