أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أبو الحسن سلام - جماليات الساكن والمتحرك في معرض منحوتات درامية















المزيد.....


جماليات الساكن والمتحرك في معرض منحوتات درامية


أبو الحسن سلام

الحوار المتمدن-العدد: 5331 - 2016 / 11 / 2 - 01:13
المحور: الادب والفن
    




يسيطر فكر المخرج المسرحي على خطة عرض الأعمال الفنية النحتية . في معرض زوسر مرزوق ، حيث يظهر دور ذلك الفكر الإخراجي المسرحي من خلال التسلسل الجغرافي في عرض منحوتات المعرض .
فإذا كان العرض المسرحي قائماً على فكرة أساسية أو مقولة يطرحها النص ويجسدها العرض ، فإن هذا المعرض يبدأ في حسن استهلال بتمثال يكثف لنا مقولته ، وهي حتمية تواصل الأجيال حتى لا ينفرط عقد هويتنا .
وإذا كان العرض المسرحي يبدأ فتتابع أحداثه تتابعاً تصاعدياً في المسرح التقليدي أو تتجاور أحداثه في المسرح الملحمي ، فإن معرض زوسر مرزوق قد عمد إلى خلق نوع من تجاور المنحوتات وفق نسق التسلسل الدرامي ، حيث تتجاور المنحوتات مجاورة موضوعية ، إذ يقول كل تمثال مقولته الدرامية من خلال التكوين الحركي السكوني اللوني الضوئي والظللي ، لينتقل المتلقي انتقالاً مكانياً نفسياً وذهنياً إلى المقولة الدرامية التالية في تسلسلها المتجاور مكانياً وموضوعياً ، بديلاً عن تتابع عرض المشاهد المسرحية وذلك أسلوب ليس غريباً على العروض المسرحية المابعد الحداثية التي تجتاح أوروبا وأمريكا في مطلع عصر العولمة ، وإن كان لها إرهاصات سابقة على ذلك من حيث الزمن . فهذه الأعمال النحتية التي هي معادلات نحتية لمقولات درامية متجاورة تؤدي في مجملها إلى المقولة الأساسية التي يعبر عنها بتمثالين أحدهما تمثال ( تواصل الأجيال ) الذي يستهل به المتلقي مشاهدته والآخر هو تمثال ( بلا نهاية ) الذي يشكل نهاية رحلة المتلقي في معرض زوسر مرزوق . فكأن المتلقي واقع بين تأثيرين أو بين قوسين نحتيين أو بين جبلين في رحلة استكشاف للمجهول الذي يقطع تواصل الأجيال وأدي بعالمنا المسرحي أو القومي إلى الدوران في فلك فراغي أجوف إلى مالا نهاية ، ذلك المجهول المتعدد الأشكال والأدوار المتوحد في الفعل المضاد للطرح الموضوعي والتكويني لفكرة تواصل الأجيال . ولعل في العناوين التي اختارها الفنان زوسر مرزوق لتماثيله ما يكشف لنا عن طبيعة التجاور الدرامي للمقولات التي يتضمنها كل تمثال من تماثيل ذلك المعرض النحتي الدرامي أو المسرحاني .. فالتواصل ينقطع نتيجة مأساة ثم تتلوها ( شقاوة صغار ) في شعبطاتهم وتسلقهم غير المشروع الذي أدى إلى فقدان الكيان الأساسي والحقيقي للمسرح المصري ولهيبته ، وتوزع طاقته ، وتشتت النظرة إليه وإنصراف النظر عنه إلى المحاولات التسلقية والصبيانية ، وتلك وجهة نقدية لمسيرة المسرح المصري في عشر السنوات الأخيرة ( مرحلة نفي النص وموت المؤلف والتخلي عن الريادات وسيادة شعبطات أو شخبطات نسبت إلى التجريب) وهكذا تتوالى المقولات الدرامية التي تعكسها أعمال زوسر الفنية ويؤدي كل منها إلى المقولة التي تليها وفق النسق الجغرافي عبر مسيرة التلقي. فالشقاوة تؤدي إلى الضغوط الضفدعية المتنافرة والمشرعة أفوهها الدموية في اتجاه الكيان الأساسي. ومن البداهة أن تؤدي الضغوط إلى صراع ، لذلك شغل تمثال ( صراع ) المستوى الخامس على خريطة المعرض في هيئة تكوين أساسي في المركز يتوسط تكوينين وكلاهما يحاول جذبه نحوه بالقوة وكأنه غنيمة أو تركة يتناوشها الطامعون بغض النظر عما يلحقونه بذلك التكوين الأساسي وهو هنا يمثل المسرح المصري الذي يتجاذبه أو يتصارع من أجل السيطرة عليه تكتلان أحدهما تكتل الفنانين والآخر تكتل الإداريين ، مما أعاق حركته أو أصابه بالشلل ، ويعلو دور التعارض اللوني بين كل من جهتي الشد والجذب المتصارعين ليؤكد ذلك التعارض أو التناقض حيث يصطبغ لون كل جهة من الجهتين بلون الكتلة التي تجتذبه نحوها . ولا غرو أن الصراع يؤدي إلى أجهاض الولادة وذلك هو لب الإدراك الحداثي . لأن الحداثة نتاج للصراع مع الثوابت والسواكن في محاولة توليد وتوالد معنوي وشكلاني دائم ، وسواء عمد زوسر مرزوق في ترتيبه لتماثيله ترتيباً تدريجياً خاضعاً لقانون السببية أو لم يعمد فإن ذلك النسق الحداثي قائم كمقدمة لتواصل سببه ( مأساة ) التهام الكتلة الرئيسية للكتل الوليدة فالشقاوة والضغوط والصراع والتوالد المجهض الذي أنتج نشاطاً طفيلياً أدى إلى الإنسلاخ عن الأصل والأصالة ومن ثم المواجهة بين الثقافة وعصر العولمة حيث لا أحد يسمع أو يرى أو يتكلم الأمر الذي ترتب عليه وجود حالة انفصام للشخصية وهو ما يعكسه تمثال شيزوفرينيا المسبوق بتمثال ( لا نسمع . لا نرى . لا نتكلم ) والمتبوع بتمثال ( التحفز ) وهو متوالد عن تمثال الطفليين ونتاج فعلهم وتطفلهم الذي سمحت به حالة التوالد المجسدة تجسيداً تشخيصياً في تمثال (توالد ) . ومن البداهة أن تقف البيروقراطية بالمرصاد لكل توجه صحيح في مسيرة التطور والتقدم ولذا وضع زوسر تمثال ( بالمرصاد ) تال على تمثال ( البيروقراطيون ) وكان تمثال (على مين الدور ) انتهاء بلا نهائية الدوران مع دوامة الفراغ اللانهائي .
إن هذا الترتيب الموضوعي لتماثيل زوسر في معرضه الخامس والعشرين يخلق ما يمكن أن يطلق عليه الإطار الدرامي الواهي الذي يربط الموضوعات الفرعية بالموضوع الرئيسي فنبدأ بالتواصل وننتهي إلى الدوران في الدوامة الفراغية الكونية نتيجه لأننا لا نرى . لا نسمع . لا نتكلم . مما أدى إلى الانتظار القلق ( على مين الدور ) .
إن موضوع المعرض هو موضوع مسرحي بالكامل من ألفه إلى يائه ولتأكيد ذلك يضع زوسر خلفية سوداء لمعرضه الحداثي الإطار ، والمتأرجح بين التجريد والتشخيص والحداثة وما بعدها في بعض التماثيل ، وخاصة تمثال ( شيزوفرينيا ) الذي يتخذ شكل رسغ يرتفع باطن كفها ليمسك الإبهام والسبابة فيها بوردة إمساكها بريشة أو قلم ، على حين تنفرد الأصابع الثلاثة الباقية منتصبة إلى أعلى على هيئة توحي بالتوعد ، مما يخلق تعارضاً معنوياً بين فكرة التودد وفكرة التوعد في منظور واحد ، كذلك يتخذ النصف السفلي ( كوع الرسغ) نهاية أقرب إلى شكل سمكة وحشية ، ويظهر التعارض في اتجاه الحركة . حيث يصبح للحركة في هذا التمثال اتجاهان أحدهما يندفع عكس الاتجاه الآخر ، أحدهما هجومي والثاني سكوني ينطوي على حركتي التودد والتوعد المتناقضتين . وبذلك يتجاوز زوسر قاعدة أساسية في مجال النحت الذي يعتمد على نقطة ارتكاز واحدة هي مناط اتجاه عين المشاهد ، مهما يشتت نظراته في أنحاء التمثال تكويناته وكتلة وفراغه . إلاّ أن زوسر يجعل لهذا التمثال ( شيزوفرينيا ) نقطتي ارتكاز ، ربما لتأكيد المعنى على حساب قاعدة أصولية في فن النحت . ولاشك عندي أن للمسرح دوراً أساسياً في هذا الخروج أو التجرؤ ذلك أن زوسر تعامل مع منحوتاته هنا انطلاقاً من قانون فن آخر ، إلى جانب تغليبه للموضوع على حساب القاعدة الأصولية ، وليس على حساب الشكل الفني ، إنما هو يتبع القاعدة العامة في فن الإبداع أو التأليف عامة تلك التي تنطلق من موضوع أو فكرة مجردة تستدعي الشكل بدلاً من التزام حدود الشكلانية في النحت حيث الشكل أولاً والشكل ثانياً والشكل أخيراً .

الحركة والتحريك في منحوتات زوسر مرزوق الدرامية :
يأتي التحريك من خارج الكتلة ولكن الحركة تنبع من داخل الكتلة ذاتها كحركة إرادية ، لها باعثها الداخلي وفي أعمال زوسر النحتية التي تضمنها معرضه الخامس والعشرون قطع نحتية ذات ملامح درامية تشكل فيها الكتلة الرئيسية دور محور الصراع وتشكل فيها الكتل الجزئية الخارجية التي تقتحم عالم الكتلة الرئيسية المحورية دور محرك الصراع ، بذلك تتشكل الصورة الصراعية للعمل النحتي من صراع الكتلة المحورية في مواجهة هجمة الكتل الطفيلية الدخيلة التي تفرزها ، وذلك ماثل في تمثال ( الطفيليون) الذي تواجه فيه الحركة حركة مضادة لها فالكتلة الرئيسية مقيدة بقيد مادي من أطرافها السفلية والعلوية ، وباطنها مفتوح دون إرادتها والطفيليات تتناهشها وتنتقص من جزئياتها وذلك كله يشكل تحريكاً ، وهو تحريك لأنه غير نابع من إرادتها ، ولكن حركة الطفيليات المقتحمة لباطن الكتلة أو الجسم الذي شقت بطنه فهي حركة إرادية داخلية نابعة من الطفيليات ذاتها ، فهي مظهر من مظاهر سلوكها الغريزي ( إرادة الحياة ) حيث لا حياة للطفيليات بغير توالد متطفل على حياة أصابها المرض أو العطب . من هنا تضمن التكوين النحتي في هذا التمثال مظاهر الحركة ومظاهر التحريك معاً . ويتضمن تمثال (صراع ) مظاهر الحركة ومظاهر التحريك أيضاً حيث تتجاذب كتلتان جانبيتان مختلفتان كتلة رئيسية تحتل مركز التكوين لها مظاهر الثبات والرسوخ مما يعكس حركة مقاومة إرادية نابعة من ذاتها في مواجهة محاولات تحريك طرفي التنازع والصراع عليها ، بهدف حيازة أحد الطرفين لها ، كما تشكل عملية جذب الطرف الأيمن من الكتلة الرئيسية المقاومة نوعاً من التحريك للكتلة الرئيسية وللكتلة لها ، وتمثل حركة الجذب المعاكس في تمثال ( النعامة .. ) حيث تخفي النعامة رأسها في الرمال بإرادتها وتهجم الكتلة الهلامية المتوحشة عليها لتصبح كتلة النعامة في وضعها ذاك بين مخالب الكتلة الهلامية الوحشية ، فإذا كان إخفاء رأس النعامة في الرمال إرادة ، وكانت هجمة الهلامي أو العولمة إرادة تشكل كل منهما حركة نابعة من ذات كل من الكتلتين ، إلاّ أن حركة منها هي محاولة تحريك للطرف الآخر تواجهها حركة مقاومة مستميتة ، فبين الابتلاع ومقاومته تكمن مظاهر الحركة والتحريك في تلك المنحوتة لتكتمل فيها الصورة الدرامية .

جماليات الحركة والسكون والثبات
في تمثال ( لا نسمع . لا نرى . لا نتكلم ) :
إذا كانت الحركة والسكون والثبات ثلاثية مزدوجة الحضور في الزمان والمكان فإنها أيضاً المظهر الدال على الوجود الفاعل في المطلق وفي المقيد معاً وعلى الرغم من أن تمثال ( لا نرى , لا نسمع . لا نتكلم ) الذي هو من حيث المظهر الخارجي أو الإطاري عبارة عن ثمرة ثوم مكبرة أو متضخمة بحكم كونها - هنا - عملاً فنياً لابد من المبالغة في تجسيده وإبداعه إلاّ أنه يحمل بداخله طاقة كامنة ومقيدة وممسوك بتلابيبها حتى لا تنطلق خارج حدودها الإطارية التي قيدت بداخلها . وإذا كانت من وظائف ثمرة الثوم في الحياة المعيشة في مصر على مر عصورها منذ فجر التاريخ هي التطهير وتنقية الدم ، فإن اختيار الفنان زوسر مرزوق لهذه الثمرة ليبدع استيحاء من شكلها الطبيعي عملاً نحتياً يحبس في داخله الطاقة الإنسانية الخلاقة لائذة بالصبر أو التصبير ومتخلصة من الشحنة الانفعالية الحرقانية بلغة علم النفس - وفي حالة كمون لم يكن اختياراً عشوائياً أو تلقائياً فحينما تشعر الطاقة الإنسانية الخلاقة بأنها تتسرب وتتجزأ وينفلت منها عنصر من عناصرها فإن في لوذها بوسائل الحماية وعملها على تنقية مادتها حفاظاً على جوهرها يصبح أمراً حكيماً ، إذ أنها تتوقف عن مظاهر الحركة أو أطرها الخارجية من أن الحركة قائمة . وكامنة أو ساكنة فليس معنى عدم اهتزاز أغصان الأشجار أن الرياح غير موجودة . إذن فعدم الرؤية عدم السمع وعدم القول هو نوع من الادعاء تأكيداً لموقف مما هو حاصل مستوى الواقع المعيش فالرؤية والسمع حاصلان والتعبير عن حدوثهما قائم وماثل لكن التعبير عن عدم إعلان موقف رافض لذلك المرئي المسموع والمرفوض هو الكامن والمدخر والمتحفز عندما تحين لحظة التفجير الخلاق .
فالسكون إذن هو إرادة ادخار الحركة أو تعمد تأجيل مظهر وجودها الفاعل . مع أن حالة الانفصام أو الشيزوفرينيا قائمة في التمثال التالي في ترتيب الأعمال النحتية لهذا المعرض ، إلاّ أن ذلك الانفصام لا يخص الطاقة المفكرة الكامنة في تمثال ثمرة الثوم حيث الإدعاء بعدم الرؤية أو السمع أو الكلام وإنما الانفصام خاص بالفعل الرسمي بالإرادة القادرة على المنح والمنع ، والتي يجسدها تمثال شيزوفرينيا الذي يستوحي الفنان إطاره الخارجي استيحاء سيريالياً إذ أنك ترى فيه صورة ذراع ممتدة في استعلاء لتمنح الغير في المطلق أو قل لتمنح الفراغ الأثيري رمزاً للجمال وللمودة تمنح الكون كله وردة ؛ فإنك في الوقت نفسه ترى فيه وحشاً بحرياً شرساً ينطلق في حالة سباحة غطسية نحو الأعماق السفلي بنصفه العلوي الذي هو على هيئة اليد المانحة ، وذلك يذكرني بالمنح التي تقدمها دولة كبرى على رأس النظام العالمي الجديد إلى دول العالم الثالث فهي تقدمها بأطراف أصابعها بينما يتراجع زندها إلى الخلف رجوعاً ارتدادياً يجر الدولة الممنوحة ويجتذبها إلى داخل كهف نظامها أو نفقها المظلم . وعلى المستوى التشكيلي وجمالياته فإن عين المتلقي هي الممنوحة وهي المغرر بها . وهي التي يجتذبها مركزاً الثقل أو مناطاً التشكيل التعبيري الساحر والماكر معاً إلى أعماق كهفها المسحور تمهيداً لافتراسها على مهل في خلوة دموية . ولأن الانفصام صفة في المانح ليس صفة في الممنوح المغرر به ، لذلك نجد له وجوهه الظاهرية التي يجسدها التمثال التالي له في بروتوكولات التلقي في معرض زوسر مرزوق للمنحوتات الدرامية وهو التمثال المعنون بـ ( البيروقراطيون) فهو تكوين هلامي تمتد أذرعه الأخطبوطية المتحوصلة على حواصل وغدد دموية منتفخة من طول ما امتصت دماء العاملين المخلصين أو هواة الخلاق والمبدع . فالتكوين يشغل الحيز كله وله عيون في كل اتجاه . حتى أنك لا ترى في ذلك التكوين المخيف سوى الأذرع الأخطبوطية والأعين المتناثرة في كل أنحاء رأسه والكروش الحمراء المتحوصلة على خلاصة جهود هواة العمل الخلاق والمبدع والمخلص ، وهي كروش محاطة بالأذرع الطويلة - حسب الصفة التي يحلو للدولة العبرية أن تطلقها على نفسها . وهنا يصبح من حق كل من شاهد ذلك المعرض الصرخة التحذير والنذير أن يتساءل ترى على من يحل الدور ليتوافق تساؤله مع عنوان التمثال قبل الأخير .

نظرية التلقي في مشاهدة فن النحت :
تتشكل نظرة المتلقي لعمل من الأعمال الإبداعية خاصة في مجال الفن التشكيلي تبعاً لخبرتين جماليتين : إحداهما هي خبرة الفنان الجمالية والأخرى هي الخبرة الجمالية للمتلقي نفسه ، ومن المتوسطات الجمالية لهاتين الخبرتين وتأسيساً على ما تقدم فإن النظر إلى تمثال ( مأساة) - وهو لحيوان يفترس أطفاله من زاوية ما من زواياه - تؤدي إلى مفهوم مضاد لقاعدة أصولية في فن النحت تقوم على أن الكتلة تهزم الفراغ . وهذا معناه أن زاوية النظر إلى ذلك التمثال في اتجاه أحد أبعاده تعكس هزيمة الفراغ للكتلة على حين أن اختلاف زاوية النظر إليه في اتجاه آخر يجعل الكتلة تبدو في حالة توحد الحركة الهجومية مع الحركة المقاومة في آن واحد ، لأن المهاجم يحمي نفسه أيضاً من هجوم مرتد ، من الظروف الواقع عليه الهجوم ( الكتل الأصغر ) في التمثال نفسه .
وتنبع القيمة الدرامية في هذا العمل الفني ( مأساة) من حالة التعاطف التي تنتج عند المتلقي مع الطرف المغلوب على أمره ( الكتل الأصغر ) فالكتلة الكبرى في صراعها مع الكتل الصغرى لا تخلق تأثيراً درامياً ما لم ينتج عنها تعاطف المتلقي مع إحدى الكتلتين ، ذلك أن الدراما عاطفة إنسانية تنحاز إلى طرف من الأطراف ، كما أن تضاد الاتجاه في الحركة ما بين ( الكتلة الأكبر ) و ( الكتلة الأصغر ) في تمثال ( مأساة ) يؤكد الصراع في مأساة التهام الكتلة الأكبر في حالة توحشها الهجومية لكتل الأصغر المتوالدة عنها والمتسربة من بين أنيابها ومخالبها .
وإذا كان التباين من سمات الإبداع الدرامي بل الإبداع بشكل عام ، فإن الإضاءة تلعب دوراً تأثيرياً في خلق تباين الألوان وتأكيدها كما في حالة لون الكتل الصغيرة المضادة والمتسربة في عكس اتجاه الحركة الهجومية للكتلة الكبيرة ، كذلك يشكل ضغط الفراغ في الكتلة محاولة لقهر الكتلة الضاغطة وخلق أكثر من مساحة فراغية لتفتيتها .. وبذا أصبح الفراغ فراغاً إيجابياً يؤكد حالة الصراع بين الكتلة الرئيسية والكتل الصغيرة المضادة لها من ناحية وبين الكتلة والفراغ . وذلك ما يؤكد وصفنا لتلك المرحلة في فن زوسر مرزوق النحتي بمرحلة ( دراميات التشكيل النحتي ) .

الفن يخلق قوانينه من الداخل :
إذا كان من قوانين الطبيعة أن الضغط يؤدي إلى الانفجار ، فإن العمل الفني (ضغوط ) يغير من ذلك القانون ، لأن الفن يخلق قوانينه الخاصة من داخل العمل الفني نفسه . فالضغط المتصاعد والمتباين على الكتلة الرئيسية لم تؤد إلى انفجار تلك الكتلة وإنما أثبت صلابتها وقدرتها على الاحتفاظ بوجودها الطبيعي ، ومن ثم الحفاظ على هويتها . على حين أن عدم أصالة الكتل الصغيرة غير المنتظمة والضاغطة على الكتلة الرئيسية في أسفل التكوين النحتي للتمثال قد أدى إلى تغير شكل تلك الكتل الصغيرة الفاغرة أفواهها الدموية من شكلها الكروي واستدراراتها إلى الانبعاج المضغوط في محاولة يائسة لابتلاع أو تخويف هذه الكتلة لأن وجودها وجود تسلقي وطفيلي .
ويلعب اللون دوراً رئيسياً في تأكيد فكرة الابتلاع في ذلك التمثال فمع أن اللون الأسود هو اللون الأساسي المسيطر على هذا العمل الفني ، إلاّ أن اللون الأحمر الموزع على الكتل الضاغطة والمضغوطة في آن واحد ، يشكل نوعاً من محاولات الابتلاع الفردي . ومع كل تلك المحاولات التي يؤكدها تكرار اللون الأحمر في الكتل الصغيرة الضاغطة المضغوطة ، إلاّ أنها تبدو كما لو كانت كتلاً هلامية ، تحوي بذرة هزيمتها في داخلها ، بل تبدو كما لو كانت في حالة هروب عشوائي ، لفقدها تماسكها الذي يكشف عن رخاوة عزمها وطراوتها مع توكيد صلابة الكتلة الأم التي تشكل قاعدة التكوين الرئيسية .
ومن فكر اللقطة الفنية للفنان زوسر مرزوق ، ودقة اختياره النابعة من خبرة عين الفنان لديه ، وقوعه على نموذج الذبابة الذي يستوحيه ليعبر من خلاله عن المضمون الماقبل الختامي لمعرضه أو رحلة التلقي في عرضه المسرحي النحتي ، فمن الخصائص الحياتية للذبابة
الحط الفجائي على كل موجود مع خفة الانطلاق منه إلى الانحطاط المنقض على غيره ، دون وقفة تساؤل ذبابية ( على من الدور ؟ ) إنما التساؤل الاستنكاري هو من طرف المتلقي يذهب كما جاء بعد أن استمتع بما شاهده وتفاعل مع قيمته الموضوعية والجمالية ، وإنما يفعل ما يفعله العرض المسرحي الملحمي السمات والأهداف ، إذ يحض المتلقي على أن يكون له موقف ما تجاه ما عرض عليه عن طريق الفن الإبداعي المخصوص وفق شروط ذلك الفن النابعة منه الظاهرة الحياتية في مجتمع أو بيئة بعينها ، حتى يقف منها موقفاً نقدياً يستحسن الحسن ويستفز من القبح وينفر منه . وذلك بالقطع لا يصل إلى المتلقي دون أن يظهر الفنان الشائه في الجميل والجميل في المشوه من اللقطة أو الإبداع الذي صوره أو شخصه أو جسده وعرضه . ومن ثم على المتلقي المشارك لا المتلقي المستهلك اتخاذ موقف ما من قضية معروضة عليه !
وقبل أن يترك المتلقي المعرض فإنه لا يتركه متشائماً بتأثير الظاهرة الاجتماعية في المستوى الأعم أو سلبيات الحركة المسرحية المصرية في المستوى الخاص ، ومن تأثير الخلفية السوداء أو المدى الأسود المحيط بتلك الظاهرة الاجتماعية أو المسرحية السلبية ، فإن الفنان زوسر مرزوق المدرك لدور الفن الحقيقي الذي يبشر ولا ينفر والذي يستشف ويوعز بأفق التوقعات ويشير من طرف خفي إلى المأمول ، يترك جزءاً من خلفية تماثيله مساحة بيضاء لا سوء فيها تمتد حتى باب الخروج من قاعة العرض . غير أنه يستوقفه أمام تمثال ( بلا نهاية ) في دائرية الفكرة الأساسية وراء رحلة التلقي وهي التي تتضافر فيها فكرة تواصل الأجيال الذي يوقفه لا نهائية الدوران في فك ظاهرة الانقلاب والفساد والتسيب .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,519,413,388
- مشروع إخراج نص مسرحي - مس جوليا-
- في منهجية مناقشة الرسائل العلمية في البحوث السينمائية
- معمار الدور المسرحي
- خطاب التسلط بين السياسة والمسرح
- دعونا نحتسب !!
- حيرة الممثل وتعدد مناهج أداء المونودراما التعاقبية
- على هامش الإبداع
- مقاربات في نقد عرض مسرحي
- مباهج الحكي التراثي ودراما اللاشكل - مسرح عز الدين المدني -
- الفاعل الفلسفي في الدراسات المسرحية
- سارتر وقضية الالتزام
- الإيقاع وروح الشعر
- الديالوج في دراما الصورة الغنائية بين الغناء والقوالة – عبد ...
- الخطايا السبع للبرجوازي الصغير
- - تجديد ذكرى علم من أعلام العلم والأدب
- توفيق الحكيم وبهرام بيضاني في محكمة العدل
- الدراماتورجية بين الإخرج الحداثى الاستعادي ل (مارا – صاد) وم ...
- ما الأدب ؟ قراءة ليست للجميع !!
- فاطمة وماريكا وراشيل - جنسية الغناء -
- قضية فنية للمناقشة الطاقة التعبيرية بين الكلمات والألحان


المزيد.....




- الفلسفة بمتعة إضافية.. أفضل 10 روايات فلسفية في العالم
- شاهد: فنان إيطالي يرسم بمحراث ملامح وجه ناشطة سويدية مدافعة ...
- محمد رمضان يقبل رأس فنان مصري (صورة)
- «التعاون الإسلامي» تشارك في اجتماع «الاستشاري للتنمية الثقاف ...
- بنعبد القادر يتحرر من موضة مكاتب الدراسات
- الاستثمار في الطفولة المبكرة : رهان المرحلة الثالثة للمبادرة ...
- اختلاق إسرائيل وتاريخ فلسطين.. تحيزات علم الآثار ودراسات الع ...
- من عمرو واكد إلى محمد علي.. هل يقود فنانو مصر المعارضون الحر ...
- اختيار باسل الزارو لتقديم افتتاح وختام مهرجان الجونة السينما ...
- ابنة فنان مصري تصفه بـ-قاهر المواهب-


المزيد.....

- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي
- متلازمة بروين / حيدر عصام
- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أبو الحسن سلام - جماليات الساكن والمتحرك في معرض منحوتات درامية