أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبد المجيد حمدان - تقاطعات بين الأديان 5 قراءة مقارنة في روايات الطوفان








المزيد.....



تقاطعات بين الأديان 5 قراءة مقارنة في روايات الطوفان


عبد المجيد حمدان

الحوار المتمدن-العدد: 5331 - 2016 / 11 / 2 - 00:48
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


تقاطعات بين الأديان
5
قراءة مقارنة في روايات الطوفان
محدث الطوفان

الكثيرون منا يعرفون الآن بوجود علم جديد اسمه علم الأديان المقارن . لأسفي لم تتح لي فرصة إلقاء نظرة على هذا العلم . ومع ذلك ، تعالوا نستغل معارفنا المحدودة ، نعاود قراءة الروايات الست التي احتوتها مقالتي السابقة عن الطوفان ، ونحاول المقارنة .
في روايات جلجامش ، السومرية ، البابلية والهيلنستية ، يقرر سيد مجمع آلهة الأرض ، الإله إنليل ، إحداث الطوفان ، وبغرض محو الحياة على الأرض ، والسبب أن ضجيج البشر وشرورهم، وليس خروجهم على طاعته ، أو الانتقال لعبادة إله آخر ، وصل إلى حد حرمانه من النوم . الطوفان الذي سيبيد الحياة الحيوانية البرية إلى جانب البشر ، ودون تعليل أو تفسير لأخذ الحيوانات بجريرة فعل البشر . الإلهة الأم نينتو في رواية ، وعشتار في أخرى ، وإله الحكمة ، الخلق ومهارة الصنع ، إنكي في رواية وإيا في أخرى ، لا يوافقانه . ولا يكتفيان بعدم الموافقة وإنما يحاججانه حول حكمة قراره . يتساءلان لماذا لا يوقع العقوبة بالأشرار فقط ؟ لماذا يأخذ الأبرياء كالأطفال والمسنين بذنب الأشرار ممن يغضبونه ؟ وإذا كانت المسألة مسألة ضيق من الضجيج فلماذا لا يلجأ لإجراءات تخفيض الكثافة البشرية ؛ الإصابة بالأمراض ، استخدام الأوبئة ، إطلاق الأسود ، إطلاق الذئاب ، لتخفف من أعدادهم ، فيتراجع ضجيجهم ؟ ولأنه سيد الآلهة وصاحب القرار ، ولم يقتنع باعتراضاتهما ، فقد فرض القرار ، لكنهما لم يقفا مكتوفي الأيدي رغم إلزامه لهما بالحفاظ على سرية القرار .
الإله إنكي أو إيا في الروايات السومرية والبابلية ، وكرونوس في الرواية الهيلنستية ، وجد دائما الوسيلة والآلية لإنقاذ الحياة البشرية والحيوانية البرية معا . أفشى السر ، وبطريقة لا ينكث فيها قسم المحافظة عليه ، إلى عبده وخليله زيوسودرا ، أو أتر حسيس ، أو أوتا نافيشتي ، أو كسيسوتروس ، حسب التسميات القومية . وعلمه كيفية إنقاذ الحياة ببناء الفُلْك وهكذا كان .
في الروايتين التوراتية والقرآنية الله الواحد الأحد هو من يقرر محو الحياة عن الأرض . والسبب رفض قوم نوح لرسالته ، وتمسكهم بدين الشرك الذي وجدوا آباءهم عليه . ولكن الله الذي لا شريك له ، يعود ويقرر إعادة بعث حياة البشر ، مع إيحاء بمعرفته خطأ قراره ومن ثم تراجعه عنه . قرار بالبعث من خلال أبناء نوح وزوجاتهم ، حسب التوراة ، ومن بعض هولاء الأبناء وممن آمن معه وهم قليل ، كما ورد في القرآن . أما بعث حياة الحيوانات فمن خلال ما حمل نوح معه على الفلك . وعلى عكس الروايات الأخرى ، لا تعلمنا التوراة عن سبب تراجع الله عن قرار إبادة الحياة ، إلا أنه وجد في نوح نعمة في عيني الرب ، ولا شيء في القرآن .
وفي الروايات الأربع الأولى ، وبعد انتهاء الطوفان ونجاة كل من كان على السفينة ، نرى كيف استشاط إنليل سيد الآلهة غضبا لأن هناك من خرق قراره بإبادة الحياة . ونرى كيف أن الإلهة الأم ، والإله إنكي ، لم يتخاذلا أمام غضبه . وعلى العكس وقفا شامخين يدافعان عما فعلا . وأكثر وبخته الإلهة الأم على قراره الخاطئ . ووقف إنكي مدافعا عن موقفه ، ومتحديا بأن الأمر الآن – نجاة البشر - قد غدا بين يدي سيد الآلهة ، والذي له وحده حق إصدار الحكم الذي يريد ، بما في ذلك قتل من نجوا وعقابه هو الإله إنكي والإلهة الأم . وكان هذا ما هدأ غضب سيد الآلهة إنليل ، واتخاذه قرارا جديدا تمثل بإنعامه على بطل الطوفان بالخلود .
شيء من هذا لا نجده لا في التوراة ولا في القرآن ، وليتساءل القارئ : ما الذي فعله نوح ، مقارنة بأبطال الطوفان الآخرين ليستحق الأبوة الثانية للبشر بعد الأبوة الأولى لآدم ؟ .

لمرة واحدة :

يبدأ أوتا نافيشتي ، بطل الطوفان في ملحمة جلجامش ، حديثه بالتأكيد على أن هذه المناسبة – الطوفان – وقعت لمرة واحدة ولن تتكرر . ثم يكرر السرد في روايات الطوفان الست ، والتي سبق عرضها في مقالتي السابقة ، التأكيد على حدوث الطوفان لمرة واحدة ولن يتكرر ، فلماذا ؟
في ملاحم الخلق السومرية والبابلية ، وتلك التي نقلت عنها ، تأكيد على أن الآلهة خلقت الإنسان من أجل القيام بعبء الإنتاج وإطعام الآلهة . وفي الروايتين التوراتية والقرآنية خلق الله البشر لعبادته ولخلافته في الأرض . وفي حال إفناء البشر يعود هذا العبء ليقع على كاهل الآلهة الصغار ، والذين تحملوه ثم ثاروا ضده ، قبل نقله لكاهل الإنسان الذي تم خلقه لهذا الغرض ،كما في الروايات الأربع الأولى ، وفي انتهاء عبادة الله وخلافته في الأرض في الروايتين التوراتية والقرآنية .
روايات الطوفان لا تشير إلى هذا الأمر مباشرة ، لكنها تقف طويلا عند فزع الإلهة الأم – عشتار في ملحمة جلجامش والرواية السومرية ونينتو في الرواية البابلية – من هول ما أحدثه الطوفان ، ومن ثم انتقالها لتقريع سيد مجمع الآلهة ، الإله إنليل ، على فعلته ، وانضمام بقية الآلهة لها ، فاستصدار تعهد من الإله إنليل بعدم العودة ثانية لفعل الطوفان . وتعالوا نستطلع ما قالته عشتار بالمناسبة .
الإلهة عشتار بعد وصولها تجمع الآلهة حول تقدمات أوتا نافيشتي ، بعد خروجه من الفلك ، وبعد أن تحسست عقد اللازود في جيدها ، وجهت حديثها للآلهة المتجمعين قائلة :
" أيها الآلهة الحاضرون هنا : كما أنني لا أنسى قط أحجار اللازورد هذه التي في جيدي ، سأظل أتحسس إلى الأبد هذه الأيام المشؤومة ولن أنساها . فليأت إذن الآلهة وليتقدموا إلى القرابين ، أما إنليل فعليه ألا يقترب ، لأنه دونما ترو قرر الطوفان ، وأرسل خلقي إلى الهلاك ."
" ومع ذلك فإن إنليل عند وصوله شاهد الفُلْك فتملكه الغضب ، وامتلأ حنقا على الإيجيجي – مجموع الآلهة – معلنا :" أحدهم إذن نجا من الطوفان وكان يجب ألا ينجو أحد من الهلاك " "
الإله نينورتا ابن إنليل والملقب بالباسل ، يشير إلى أن الإله إيا هو من فعل ذلك . لكن الإله إيا أو إنكي ، بدل اللجوء للدفاع عن نفسه واجه إنليل قائلا : " أنت أيها البطل أنت الأحكم بين الآلهة ، كيف دونما ترو تمكنت من إحداث الطوفان ؟ " بعدها يقدم إيا عرضا للبدائل التي كان على إنليل اللجوء إليها ، فتعهد إنليل بعدم العودة لهذا الفعل ، وأن يكون المناسبة الأخيرة .
هذا الحوار يتكرر في الروايات السومرية ، البابلية والهيلنستية ، وإن بكلمات أخرى ، فتعهد سيد الآلهة بعدم تكرار فعلة الطوفان .
الرواية التوراتية ، وهي تتحدث عن التوحيد لا تتبنى هذه الرواية . وهي في المقابل تعتمد تبريرات أقل ما توصف به بأنها ساذجة . أو على الأقل إقرار من الرب بأنه أخطأ وتعجل ، ومن ثم قرر التراجع ولا أقول الاعتذار عن خطأه ذاك . فالرب قرر إحداث الطوفان " لأن شر الإنسان قد كثر وكل أفكاره تنطوي على الشر " ، وأن ظلمه زاد ، وكل أفعاله تتصف بالشر فإيقاع الظلم . لكنه في تبرير قراره عدم العودة لإحداث الطوفان يقول أنه بعد خروج نوح من الفلك وتصعيده المحرقات ، " تنسم الرب رائحة الرضى * وقال الرب في قلبه لا أعود ألعن الأرض أيضا من أجل الإنسان ، لأن تصور قلب الإنسان شرير منذ حداثته * ولا أعود أميت كل حي كما فعلت * " .
الرواية القرآنية تقول أن الله أرسل نوحا إلى قومه ليردهم عن الكفر ، وليس فقط لأنهم كذبوه بل وسخروا منه ، بل لأنهم بقوا على كفرهم قرر إبادتهم بالطوفان الذي لن يتكرر . لماذا لأن الناجين ، وحيث ستظهر منهم أمم جديدة ، سيعود بعضها إلى الكفر ومعصية الله الذي أعد لهم أنواعا أخرى من العذاب الأليم . { قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسسهم منا عذاب أليم } . والمؤمنون لا يتساءلون عادة ؛ ما العبرة من تكرار دورة الخلق والإفناء ، ما دام الله يعرف أن البشر سيعودون إلى الكفر والمعصية ، ويعود هو إلى توعدهم بالعذاب ؟ هل الله لا يملك بدائل أخرى ، كهداية البشر إلى طريق الصلاح والخير مثلا ؟
أسس الحضارة

وإذن تتفق روايات الطوفان الست على أن قرار إحداث الطوفان كان من أجل إبادة البشرية . ولأن الطوفان لا يبيد الناس وحدهم ، وإنما معهم كل من في نفسه نسمة حياة ، فقد جاء القرار التالي بحفظ الحياة ، وإعادة تجديدها ، ليشمل البشر والحيوانات معا . لكن البشر قبل الطوفان كانوا قد قطعوا شوطا في بناء الحضارة ، ليس فقط ببناء المدن وإقامة المعابد ، وإنما أيضا بتطوير الزراعة وبناء السدود ، وحتى نشوء الآداب ومقدمات العلوم المختلفة .
هكذا يأتي السؤال : هل كان القرار بإعادة تجديد حياة البشر من حيث انتهت أم لتعود وتبدأ دورتها ومن الصفر ؟ السؤال هذا أجابت عليه الروايات الست وعلى النحو التالي : رواية جلجامش ، الرواية السومرية والبابلية ، قالت أن بطل الطوفان لم يكتف بإنقاذ أهله وأقربائه وملاح سفينته فقط ، وإنما أضاف لهم النجارين والصناع والمهنيين ومن ساعدوه في بناء الفلك . وأضافت الرواية الهيلنستية – ملحمة بيروز – أن كسيسوتروس بطل الطوفان ، قام ، بناء على تعليمات الإله كرونوس ، بجمع المكتوب من مدونات الحضارة ودفنها في مخبأ ، أشار له الإله ، وتم حفره في مدينة سيبار ، لإنقاذ هذه المدونات من الدمار . وكان أول شيء فعله الناجون بعد خروجهم من الفلك أن توجهوا لسيبار ، حفروا وأخرجوا كنز الحضارة المدفون هذا . وهكذا لم يتم إنقاذ الجنس البشري فقط ، بل وإنقاذ ما كان قد تم بلوغه من الحضارة .
الرواية التوراتية ، وبعدها الرواية القرآنية ، لم تعيرا أدنى اهتمام لمسألة إنقاذ الحضارة هذه . وعلى العكس تحصر الرواية التوراتية المنقَذين من البشر في نوح وامرأته ، وفي أبنائه الثلاثة وزوجاتهم ، ولتتجدد البشرية من هؤلاء فقط ، معيدة سيرة آدم وحواء وأبنائهم وبناتهم . آدم الذي عاش ردحا من الزمن في الجنة ، وظل يقابل الله وجها لوجه طواله ، وبالتالي عرف ما يرضيه ويغضبه ، آدم هذا سجل أول فشل للبشرية في تربية أبنائه ، وكانوا اثنين لا ثالث لهما ، ولدرجة أنه هو من أذكى الغيرة بينهما ، ودفع أحدهما لقتل الآخر ، ومسجلا خطيئة البشرية الأولى ، والتي لاحقت جريرتها البشرية كلها ، وحتى إبادتها بالطوفان . لماذا إذن وما الحكمة في إعادة نفس السيرة ، ومن خلال نوح وأبنائه هذه المرة ، وحيث كرر حام ابن نوح خطيئة مقاربة لخطيئة قابيل ابن آدم ، ومن اللحظة الأولى ؟ ما الحكمة في إعادة البشرية لتبدأ من نقطة الصفر من جديد ؟
والرواية القرآنية ، هي الأخرى كما أسلفنا ، لم تلق بالا لمسألة الحضارة ، وإن أضافت تلك القلة ممن آمنوا برسالة نوح إلى الناجين ، ومؤكدة أن أحد أبناء نوح كان من بين الهالكين . وإذن ، وحسب الرواية القرآنية ، عاد تجديد الحياة البشرية إلى نقطة الصفر .
ويبقى سؤال : لماذا ، والقرار أصلا اتخذ لإبادة البشر ، كان بهذا الشمول ، أي بإهلاك كل الحيوانات البرية على الأرض ؟ والجواب لأن الطوفان يكنس في طريقه كل الحيوانات ، قويها قبل ضعيفها ، ، قبل أن يكنس البشر ويترك الحياة النباتية والبحرية ومعها البرمائية . فالبشر يمكنهم الاحتماء ، البحث عن ملاذ . ولكن الهرب ، وحيث لا مكان للهرب ، هو المتاح الوحيد للحيوانات . وهكذا كان أن كل الروايات تجاهلت الحياة المائية والبرمائية ، كما تجاهلت الحياة النباتية أيضا .


الفلك


كما وتجمع روايات الطوفان الست على أن الفلك – السفينة - كان وسيلة إنقاذ الحياة من الإبادة . وتجمع كذلك على أن المهلة المحددة لبنائها كانت شديدة القصر ؛ خمسة أيام للبناء ، ويومان للطلاء من الخارج والداخل بالقار وللتحميل بالمتاع والحيوانات . لكن مهمة الإنقاذ ، وقد شملت الحيوانات ، أليفة وبرية بأنواعها ، طعامها وشرابها ، ثم مجموعة البشر ، والتي كما سبق وأوضحنا ، تفاوتت بين بطل الطوفان وزوجته وأقاربه ، والمهنيين والصناع وغيرهم من المساعدين ، في الروايات السومرية والبابلية ، وبين نوح وزوجته وأبنائه وزوجاتهم فقط في الرواية التوراتية ، وأخيرا نوح وبعض أبنائه وزوجاتهم ونفر ممن آمنوا معه ، في الرواية القرآنية ، هذه المهمة فرضت الانتباه لحجم الفلك ؛ أبعادها ، سقوقها وطوابقها ...الخ . الروايات السومرية والبابلية قالت ، كحل لهذه الإشكالية ، بأن مساحة أرضها بلغت إيكو واحد ، أي 3600 مربع ، أو 120 ذراعا للطول والعرض والارتفاع ، فيما قالت الرواية الهيلنستية بأن طولها بلغ 15 ستادا ، أي 3000 م وعرضها ستادين أو 400 م ، ولم تقل شيئا عن الارتفاع . الرواية التوراتية قالت أن طولها 300 ذراع – 180 م – ، وعرضها 50 ذراعا أو 30 م ، فيما ارتفاعها 30 ذراعا أو 18 م . وحدها الرواية القرآنية شذت عن القاعدة ولم تتطرق لهذا الموضوع .
حجم الفلك هذا وبطوابقه السبعة ، والذي يصل لحجم عمارة ضخمة ، بطوابقها المتعددة ، فرض الانتباه لكيفية صنعها ، في تلك المهلة شديدة القصر بأيامها الخمسة . الرواية السومرية ، ومن أخذوا عنها ، قالت بأن كل أهل البلد كبارا وصغارا ، النجارون والصناع وقاطعو القصب ...الخ ، وحتى الصبية بجلبهم القار ، شاركوا في بنائها ، ولذلك كان الإنجاز في تلك المهلة المحددة وشديدة القصر . ومع ذلك ، ودعونا نتجاوز الأمر ، فإنه من سابع المستحيلات إنجاز مثل هذا العمل الضخم لا في خمسة أيام ولا في خمسين يوما .
في الروايتين التوراتية والقرآنية وقع بناء السفينة على عاتق نوح فقط . بداهة شاركه أولاده ، في الرواية التوراتية ، وشاركه بعض من آمنوا معه في الرواية القرآنية . وأكثر من ذلك ناصبه أهل مدينته العداء ، إذ ظلوا يمرون به وهو يعمل ، فيبادرونه بالسخرية ، ومن جانبة كان يرد بتوعد وبسخرية مقابلة . ما يلفت الانتباه أن لا التوراة ولا القرآن عرفانا على أن من بين المهن التي أتقنها نوح كانت مهنة صناعة السفن . كما يلفت الانتباه أن طاقة العاملين ، على فرض اتقان نوح لصناعة الفلك ، كانت أدنى بكثير من أن تنجز هذا العمل الضخم في تلك المدة شديدة القصر .
وأخيرا إذا كانت الرواية السومرية ومن أخذوا عنها اهتمت بوجود ربان – أو ملاح – لقيادة السفينة ، مع أن مثلها يحتاج لطاقم قيادة كبير ، ومن ثم استحق هذا الربان الخلود ، مثله مثل بطل الطوفان ، أوتا - نافيشتي ، زيوسودرا ، أترا - حسيس ، أو كسيسوتروس ، فقد غابت مسألة القيادة هذه تماما عن الروايتين التوراتية والقرآنية ، وبما يوحي أن نوحا ، لم يكن رسولا فقط ، ولا صانع الفلك فقط ، وإنما ربانها أيضا .
والآن ورغم أن صناعة الفلك كانت شديدة التعقيد ، نظرا للمهمة الموكلة لها ، وهي إنقاذ الحياة البشرية والحيوانية البرية ، فقد كانت مهمة الشحن ، بتنوعاتها أكثر تعقيدا .

شحن الفلك

وتتفق الروايات الست في مرورها السريع على مسألة شحن الفلك باحتياجات الصاعدين إليه من الطعام والشراب . وبذات السرعة تمر على تجميع الحيوانات ، الأليف منها وغير الأليف ، آكل العشب وآكل اللحوم ، وتسكينها داخل السفينة . يحدث هذا رغم التأكيد ، في الروايات الست ، على إغلاق الفلك على من فيه ، من اللحظة الأولى لبدء الطوفان ، وكامل أيام حدوثه ، وحتى انحسار الماء والخروج من الفلك .
الروايات الأربعة الأولى تتفق على أيام الطوفان بستة أيام وسبع ليال ، وأضعافها حتى انحسار الماء . وتنفرد الرواية التوراتية في أن أيام الطوفان أربعون ، وأيام بقاء الفلك مغلقة على من فيها مائة وخمسون . ولا تتعرض الرواية القرآنية لهذا الأمر ، رغم أخذ المفسرين بالتحديد التوراتي .
وإذا افترضنا إمكانية شحن السفينة باحتياجات هذه المجموعة الهائلة من طعام وشراب ، وفي هذه المدة شديدة القصر ، باعتبار أن في الأمر نوعا من المعجزة . وأيضا ونظرا لتقسيم السفينة لطوابق ، والطوابق لأقسام أو غرف ، يمكننا تخيل سريان المعجزة على فصل الحيوانات المفترسة عن تلك الداجنة والأليفة ، وبانطباق ذلك على الطيور أيضا . لكن تعترضنا ، طبقا لهذه الفرضية ، مسألة جمع هذه الحيوانات ، خصوصا المفترسة منها ، والتي بالقطع تسكن مواقع نائية ،متفرقة وبعيدة عن المدينة ، حيث الفلك ومقتضيات شحنه ، هذا إذا كانت المهمة تقتصر على أرض الرافدين . وتزداد تعقيدا إذا شملت العالم بأسره ، كما تزعم تفسيرات الديانات التوحيدية الثلاث ؛ اليهودية والمسيحية والإسلامية . مثل هذا التعقيد يشمل كيفية جمع الأسود ، النمور ، الفهود ، الذئاب ، الضباع ، الثعالب ، الدببة ، القردة ، ....الخ الخ ، من حيوانات أرض الرافدين ، ثم مسألة سلوكها إزاء الحيوانات التي تشكل فرائسها ، كالخراف والماعز والظباء والغزلان والأرانب ....الخ . وتماثلها مسألة جمع النسور والعقبان والصقور .... ، وتعايشها مع الحمام والبط والدجاج ، والعصافير ...الخ الخ
بداهة ما كان في مقدور أي من أبطال الطوفان ، ونوح في المقدمة ، الخروج وجمع هذه الحيوانات والطيور ، والعودة بها ، ومن كل نوع ذكر وأنثى ، لا بالصيد ولا بغيره . ويبقى أن الإله محدث الطوفان ، أتى بمعجزات توجيه تلك الحيوانات والطيور وتجمعها عند قدمي بطل الطوفان ، ومن ثم خضوعها له ، فدخولها الفلك ، وتوزيعها على الطوابق والأقسام . هذا وبعيدا عن السؤال : كم يحتاج وقت سيرها من أعالي الرافدين مثلا إلى مكان السفينة ؟ وهل حدث نفس التوجيه لحيوانات الهند وشرق آسيا والتي تختلف تماما عن حيوانات الرافدين ؟ وماذا عن بقية حيوانات القارات الأخرى المنفصلة عن بلاد الرافدين ؟ النصوص التي بين أيدينا لا تقدم تفسيرا غير الإيحاء بسلسلة طويلة جدا من المعجزات ، والتي أيضا تتجاهل حجم السفينة وقدرتها على استيعاب هذا الكم الهائل بالتنوع الهائل لهذه الحيوانات .
والرواية التوراتية ، والتي تأخذ بها التفسيرات الإسلامية ، تقول كما أسلفنا أن الطوفان استمر أربعين يوما وليلة ، والفلك بقي مغلقا على من فيه مائة وخمسين يوما . ونحن لا نسأل هنا عن حجوم وكميات الغذاء والماء المطلوبة لتلك المجموعات من الحيوانات ، ، حيث النوع الواحد ، كالكلاب مثلا ، لا تستوعبه سفينة الإنقاذ أيا كان حجمها . كما لا نسأل عن طواقم البشر اللازمة للتوزيع وإطعام هذه المجموعات ، ولا عن سعة الفلك واستيعابها لكل ذلك . نسأل : ماذا عن فضلات هذه الحيوانات وتجميعها على مدار هذه المدة الزمنية الطويلة ، إضافة لفضلات البشر ذاتهم ؟ ألم تكن تلك الفضلات وتخمرها على مدى مائة وخمسين يوما كافية لقتل كل حياة داخل السفينة ؟ أم أن الإله إنليل ، في روايات ، والله في الروايتين التوراتية والقرآنية ، أحدث معجزات الأكل والشرب بدون فضلات ؟
ونختم بمسألة أخيرة . ماذا عن صخب الضوضاء الذي يحدثها مثل هذا التجمع المحشور في مطارحه الضيقة ، وعلى هذا المدى الطويل ؟ أكثر من الشهر في الرواية السومرية والمنقول عنها ، ومائة وخمسين يوما في الرواية التوراتية والتفاسير الإسلامية ؟ هل توقفت الكلاب عن النباح ؟ الذئاب عن العواء ؟ الأسود عن الزئير ؟ الأبقار عن الخوار ؟ الأغنام عن الثغاء ؟ الديكة والطيورعن الصياح ؟ صخب وضوضاء يجعل الحياة ليس صعبة فقط ، بل ومستحيلة تماما ، أم أن إنليل ، والله ، أتيا بمعجزة تسكين وتهدئة هذه المجموعة الضخمة ، شديدة التنوع كل هذه الفترة الطويلة ؟ وألم يكن أسهل هداية البشر ، ومن ثم نزع شرورهم ، فاجتناب غضب الآلهة ، وقرار الإبادة بالطوفان ؟
لو أن رجال الدين المسلمين ، اليهود والمسيحيين ، تخلوا عن حقيقة واقعة الطوفان ، وشمولها العالم كله ، وأخذوا بأسطوريتها ، لأعفو كل ذي عقل من مشقة طرح الأسئلة السابقة ومحاولة الإجابة عليها .

أبطال الطوفان

كما ويلفت الانتباه أن أبطال الطوفان ، في الروايات الأربع الأولى ؛ أوتا – نافيشتي ، زيوسودرا ، أتر – حسيس ، وكسيسوتروس ، لم يحظ أي منهم بصفة النبي أو الرسول ، ومع ذلك اتصفوا بالإيجابية الكبيرة تجاه أقوامهم . وعلى العكس تماما ورغم أن نوح حاز على صفتي النبي والرسول في الروايتين التوراتية والقرآنية ، إلا أنه بدا شديد السلبية تجاه العقوبات التي حلت بقومه ، والتي ربما هو دعا الله لإيقاعها بهم ، وآخرها الطوفان . كيف ؟
لنأخذ أتر – حسيس ، أو الفائق الحكمة في الرواية البابلية ، وهي كما سبق وأشرنا منقولة عن الرواية السومرية ، مع بعض التعديلات التي اقتضتها الضرورات المحلية كمثال . أتر – حسيس الذي كان متعبدا للإله إنكي ، ومقربا منه يجالسه ويحاوره ، ظل يتألم لما كان يصيب قومه من آثار العقوبات التي كان الإله إنليل يقررها وينزلها بهم . تألم من آثار ونتائج الوبأ ، ومن ثم توجه لإلهه إنكي شاكيا ، إلى متى سيدوم ، وإن كان سيفني قومه كلهم . وطالب مساعدته في تخفيف فعل الوبأ ، في حال عدم التمكن من وقفه . وتكرر الحال مع إنزال عقوبة ضرب البلاد بالمجاعة ، ومع عقوبة تشديد الجفاف والقحط . وفي كل مرة كان يحصل على مبتغاه من مساعدة الإله إنكي وإنقاذ قومه من الهلاك . وحتى في قرار الطوفان لم يقتصر فعل أتر – حسيس على تلقي الأمر بالإنقاذ ، وبناء الفلك ، وشحنها بالمؤن والحيوانات ، وإنما كان فاعلا من خلال توجهه لإلهه إنكي ، طالبا تفسير رؤية رآها ، فجاء التفسير بكشف إنكي لقرار إبادة البشر بالطوفان .
الإيجابية الأوضح تبدت في علاقته مع قومه ، وفي تعظيم قومه له وقبولهم ومن ثم تلبيتهم لتوجيهاته . فالإله إنكي ، وفي كل الحالات السابقة ،أشار على أتر – حسيس ، أو الفائق الحكمة ، أن يتوجه لقدماء قومه ، وأن يشرح لهم الأمر ، ومن ثم يحولهم عن عبادة إلههم ، إلى عبادة الإله الموكولة إليه مهمة العقاب . الإله نامتار إله الوبأ ، وأحد آلهة العالم السفلي ، في قرار العقاب بالوبأ ، ثم الإله أدد إله البروق والرعود ، الموكل له تنفيذ قرار العقاب بضرب البلاد بالقحط فالمجاعة في الحالة الثانية وهكذا . وظل الفائق الحكمة ، يتوجه لكبار قومه ، وهؤلاء يستجيبون لطلباته ، ومنها بناء المعابد للآلهة الجدد ، وتقديم القرابين وتصعيد المحرقات لهم ، ومن ثم استجابة الآلهة الجدد – نامتار وأدد – لابتهالات الناس بتخفيف حدة العقوبات عنهم . وحتى حين تلقى فائق الحكمة امر بناء الفلك ، ورغم إخفائه خبر الطوفان عن قومه ، إلا أنهم استجابوا ، شيوخا وشبابا ، رجالا ونساءا ، وحتى صبية لطلب مساعدته في بناء الفلك . قطعوا له القصب ونقلوه ، وجاء النجارون بمعداتهم والصناع بأدواتهم ، وحتى الصبية نقلوا القار وساعدوا في طلاء الفلك به . وهكذا اكتمل البناء في المدة المحددة رغم ضيقها الشديد .
نوح النبي والرسول ، وفي الروايتين التوراتية والقرآنية ، كان على عكس ذلك تماما . كان شديد السلبية . قَبِل قرار إبادة قومه ، والذي ربما كان بدعوة منه، دون نقاش ، رغم أنه ، كما يفهم من الروايتين ، كان يكلم الله ، ويتلقى الأمر منه مباشرة . موقف قومه منه ، وموقفه منهم كان عدائيا . يمرون عليه وهو يبني الفلك ، ولا يكتفون بعدم مد يد المساعدة ، بل ويبادرونه بالهزء والسخرية ، ويرد عليهم بذات الفعل .
ولم يفكر نوح بإنقاذ أحد منهم ، كالشيوخ المسنين والنساء ، وحتى الأطفال الذين لم يملكوا من أمرهم شيئا ، وبالتالي لم يكذبوه ولم يناصبوه العداء . وفقط حاول ، حسب الرواية القرآنية ، إنقاذ أحد أولاده ، بدعوته للصعود في الفلك ، فرده الله عن ذلك . ولما توسط لولده عند الله واستعطفه قائلا بأن ابنه هذا من أهله ، جاءه الرد بأن ابنه هذا ليس من أهله لأنه كافر ، واستعطافه هذا يضعه في زمرة الجاهلين . خاف نوح من احتمالية حشره مع زمرة الجاهلين وتراجع مسلما بقرار غرق ابنه . وليبرز سؤال : كيف لم يعرف هذا النبي الرسول أن ابنه من الكافرين ؟ وبالتالي كيف سمح لنفسه أن يستعطف الله لإنقاذه ؟ هل هي أثرة الآباء لأبنائهم ، مهما بلغت خطاياهم ، حتى لو كان هذا الأب هو نوح النبي والرسول ؟ وما تفسير أنه لم يفعل ذلك لمن هو أكثر براءة من هذا الابن الذي وصفه القرآن بأنه ليس من أهل نوح ، وأنه عمل غير صالح ، كالعجزة والأطفال مثلا ؟

أعمار البشر
ولو سألت أي مسلم عن عمر نوح ، لأجابك بكل ثقة وبسرعة أنه مات عن تسعماية وخمسين سنة . يقول ذلك رغم عدم ورود إشارة لعمر نوح الطويل هذا في رواية الطوفان ، وإنما استنادا لما ورد في سورة العنكبوت من أن نوحا دعا قومه إلى الصلاح ألف سنة إلا خمسين ورفضوه . كما ورد النص عن عمر نوح في الرواية التوراتية للطوفان . يقول النص أن الطوفان وقع وقد بلغ نوح من العمر ستمائة سنة ، وعاش بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة ، وتوفي عن تسعماية وخمسين سنة .
وعلى العموم كان هناك اعتقاد قديم بأن عمر الإنسان كان يصل لآلاف السنين ، وحتى أن الآلهة قبل الطوفان لم تقرر له الموت .
رواية واحدة من روايات الطوفان الأربعة التي عرضناها في مقالنا السابق ، وهي الرواية البابلية ، انفردت بالإشارة لمسألة عمر الإنسان . وربما بسبب ضياع أجزاء كبيرة من الروايات الأخرى ، غابت مثل هذه الإشارة عن الروايات الأخرى .
وإذن ومن الرواية البابلية يستطيع المرء أن يقدر أن عمر الفائق الحكمة ، أي أتر – حسيس تجاوز الثلاثة آلاف سنة ، وأن الموت لم يكن مفروضا على البشرية . كما يستطيع أن يفهم أن فرض الموت جاء كإجراء يمنع عودة البشر للتكاثر فالضجيج الذي يحرم الإله إنليل من الراحة ، ومن ثم يدفعه لإعادة فرض عقوبة الطوفان .
ففي الرواية البابلية ورد النص التالي :
" لم تكد تمضي بعد ذلك – أي بعد خلق البشر – اثنتي عشرة مائة من السنين
حتى تم توسيع رقعة البلاد
وتكاثر عدد السكان ،
والبلاد مثل خوار ثور ارتفع صوتها
بحيث ازعج الضجيج سيد الآلهة "
وفرض إنليل سيد الآلهة ، وليستريح من هذا الضجيج ، أول عقاب بإصابة البشر بالوبأ . لكن استغاثة فائق الحكمة بإلهه إنكي ، واستجابة إنكي أنجت البشر من الهلاك . ليعود النص للقول بأن البلاد وبعد اثنتي عشرة مائة أخرى من السنين ، عاد البشر للتكاثر ، وتوسعت رقعة البلاد وارتفع صوتها مثل خوار ثور ، أزعج إنليل سيد الآلهة ، وليقرر العقوبة الثانية أي ضرب البلاد بالقحط فنقص الأرزاق وموت البشر جوعا وعطشا . ومن جديد ينجح الفائق الحكمة من خلال استعطاف إلهه إنكي ، في إخراج البشر من هذه الكارثة . وتكررت الدورة وإنزال الإله إنليل لعقوبة تشديد المجاعة ، وليتلوها بالطوفان .
وبعد الطوفان ، ولتلاشي تكرار هذه العقوبة وإهلاك البشر وإبادة الحياة ، تقررت جملة إجراءات جاء فرض الموت في مقدمتها ، وتلاه وجود نساء ولودات وأخرى عواقر ، ثم خطف الأطفال من أحضان أمهاتهم . ومن هذه النصوص يمكن للقارئ أن يستخلص أن عمر فائق الحكمة تجاوز الثلاثة آلاف سنة . كما يستطيع القارئ أن يستنتج أن التوراة استندت للنصوص السابقة وأعطت نوحا تسعماية وخمسين سنة .

غرق الأرض

واستقر في ذهن البشرية ، من أتباع الديانات التوحيدية ، أن الطوفان غمر الكرة الأرضية كلها . ولأنه كذلك فقد قتل كل الحياة ، إلا من أنجاهم الفلك بشرا وحيوانات . ومن تناسل هؤلاء عادت الحياة .
في روايات الطوفان جملة إشارات توحي بصحة الاعتقاد بغمر الطوفان للعالم . في رواية جلجامش مثلا جاء أن بطل الطوفان ، عندما فتح كوة الفلك ، أدار نظره في جميع الاتجاهات فلم ير إلا الماء . بعدها عرف أن الفلك رسا على جبل اسمه جبل نصير . ولمعرفة مدى اتساع الماء أطلق حمامة فعادت دون أن تتمكن من أن تحط على الأرض . وبعد بعض الوقت أطلق سنونو ، وعاد كما فعلت الحمامة . أخير أطلق الغراب الذي لم يعد ، فاستنتج أن الماء أخذ في الانحسار .
سارت الروايات المنقولة عن السومرية على نفس المنوال ، مع تأكيد الرواية الهلنستية على وصول السفينة لأرمينيا – انطلقت من جنوب العراق – ورسوها على جبل كورديين .
الرواية التوراتية قالت أن الجبل الذي رست عليه السفينة هو جبل أرارات في أرمينيا . وقالت نصا أن المياه " غطت جميع الجبال الشامخة التي تحت كل السماء " وزادت بأن قالت أن ارتفاع الماء بلغ خمسة عشر ذراعا ، وأنه بهذا الارتفاع – خمسة عشر ذراعا – غطى كل الجبال .
الرواية القرآنية ، رغم شدة إيجازها ، فقد حملت هي الأخرى إشارات ، يفهم منها أن الطوفان غمر الكرة الأرضية برمتها . فهي تصف الموج الذي حمل السفينة بأنه كان كالجبال . وأن نوحا حين نادى ابنه ليحمله معه في الفلك ، رد عليه الابن بأنه سيأوي إلى جبل يعصمه من الغرق ، فأنذره الأب بأن ذلك لن ينفع ، إذ لا عاصم اليوم ، لا جبل ولا غيره ، من أمر الله . ولذلك هلك ابن نوح ذاك . أخيرا تقول الرواية القرآنية أن السفينة رست على جبل اسمه الجودي .
اختلاف اسم الجبل بين الروايات ، غير ذي بال ، لأنه وقع لاعتبارات محلية – تسمية الجبل عند الأقوام وفي اللغات المحلية - . لكن اتفاق الروايات على رسو السفينة التي حملها الموج من جنوب العراق – بلاد الرافدين – على جبل من جبال القفقاس ، سواء كان اسمه نصير ، كورديين ، أرارات أو الجودي ، هو ما دعا لصحة الاعتقاد بغمر الطوفان للعالم كله ، وبالتالي محوه للبشرية بأجمعها ، ولتعود إلينا من نسل من حملتهم السفينة .
لكن هذا التأكيد يضعنا أمام مجموعة من الملاحظات ، أولها جغرافية ، وثانيها تتعلق برسالة نوح ، أما ثالثها فمن أين أتى كل ذلك الماء ؟ ورابعها أين ذهب ذلك الماء ؟.
عن الأولى نقول أنه في ذلك الوقت ربما لم يعرف واضعو تلك الأساطير أن في قارات العالم سلاسل جبلية بها قمم أعلى بكثير من سلسلة جبال القفقاس ، ومن جبل أرارات تحديدا . ومنها على سبيل المثال : الهملايا والبامير في آسيا ، الألب في أوروبا ، الروكي في أمريكا الشمالية ،الأنديز في أمريكا الجنوبية وكليمنجارو في أفريقيا ...الخ . ذلك يعني أن بقعا واسعة من تلك السلاسل الجبلية لم يغمرها ماء الطوفان ، وتناسلت حيواناتها والناس الذي لجأوا إليها ، إضافة لمن كانوا في الفلك .
وثانيها ماذا عن نوح ورسالته ؟

رسالة نوح مرة أخرى

ولما أشارت روايات الطوفان إلى تعاظم شرور الإنسان ، وامتلاء الأرض من ظلمه ، كمبرر لإنزال عقوبة الطوفان ، وبما يوحي بأن الإنسان هنا هو كل الجنس البشري ، وفي كل بقاع الأرض ،فإنها – الروايات – من خلال الحديث عن بطل الطوفان ، عادت للحديث عن قوم معين وأرض محددة ، هم قوم وأرض بطل الطوفان .
الرواية القرآنية انفردت بتحديد صفة وأرض القوم موضوع الطوفان ، بأنهم قوم نوح . ولأن الله غير معذب إلا أن يبعث رسولا ، كما ورد في عديد من آيات القرآن ، فقد أرسل نوحا إلى قومه الذين استحقوا العذاب لرفضهم رسالته ، ولتمسكهم بالشرك وبقائهم على ما يرافقه من شرور . ورغم هذا التحديد للقوم والأرض ، تتواتر التفاسير عن شمول الطوفان للعالم كله ، وبما يعني عودة الله عن تأكيداته السالفة ، وتعذيب ومحو عشرات ، إن لم يكن مئات الأقوام الذين لم تصلهم أية رسالة ، ومنها رسالة نوح التي لم يسمعوا بها . فنوح مهما عظمت إمكانياته لم يكن بوسعه حتى تخطي جبال زاغوروس ، الفاصلة بين بلاد الرافدين وإيران المجاورة ، ناهيك عن الوصول لشرق آسيا أو غرب أوروبا ، أو جنوب الصحراء الإفريقية .
ولا تتوقف التفاسير عند مسائل كبيرة الأهمية ، من مثل حجم ماء الطوفان ، ومن أين أتى وكيف وإلى أين ذهب . وعلى العكس ، ولأن الإنسان الحديث قاس ارتفاعات الجبال ، وعرف أن ارتفاع جبل أرارات يبلغ أربعة آلاف متر ، قدم المفسرون هذا الارتفاع برهانا على أن الطوفان شمل الكرة الأرضية كلها . وأن الطوفان لم يغط اليابسة وحدها ، بل رفع منسوب البحار والمحيطات ، بمن فيها المتجمدين الشمالي والجنوبي ، بأربعة آلاف متر ، ودون أن يفطن أي منهم لفعل هذا الطوفان مع جليد ذانك المحيطين ، وحيث كانت الإذابة وحدها كافية لإغراق مساحات واسعة من الأرض ودفنها تحت البحار .
وأيضا ولأن الإنسان الحديث بات يعرف ، ومن عدة قرون ، أن منسوب الماء على الأرض ، وبخاره في الجو المحيط بالأرض ثابت ، فقد فتش المفسرون عن مصدر ماء الطوفان هذا الذي عصف بالثابت المذكور . وكان أن وقعت لي هذه الحادثة الطريفة .
بعد صدور كتابي " الوعد في التوراة " أوائل تسعينات القرن الماضي ، فوجئت بناشط من طائفة شهود يهوه ، قد تحمل مشقة المجيء إلى مكتبي ، وعناء محاورتي عما ورد في الكتاب من الظلم الذي ألحقه وعد الرب لبني إسرائيل بقومي ووطني . وكان أن اختار أسطورة الطوفان ، للبرهنة على صحة ما ورد في التوراة ، وأن كل كلمة فيها هي من كلام الله الحق ، والذي لا يأتيه الباطل من أمام أو وراء . وأتذكر أنه كان يحمل كتابا ، ظل يشير له بين وقت آخر . ومن جملة ما قال أن الحفريات في أماكن مختلفة من العالم ،كشفت عن طبقة سميكة من الطمي ، لا يمكن حدوثها إلا من طوفان ضخم غمر الأرض كلها .
وأتذكر الآن أنني ضحكت عند هذه النقطة وسألته : وهل هذه الحفريات غطت كل بقاع الربع الخالي ، والصحاري الكبرى ، ومنها بادية الشام مثلا ؟ ولأنه تملص من الجواب ، سألته وأنا أشير لتوزان الماء على الأرض وفي أجوائها : ومن أين أتى ماء الطوفان هذا ؟ قال كمن تسلم مفتاح الفرج : جاء من فوق الجَلَد ومن باطن الأرض ؟ قلت : سأقبل بجوابك مؤقتا ، ولأسألك : وأين ذهب هذا الماء ؟ قال ابتلعته الأرض ، وسكن جوفها . قلت : كيف وهو بهذه الضخامة لم يخفف من حرارة جوف الأرض ، ولم يطفئ البراكين ، ولم يذهب بينابيعها الساخنة ؟ ولأنه عاد وتملص من الإجابة ، فقدعدت لموضوع فوق الجلد وسألته : وماذا تعني فوق الجلد هذه ؟ قال : من خارج الأرض ، من محيطها الخارجي ، من السماء . قلت : تعبير فوق الجلد تعبير قديم يوحي بأن هناك سقف فوق الأرض ، وأن هذا السقف مليء بالماء مثل محيط هائل ، ومنه جاء ماء الطوفان ، أليس كذلك ؟ قال نعم هو كذلك . قلت ولكن علم الفلك كشف أن لا وجود لشيء كهذا ، وأن كل الكواكب والنجوم القريبة منا ، والتي تبعد ملايين الأميال ، لا ماء فيها . فمن أين جاء ماء الطوفان ؟ قال : الحديث معك صعب . قلت : وهل أتى به الله من كواكب لم نكتشفها بعد ، ونقلها مليارات الأميال ، حتى وصل بها إلى أرضنا ، عقابا للإنسان على شروره ؟ قال : قلت أن الحديث معك صعب . وقلت : ذلك صحيح لأن لي عقل ، وأنت تريد استغفالي . أقفل النقاش ، وسلم مودعا .
خلاصة :
لا تسلم الأديان التوحيدية بأسطورية الطوفان ، رغم أن كل تفاصيلها تؤكد هذه الأسطورية . وأكثر تذهب للتأكيد بأن الطوفان حدث فعلا وحقيقة . أكثر من ذلك أن الله ما زال يعاقب البشر على شرورهم بالزلازل وثورات البراكين والأعاصير والفيضانات الهائلة . يفعلون ذلك رغم أن العلم قدم ليس تفسيراته فقط ، وإنما طور وسائل التعامل مع ثورات الطبيعة تلك وتقليص حجوم خسائرها . ألم يقل أبو العلاء ومنذ قرون
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ......وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,426,131,177
- تقاطعات بين الأديان 4 الطوفان
- في البحث عن الأمل والسقوط في الأحضان االقاتلة
- تقاطعات بين الأديان 3 الأضاحي البشرية
- الإستراتيجية الفلسطينية .....وضرورة التغيير 3/3 البديل تقصير ...
- الإستراتيجية الفلسطينية ......وضرورة التغيير 2/3 الحركة بفعل ...
- الإستارتيجية الفلسطينية .......ضرورة التغيير 1/2 النشأة والأ ...
- في السياسة ......حديث ذو شجون
- الحجاب بين الاجتماعي والفرض الديني 2/2 القرآن ومجتمع المدينة
- الحجاب بين الموروث الاجتماعي والفرض الديني 1/2
- أوروبا ، الغرب .....والإسلاموفوبيا 2-2 تشخيص النبي ومفهوم ال ...
- أوروبا ، الغرب ......والإسلاموفوبيا 1-2
- قراءة في ثورة الشباب المصري 19 براءة مبارك
- ياحضرات المثقفين .....لطفا بتاريخنا السياسي 2 هل نحن أمام سا ...
- يا حضرات المثقفين .......رفقا بالتاريخ الحزبي 1
- بوكو حرام في نيجيريا ....داروين حرام في فلسطين
- في الذكرى ال 66 للنكبة ....ولكن آفة شعبنا قياداته
- انحدار التعليم إلى أين ؟ وإلى متى ؟ .....التلقين وطريق الخرو ...
- تلك نظم ولى زمانها
- تقاطعات بين الديان 2 صفات الآلهة
- تقاطعات بين الأديان 1 عبد المطلب ( جد الرسول ) هل كان نبيا


المزيد.....




- موقع في الفاتيكان قد يخفي خيوط قضية اختفاء فتاة قبل 36 سنة! ...
- -فيس آب- بمصر.. مخاوف أمنية وفتوى تحريم وشيخوخة معتقلين
- غارديان: بوريس جونسون يجهل الإسلام والتاريخ
- مستوطنون و«حاخامات» يقتحمون المسجد الأقصى بحراسة مشددة من ال ...
- تويتر ينتصر للأقليات الدينية المضطهدة في إيران
- فتيات غير محجبات في قوائم حركة النهضة الإسلامية في تونس
- الرئيس الأفغاني يرجح بدء المحادثات بين الحكومة وحركة طالبان ...
- شيخ الأزهر يعود من رحلة علاج
- قبل إسرائيل.. تعرف على محاولتين لإقامة «وطن» لليهود في أمريك ...
- صحيفة: الشرطة الإيطالية تبحث عن سوري هدد بالتوجه مباشرة من ر ...


المزيد.....

- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبد المجيد حمدان - تقاطعات بين الأديان 5 قراءة مقارنة في روايات الطوفان