أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - تامر البطراوي - قراءة أكرونولوجية للتحولات المفاهيمية للسببة التراكمية والدائرية















المزيد.....


قراءة أكرونولوجية للتحولات المفاهيمية للسببة التراكمية والدائرية


تامر البطراوي

الحوار المتمدن-العدد: 5340 - 2016 / 11 / 11 - 02:54
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


ظهر مصطلح العملية التراكمية (cumulative process) لأول مرة بمنتصف يونيو من عام 1898 ضمن دراسة لأستاذ الإقتصاد بجامعة لوند السويدي "كانت ويكسل" 1851 - 1926 (Knut Wicksell) –تم سجنه شهرين بتهمة إهانته لميلاد السيدة العذراء ليسوع- بعنوان "الأسعار والفائدة" (Interest and Prices) اعتبر خلالها أن هناك علاقة عكسية ما بين مستوى الفائدة والأسعار ، فمع انخفاض مستوى الفائدة عن المعدل الطبيعي يرتفع الطلب وترتفع الأسعار بطريقة تراكمية أطلق عليها التضخم التراكمي (cumulative inflation) ليبدأ مع كانت اتجاه جديد يهتم بالبعد التاريخي لعملية التراكم ، وفي يوليو من نفس العام ظهر بأمريكا مصطلح "السببية التراكمية" (cumulative causation) والتغير التراكمي (cumulative change) مع ظهور الإتجاه المؤسسي الجديد والذي اهتم بالدور المؤسسي بشكل أكبر من اهتمامه بالسوق والأسعار بريادة عالم الإقتصاد الأمريكي النرويجي "ثورشتاين فيبلن" 1857 - 1929 (Thorstein Veblen) –تم طرده من وظيفته الجامعية بجامعة ستانفورد عام 1909 لإنتقاده اللاذع للحكومة الأمريكية- وذلك بمقال له بعنوان "لماذا الإقتصاد ليس علم تطوري؟" (Why Is Economics Not an Evolutionary Science) كسؤال استنكاري رفض من خلاله الفكر الكلاسيكي حول استاتيكية القوانين الإقتصادية ، واعتبرها قوانين ديناميكية تتغير بتغير الظروف والبيئات ، وأشار بمصطلح "السببية التراكمية" إلى التغير التراكمي الذي يطرأ على الحياة الإقتصادية بالتركيز على التغير المؤسسي (institutional change) –المؤسسات الإقتصادية- وأثره على التطور الإقتصادي ، لقد قام فبلن بتطبيق مبادئ التطور الداروينية على النظرية الإقتصادية ، فناقش بنفس المنطق التطور التاريخي للمؤسسات الإقتصادية والإنتخاب الطبيعي ، وأطلق على العوامل التي تمنح الكائن الإقتصادي المؤسسي فرص البقاء والنمو مصطلح "السببية التراكمية" ، إن مصطلح السببية التراكمية الفابلينية (CCV) يشير بشكل أساسي إلى تسلسل التطور الإيجابي للمؤسسات الإقتصادية من حيث السبب والنتيجة في ضوء المبادئ الداروينية ، فنتيجة التغير التسلسلي التراكمي –الإيجابي- ترجع أسبابها للعلاقة المتبادلة ما بين تغير المؤسسات الإقتصادية وتغير سلوك الأفراد والبنية الإجتماعية في شكل علاقة دائرية ومتراكمة ، وبعد ثلاثين عام من ظهور مصطلحات العملية التراكمية لكانت بالحقل المالي ، والتغير التراكمي والسببية التراكمية لفبلن بالحقل المؤسسي ، ظهر نفس المعنى التراكمي مع يونغ بحقل النمو الإقتصادي الإقليمي بتأثر بفابلن ، ففي عام 1928 ربط أستاذ الإقتصاد الأمريكي بجامعة واشنطن ومدرسة لندن للإقتصاد "إلين أبوت يونغ" 1876 – 1929 (Allyn Young) في بحث له بعنوان "زيادة العائدات والتقدم الإقتصادي" (Increasing Returns and Economic Progress) ما بين المعنى التراكمي للسببية التراكمية الفابلينية (CCV) وما بين المفهوم الكلاسيكي لمصطلح "تزايد العوائد" (increasing returns) والذي ارتبط بمعضلة سميث (Smith dilemma) ، أو بمعنى أدق الإشكالية التي وقع فيها سميث حينما اعتبر أن التوازن التنافسي (competitive equilibrium) -في ظل سوق حر- سيلغي تزايد العوائد (absence of increasing returns) ، وفي نفس الوقت اعتبر أن التخصص وتقسيم العمل مع اتساع السوق سيؤدي إلى تزايد العوائد ، بمعنى أن سميث اعتبر أن التفاوت ما بين متوسطات الدخول بالمناطق الفقيرة والمناطق المتقدمة سيختفي بفعل مبدأ اليد الخفية وفي نفس الوقت أقر حدوث التزايد مع زيادة تقسيم العمل والتخصص ، إلا أن بعض الباحثين اعتبر أنه لا توجد إشكالية ، ففي ظل سوق حر ستنتقل رؤوس الأموال تجاه المناطق الأقل تقدمًا للإستفادة بالتكلفة المنخفضة للعمالة ، مما سيؤدي في النهاية إلى تحقيق توزيع متوازن لمعدلات التنمية ، أما مارشال فقد اعتبر أن وفورات الحجم (economies of scale) أو تزايد الغلة (increasing returns) يمكن أن تتحقق مع المزايا التنافسية وبالتالي ظهور التفاوت في متوسطات الإنتاجية ، لقد تأثر يونغ بفابلن خاصة أثناء عمله بجامعة ستانفورد بكاليفورنيا حيث كان يونغ شابًا (30 عام) حينما رأس قسم الإقتصاد بها خلال الفترة (1906 - 1910) وهي الفترة التي طرد خلالها فابلن تعسفيًا (1909) ، وقد اتضح ذلك التأثر حينما قام يونغ بتطوير مفهوم مارشال للنمو والتفاوت الإقليمي لتزايد العوائد وفقاً لخواص تنافسية ذاتية ودمجه بمفهوم السببية التراكمية الفابلينية مع تحديده للخواص التنافسية بالبعد التكنولوجي وتبني سياسات التصنيع والتي تعمل كآلية ذاتية دائرة للتراكم فيما يعرف بالسببية التراكمية ليونغ CCY (progressive and propagates itself in a cumulative way) .. مرة أخرى إلى السويد وعودة إلى التغير التراكمي الذي ظهر مع السويدي كانت ويكسل عام 1898 بالحقل المالي والذي تأثر به العديد من الإقتصاديين السويد لاسيما "غونار ميردال" 1898 – 1987 (Gunnar Myrdal) والذي أصبح فيما بعد أستاذًا للإقتصاد السياسي بجامعة استوكهولم ، والذي اتضح تأثره بويكسل بأطروحته للدكتورا "مشكلة التسعير والسلع البديلة" (The pricing problem and the fungibility) حول دور التوقعات في تكوين الأسعار (the role of expectations in price formation) والمبنية على أساس نظرية ويكسل "العملية التراكمية الذاتية" (cumulative process of endogenous) ، كما ارتبطت نشأة ميردال بأوائل القرن العشرين وصعود التيار الإشتراكي بالإتحاد السوفيتي بتأثره بالتخطيط الإقتصادي بل واعتبره من ضمن السياسات الضرورية للدول النامية ولذلك برز ميردال ضمن الإتجاه الجديد المعارض للأرثوذكسية الإقتصادية المحافظة بالسويد فيما يُعرف بـ "مدرسة استوكهولم" والتي كانت بريادة أستاذ الإقتصاد السياسي بجامعة استوكهولم "جوستاف كاسيل" 1866 – 1945 (Justaf Cassel) ، وما بين عامي 1925 و 1929 قام ميردال بالدراسة ببريطانيا وألمانيا ، ثم الولايات المتحدة خلال الفترة من 1929 إلى 1930 ، وعودةً إلى السويد مرة أخرى وبعد اطلاع بتوسع على أدبيات الأمريكي فابلن حول التراكمية المؤسسية ليقوم ميردال بوضع عمل سيكون له أثر مستقبلي بالغ الأهمية يدمج خلاله ما بين مفهوم كانت ويكسل للتراكم السعري ومفهوم فابلن للتراكم المؤسسي وذلك بكتابه الثاني "التوازن النقدي" (Monetary Equilibrium) والمنشور عام 1931 ، والذي طور خلاله مصطلح ويكسل "العملية التراكمية" (cumulative process) بكتاب "الأسعار والفائدة" عام 1898 ذو دلالة الآلية الذاتية للتضخم لينقله لأول مرة إلى اصطلاح "السببية التراكمية" (cumulative causation) والذي ظهر مع الأمريكي "فبلن" عام 1898 للدلالة على التسلسل التراكمي المؤسسي وعلاقته بالبعد الإجتماعي ، أي أن استخدام ميردال الأول لمصطلح السببية التراكمية كان للدلالة على التراكم السعري غير العادل أو التضخم ، لقد كان ميردال سياسيًا أيضًا بالإضافة لكونه خبيرًا اقتصاديًا أكاديميًا وعالم اجتماع ، حيث تم انتخابه مرتين بالبرلمان السويدي (1934-1936، 1942-1945) ، وخلال فترة عمله الثانية بالبرلمان السويدي نشر كتاب بعنوان "المعضلة الأمريكية" (An American Dilemma) عام 1944 تناول خلاله مفهوم الحلقة المفرغة للعلاقات اللامتكافئة بين السكان البيض والسود ، والتي أطلق عليها أيضا نفس المصطلح "السببية التراكمية" والتي تعمل كآلية ذاتية متصلة على تفقير طبقة السكان السود وثراء طبقة السكان البيض بالولايات المتحدة ، إلا أنه وصاغ هاهنا لأول المصطلح الأكثر شهرة "السببية التراكمية والدائرية" أو "الحلقة المفرغة للتراكم" أو "العلية الدائرية والتراكمية" (Circular and cumulative causation) واختصارا نظرية ميردال للسببية التراكمية والدائرية (CCC) والتي تعني الحلقة المفرغة (vicious circle) لتراكم التنمية وترسيخ التخلف بين الطبقات الإجتماعية والتي ترجع لعوامل اجتماعية واقتصادية ، وبذلك انتقل مفهوم السببية التراكمية من التغير المؤسسي مع فابلن عام 1898 إلى التراكم التضخمي مع ميردال 1931 بالتحول الإصطلاحي لمفهوم كانت ويكسل ، ثم التراكم الطبقي غير العادل مع ميردال 1944 والنمو الإقتصادي غير المتوازن بين الطبقات الإجتماعية لأسباب ذاتية اجتماعية واقتصادية ، وفي نفس العام (1944) كان الإقتصادي الألماني الأمريكي "كارل وليام كاب" 1910 – 1976 (Karl William Kapp) -أستاذ الإقتصاد بجامعات نيويورك ثم بازل بسويسرا ثم السوربون بفرنسا- قد أنهى الفصل الثالث والجزء الجوهري بمشروعه البحثي المتوسع والشهير "التكاليف الإجتماعية للمشروعات الخاصة" (The Social Costs of Private Enterprise) والمنشور عام 1950 ، وقد تناول بفصله الثالث موضوع "التكاليف الإجتماعية والعوائد الإجتماعية: تحليل نقدي للأداء الإجتماعي للسوق غير المخطط" (Social cost and Social Return: a critical analysis of the social performance of the unplanned market) وإن كان مصطلح "العوائد الإجتماعية" (Social Return) قد انتقل إلى اصطلاح "المنافع الإجتماعية" (social benefits) فيما بعد ، لقد قام كاب خلال تحليله للتكاليف الإجتماعية للنمو الإقتصادي بتطبيق مفهوم "السببية التراكمية الفابلينية" وبشكل أكثر تفصيلاً ومنهجية للدلالة على أهمية التكامل ما بين العوامل الإجتماعية والبيئية والإقتصادية ، لقد كان اهتمام كاب منصبًا بشكل أساسي حول التنمية الآيكولوجية والتي أصبحت تُعرف بدءًا من السبعينات بالتنمية المتواصلة ، ولذلك فنموذجه حول السببية التراكمية والدائرية كان يقوم على الربط ما بين النظام الإقتصادي والإجتماعي والبيئي ، وفي عام 2015 قام "سيبستان برجر" (Sebastian Berger) -الأستاذ المساعد بكلية إدارة الأعمال بجامعة غرب انجلترا- بنشر كتابه المعنون بـ "النظرية النقدية في التكاليف الإجتماعية" (The Heterodox Theory of Social Costs) والذي ناقش خلاله النظرية النقدية لكاب حول التكاليف الإجتماعية وأفكاره حول ضرورة وضع ضوابط تنظيمية للحد من التكاليف الإجتماعية وتعظيم الفوائد الإجتماعية والتي عادة ما تهملها المؤسسات الإقتصادية في ظل النظام الحُر ، ولذلك فقد شهد عام 1944 ظهور مفهوم جديد لنظرية "السببية التراكمية" مع ميردال بالسويد وكاب بأمريكا عرف بنظرية "ميردال-كاب" (Myrdal-Kapp) والذي يتناول الآثار الإجتماعية السلبية التي تؤدي إلى الدائرة المفرغة للتراكم غير العادل ، وفي عام 1945 ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية تم تعيين ميردال وزيرًا للتجارة بالسويد (1945-1947) شغل عقبها منصب السكرتير التنفيذي للجنة الإقتصادية لأوروبا بالأمم المتحدة بجنيف خلال الفترة (1947-1957 ) والتي التقى خلالها بأستاذ الإقتصاد البريطاني البلغاري بمدرسة لندن للإقتصاد وجامعة كامبريدج "نيكولاس كالدور" 1908 – 1986 (Nicholas Kaldor) والذي أصبح فيما بعد اللورد كالدور ، والذي عمل معه بنفس اللجنة ما بين عامي (1947-1949) لتجمعهما بعد ذلك صداقة متصلة وتأثيرات بحثية هامة لاسيما حول أفكار ميردال السابقة والمتعلقة بالسببية التراكمية (1931 و1944) بتأثر بكانت وفابلن ، وأفكار كالدور حوال السببية التراكمية والتي كان قد اطلع عليها مع أعمال أستاذه يونغ ، لقد كان كالدور تلميذًا للأمريكي يونغ والذي عمل كأستاذًا لكرسي الإقتصاد بمدرسة لندن للإقتصاد عام 1927 ثم قام عام 1928 بتطوير نظرية مارشال حول تزايد الغلة والتراكمية السببية الفابلينية المؤسسية للإشارة إلى فكرة آلية المردود الإيجابي (positive feedback mechanisms) والتي تؤدي إلى التفاوت التراكمي الإقليمي المتواصل والذي يحدث بتبني التكنولوجيا وسياسات التصنيع CCY ، أي أن ميردال طور السببية التراكمية من اتجاه كانت ويكسل العملية التراكمية للتضخم والفابلينية المؤسسية ، أما كالدور فقد تبنى السببية التراكمية ليونج حول التراكمية الإقليمية والتي طورها من اتجاه الدمج ما بين نظرية مارشال وفابلن ، لقد كان لذلك الإلتقاء البحثي ما بين ميردال وكالدور أثر بارز في التبادل العلمي والتلاقح المفاهيمي والذي ظهر مع ميردال عام 1957 ، لقد كانت رؤية ميردال المائلة نحو الإقتصاد المخطط بالدول النامية محل قبول وتوافق مع السياسة الإقتصادية المصرية بالخمسينات والتي كانت تتبنى سياسات التخطيط المركزي ، وفي عام 1955 وأثناء عمل ميردال بالأمم المتحدة تمت دعوته من قبل الحكومة المصرية لإلقاء محاضرة شهيرة بالبنك الأهلي المصري ، قام البنك بنشرها عام 1956 ، ثم قام ميردال بالإتفاق مع البنك الأهلي المصري بإعادة تنقيحها ونشرها عام 1957 بكتابه المعنون بـ "النظرية الإقتصادية والدول النامية" أو "النظرية الإقتصادية والمناطق المتخلفة" (Economic Theory and Underdeveloped Regions) والتي تناول خلالها للمرة الثانية مصطلح "السببية التراكمية والدائرية" وإن كان هذه المرة قد تناوله وفق بُعد إقليمي وبتأثر من كالدور ويونغ ، لقد كان ميردال معارضًا قوياً لنظام السوق الحُر اعتبره بكتابه "النظرية الإقتصادية بالمناطق المتخلفة" (1957) بمثابة آلية تعمل بشكل مستمر على تراكم الثروة بالأقاليم والطبقات الغنية وترسيخ الفقر والتخلف بالأقاليم والطبقات الفقيرة ، لقد أصَّل ميردال لفكرة أنه في ظل قوى السوق الحُر فإن رأس المال المادي والبشري يُهاجر من المناطق الفقيرة إلى المناطق الغنية ومن أيدي الفقراء إلى الأغنياء ، وبالتالي ففي ظل تلك الآلية فإن الأغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقر ، لقد تبنى ميردال اتجاه الثورة على التبعية ، وإن كانت اضافته هاهنا البُعد المحلي والوظيفي للتبعية وما تُخلفه من علاقات لامتكافئة ، لقد اعتبر ميردال أن نفس العلاقة اللامتكافئة التي تحدث دوليًا ما بين دول المركز (center) والهامش (periphery) تحدث محليًا بين أقاليم نفس الدولة ، بالإضافة لمناقضته للمادية الجدلية الماركسية وعلاقتها البُنيوية وأخذه بالنظرية الوظيفية ، فإذا ماركس قد اعتبر أن العلاقة ما بين البنية الإقتصادية والفكرية علاقة بنيوية ، تبدأ من البنية الإقتصادية كقاعدة والتي يترتب عليها البنية الفكرية الإجتماعية الثقافية والسياسية كنتيجة ، أما ميردال فأخذ بالنظرية الوظيفي والعلاقة تبادلية التأثير ما بين المكونين ، إن نظرية ميردال حول التنمية الإقليمية "السببية التراكمية والدائرية" لتفسير ذلك اللاتكافؤ الحادث في ظل قوى السوق الحُر تقوم على فكرة أن الثراء يجذب الثراء والفقر يجذب الفقر ، ليس ثراءً اقتصاديا وحسب وإنما أضاف بالطبع البُعد الإجتماعي والسياسي والبيئي لنفس الفكرة ، مع إعمال الكُل وفق النظرية الوظيفية كعوامل تبادلية التأثير ، تقوم فكرة ميردال على أن الأموال تجذ الأموال والفقر يولد فقر ، الأموال بطبيعتها في ظل سوق حُر تتحرك باتجاه واحد تجاه الأثرياء أو المناطق الثرية بشكل عام لا العكس ، رؤوس الأموال التي تتولد بالمناطق الفقيرة تُهاجر إلى المناطق الأكثر تقدمًا ، العلم والثقافة يتجه تجاه العلم والثقافة والجهل والخرافة تتجه تجاه الجهل والخرافة ، إن المتميزين علميًا وثقافيًا من سُكان المناطق الريفية والفقيرة سيتجهون إلى المدن الأكثر تقدمًا بنفس المحل القومي حيث المزيد من العلم والإبتكار ، ثم تنتقل صفوتهم إلى الدول الأكثر تقدمًا وهكذا..، وعلى العكس فالبائسون بالدول المتقدمة غالبًا ما ينتقلون إلى المناطق النامية والمتخلفة ، العنصر البشري بعمومه سينتقل المميز منه من الأقاليم الأقل تقدمًا إلى الأعلى تقدمًا ، لقد أكد ميردال أنه في ظل سوق حُر سيعمل ذلك القانون "السببية التراكمية والدائرية" كحلقة مُفرغة حتمية يزداد خلالها الأغنياء أو الأقاليم الغنية غنىً ويزداد فيها الفقراء أو الأقاليم الفقيرة فقرًا ، فالثراء يجذب الثراء والفقر يجذب الفقر ، ومن ثم فالدول النامية يجب عليها أن تتدخل وبشكل ضروري لتوفيق أوضاعها بما يُحسن من علاقتها والتوزيع العادل داخليا وخارجيًا ، وبمنتصف الستينات بدأ اهتمام كالدور البحثي حول موضوع التفاوت الإقليمي للنمو الإقتصادي ينتقل من النظرية إلى التطبيق ، خاصة بعد تعيينه مستشارًا خاصا لوزير المالية البريطاني (Chancellor of the Exchequer) عام 1964 ، حيث تناول خلال محاضرة منشورة له عام 1966 أسباب بطء معدل النمو الإقتصادي بانجلترا عن معدلات النمو الأوروبية (Causes of the Slow Rate of Economic Growth in the UK) والذي اعتبرها ترجع لنقص العمالة في مجال التصنيع وعدم الإستفادة من فائض العمالة الريفية ، وإن كان قد غير رأيه لاحقا وأرجع أسباب تأخر النمو لأسباب تتعلق بميزان المدفوعات ، لقد كان كالدور بحكم صداقته بميردال من أكثر الملمين بأفكاره حول نظرية "السببية التراكمية والدائرية" والتي عمل على تطويرها خلال أعماله المنشورة بالأعوام (1966 ,1970 ,1972 ,1978, 1979, 1981, 1985) لتفسير أسباب بطء معدلات النمو الإقتصادي الإقليمي ، أو الأسباب الذاتية التي تؤدي إلى تواصل واستمرار حالة بطء معدلات النمو الإقتصادي بأقاليم وتسارعها بأقاليم أخرى ، ففي عام 1970 قدم نموذجه للنمو الإقتصادي الإقليمي فيما يعرف بنظرية كالدور للسببية التراكمية (CCK) للجمعية الإقتصادية الإسكتلندية وصف خلاله أفكار ميردال حول السببية التراكمية والدائرية بأنها ما هي إلا تزايد الإنتاجية (what Myrdal called the principle of ‘circular and cumulative causation’ [. . .] is nothing else but the existence of increasing returns to scale) ، وفي دراسة أخرى له بعام 1972 اعتبر أن مبدأ ميردال للسببية التراكمية والدائرية يتحقق عندما يصبح التغير في العوائد نحو التقدم والنمو متراكم بشكل ذاتي (with increasing returns change becomes progressive and propagates itself in a cumulative way. Myrdal) ، وبشكل عام فإن نظرية السسبية التراكمية والدائرية للتنمية والتخلف تتضمن بعدين أساسيين وهما: الإستقطاب أو الآثار العكسية السالبة (polarized´-or-back-wash effects) ويقصد به الهجرة المنتقاة (selective) للأيدي العاملة ورؤس الأموال والبضائع من المناطق الريفية إلى المدي أو المركز والسبب في هذه الهجرة يرتبط بوجود عوامل جذب في المركز وعوامل طرد في الهامش ، ثانياً الآثار الإنتشارية أو الإنسيابية الموجبة (spread´-or-trickle-down effects) والتي يقصد بها الآثار التقدمية التي تنتشر من المركز باتجاه الهوامش (الريف) لتنمية الإنتاج الريفي لا لشئ سوى الوفاء باحتياجات المدن ، وتعتمد سرعة ودرجة انتشار الآثار التنموية من المركز إلى الهوامش على المستوى والوضع التنموي للمركز ، فكلما كان هذا الوضع أفضل كانت سرعة ونوع وحجم الآثار الانتشارية باتجاه الهوامش أسرع وأكبر وأكثر كثافة.

تامر البطراوي، (2016). أبحاث في الإقتصاد السياسي، دار السلام، الأسكندرية.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,364,068,275
- روشتة مختصرة للخروج من الأزمة الإقتصادية المصرية الحالية
- ماكليلاند والدافعية للإنجاز.. دفع الهمم نحو التميز والتفوق و ...
- هايجن ورؤية ثقافية لتغيير المجتمعات النامية..
- الدرجة التحصيلية والإضافة العلمية ما بين النظرية والتطبيق وع ...
- ذِكرياتٍ فاحشة وآمالٍ لامُوحِشة
- السائحة (لا عفيف)..
- عاهرةٌ في حَيِّنا
- مقاربة أبستمولوجية
- الأصول النظرية لمفهوم العلم
- النظرية الإقتصادية الكلية مُقاربة تأصيلية
- المدرسة الإقتصادية للإسلاميون الجُدد
- مناقشة لبعض مواد الدستور المصري
- دستورية موضوع الهوية (دراسة مقارنة)
- الحُقبة الماركنتيلية الجذور السياسية والثقافية وانعكاساتها ع ...
- البكيني والحرب المُقدسة
- مقاربة أنطولوجية
- متى ظهر مصطلح الإقتصاد ومتى ظهر مصطلح الإقتصاد الإسلامي؟
- ثورة على أصنام المعبد
- الإقتصاد المصري منذ عصر الفراعنة وحتى حكم محمد علي
- النُظم الهيكلية بالنظام الإقتصادي العالمي الجديد


المزيد.....




- صراع الصين وأميركا.. أية انعكاسات على أسعار النفط؟
- الرئيس الإيراني: نواجه ظروفا صعبة في حربنا الاقتصادية مع واش ...
- مخرج كوري جنوبي يفوز بالسعفة الذهبية في مهرجان كان
- النفط السورية: عودة الخط الائتماني الإيراني -قد لا تكون قريب ...
- وعد الخطيب.. سورية تخطف -العين الذهبية- في -كان- 2019
- النفط السورية: عودة الخط الائتماني الإيراني -قد لا تكون قريب ...
- أغلى المدن للقاءات الرومانسية
- -إل جي- سخرت من -هواوي- فانقلب السحر على الساحر
- ترامب: لن نتكبد الخسائر في الحروب التجارية بعد الآن!
- بعد خبر استقالة ماي.. توقعات بانخفاض الإسترليني والأسواق تتر ...


المزيد.....

- السعادة المُغتربة..الحدود السوسيواقتصادية للمنافع الاختيارية / مجدى عبد الهادى
- تقييم حدود التفاوت الاقتصادي بين منطقتي العجز التجاري الامري ... / دكتور مظهر محمد صالح
- المحاسبة والادارة المالية المتقدمة Accounting and advanced F ... / سفيان منذر صالح
- الموظف الحكومي بين الحقوق والواجبات Government employee betw ... / سفيان منذر صالح
- حدود ديموقراطية الاستغلال..لماذا تفشل حركات الديموقراطية الا ... / مجدى عبد الهادى
- الثلاثة الكبار في علم الاقتصاد_مارك سكويسين، ترجمة مجدي عبد ... / مجدى عبد الهادى
- تجربة التنمية التونسية وازمتها الأقتصادية في السياق السياسي / أحمد إبريهي علي
- القطاع العام إلي أين ؟! / إلهامي الميرغني
- هيمنة البروليتاريا الرثة على موارد الإقتصاد العراقي / سناء عبد القادر مصطفى
- الأزمات التي تهدد مستقبل البشر* / عبد الأمير رحيمة العبود


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - تامر البطراوي - قراءة أكرونولوجية للتحولات المفاهيمية للسببة التراكمية والدائرية