أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - انعكاس الثقافة القومية على الأدب (9)















المزيد.....



انعكاس الثقافة القومية على الأدب (9)


طلعت رضوان

الحوار المتمدن-العدد: 5344 - 2016 / 11 / 15 - 13:55
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


انعكاس الثقافة القومية على الأدب (9)

بلغ وعى الأديبة سهير المصادفة بخصوصية الثقافة القومية لشعبنا، وبالحضارة المصرية، وبخطورة الأصولية الإسلامية، إلى درجة رفيعة وهى تــُـعبـّـرعن كل ذلك إبداعيـًـا فى روايتها (لهوالأبالسة) (1) فى لحظة مكاشفة قالت بطلتها مها لأختها نجوى (( أنا لا أجيد البوح . أى أننى سمكة الجيتار، أتفرج على الحياة )) ( ص 291 ) فهل كانت مها مجرد متفرجة على الواقع الذى عاشته والبشر الذين عاشرتهم فى موسكو قبل وبعد انهيار الاتحاد السوفيتى ، ووطنها (مصر) العائدة إليه بواقعه وبشره ؟ أم كانت تخدع نفسها وتقلل من شأنها ؟ أم هو اليأس الذى جعلها تستشعر عبثية الحياة ولا جدواها ؟
تدور أحداث الرواية بين ذكريات مها أثناء دراستها فى موسكو ، وبين محطتها الأخيرة فى مصر . فى ذلك الحى الذى كان اسمه فى البداية ( حى الزريبة ) وبعد أنْ لجأ إليه الموظفون ، بعد انفجار الأزمة السكانية ، سُمى تأدبًا ( حوض الجاموس ) ( ص 10 ) وهو واحد من الأحياء العشوائية التى انتشرت فى مصر بعد حرب أكتوبر 73 وتطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادى . مها شغوفة ومولعة برصد كل ما تقع عيناها عليه من واقع مواطنيها المصريين المنفيين فى ( حوض الجاموس ) لذلك تكتب مها مخطوطها الأثير . والذى تُعيد كتابته أكثر من مرة . يعتقد أهالى الحى أنها تكتب عنهم . وقالت لها أختها (( بلغنى يا مها أنّ الناس فى الحى يقولون أنك تجمعين أسرارهم وتزرعينها تحت سريرك . ومازالوا يفكرون ماذا ستفعلين بها )) ( 199 ) ولكن مها لا تبوح بالحقيقـــة . وتراوغ فى الرد عليهم . وتقول لهم أنّ ما تكتبه لا أهمية له . هل الواقع المتردى الموحل الذى يخنق رقاب الناس فى ( حوض الجاموس ) : واقع الجريمة والعنف والبؤس والفقر ، هو الذى دفع مها أنْ تقول : بعد موتى سيوزع كتابى مع أقراص الطعمية ( ص 66 ) وهل هو أيضًا الذى جعلها تقول لأختها (( لدىّ يا نجوى الذى أنجبه دونما حاجة لبذور الآخرين . عندما أموت سيتفرق كتابى على الخلق دونما تمييز . وستعلن الملائكة جمالى على الملأ . وسيدّعى الشيطان أنه كان صديقًا لى . وأننى ما كنت أستطيع وحدى إنجازه لولا هذا البيض الذى وضعه خلسة بين طيات أوراقه . ففقص كل هذا الهراء )) ( ص 104 ) وقرب نهاية الرواية يتعاظم إحساسها بالبؤس وعدم جدوى الحياة ، فتقول لأختها (( لقد أضعت حياتى كاملة مدفونة بذيلى فى مياه ضحلة . أنتظر شبكة تصطادنى حتى أهرع إليها بنفسى . ولن يكون لدىّ وقت إلاّ لترك بيضى . وأنا ليست لدىّ بيضات لأتركها . فلماذا عشت عمرى كله مجرد سمكة جيتار حمقاء )) ( ص 432 ) ولكن ما هو موضوع الكتاب الذى تكتبه مها ؟ هل هو رواية ؟ أم تسجيل حى لأهالى حوض الجاموس ؟ وتحليل لشخصياتهم وواقعهم . لا أحد يعرف . وهو ما جعل زوجها أحمد الدالى يقول لأختها (( أختك لاتهتم إلاّ بالبحث . والبحث عما لا ندرى )) ( ص 46 ) .
تعيش مها أزمة وجود على مستويين : مستوى حياتها الشخصية وتجربة زواجها . ومستوى الواقع المحيط بها . يرسم المستوى الأول علاقة حب شائكة بين مها وزوجها ، الذى عبّر عنها فى لحظة مكاشفة مع النفس : (( يا لإئتلاف الفارين من دفء قرمزى اللون . لماذا أعيش معها وتحبنى وتعيش معى وأحبها ويموت كلانا من الوحدة . اللهم عذّبها حتى تلجأ لى . أسكب عليها سعيرك كى تستظل بأشجارى . وأطلق على أذنيها نملا لتجن وتدخل دون إرادتها فى جحيمى . اللهم لاتجعلها ترتاح فى مرقدها الفارغ منى . أنثر عليه شوكًا حتى تتقلب عليه بلوعة المهجورات فى المضاجع )) (ص87) وفى نهاية الرواية عندما أدركتْ نجوى أنّ الموت يزحف ويقترب من أختها ، إتصلت بالزوج فى أمريكا ، فينطلق إلى القاهرة . وعندما دخل عليها (( اقترب وجلس بهدوء على حافة سريرها . حاول أنْ يبقيها نائمة لأكبر قدر من الوقت ليتأملها ، فلم يأت بحركة حتى ليمسح دموعه التى ظلّ من خلالها يتطلّع إليها ، ويلمح هذا الظل الأبيض الذى ازداد كثافة الآن حولها . هل يمكنه إزاحته قليلا ؟ مدّ يديه بهدوء ليفصل ما بين حدود كتفيها وشعرها وذلك الظل )) ( ص350 ) وعندما يعلن عن رغبته فى البقاء بجوارها فإنها ترفض . وقبل الرفض كانت تناجى نفسها (( ما عادت يدك يا أحمد ترعى مواسم وغابات فى جسدى . ما عدتُ أشعر حتى بطعم دموعك . يبدو أنّ هذا مذاق النهاية . يبدو أنه قد جاء أوان فطام جسدى عن جسدك . أنا كم أحبك )) ( ص 352 ) .
قبيل لحظات الموت تُفكّك المبدعة تلك العلاقة الشائكة بين الزوجيْن : مها تحب زوجها ولكن حبها الأول للرسم والكتابة . فى بداية الزواج قالت له (( سأفعل كل ما تريد . سأغير من نفسى )) فيرد عليها (( لا . وكيف ستكونين حينذاك ممتعة إذا تغيرت بناءً على طلب منى ؟ لا يا مها لا . إنك حتى لا تنامين أبدًا . أنا أخاف منك . ترسمين طوال النهار وتواصلين التفرج علىّ طوال الليل . لا . أنا لا أريدك بعد الآن )) وهذا الزوج ، وإنْ كان يحب مها ، إلاّ أنّ حبه الأول لمتع الحياة . بدأ شيوعيًا وانتهى واحدًا من رجال الأعمال الناجحين (ص84) تزوّج كثيرًا وطلّقهن كلهن من أجل مهــا .
ويرسم المستوى الثانى علاقة مها بالبشر والواقع الاجتماعى وبفلسفة الوجود : بعد أنْ عادت من موسكو ، بعد غياب سنوات ، فإنّ مشاعرها تترجم الموقف هكذا تجاه أختها (( لكم أخشى أنْ أواجه عينيها . تغيّرت كثيرًا هذه الصغيرة التى ستخربش روحى حتى النهاية )) (ص11) هل كانت تقصد أختها فعلا أم هى مصر ؟ وبعد أيام قليلة من معاشرتها لأهالى حوض الجاموس ، تكتشف حكاية الست بطة التى ترفض الزواج . لأنّ الرجال طماعون ويرثون . أما الحمير فإنهم لايعرفون الطمع ولايرثون . لذلك فإنّ بطة – والعهدة على رواية الست انشراح – كانت تدهن جسمها بروث حمارها وتلبس بردعته (( حتى إذا همّ بها ليلا ، استلقت له على طبليتها العالية )) وفى لحظة عبثية تموت بطة ويموت حمارها ( ص25 ، من ص 30 – 33) أما الشاب أحمد منصور الذى يدرس القانون ، فكان هو المكتشف الأول لعلاقة بطة بحمارها ، وذلك بفضل انقطاع الكهرباء عن الحى . وقــــــال (( كنت أيام الإنارة لا أحب فى التليفزيون إلاّ برنامـــج ( عالم الحيوان ) فلما حلّ الظلام فرّجنى الله على ما لا حيلة لعرضه بالتليفزيون . كيف يمتزج الحيوان أيضًا بالإنسان )) وعندما تتوالى التفاصيل على مسامع مها فإنها تردّد فى ذهول (( أنا لا أصدق)) ولكن أحمد منصور يقول لها (( يا ست مها . أنا أدرس القانون . طبّقى لى القانون على موت بطة وحمارها . إبحثى . لن تجدى مادة واحدة تفيدك فى هذا المقام . ولاتقولى لى أنّ هذه من شواذ المجتمع )) ثم يقذفها بالحقيقة التى سوف تعمّق بؤسها وتشرخ وجودها وتتيقن أنّ أسئلتها الفلسفية بلا إجابة (( بالمناسبة ستختلف دائمًا الأسباب . ولكن ناسنا فى حوض الجاموس قتلة أو مقتولون . سارقون أو مسروقون . سيلقون المصير نفسه بدون التفاتة من هذا القانون )) (ص33 ، 34) وهذه النظرة التشاؤمية فى شخصية أحمد منصور ، المعجونة بالسخرية واليقين بعبثية كل شىء سوف تتعمّق : إنضم لأكبر الأحزاب اليسارية ثم استقال إلى أنْ وصل لمرحلة الجنون ، فقتل نفسه وهو يحتضن وابور الجاز ( من ص 277 – 282 ) .
وتتعمق صلة مها بأهالى الحى الذين (( راحوا يحاربون الشتاء بإيمان من سيحصد الدفء. بطّنوا صفيح أبوابهم بخرق من أكوام القمامة التى راكموها صيفًا على أول الشارع ثم أخذوا يُقسّمونها الآن أكوامًا موزعينها بالعدل على الأيام ليشعلوها من أجل الدفء وكسر سُم الظلام . سدوا ثقوب العشش وغطوا أسقفهم بأكياس البلاستيك المملوءة بالأحجار الصغيرة )) ولأنهم لايملكون إلاّ سلاح العجزة ، فقد (( صلوا صلاة استغاثة داعين الله ألاّ تمطر السماء حتى لايُدفنوا تمامًا فى خوص عششهم والوحل )) (ص26) ومنذ اللحظة الأولى لهبوطها فى حى حوض الجاموس وعبر نافذتها استطاعت مها أنْ تلم بالمشهد كله : فأمامها بيت سكينة العمياء . وجدار بيتها يمتد ليضم طابورًا طويلا من العشش التى لا تشبه واحدة منها الأخرى . فإحداها مغلقة بستار من قماش قديم وأخرى بقطع صفيح من علب السمن الفارغ .. إلخ )) (ص16 ،17) .
وعندما يمرض طفل فإنهم يلتفون حوله (( مقبّلين إياه أكثر من مائة قبلة لاعتقادهم الجماعى أنه العدد اللازم من القبلات لشفاء الأطفال )) ولم يكن أمامهم إلاّ ممارسة هذا الفعل خاصة (( بعد أنْ هرب الأطباء من المستشفى العام تاركينه لمواء القطط )) أما حر الصيف فإنهم يقاومونه برش المياه على التراب الساخن . وهؤلاء البشر ، رغم البؤس والفقر ، فإنهم إذا وقعت عيونهم (( على سيدة تعرّت أفخاذها وهى نائمة ، أسدلوا عليها نظراتهم الحنون وستار عشتها )) ( ص62) .
ونتيجة لانقطاع التيار الكهربائى المتواصل ، لجأ الأهالى إلى لمبات الجاز . وتندهش مها من تكرار احتراق العشش فى معظم الليالى . وفى إحدى المرات احترقت الست (صابحة) وهى نائمة . وفى الصباح وجدوها متفحمة ( ص65 ، 66 ) أما شباب هذا الحى المنفى من المجتمع ، فإنّ البطالة وبؤس حياتهم والعجز عن الزواج ، يدفعهم إلى ممارسة متعة آثمة ولا جدوى منها فيطاردون النساء (( اللائى يذهبن لإحضار الماء فى دلاء من الحنفيات العمومية . فيركلوهن ليقعن وليتفرّجن على أفخاذهن المنداة بالطين والماء )) وهم لا يكتفون بذلك وإنما يسلون أنفسهم بعمل ثقوب فى العشش بعد أنْ يقوم الأزواج والزوجات بهش أولادهم إلى الشارع (( فتموت على الفور رغبتهم فى الجماع ويغرقون فى سبات عميق )) ( ص222 ) وأعتقد أنّ الأديبة سهير المصادفة فى هذا العمل الروائى البديع ، إنما كانت تصيغ أثر البؤس الاجتماعى دراميًا ، البؤس الذى توقف أمامه عدد كبير من الفلاسفة والمفكرين ومنهم ( توماس بن ) الذى كتب (( إنّ الفقر ليتحدى كل فضيلة وسلام . لأنه يورّث صاحبه درجة من الانحطاط والتذمر تكتسح أمامها كل شىء )) ( 2 ) .
ولأنّ العشش بدون دورات مياه . ولأنّ المسئولين لم يفوا بتعهداتهم بإنشاء دورات مياه عمومية ، فإنّ الأيام (( طبعت نفسها بكربون متقن الصنع . لم يرتكب أبدًا إسقاط تفصيلة واحدة من تفاصيل أهل الحى . فمع الصباح يصطف طابوران من النساء أمام بيت سكينة العمياء ومها السويفى لقضاء حاجتهن . بينما يلتف الرجال حول مبنى المستشفى ، مقرفصين وعابثين فى أصابع أقدامهم وداعين أنْ يأتى الفرج )) ( ص245) وتشتبك عذابات مها الفلسفية بأوجاع الأهالى الاجتماعية ، إلى درجة اقتناع مها أنّ الأهالى أصبحوا يؤمنون بأنّ (( مائة شمس غير قادرة على إنارة هذا الحى ليلا . وأنهم ولا شك عندما ولدوا حُكم عليهم أنْ يتحملوا ذنب من عاشوا فى الكهوف سنوات )) وعند هذا الحد يتعاظم توتر مها النفسى فتحاول الانتحار مرتين ( ص 289 ) .
تعى المبدعة مفردات الواقع المصرى فى السنوات الأخيرة . إذْ أنّ خط السقوط المتمثل فى الانهيار الاجتماعى والأخلاقى توازى معه خط آخر أكثر خطورة ، هو خط تصاعد المد الأصولى الإسلامى ، الذى يتأسس على تخريجات فقهية تذهب إلى أنّ المجتمع المصرى المعاصر مجتمع جاهلى ، انتشر فيه الفسق والفجور والكفر بين الحكام والمحكومين ، وبالتالى يجب قتالهم وقتلهم . وهوما فعله فى الرواية الشاب أحمد القط الذى حكم على أمه الست انشراح أنْ تموت رجمًا تنفيذًا لمشيئة الله . بعد أنْ أقنع شباب الحى أنّ أمه كافرة . فأطاعوا أمره طاعة القطيع . وحكى الناس فيما بعد أنها (( صمدت أمام حجارة وحصى الشارع كله . مكبّلة بالحبال فى سريرها وغارقة فى بولها وغائطها لأسبوع كامل . وقالوا إنها لم تتكلم إلاّ فى يومها الأول فقط . توسلت إليه بحملها له تسعة أشهر . وبإطعامها إياه من لحمها طيلة عمره . وبالله وبدعواتها المستجابة )) ولكنه أصرّ على تنفيذ الحكم . وعندما تدخل الشيخ حافظ إمام الجامع وقال له (( يا بنى إنّ الله يغفر الذنوب . فكيف لا تغفرها أنت ؟ )) كان رد قاتل أمه أنْ أطلق رصاصة أصابت ذراع الشيخ أدّت إلى وفاته فى نهاية اليوم . والناس مندهشون : هل مات من الرصاصة فى ذراعه أم مات كمدًا ؟ لأنه وهو يودع الحياة (( لعن وقذف بأحط الألفاظ . وعندما سمع أحمد القط سبابه ( أى سباب الشيخ حافظ) أفتى بتكفيره وخسرانه للدنيا والآخرة معًا )) (من ص 319 – 321 ) وبعد صلاة الفجر يخطب قاتل أمه فى الأهالى محذرًا إياهم (( بأنْ لايخرجوا بناتهن للعمل . فليس فى المصانع أو المؤسسات إلاّ رجال سيمسكون أثداءهن ويُعلمهن الفسق والبغاء)) وأنّ النساء سوف (( يُعلّقن من شعورهن ونهودهن كما وعد الله عباده يوم الدين )) (ص333) حاولت مها أنْ تتقرب من أحمد القط وتحاوره وتحدّثه عن قيمة العمل والعدل والعلم . وظنّت أنها لو نقلت له تجارب الشعوب الأخرى لأعاد النظر فى أفكاره . فحكت له (( عن السحب التى أزالوها عن سماء موسكو فى مؤتمر الشباب العالمى حتى لاتسقط الأمطار على رؤوس الضيوف )) فكان رده عليها (( حقًا !؟ كيف واتتهم الجرأة هؤلاء الكفرة أنْ يُغيروا مسار السحب )) فبدلا من أنْ يُفكر فى قدرة العلم على تحريك السحب ، لجأ إلى تراث التكفير، لذلك ردّت عليه مها مرغمة (( ماذا بالله يا أحمد ؟ ألا ترى أنّ ظنك هذا هو ما جعلك منذ أسابيع تُحرم الخيار وتُحلل قضاء الحاجة فى الخلاء ؟ أعتقد أنّ الله يفرح بمحاولات خلفائه على الأرض )) (ص345) وبعد أنْ كفّر أحمد أمه وقتلها . فإنّ أخاه الأصغر محمد القط ، يُكفر شقيقه الأكبر أحمد القط بتهمة أنّ الأخير يعمل خادمًا عند العاهرة ( مها ) ويتهم شقيقه بأنه ( صبأ ) وينتهى الأمر بأنْ يقتل محمد القط شقيقه الأكبر بعد أنْ ضربه بقسوة وسحله فى الشارع . وأحمد القط وهو يُخرج أنفاسه الأخيرة ينظر إلى أخيه فيراه مسخًا ويردّد لنفسه أنّ هذا الغبى من صنعه هو )) ( من ص 347 – 348 ) فى هذا المشهد تجسيد (بلغة فن الرواية) للحقيقة المسكوت عنها فى الثقافة المصرية السائدة ، وهى أنّ اللغة الدينية لن تُستخدم ضد المخالفين للأصوليين الذين يحلمون حلمًا طوباويًا مريضًا بعودة عقارب الزمن إلى الوراء ، حيث عصور الظلم والظلمات فقط ، وإنما هــــى ( أى اللغة الدينية) وفق النظرة الأحادية لأصحابها المتشبثين بالتعصب ، قادرة على أنْ تنقلب على الأصوليين أمثالهم إذا اختلفوا معهم فى أية تفصيلة من التفصيلات ، لأنهم نُسخ كربونية من فرق تراثية ، مثل الشيعة والخوارج إلخ ، وكمثال واحد على ماحدث كتب أ. خالد محمد خالد فى كتابه (من هنا نبدأ) : ((كان أصحاب على وهمْ يُحرّضون على دم معاوية وقتاله ، يُقدّمون بين أيديهم طليعة هائلة من الآيات والأحاديث التى كان يُحرّض بها أصحاب معاوية على دم على وقتاله)) ( 3 ) ولذلك أرى أنّ شخصية كل من الأخويْن (أحمد ومحمد القط) من الشخصيات المهمة فى الإبداع المصرى الذى جسّدتْ فيه المبدعة سهيرالمصادفة ، خطورة توظيف النصوص الدينية فى حياتنا الاجتماعية ، وخطورة التماثل مع تراث العنف ، لذلك كان التطور الدرامى فى الرواية ، لصيقًا ومتسقًا بتراجيديا العنف والدم على أرض الواقع .
تربط الكاتبة – بلغة الفن – بين المتغيرات فى الواقع الاجتماعى المصرى والواقع الاجتماعى الروسى . فهى تُلخّص التحول حتى لحظة انهيار الاتحاد السوفيتى بأسلوب فنى بالغ الايجاز ، وذلك عندما تتذكر مها ( ديما ) مدرسها للغة الروسية (( أقرأنى تشيخوف كاملا . ولم يكن محبًا له لحزنه وإحساسه بالفقراء وأحببته . كنا نردد مع الجموع أورا ( صيحة انتصار تقابل هييه المصرية ) كلما انطلق صاروخ نارى جديد . وكان هو حانقًا . لم أفهم لماذا حتى الآن . فهو يرقص فى ميدان عام ويقطف إذا جاع تفاحة من شجرة إلى جواره ، تمامًا كما جاء فى وصف الجنة . حدث هذا كله قبل أنْ يمتطى (يلتسن) دبابة بالميدان الأحمر وهو يقرر بعثرة عقد البلاد . ألم يسمع يلتسن أمنية ديما حينــذاك ؟ راح ديما وراحت إلى الأبد احتفالات أكتوبر وكل الأشياء المبهجة )) (ص29) ورغم ذلك فإنّ مها التى عاشت عدة سنوات فى موسكو تقرر أنّ انهيار الاتحاد السوفيتى كان مثل (( عمارة عالية فى زلزال )) (ص120) وإذا كان قد ترتّب على هذا الانهيار انتشار الجريمة والفساد والبطالة. وإذا كان هذا الواقع يتشابه مع واقع الوطن الأصلى للبطلة ، فإنّ المبدعة تنتقل من الواقع الروسى إلى الواقع المصرى دون فاصل ، لدرجة أنّ القراءة الأولى تُسبب بعض اللبس ، فبعد أنْ كانت مها تتذكر المظاهرات التى حدثت فى موسكو فى صيف 92 نقرأ (( أخذوا يجوبون جميع الأركان التى من الممكن أنْ يختفى فيها على القزعة ( واحد من سكان حوض الجاموس – ط . ر ) تتبعوا المنحدرات التى تؤدى إلى أوكار الحشاشين وشمامى الكولة . بحثوا فى نسيج العنكبوت الذى تراكم فى الأحواش الممتلئة بمخلفات غزل مصانع النسيج التى أغلقت أبوابــــــها )) ( من ص 119 – 125 ) مع القراءة الثانية ، أدركتُ الرسالة الفنية للمبدعة ، حيث توحد هموم البشر فى أية دولة يحرص نظامها السياسى والاقتصادى على التفاوت الطبقى وتكريس الظلم الاجتماعى .
وإذا كانت مها تشعر بمأساة مواطنيها المصريين وتتعاطف معهم . فهى تشعر أيضًا بمأساة العمال الروس وتتعاطف معهم . فهى إذْ تتذكر عمال إزالة الثلج ، تشرد مع نفسها فى مونولوج شجى (( أخذوا يزيحون الثلج فى الفجر كالعادة . وموسكو ثلاجة ضخمة تتقن حفظ لحمها البشرى المكتنز لفترات طويلة . نساء تجاوزن الستين . يقمن بتعبيد طريق للمارة . ما الذى جعلنى أبكى وأنا أرتجف من البرد خلف زجاج النافذة ؟ وما الذى جعلها هى بالذات ترفع الجاروف عاليًا لتحملق فىّ . بل تلتقى عينانا . أحسستُ أنها ابتسمت لى على الرغم من الضوء الشحيح الذى يعكسه الثلج . تأكّدتُ أنها لا تشعر بالبرد مثلى . ولكنها بدون شك كانت تشبهنى تمامًا . وإلاّ لماذا تعاهدنا صمتًا على أنْ أنتظرها كل فجر حتى تنتهى من عملها )) وظلّت هذه العاملة العجوز تبتسم ل مها كلّما تقابلا فى الطريق . ولكنهما لم يتبادلا الحديث قط . وكانت مها تتمنى أنْ تُكلّمها وأنْ تضحك فى وجهها وأنْ تداعبها قائلة (( يا سيدتى الطيبة . إنّ الممر الذى تنزحين ثلجه كل فجر يشكرك بشدة . ولكننى مع هذا أتعثر كل صباح فى المكان نفسه الذى عملت فيه . لأننى أتذكر وجهك فأسقط خجلا )) (267) .
وإذْ ينتهى الفصل رقم (8) بموت الست انشراح ، فإنّ المبدعة تبدأ الفصل التالى وبطلتها تتذكر وقائع موت العاملة الروسية فالنتينا التى تبلغ سبعين عامًا وهى تزيح الثلج . وتتذكر رفض المسئول النوبتجى دفنها ونَصَحَ بالاتصال بالبوليس . ويرفض البوليس استلامها مادامت لم تمت مقتولة ((إنما ماتت هكذا لانتهاء عمرها )) فتذكّر الناس تاريخها حيث عملتْ (( ممرضة أثناء الحرب العالمية الثانية متبرعة بأجرها كله وذلك فى وحدة الاسعاف نفسها التى رفضت دفنها . خبزت بيديها للشعب فى أفران الكولخوز . وساقت الترام مخترقة به الثلوج)) وعندما اختفت جثة فالنتينا فإنّ الأهالى لم يصدقوا الخبر الذى نشرته صفحة الحوادث عن كرم السلطات المحلية البالغ ، حيث عجّلت بدفن سيدة مسنة ماتت على كومة من الثلج على الرغم من انتظار عشرات الجثث فى الثلاجات لدورهم فى الدفن . لم يصدق الناس هذا الخبر ، وأخذوا يتهامسون فيما بينهم سرًا ((فالنتينا مختفية تحت أكوام الثلج فى انتظار ذوبانه لتعود مع الصيف القادم شابة من جديد )) ( من ص 325 – 327 ) .
هذا البعد الإنسانى فى شخصية مها تُضفّره المبدعة بالسؤال الذى شغل الكثيرين من المحللين السياسيين عن السقوط المروع للدولة العظمى الثانية ، فتقول مها (( أحاول أنْ أصدق أنّ دولة عظمى بكاملها قد وقعت مثل طائرة . وطار على متنها علماء بحقائبهم الديبلوماسية الرخيصة التى تحتوى على آخر أبحاثهم عن الفضاء والذرة والعلوم الإنسانية والميكانيكا . وراقصات باليه تعلّمن الرقص الشرقى وانتشرن فى قصور العالم العربى وباراته (4) ها أنا ذى أترك موسكو ترتعد. . سيسقط البرلمان . والبرلمان الروسى محبوس فى بيته الأبيض وأنا محبوسة فى حوض الجاموس)) (ص 137، 138) .
تمتلك الأديبة سهير المصادفة قدرة واضحة فى رسم شخصيات روايتها . ففى أول تعارف بشخصية الست انشراح التى تمثل نموذج بنت البلد الساخرة البائسة . بحذقها وفطرتها . غضبها وتسامحها . أحزانها وأفراحها . عيوبها ومزاياها . فى أول تعارف مع هذه الشخصية تجعلها الكاتبة تقدم نفسها هكذا ((ماشاء الله ولا حول ولا قوة إلاّ بالله . شوفى يا ست مها . ربنا عندما يشاء يجعل من عباده آية على رأى الشيخ حافظ . وعندما يشاء يضع على وجوههم مثل هذا المنخار)) وأشارت إلى أنفها ضاحكة ( ص18) وعندما يُخطىء الشاب مصطفى مع إحدى فتيات الحى ثم يتهرب من الارتباط بها تُجبره انشراح على الزواج منها (ص225 وما بعدها) وعندما يهرب المدرسون من المدرسة ، تستولى هى عليها وتنظم تسكين أهالى الحى فى حجراتها . وتتولى جمع المواد اللازمة لإقامة الجامع (308) وتساعد المرضى وتعتنى بأطفال الآخرين . وأعتقد أنّ شخصية انشراح بحضورها الإنسانى بكل تناقضاته . وبنهاية حياتها المأساوية ، شخصية خالدة فى الأدب المصرى والعالمى .
لغة الوصف الشاعرية :
يتميز الأسلوب فى هذه الرواية البديعة بلغة وصفية شاعرية . من ذلك مثلا نجد أحمد الدالى يخاطب زوجته مها قائلا ((فى هاتيْن العينيْن فقط تتزوج الشمس بالقمر وتكتسى الصحارى بشىء مــا ، غامض غير رملها . لماذا ترفضين أنْ تكونى مرفئًا ؟ كل ما يلزم الفاتحين أملكه . فلماذا تستعصى علىّ قلاعك هكذا ؟ أنا أحفر ماءك على أخضرك . أنسق مدينتك مدينة مدينة على شوارع قلبى . لماذا لا تنفتحين لى إذن وتحتفين بمواسمى ؟ لماذا – مثلا – لا تمسكين جيدًا بحذائى وتطيرين أينما حلّقت . وتحطين أينما حللت تحت قدمى . ألا أستحق ؟ )) (ص14) هنا نجد لغة فنية ، جمعت بين الصياغة الشاعرية ، والإفصاح عن شخصية المتكلم الذى ينشد عبودية مغلّفة بالحب . ولأنّ العلاقة بين مها وزوجها شائكة ، لذلك يقول لها ((من قال لك أنّ بياض اليوم أحلى من سواده ؟ من قال لك أنْ تُجرّبى الدخول فى طريق الغول ؟ هل اخترتِ الصعب وهل تحتملين ؟ فترد عليه مها مستخدمة ألفاظه وتعبيراته ولكن بعد تحويرها ((من قال لك أنّ سواد الليل أحلى من بياضه ؟ من قال لك أنْ تترك اصبعك فى فم أمنا الغولة حتى تأمن شرها ؟ هل اخترتَ الصعب وهل تحتمل ؟ )) (ص201) وعندما جاءت مها إلى مصر بعد غياب عدة سنوات ، فإنّ حضنها فى حضن أختها الصغيرة ، أو فى حضن مصر ، تجعلها تشعر وهى تواجه عينيها بأنها ((ستُخربش روحى حتى النهاية)) (ص 11) وفى لحظات الغضب فإنّ الشموس يكون لها صهيل (ص 12) وفى لحظات الصفاء تتزوج الشمس بالقمر (ص 14) وهكذا فى معظم صفحات الرواية التى تمتزج فيها لغة السرد والوصف بلغة الشعر .
التوظيف الدرامى للموروث الشعبى :
وإذا كان سكان حوض الجاموس يمارسون كل أشكال التحايل لشحن بطارية قوة الدفع الذاتى ، فى هذا الواقع البائس الظالم المظلم ، فإنهم يحاكون ما سمعوه عن الشياطين فى موروثهم الشعبى والدينى . وكان عنوان الرواية دالا على هذه الألاعيب (لهو الأبالسة) فرغم أنّ العقل الناقد يرفض كل تنويعات الميتافيزيقا ، فإنّ كثيرين من البشر( وفى كل دول العالم بلا استثناء ) يصنعون تخاريفهم ويُصدّقونها . ولعلّها معادلة ستظل سارية ، طالما ظلّ الشقاء جاثمًا على صدور المجتمعات الإنسانية. وظلّ العداء للعقل وللعلم سلاح أنظمة الاستبداد. المعادلة هى : كلّما كان البؤس خانقًا لروح الإنسان ، كلّما كانت حاجته للخوارق وكل ما هو (فوق الطبيعة) وكلّما كان القهر طاحنًا ، كلّما إشتدّت الحاجة إلى هذه القوى الخرافية (الخارقة) لذلك كانت المبدعة موفقة عندما ضمّنت أحداث الرواية العديد من الخوارق التى يصنعها الناس ويُصدّقونها ، مثل شخصية أبو خطوة الذى تزوّج من مخلوقة ليست من البشر وأنجب منها ستة وعشرين طفلا . ويحج إلى الكعبة كل عام رغم أنه لم يغادر مصر مطلقًا (من ص 148 – 155) ويعتقد الأهالى أنّ عفريتًا وضع بعض البذور وزرعها فى أرحام النساء . أما الخالة (كفايه) فقد رفضت فى البداية أنْ تصدق أنّ ابنها عويضه غرق فى النيل . وعندما أحضروا لها جثته ظلّت تردد ((هذا ليس ابنى . ابنى لايقدر الماء عليه . إفعلوا به ما شئتم)) وحرّمت على أهالى الحى أكل الفتة بالثوم ، لأنّ ابنها غرق فى النيل فى نفس اليوم الذى اشتهت فيه نفسه أكل الفتـــة . والمقابل الفانتازى أو الخارق للطبيعة لحزن الأم ، هو تضاؤل جسدها حتى صارت فى حجم طفل فى الرابعة من عمره ( من ص 214 – 216 ) .
وإذا كانت العلاقة بين مها وزوجها شائكة ، فإنّ الكاتبة تُقدّم علاقة أخرى تتشابه فى الالتباس ، وتختلف فى التفاصيل . إذْ أنّ الست وردة تقتل زوجها بمجرد أنْ شعرت أنه سيتزوج عليها . ولكن بعد أنْ قتلته وقطّعته إلى أكثر من مائة قطعة وضعتها فى أكياس ووزعتها على حافة النيل على أبعاد متساوية . وبعد أنْ تولى رجال الشرطة جمع هذه القطع ((كانت تنحنى بخشوع أمام كل كيس دونما إهتمام بالرائحة العفنة التى تنبعث منه . كانت تحتضنه ثم تسلمه لرجل يحمل قفة لجمع الجثة)) وعندما همّ رجال الشرطة بالانصراف نبّهتهم إلى أنّ جثة زوجها ناقصة جزءًا من الرأس ولابد من العثور على هذا الجزء (76 – 80) وأرى أنّ وردة شخصية درامية تتغلغل فى الوجدان هى وشخصية عدلات التى مات زوجها وهو يُصلح الوعاء الضخم الذى توضع فيه عجينة الحلوى . حيث سقط فيه وساح جلده مع عظامه . ورفض صاحب المصنع الإتصال بالبوليس . وقال لزملاء القتيل ((أين هى الجثة يا أغبياء . إنه ذاب مع العجينة . كما أنه غير مؤمّن عليه)) وصرف لهم مكافأة شهرًا كاملا حتى يعالجوا ذاكرتهم وينسوا ماحدث تمامًا . أما عدلات زوجة العامل القتيل ، فإنّ صاحب المصنع أعطاها مبلغًا من المال والكثير من الحلوى لأولادها . ومع مرور الأيام انتهتْ إلى الجنون . تسير فى الشوارع عارية . تحكى قصة زوجها ومسحوق الفراولة الذى يشبه الدم ، وتردّد (( هل أكل أولادى عظام أبيهم !؟ )) ( من ص 195 – 196 ) .
قضية الحوار فى الأعمال الإبداعية :
اختارت الكاتبة اللغة العربية فى معظم حوارات الشخصيات ، وأرى أنّ الحوار بلغة شعبنا المصرى أدق فى أى عمل إبداعى ، وخاصة فى هذا العمل البديع ، فالمصريون – بما فيهم رجال مجمع اللغة العربية- لايستخدمون اللغة العربية ، فى بيوتهم وجلساتهم . وهى حقيقة أكدها عميد الثقافة المصرية (طه حسين) رغم دفاعه عن اللغة العربية ، فكتب ((إنّ اللغة العربية عسيرة لأنّ نحوها مازال عسيرًا ولأنّ كتابتها مازالت عسيرة.. وأنّ كثيرًا من الناس ليقولون أنّ اللغة العربية التى يتعلمها الصبى فى المدرسة لغة أجنبية بالقياس إليه ، لأنه لا يتكلمها ولا يسمعها فى أسرته ولا فى بيئته الخارجية ، بل هو لا يتكلمها ولا يسمعها مع الذين يُعلمونه اللغة العربية نفسها . وأنّ اللغة العربية فى مصر ، لغة إنْ لم تكن أجنبية فهى قريبة من الأجنبية ، لا يتكلمها الناس فى البيوت ولا يتكلمها الناس فى الشوارع ، ولا يتكلمها الناس فى الأندية ، ولا يتكلمها الناس فى المدارس ، ولا يتكلمونها فى الأزهر نفسه)) (5) ويذهب ظنى إلى أنّ العرب المعاصرين لايستخدمونها فى حياتهم اليومية وإنما يستخدمون الكثير المستمد من (بنية) اللغة المصرية الحديثة ، وفق الدراسة العلمية للراحل عالم المصريات واللغويات المرحوم بيومى قنديل (6) .
فى مشهد بديع رسمتْ فيه المبدعة– بلغة الفن – لوحة من كوميديا المفارقات ، حيث زارت الحى بعض السيدات من أحد مراكز البحوث الممولة من دول أجنبية لجمع المعلومات عن الحى . لعلّ هذا المشهد البديع أنْ يكون دالا على قضية لغة الحوار فى الإبداع الروائى والقصصى ، ناهيك عن المسرحى ، وهو الأمر الذى انتبهتْ إليه المبدعة عندما وعتْ صعوبة التفاهم بين باحثات مركز البحوث اللائى يستخدمن اللغة العربية وبين أهالى الحى ، فكتبت ((وكان الأمر يزداد سوءًا عندما تتحدث احداهن باللغة العربية ، مما كان يجعل انشراح تقاطعها صارخة ((نعم يا ختى . ما تتكلمى عربى)) وإذا كانت الباحثة تستخدم اللغة العربية ، فلماذا لم تفهمها انشراح ؟ وما مغزى السخرية فى طلبها ؟ وإذا كان تعبير (ما تكلمنى عربى) تعبيرًا شائعًا بين أبناء شعبنا يُوجهونه إلى من يتكلمون باللغة العربية التى لا يفهمونها ، فإنّ التصويب الواجب لهذا التعبير هو (ما تكلمنى مصرى) وكانتْ المبدعة موفقة تمامًا عندما كتبتْ بعد المقطع السابق مباشرة حوارًا على لسان الست انشراح ولكن بالبنية اللغوية المصرية فقالتْ ((اللى ما يشوف ش من الغربال يبقا أعمى . لكن ما هو كله معروف . ولو عاوزين يحلوها ما يحلوها . حد منعهم ؟ هوّ لازم يسجلوها بصوتنا الأول وبعدين يحلوها ؟ لأ وإيه الوليه الخالق الناطق الرقاصه التى بتقعد على كرسى عالى ..إلخ)) فى هذا المقطع نجد الحوار سلسًا متدفقًا مشحونًا بلغة الشخصية ولصيقًا بها ، باستثناء الاشتباك اللغوى الذى حدث بين اللغة العربية ولغة المصريين فى جملة ((الرقاصة التى بتقعد)) فلو أنها بالعربى فهى ((الراقصة التى تقعد)) أما بالمصرى فهى (( الرقاصه اللى بتقعد)) وكانت المبدعة على وعى بأهمية إتساق اللغة مع الشخصية عندما جعلت انشراح الساخرة تُعقّب على مصطلح (مركز المرأة) حيث قالت ((مركز المرأة ؟ إزاى يعنى ؟ يعنى عاملين مركز للستات بس . لأ يا ختى دى مصيبتنا إحنا إنْ بناتنا موش لاقيين رجاله يقدروا يتجوزوهم)) (من 100 – 102) هذه الأمثلة الموجزة تؤكد على أهمية أنْ يكون الحوار فى الإبداع متسقًا ولصيقًا بالشخصية القومية . فإذا كان المتعلّمون المصريون بل والمتخصصون فى اللغة العربية لا يتكلّمونها فى حياتهم العملية ، فكيف نستنطق بها – كما يفعل بعض الروائيين - الأميين ومتوسطى التعليم ؟
جدل العلاقة بين الجمود والتطور :
فى (ص9) تخاطب مها شخصًا متخيلا ليس له وجود مادى تطلق عليه (العربى الجميل) ويتكرر ذلك فى الصفحات 49 ،82 ، 177 ، 223 ، 340 . أحيانًا تخاطبه دون حوار وأحيانًا يتحاوران . وهو فى كل الأحوال لايراه أحد غيرها . أى أنه كالطيف أو هو ضمير مها . وصفته بأنه ((يتكون من لفائف الدخان المتناثر فى الجو)) فإذا كان هذا الشخص المتخيّل المصنوع من لفائف الدخان ، هو ضمير البطلة ، فما علاقة ذلك بذكريات البطلة عن موسكو والتحذير الموجه إلى (لاريسا إيفانوفنا) : ((لا تقررى وضع رأسك تحت ألف سيف عربى هكذا دون تحريك مزلاج حديدى صدىء )) (193) أو حديث مها ل (عاصم التاجى) حيث قالت ((العرب سيموتون بإرثهم العقائدى مثلهم مثل الهنود الحمر)) وعندما قال لها عاصم ((لاتقال الآراء هكذا يا ابنتى)) قالت ((تندهشون وكأنّ التاريخ لم يُسقط فعليًا أممًا بكاملها . هل تذكرون مثلا ماذا أكلتْ ورسمتْ وماذا اعتنقتْ وبماذا حلمتْ عشرات الدول أيام كان خوفو يُدشّن حول تابوته أسرار البناء وأشعة الشمس ويُنظم دروب الروح ؟ أقسم أنهم وقفوا هكذا مثلنا وبكوا على كل شىء كما نبكى الآن وقالوا ما يجب أنْ نقوله جميعًا : نحن موسومون بالانقراض حتى تدور كرة التاريخ نصف دورة على الأقل)) (259) هكذا كانت بطلة الرواية (مها) تُحب (العربى الجميل) وفى نفس الوقت تنتقد جموده الفكرى والعقائدى ، وتتمنى له التطور قبل أنْ يحل موعد الانقراض .
التوحد الإنسانى عبر ثقافات الشعوب :
أعتقد أنّ حل شفرة الغموض فى شخصية مها ، هو حلمها بتحقيق نوع من توحد البشر ، رغم تعدد الجنسيات والثقافات والقوميات . ولعلّ المشهد الأخير قبيل احتضارها يفسر ما أذهب إليه . إذْ هى تمزج بين وجه دوستويفسكى وصوت يرتل أبياتًا من كتاب جدودنا المصريين القدماء (الخروج إلى النهار) الشهير باسم (كتاب الموتى) ومها كذلك مشحونة ومؤمنة بتراث جدودنا المصريين . فالكاتبة تكتب عنها ((ستردد وكأنها قرأت بردية فرعونية قديمة)) {لاتجعل الشمس تغرب وفى عينيك وقلبك دمعة حتى لا تحاسبك الآلهة فى منامك} (239) وفى موسكو عنما دخلت المستشفى ، دخل عليها الطبيب الروسى الذى تحمل عيناه اخضرار مياه النيل ((وكان يعرف من الملف الذى أمسكه من أنا ومن أين . ولكنه سألنى قلت : مصر . قال : من بداية البدايات أنت إذن . أحببتُ رؤيتـــه . أخبرنى أننى أشبه كثيرًا نفرتيتى . قلتُ : لا أعتقد . قال بعنف أبوى بلى . عيناك الواسعتان الجميلتان على هذا الوجه الصغير . ودقة الأعضاء . أنت مثلها تحتفظين فقط بما هو جميل وجوهرى يا جميلة الجميلات)) قبْلها بدقائق كانت تفكر فى نفس السؤال المتوقع : من أين أنتِ ؟ ووفقًا لقانون التداعى الحر، رأتْ أنْ تقول أنّ مصر ((صاحبة أقدم الحضارات)) ( ص 310 ، 311 ) .
يذهب ظنى إلى أنّ بطلة سهير المصادفة تسيطر عليها فكرة التوحد البشرى . وأنّ بنية الرواية قامت على هذا التوحد . فى تشابه الواقع المتردى فى حوض الجاموس . النموذج المصغر لكل بؤساء المجتمع المصرى . وفى تجربتها فى موسكو قبل وبعد انهيار الاتحاد السوفيتى . وبعد أنْ عانى الشعب الروسى من بشاعة نظام الحزب الأوحد ، انتقل إلى معاناة جمعت بين استمرار القمع وقانون آليات السوق المتوحشة . ففقد الشعب الروسى الحرية والعدالة معًا . ولكنه ( أى الشعب الروسى ) لا يزال يُقاوم بحبه لكل أشكال الفنون ولكل مباهج الحياة ، كما يفعل الأميون من شعبنا المصرى . مع هذا الخط من التوحد البشرى فى مرارة البؤس بين الشعبيْن المصرى والروسى ، فإنّ مها تستشرف وتتمنى نوعًا آخر من التوحد . يكون رسوله المؤكد هو الإبداع الإنسانى المتمثل فى الفن والفكر . والذى رمزت إليه المبدعة بامتزاج وجه دوستويفسكى والصوت المرتل لأبيات من كتاب جدودها المصريين .
مصادر وهوامش :
ـــــــــــــــــــــ
1 - سهير المصادفة ( لهو الأبالسة ) دار ميريت للنشر والمعلومات – ط 1 - عام 2003 .
2 – نقلا عن خالد محمد خالد ( من هنا نبدأ ) دار النيل للطباعة – عام 1950 ص 51 .
3 – المصدر السابق – ص 135 .
4 – بعد سقوط الاتحاد السوفيتى هاجر إلى إسرائيل ما يزيد عن مليون مواطن من روسيا ومن البلاد التى كانت خاضعة للسلطة المركزية فى موسكو ، من بينهم آلاف العلماء فى شتى المجالات ، استفادت منهم إسرائيل ، خاصة فى مجال الإلكترونيات والبرامج النووية منذ عام 92 وكان للمخابرات الإسرائيلية فضل إقناع العلماء بالهجرة إلى إسرائيل . وذكر د. حسن النجار الخبير النووى ، أنّ مصر لم تستفد من العلماء الروس بعد سقوط الاتحاد السوفيتى ، رغم أنّ عددًا كبيرًا منهم طلبوا الحضور إلى مصر والعمل مقابل 200 (مائتى) دولارًا فقط فى الشهر ، وذلك علنًا وفى أحد المؤتمرات . ولكن لم يهتم أحد بهذه الدعوة . وكان الإهتمام باستيراد الراقصات الروسيات والأوكرانيات (أنظر تحقيق أ. محمد الدسوقى – صحيفة الدستور – الإصدار الثانى – العدد الأول – 23 / 3 / 2005 – ص13) .
5 – طه حسين : مستقبل الثقافة فى مصر- دار الكاتب اللبنانى – بيروت – ط عام 1973-
أكثر من صفحة ، طبعة هيئة الكتاب المصرية – سلسلة المواجهة – التنوير- أربعة أجزاء
عام 1993 – أكثر من صفحة .
6- بيومى قنديل : حاضر الثقافة فى مصر- الطبعة الرابعة – على نفقة المؤلف – عام 2008- أكثر من صفحة .
*****





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,554,387,666
- انعكاس الثقافة القومية على الأدب (8)
- انعكاس الثقافة القومية على الأدب (7)
- العلوم الطبيعية والأنظمة العربية
- انعكاس الثقافة القومية على الأدب (6)
- انعكاس الثقافة القومية على الأدب (5)
- انعكاس الثقافة القومية على الأدب (4)
- محمود تيمور ومشكلات اللغة العربية
- انعكاس الثقافة القومية والدين على الأدب (3)
- عروبيون وينتقدون اللغة العربية
- انعكاس الثقافة القومية والدين على الأدب (2)
- انعكاس الثقافة القومية والدين على الأدب
- الأقليات الدينية والثقافة السائدة
- كيف كسر الولاء للدين مصطفى كامل
- هل البديهيات تحتاج إلى توضيح ؟
- هل يستطيع البشر التخلص من الغيبيات ؟
- هل الدين - أى دين - قابل للتجديد ؟
- الأدب الروائى ومقاومة الأصولية الإسلامية
- أصحاب العقول الحرة وموقفهم من العروبة
- هل اختار (الله) شعبه أم العكس ؟
- تناقضات الديانة العبرية (2)


المزيد.....




- مرصد الإفتاء: العدوان التركي على الأراضي السورية تسبب في هرو ...
- السلطان والشريعة.. هل انقطعت الصلة بينهما في العالم العربي؟ ...
- هل انتقل مسلحو القاعدة والدولة الإسلامية إلى بوركينا فاسو؟
- قراءة معمارية للأفكار الصوفية.. ما علاقة الإسلام بفكر التنوي ...
- يستهدف أكثر من 6000 مشاركة..”الشؤون الإسلامية” بالسعودية تنظ ...
- انتخابات تشريعية في بولندا حيث تمتزج الدولة بالكنيسة في بلد ...
- انتخابات تشريعية في بولندا حيث تمتزج الدولة بالكنيسة في بلد ...
- من هو حسن البنا -الساعاتي- مؤسس جماعة الإخوان المسلمين؟
- فوز إمام المسجد الناجي من -مذبحة كرايستشيرش- بمنصب رسمي بنيو ...
- بعد فصل معلمي الإخوان.. هل يمهد النظام المصري لتصفية موظفي ا ...


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - انعكاس الثقافة القومية على الأدب (9)