أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عقيل الناصري - مناقشة هادئة: لأراسيات أهداف الثورة الثرية وما انجز منها: (2-3)















المزيد.....


مناقشة هادئة: لأراسيات أهداف الثورة الثرية وما انجز منها: (2-3)


عقيل الناصري
الحوار المتمدن-العدد: 5337 - 2016 / 11 / 8 - 14:45
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


مناقشة هادئة:
لأراسيات أهداف الثورة الثرية وما انجز منها: (2-3)
ترى ما هي القواسم المشتركة بين هذه الاهداف ذات الطبيعة الحزبية وأهداف اللجنة العليا التي سطرها قلم محسن حسين الحبيب وما كتبه ليث الزبيدي وغيرهم ؟؟ وتداخلها في الغائيات؟؟ وعن أي منها يمكن إعتماده في التحليل والبحث؟؟.
ومع كل هذا وتأسيساً على ما طرح من الأهداف المتقاربة بل ذات المضامين المتماثلة إلى درجة كبيرة، حول البرنامج المعتمد من قبل اللجنة العليا, التي تمحورت, حسب قراءتنا, على المجالات التالية في تشابكها الجدلي والواقع العراقي وزمنيته وتفاعلها مع محيطه الإقليمي والدولي:
- الحفاظ على الوحدة الوطنية العراقية في علاقتها الجدلية مع الإنتماء للأمة العربية؛
- تحديد حدود للحريات الديمقراطية (الحزبية, النقابات, الصحافة, وسائل التعبير...الخ)؛
- معالجة المسألة القومية وخاصةً الكردية وحقوق التكوينات القومية والدينية ؛
- القيام بالإصلاحات الأجتصادية لصالح الفئات الوسطى والفقيرة في المدن والفلاحين في الريف؛
- إقامة علاقات متميزة مع العربية المتحدة ومناصرة حركات التحرر العربية وبالأخص فلسطين والجزائر؛
- الخروج ما أمكن من تبعية العراق للعالم الغربي وأحلافه العسكرية بخاصة حلف بغداد؛
- إتباع سياسة الحياد الإيجابي وعلاقات دولية قائمة على التعاون المتبادل والمصالح المشتركة.
لكن المنجز مما حققته الثورة قد تجاوز هذه الاهداف، بمساحة زمنية طويلة ، وبسعة اجتماعية شملت الكثير من الفئات والمناطق، وهذا ما سنلاحقه في قراءتنا التالية. ونستطيع من خلال النظرة التاريخية لتطور العراق المعاصر، القول بكل موضوعية، إن التغيير الجذري في 14 تموز 1958 قد اعاد انتاج ذاته في سياق تحقيق غائياته وأهدافه وأمسى ثورة بكل معنى هذا المفهوم العلمي. ومن المفروض أن تختلف أية ثورة عن الانقلاب الفوقي في سمتين أرأسيتين هما:
- المشاركة النشطة للجماهير بدلاً من سلبيتها ؛
- واستمرارية التغيير مقابل الحدث الواحد.
لهذا وعلى وفق هاتين السمتين يمكننا إعتبار ثورة 14 تموز كانت تدشيناً لثورة عملاقة. لكن لا يمكن مقارنتها، طبعاً، بالثورة الفرنسية أو الروسية أو الكوبية .. التي كل منها لها سماتها الخاصة فالثورة الفرنسية هزمت الاقطاع وفتحت الباب نحو اوربا الرأسمالية. والروسية نقلت العالم إلى التشكيلة الاشتراكية وإلغاء الطبقات والملكية العامة لوسيلة الانتاج، وللكوبية سمتها الأرأسية وهي اعتمادها على حرب العصابات وصولا إلى السلطة.
وعلى ضوء ذلك بأمكاننا تبني فرضية مفادها، سبق وأن طرحها المبدع الشهيد كامل شياع ، التي تمحورت في أن التغيير الجذري في تموز قد "... دشن سياقا تاريخيا يختلف جذرياً عما سبقه من حيث :
- نواحي القضايا التي تبنتها؛
- القوى المحركة لها؛
-والافق التاريخي لمشروعها التحرري... ".
والاستنتاج الذي نخرج به من حصيلة ذلك يتمحور في: إن اهداف الثورة تشمل نظرة اوسع، على الاقل في الأفق التاريخي للتغيير، مما طرحه بعض أعضاء اللجنة العليا للضباط الأحرار، وجبهة الاتحاد الوطني وكذلك ما طرحه الحزب الشيوعي ناهيك عما طرحه بعض ضباط التيار العروبي.
كما يمكننا بعد إستتباب العواطف والرؤى من القول: أن قيادة التغيير الجذري في 14 تموز التي سبق وأن رسمت وخططت لهذا التغيير قد استوعبت تطابق الضرورة التاريخية مع ظروفها للعراق الملكي، كما نعتقد، ولهذا كان منطلق ماهياتها السياسية والهوية الجماعية للبلد، على اساس الوطنية العراقوية ، كأحد مستلزمات الضرورة ، وكي تصبح اداة للصيرورة التي تحقق افقها التاريخي والقضايا التي تبنتها، وتنطلق من هذه الأولوية في انفتاحها على الانتماء مع الارحب/ الأمة العربية، بغية بناء مجتمع عصري تعددي يجمع وسطيا بين الوطنية والقومية، وإمكانية بناء الدولة على اسس مشاركة اغلب التكوينات الاجتماعية العراقية. أي دولة عابرة للطائفية السياسية، غير متمذهبة، حيث وجد هذا التوجه الرفض التام من التيارات السياسية العروبية، سواءً في العراق أو محيطه العربي، والأكثر تحديدا الناصرية واحزابها المنتشرة في المشرق العربي.. رغم أن هذا النمط المتبنى من قبل سلطة تموز، كما يرى كم كبير من القوى الاجتماعية ومن الباحثين للظاهرة العراقية الحديثة، هو الأكثر ملائمة مع ماهيات التكوينات الاجتماعية وظروفها ببعدها التاريخي وجغرافية المكان ومقوماتنه الاستراتيجية. وهذا ما تدلل علية طبيعة المهام المطروحة الان في الجمهورية الثالثة، وما أثارته الحكومات المتمذهبة من إشكاليات تهدد الكيان العراقي برمته.
شرعية السلطة:
ومن الجدير بالذكر ومن الناحية النفسية من إن علاقة الدولة بمواطينها يجب ان يسود على وفق منطق وبنود العقد الاجتماعي والقبولية العامة لما لها من إنعكاسات على ذات التطور الاجتصادي والنفسياسي، أما بعكس ذلك :
** "... حين لا تنشأ السلطة على شاكلة الشعب، اي حين تتناقض الخصائص النفسية للسلطة مع مزاج الشخصية الاجتماعية السائدة في البلد، تغترب الدولة عن ذاتها وعن المجتمع، وقد تعاني الإزدواج أو التشظي حدّ الفساد والانحلال .
**حين تستمد السلطة هيبتها من سلطة أعلى (كالبطش أو الإله أو جيش احتلال) لا من إلتفات الناس الطوعي حولها وتأييدهم العقلاني لها، ينسحب المجتمع إلى أقصى تخوم الهامش، ويصبح التطور الاجتماعي محض ذكرى بعيدة .
** إذا كانت السلطة تعاني من أعراض العُصاب السياسي ممثلاً بممارسة قيم الموت والعنف وعاداة الجمال ، فيما يصر المجتمع على ممارسة صحته النفسية الجمعية ممثلةً بالدفاع عن قيم حياته اليومية بكل ما تتضمنهم من علاقات اجتماعية واقتصادية وجمالية ذات طابع مدني سلمي، حينذاك تتراكم نطفُ التغيير بعيداً وعميقاً في رحم المعاناة ، وتصبح قيود في معصمي مجتمعٍمثقلٍ بالحديد مفاتيحً مستقبلٍ زاهر ... ". وهذا ما شهدناه في مختلف الحكومات التسلطية سواءً الملكية أو في الجمهوريات الثانية والثالثة وهذا ما يوضحه بجلاء الماهيات التاريخية للنظام السياسي المعاصر.
وقبل الدخول في ماهيات الثورة، فسوف يطرح السؤال التالي نفسه بقوة: ترى في ظل المطالبة بالتحولات الديمقراطية وتحقيق التنمية الاجتصادية الفكرية، بعد الحرب العالمية الثانية بخاصة، وعلى وفق منظورها، هل يمكن إعتبار، ما قامت به حركة الضباط الأحرار بزعامة عبد الكريم قاسم، إنقلاباً على الشرعية الملكية ؟؟ وفي الوقت نفسه ستثار جملة من الآسئلة منها: من أين استمدت الملكية شرعيتها؟؟ وما هي المضامين الأراسية لهذا التغيير الجذري في تأريخية الظاهرة العراقية؟؟ ومدى تطابقه مع منطق التغيير بحد ذاته وملائمتها للحداثة كمبرر إلى الانقلاب على الشرعية؟؟ وغيرها من الآسئلة المتعلقة بذات الموضوع وماهياته.
وقبيل الإجابة لابد ان نعرف من اين تكسب الانظمة الشرعية ومقبوليتها؟. أعتقد أن أُسها الأراس هو: قبول الأغلبية الشعبية بالحكم وممارسة السلطة، بما فيها حق اللجوء إلى القوة إذا اقتضى الأمر ذلك. ومن الناحية النظرية المجردة، هناك مصادر متعددة لهذا التساؤل: "... فإن غالبية التعريفات المعطاة للشرعية هي في الغالب غامضة وغير محددة بشكل دقيق، فبالنسبة ل د. كولاس، كل ما هو مؤسس قانونياً أو عقلياً أو قيمياً هو شرعي. كما يرى بول ياستيد: أن مصطلح الشرعية يعني أسس السلطة وتبرير الخضوع أو الطاعة الناجمة عنها. وقد جاء تعريف ميشيل دوبري للشرعية الأكثر وضوحاً إذ يرى أن الحكام يجب أن يستندوا إلى احتياطي من الشرعية أو(الدعم الاستشاري) مما يقتضي أن يكون هؤلاء الحكام (شرعيين) بطريقة أو أخرى. فالحكام والمؤسسات التي يمارسون السلطة من خلالها والسياسات العامة التي يضعونها وينفذوها، يجب أن تتوافق مع معتقدات المحكومين وقيمهم وميولهم ومشاعرهم، أو لا تبتعد عنها صراحة أو بشكل دائم...
وبالنسبة لموريس دوفرجية: يكون شرعياً كل نظام سياسي يتمثل للاجماع الشعبي. ووفق هذا المنظور، يكون شرعياً ليس فقط النظام الذي يعمل وفقاً لقيمه الخاصة، وإنما أيضاً ذلك الذي يستجيب على الأقل بشكل ضمني للتطلعات الشعبية... وأخيراً يشير توبيرتو بوبيو إلى أن السلطة الشرعية هي سلطة ذات السند الصحيح. السلطة المشروعة هي سلطة ممارستها صحيحية. الشرعية هي الزاوية التي يقف فيها عادة صاحب السلطة. المشروعية هي الزاوية التي يقف فيها عادة الرعية. وعندما يتذرع الحاكم بالشرعية يتذرع الرعية بالمشروعية... بالنسبة للحاكم، الشرعية هي التي يؤسس حقه والمشروعية هي التي تؤسس واجبه. أما بالنسبة للرعية على العكس فشرعية السلطة هي أساس ومرتكز واجبه في الطاعة والخضوع. ومشروعية السلطة هي الضمانة الاساسية لحقه في أللاّ يُضطهد...
فمفهوم الشرعية يجب أن يتم تحديده من خلال علاقته وترابطه مع مفهوم الموافقة والقبول ومع شبكة المعايير التي يحصل بصددها التوافق بين أفراد المجتمع ، ومع القانون الذي يعد عنصر حماية وتعميم للاتفاق حول الشرعية، التي تتمتع بقيمة سياسية خارجة عن إطار التنظيم القانوني، وترمي إلى إيجاد حل لمشكلة سياسية أساسية هي تبرير السلطة السياسية والطاعة في الوقت ذاته... ".( التوكيد منا-الناصري)
في الوقت نفسه يعطي د. حكمت حكيم، مفهوما أوسع وأوضح لمفهوم الشرعية، حيث يقول:
"... يتمثل جوهر مفهوم الشرعية بقبول الغالبية العظمى من المواطنين لحق الحاكم في ان يحكم، وهذا القبول من عدمه يجري في ظروف شفافه وليس عن طريق الاذعان، قد يكون سبب قبول المحكومين لحق الحاكم في ان يحكم بوحي من معتقداتهم الدينية، او بسببب اعجابهم الشديد بصفاته وخصاله الايجابية وما يجسده من قيم ومثل عليا، او لانهم اختاروه بشكـل حر وطوعي ( بشكل ديمقراطي واعطوه هذا الحق لمدة معلومة)... إذن مفهوم الشرعية بهذا المعنى هو المقابل المصطلحي لمفهوم البيعة في التراث العربي الاسلامي كما اشار اليه ابن خلدون، وتعتبر كتابات عالم الاجتماع الالماني(ماكس فيبر) منذ قرن تقريباً المرجع الرئيس في عالم السياسة حول مفهومي الشرعية والسلطة، (اكد ماكس فيبر على ان الشرعية يمكن ان تستمد من واحد او اكثر من المصادر الثلاثة المتمثلة بالتقاليد والزعامة الملهمة والعقلانية القانونية،.. ".
ومن هذه التعاريف وغيرها يمكننا ان نستنتج ونستنبط جملة معايير، سياسية وقانونية، للشرعية تتمثل، حسب اعتقادي في:
- القبول العام والتأييد الشعبي ؛
- التداول السلمي للسلطة بين المكونات الاجتماعية وقواها السياسية؛
- البرنامجية والغائية المستهدفة ؛
- المؤسسات السياسية المستديمة ؛
- مدى تطابقها مع روح العصر والحداثة ؛
- من تبني مصالح الأغلبية الشعبية .
لو طبقنا هذه المعايير على السلطة الملكية، فنرى أنها اكتسبت شرعيتها (الشكلية) وقوتها الاجتماعية من عدة مصادر هي :
- قوى الاحتلال البريطاني الأول، أي من خارج البنية الاجتماعية التي تسيطر عليها وتحكمها ؛
- وتعمقت من خلال تزوير مضابط التعين والاستفتاءات الصورية والتدخل المباشر بالانتخابات (التعينات) المتحكَم بها مع سبق الأصرار، رغماً على كل الشرائع الدستورية والقانونية والاخلاقية، باعتراف الشخصيات المحورية في النظام ؛
- من مصادر القوة المادية والمعنوية للارستقراطية التقليدية في المدينة والريف ؛
- من قوة الأرث المعنوي التي أضفتها المؤسسة الدينية ؛
- من عناصر القوة التي امتلكتها مؤسسات العنف المادي ( الجيش وقوى الأمن الداخلي)
- من الأرث المعنوي لعائلة فيصل الأول، بإعتباره يمت بصلة إلى الأسرة النبوية ، صدقا أم كذبا.
اما من حيث مضمون الشرعية التي استندت إليها السلطة الملكية وقننتها دستورياً، فقد أنتهكتها حكوماتها المتعافبة برمتها بدون استثناء، على وفق عدة مؤشرات ومعايير ومواضيع اجتصادية وسياسية ، انصبت على الماهيات الأرأسية لكل من الظواهر والمظاهر التالية:
- لم يعبر العقد الاجتماعي (بين السلطة والمكونات الاجتماعية)، عن أماني وحقوق كل المكونات، حيث تركزت السلطة بيد مكون واحد بالأساس دون المشاركة الحقيقة للمكونات الأخرى في قرار السلطة ؛
- تقوم العلاقة بين النخبة الحاكمة والمكونات الأخرى على أسس مصلحية / زبائنية ضيقة؛
- الانحياز الطبقي الفاضح ومحاباة الملاكين الكبار وشيوخ العشائر والفئات الغنية وكبار المسؤولين ؛
- الاهمال شبه التام لغالبية للمجتمع وغياب العدالة الاجتماعية وشيوع التفاوت في توزيع الدخول حيث حالة الفقر والتخلف والحاجة لازمت وجودهم الاجتماعي ؛
- شيوع وتعمق قانون التطور المتفاوت بين المناطق الحضرية والريفية ؛
- انتهاك الدستور الذي سنته وأدارت السلطة، بمناسبات كثيرة، بالمراسيم والقرارات والاحكام العرفية ؛
- عدم نجاح كل الحكومات الملكية في تحقيق التنمية الاجتصادية والثقافية ولا في عصرنة الحياة ؛
- عرقلة التداول السلمي للسلطة بين الطبقات والقوى الاجتماعية ؛
- احتكار رسم السياسات العليا بدون مشاركة قوى الاجتماعية أو ممثليهم الحقيقيين، مما ادى إلى ضعف الديناميكية السياسية ؛
- كبح الممارسة الديمقراطية الحقيقية التي لا تعمل في فراغ، بل على وفق النظام الاجتماعي القائم ؛
- احتكار فئة قليلة (أولغاركية) للسلطة التنفيذية (166 وزيرا تداولوا 778منصبا وزاريا ) ؛
- احتكار23 عائلة لحركة رأس المال وبين 50-60 عائلة على السلطتين التنفيذية والتشريعية ؛
- سيطرة الاقطاع وسراكيلهم والشيوخ وأنظمتهم وقيميهم على الحياة في الأرياف ؛
- سيطرة ذوي الأصول العسكرية على السلطة التنفيذية وبخاصة الوزارات السيادية ؛
- ربط العراق بالاحلاف العسكرية والتي لا فائدة للعراق منها ؛
- التبعية الاقتصادية للمراكز الرأسمالية والتحكم بالدينار العراقي ؛
- سيادة العقلية العثمانية وما رافقها من فلسفة سكونية أعتمدت على التراث السيسيولوجي والثقافي ؛
- عدم السماح للطبقات الأخرى المساهمة في إدارة الصراع الاجتماعي في محيط سياسي متغير بسرعة ؛
- اعتمدت كل الحكومات الملكية على القوة والعنف في تثبيت قرارها المركزي وسريان مفعوله ؛
- كانت اكبر نقاط ضعف النظام الملكي فشله ببناء مؤسسات سياسية مرنة قابلة للاستمرار ؛
- فشل النظام السياسي الملكي في مأسسة شكل ديمقراطي تشاركي عبر مؤسسات المجتمع المدني .
وهكذ من التحليل اعلاه، وبتكثيف شديد، يمكننا القول أن الحنين للملكية في العراق ربما يكون حنيناً لاستقرار متخيل لكنه غير واقعي وليبراليته مصطنعة. لأنه كما يوضح تاريخ العراق المعاصر بجلاء، أن الدولة العراقية عندما تأسست على يد قوى الاحتلال الأول (1914- 1932)، كانت تحمل في ثناياها العديد من التشويهات والازمات البنيوية التي لا زمتها، بعضها مفتعل ؛ والآخر من صميم واقع التخلف العراقي ؛ وثالثةً من تبعات الاستعماريين العثماني والبريطاني ؛ ورابعهما من فشل الحكومات في احداث نقلة نوعية في العقلية العراقية ومنطلقاتها الاجتصادية والحداثوية ؛ وخامسهما من طبيعة القوى الطبقية التي قادت السلطة ؛ وسادسهما من ماهيات قوى الاحتلال واستراتيجيتها للعراق والمنطقة.
ومن نافلة القول فقد واجهت هذه الدولة مشكلات وتحديات هائلة، ولكن بسبب طبيعتها الطبقية المتمذهبة وقسوة الظروف وماهية رجال التأسيس وضيق افقهم وسيطرة العسكريين على مفاصل السلطة الرئيسية وعثمانيتهم المنغلقة... الخ فقد فقدت بوصلة تطورها لأنها لم تستفد مما في تراثها من حكمة المؤسسات المدنية التقليدية، ولا هي سمحت بمساحة كافية للمؤسسات الحديثة التي رافقت نشوئها، والتي اقتضتها مستلزمات التشكل. لذا كانت نزعة العنف المادي والمعنوي قد لازمتها سواءً في المجال الرسمي أو/و اللا رسمي. والذي بدوره انعكس كل ذلك في تعميق الأزمة البنيوية لها المتصتعدة مع الزمن والتي تطورت مع تطور مؤسساتها من جانب، والوعي الاجتماعي في تجلياته من جانب آخر، وبنية الصراع الطبقي الذي شهدته وجملة التناقضات التي تكدست بين ولوج المستقبل وسكونية الاعتماد على الماضي والمصالح الطبقية الأنوية من جهة ثالثة
وتأسيسا على مجمل ما ذكر يمكننا التأكيد على أن ثورة 14 تموز، قد ورثت كم كبير من الاشكاليات الاجتصادية والسياسية بل وحتى المؤسساتية، من المرحلة الملكية السابقة. لكنها تصدت لها بجملتها، ضمن سياق تحقيق ذاتها وشرعيتها الاجتماسياسية من خلال الصيرورات والأفكار والغائيات المنصبة على الإنسان كقيمة مطلقة لذاته وبخاصة ألانسان المستلب والفقير. هذا التصدي وتلك الحلول، كان حسب الممكن والمتاح، ولم تظهر عبثاً بل على وفق الضرورات التاريخية للظاهرة العراقية وقانونيات التطور وأوالياته والاشكاليات الناجمة عن التغيير في بنية النظام السياسي وقواها الطبقية، التي باتت من الصعب تلاشيها، طالما كانت ضمن التاريخ الذي هو عملية الخلق الذاتي للإنسان عبر تطور عمله وانتاجه. وبالتالي فقد كانت الثورة وبرنامجيتها ومنطلق عراقويتها هي التهديد والنافي الطبيعي المتحدي للنزعة التسلطية القومانية، ملكية كانت أو جمهورية، وبالاخص الانتقائية البعثية، وتمذهبها ونظرتها الواحدية للتجانس الاجتماعي المفترض والرؤية العروبية للعراق المتعدد الاثنيات والمكونات.
وعليه ومن منطق المنطلق اعلاه، نتوصل كما توصل إليه المستعرب الفرنسي مكسيم رودنسون، من أن 14 تموز{ الثورة الحقيقة الوحيدة في العالم العربي} والاكاديمي حنا بطاطو من{ أن ثورة تموز هي ثورة أصيلة }. وأقول أنها أعظم حدث في الشرق الأوسط بعد نهاية الحرب الثانية ليس بالعراق وحده، بل عموم العالم العربي، وهي بمثابة الثورة الفرنسية، نسبياً، حيث نقلت العراق إلى عصر جديد، حيث انهزمت الاقطاعية وبدأت ملامح الراسمالية الموجه وتعددية الانماط الاقتصادية بما لها وعليها. كما حقق التغيير الجذري في 14 تموز الاستقلال السياسي وطرد طبقة الاقطاعيين والكومبرادور من التأثير الاجتماسياسي، كما طُردت بريطانيا من اهم قلاعها آنذاك في الشرق الأوسط. وكانت الثورة قد حققت بعضُ من الاستقلال الاقتصادي ووضعته في الطريق الرأسمالي الموجه وتحرير العملة من هيمنة منطقة الاسترليني البريطانية، كما انها فتحت الابواب على مصراعيها على القوى الاجتماعية العصرية وبالاساس الطبقة الوسطى بفئاتها المتعددة، التي ارتفعت وتائر نموها الكمي والنوعي وتأثيراتها على مجمل ابعاد الحياة وبالاخص التنويرية.
كما أن ما قامت به الثورة من إجراءات الاصلاحية قد وضعت العراق على سكة الحداثة، ليس المنجز الذي قامت به حسب، بل أن العديد من المنجزات التي حققتها الحكومات اللاحقة، لأنها قد تأسست على القاعدة المادية والفكرية التي بنتها ثورة 14 تموز. وتم تقوية الركائزية المادية والمعنوية للهوية الوطنية وتجسير الهوة الأثنية بين المكونات الاجتماعية الأرأسية وأكدت على المشتركات التعاضدية والتضامنية فيما بينها. كما تعتبر ثورة 14 تموز هي الحكومة الأولى في العراق المعاصر والوحيدة التي بدأت عملياً بالسير على طريق الحل الجذري لمشاكل الهامشيون اجتماعياً في مدن العراق قاطبة وبخاصة الكبرى منها ، وهم من ضحايا العلاقات شبه الاقطاعية بالريف بالاساس اثناء المرحلة الملكية .
الهوامش
15 - للمزيد راجع: اليعازر بعيري،ضباط الجيش والسياسة ، ص.175، مصدر سابق.
16 - كامل شياع، هل طوت ثورة 14 تموز فصلها الأخير ، الثقافة الجديدة، العدد310، ص, 55، بغداد 2003.
17 - د. فارس كمال نظممي، الأسلمة السياسية، ص. 75، مصدر سابق.
18- د. احمد ناصوري/ النظام السياسي وجدلية الشرعية والمشروعية، مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، المجلد 24، العدد الثاني، دمشق 2008 .
19 - حكمت حكيم، حول مفهوم الشرعية، الحوار المتمدن في 12/7/ 2004. http://www.ahewar.org
20 - لقد استمدت ثورة 14 تموز إحدى معايير شرعيتها من أهتمامها بالطبقات المسحوقة وذوي الدخول المنخفضة التي زخرت بهم المرحلة الملكية وأورثتها اجتماعيا وسياسيا لحكومة لثورة. تقول الاحصاءات الرسمية أنه: "...في أواخر عام 1956، لم يكن سوى (21%) من السكان يعيشون في مساكن دائمية مزودة بأنابيب للماء الجاري. قد افضى هذا الأمر إلى حدوث انقسام مادي صارخ بين ال (30%) من السكان الذين يشكلون الطبقة العليا الغنية والطبقة الوسطى الميسورة، وآل (70%) المتبقية الموجودة في قاع السلم الاجتماعي الاقتصادي التي كانت تعيش في فقر مدقع. وكان التفاوت في أقسى صورة في المناطق الريفية حيث أمتلك أقل من (1%) من مالكي الأراضي ( 55%) من الأراضي ، في حين ثلاثة أرباع الفلاحين كانوا يمتلكون أقل من (17%)من الاراضي . وفي واقع المر فأن الغالبية الساحقة من أسر الفلاحين كانوا لا يملكون أراضٍ أو كانوا كذلك تقريباً... " د. عديد دويشا، تاريخ العراق، ص. 150، مصدر سابق. كما أنه "... وأكثر من ذلك، ففي العام 1958 كان أكثر من ستة أسباع السكان لا يزال أمياً. وهناك عامل آخر لابد من التشديد عليه، ألا وهو أن الملكية، بتميزها عدداً أكبر من العراقيين عن الكتلة غير المتعلمة، كانت تمنح هؤلاء منزلة الطبقة الوسطى من دون أن تضمن لهم، على العموم، دخل الطبقة نفسها. وهنا يكمن أحد مصادر الاضطرابات التي كانت من المظاهر المتكررة في المدن والبلدات خلال العقد الأخير من العهد الملكي.." بطاطو، ج. 1، ص. 53، مصدر سبق.
21 - للمزيد راجع مذكرات الاشخاص المحوريين للمرحلة الملكية منهم : فاضل الجمالي؛ خليل كنه؛ عبد الكريم الأزري؛ توفيق السويدي؛ جميل الاورفه لي؛ رستم حيدر؛ ناجي شوكت ؛ جميل المدفعي ؛ أحمد مختار بابان ؛ علي جودت الايوبي وغيرهم. كذلك عبد الرزاق الحسني في تاريخ الوزارات العراقية.
22 - يتجلى ذلك في انتقال ملكية أرض العشيرة المشتركة إلى ملكية خاصة للشيخ، كذلك عدم شمول العلاقات الزراعية بالقانون المدني العراقي بل خصصت لهم قانون ( دعاوى العشائر) المحابي للشيوخ، كما تم شرحه سابقاً.
23 - لم يلزم دستور 1925 وتعديلاته 1943، أخذ موافقة السلطة التشريعية حول قانونية المراسيم والقرارات التي تتخذها السلطة التنفيذية، بل اكتفيا بعرضها على المجلس، وهذا ما حدى بالعديد من النواب إلى المطالبة بالتخلي عن فكرة إصدار المراسيم كليةً، نتيجة لتجاوزها حتى على الدستور ذاته. وما جملة المراسيم التي أصدرتها حكومة نوري السعيد الثانية عشر ( 3/8/54- 17/12/ 1955) التي حدت من الفعل الديمقراطي الشكلي وهيأت الاجواء لعقد حلف بغداد، إلا أحد الأدلة على الإستخدام التعسفي لحق إصدارها .وبلغ عدد القوانين والمراسيم التي اصدرتها كل الحكومات الملكية 27، حدت من حرية المواطن على وفق الدستور. أما عدد المرات التي طبقت فيها الاحكام العرفية منذ الاستقلال الشكلي عام 1932 ولغاية 14 تموز قد بلغت 16 مرة، اي غطت 40% من زمنية المرحلة الملكية. راجع، للمؤلف، الجيش والسلطة، ص. 344 وما بعدها، مصدر سابق.
24 - للمزيد عن تحليل بنية الوزارة الملكية بين العكسر والمدنيين راجع كتابنا الجيش والسلطة، مصدر سابق.
25- حنا بطاطو، الجزء 3، ص. 116، مصدر سابق.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,842,967,436
- مناقشة هادئة: لأراسيات أهداف الثورة الثرية ، وما انجز منها: ...
- نظرة مكثفة إلى: تاريخية الضباط الأحرار(4-4)
- نظرة مكثفة إلى تاريخية الضباط الأحرار( 3-4)
- نظرة مكثفة إلى تاريخية الضباط الأحرار(2-4)
- نظرة مكثفة إلى : تاريخية الضباط الأحرار في العراق : (1-4)
- أفكار عن صيرورات تشكل الدولة العراقية: (5-5)
- افكار عن صيرورات تشكل الدولة العراقية: (4-5)
- افكار عن صيرورات تشكل الدولة العراقية: (3-5)
- افكار عن صيرورات تشكل الدولة العراقية:( 2- 5 )
- افكار عن صيرورات تشكل الدولة العراقية ( 1-5)
- ضوء على كارزمية قاسم والجادرجي : (5-5)
- ضوء على كارزمية قاسم والجادرجي :(4-5)
- ضوء على كارزمية قاسم والجادرجي :(3-5) 2- كامل الجادرجي:
- ضوء على كارزمية قاسم والجادرجي : (2-5)
- ضوء على كارزمية قاسم والجادرجي :(1-5)
- الزعامة الكارزمية ( الملهمة):
- قراءة فكرية في: الظاهرة التموزية و ذاتها الموضوعية
- المثقف القروي ورجل الضل .. خير الله طلفاح نموذجاً
- من تاريخية الثورة الثرية : الانتلجنسيا العسكرية العراقية :
- عبد الكريم قاسم والانتلجنسيا ( المدنية والعسكرية):


المزيد.....




- تجول في محمية زاكاتالا.. إحدى أقدم المحميات الأذربيجانية
- السعودية: حجاج إيران مثل أي حجاج آخرين.. وقطر تتعنت
- طهران: ممارسات ترامب تسعد مجتمعنا
- استخباراتي أمريكي كبير ينفي تسجيل حوار ترامب بوتين الثنائي
- وصول باقي أهالي كفريا والفوعة إلى ريف حلب
- شاهد.. لحظة دهس طفلة في الصين
- اختبار ناجح جديد للدرع الصاروخية الروسية
- برلماني تركي معارض يفي نذره ويحلق لحيته
- مصرع 11 شخصا في انقلاب قارب سياحي وسط الولايات المتحدة
- هبوط اضطراري لطائرة أوكرانية بالقرب من مطار العلمين في مصر


المزيد.....

- الـــعـــرب عرض تاريخي موجز / بيرنارد لويس كليفيند ترجمة وديـع عـبد البـاقي زيـني
- الحركة القرمطية / كاظم حبيب
- لمحة عن رأس السنة الأمازيغية ودلالاتها الانتروبولوجية بالمغر ... / ادريس أقبوش
- الطقوس اليهودية قراءة في العهد القديم / د. اسامة عدنان يحيى
- السوما-الهاوما والسيد المسيح: نظرة في معتقدات شرقية قديمة / د. اسامة عدنان يحيى
- الديانة الزرادشتية ملاحظات واراء / د. اسامة عدنان يحيى
- من تحت الرمال كعبة البصرة ونشوء الإسلام / سيف جلال الدين الطائي
- فنومينولوجيا الحياة الدينية عند مارتن هيدجر / زهير الخويلدي
- رمزية الجنس في أساطير ديانات الخصب / محمد بن زكري
- نظام (نَاطِر كُرسِيَّا) - القسم الثالث والأخير / رياض السندي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عقيل الناصري - مناقشة هادئة: لأراسيات أهداف الثورة الثرية وما انجز منها: (2-3)