أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يحيى علوان - رواية داريغو : ترنيمة للبحر... ملحمة عائد من الحرب ... غنائية للحياة !















المزيد.....



رواية داريغو : ترنيمة للبحر... ملحمة عائد من الحرب ... غنائية للحياة !


يحيى علوان
الحوار المتمدن-العدد: 5326 - 2016 / 10 / 28 - 16:16
المحور: الادب والفن
    


قـراءة في روايـة ستيفانـو داريغـو
" الحـوت القاتـل "
تَرنيمـة للبحـر ، ملحمـةُ عـائد مـن الحـرب
... غنائيـة للحيـاة !


* نُشِرت المادة في العدد الأخير (18)
من مجلة "الطريق" اللبنانية في بيروت


هـو ذا البحـرُ من جديـد ... ولاّدةُ قـمـةٍ أخـرى من قِِمَمِ الأدب العالمي !
البحـر.... فضـاءٌ مفتـوحٌ إلى ما وراء المـدى ،
البحـرُ .. مـاءٌ ... مخـزونٌ في اللاوعي البشري ،
صلوا إلى أنه مصدرٌ للحيـاة والنَمَاء ، قبلَ أَنْ يصل العلم إلى توَ قدماءُ الأغريق ،
) .. وما أدراك ما سيأتي بعدهـا وما قبلهـا ..؟!Big Bang الـ (
............................

البحـرُ شظايا مرايـا كَسَّرَهـا الضياء .. ،
فـي مَلـحِ ماء البحـر ، يتفَتَّقُ العطَشُ إشتهاءً لرضـابِ إمرأةً .. ،
البحـر، الـذي كان مسرحاً لـ"موبي دك"/ملفل/ و "عوليس"/ جيمس جويس / وغيرهما .. يعـود مرة أخـرى على يد الروائي الإيطالي / ستيفانو داريغـو/ ليبدع هـذا العمـلَ الهـائلَ في سرديته
وفي شاعريته .(1)

* * *

ليس فضيحة أنْ لم يسمع أحدٌ ، بأستثناء العارفين بشؤون الأدب الإيطالي ، بهذه الرواية أو كاتبها ،
الذي رحلَ عام 1992 . فمـذ نُشرَت قبلَ أربعينَ عاماً (1975) ، ظلّت حبيسة الإيطالية ، عصيةً على الترجمة . إذ إعتذرت دور النشر الإنكليزية والفرنسية والإسبانية عن ترجمتهـا ، نظراً لصعوبتها ، كونها مُتمنّعة في لغتها المكتوبة بأيطاليةٍ رفيعة ، مُطَعَّمَة بالعامية الصقلية ، المليئة بمفردات فرنسية ، نورمانية ، عربية ويونانية .. إضافةً إلى شعرية السرد فيها.
أقـولُ ظلَّتْ حبيسةَ الإيطاليـة ، حتى قَبِـلَ موشيه خان ــ وهـو صديق شخصي لمؤلفها الـراحل داريغـوــ التحـدّي وتصـدّى لـه بـما أُسمّيه ـ حَسَداً ! ـ "مشروع العمـر"، إذْ أمضى ثلاثَ سنواتٍ في حواراتٍ مع المؤلف ، يستدرجه كي يُفلِّتَ أسرارَ مفاتيحهـا ... ثم أمضى بعد ذلك قرابة إثني عشَرَ
عامـاً ينحتُ بأزميله في مرمرهـا .. حتى جاءتْْ ترجمةً آسِرةً .
...........................

يمكنني القـول أن هذا العمل الروائي الفخم ، بمعنييه المباشر والمجازي ، مثل معشوقةٍ جميلـة مِغنـاج ، لكنهـا مُتَمَنِّعـةٌ .. ! تحتـاج أّنْ توظف فيهـا جهـداً ، وقتـاً وتصـابراً .. حتى تفتحُ لكَ
" مغاليقهـا ".. تماماًً كمـا فعلَ بيتر فايس في عمله المهم ( إسطيطيق/ أو جماليات المقاومة )
عام 1980 ...!!








مَتنُ الروايـة :


الروايـة ، ملحمـةٌ تعُـجُّ بالرمز والكنايـة عن الأسئلة الكبـرى ، التي شغَلَتْ البشريـة منذُ فَجـرِ التأريـخ ( جلجامش) .. أسئلةُ الحيـاةِ ، المـوت والخلـود .. إنهـا ليست ترنيمة للبحـر فقط .. إنمـا ملحمة هاربٍ / عائـدٍ من حربٍ ، إعتَقَدَ أنـه خلَّفَها وراءه ، ليعـود إلى منبتِ الذكـرى ... يتداخل الإثنان ( البحر والحرب ) في بعض المواضع .. ثُمَّ لا يلبثان يفترقان ، يشكل فيهما البحرُ خلفيةً
لما يجري في الحرب ... البحرُ الهائج ، الذي لا تُمكن السيطرةُ عليـه أو ترويضـه ، تماماً ، كما
هي الحرب ....

ليس إعتباطاً أنَّ داريغـو وزَّعَ الرواية على أربعة أجزاء/ أقسام ... يبدو لي أنـه أرادَ لهـا أن تكونََ كالعمل السيمفوني الموَزّع على أربع حركاتٍ ، تبداُ بـ ( أليغرو/ سريع ) يتبعه ( آندانت / بطيء) ثم تكون الحركة الثالثة ( مينوَتْ ) و الرابعة سريعة ، إما ( روندو أو سوناتا ) أو الأثنين معـاًً .

في الجزء الأول ، الذي يعادل الـ (أليغرو/ سريع) يضخُّ الروائي ،على مدى 470 صفحة ، معلومات هائلة عن الأحداث والشخوص ... يُفرِدُ لها حيّزاً واسعاً كي تبُثَّ للقاريء آلام خيباتها ، أحلامها
واحزانها ... بلغةٍ أخّاذة في جمالها ، يستخدم فيها الإستعارة والكناية ، غامزاً مرة .. وفي مكانٍ آخر يقتربُ من ضفاف المباشرة ...

نْدْرْيَا كامْبرْيَا ، كان مُجنَّداً في البحرية الإيطالية ، خلالَ الحرب العالمية الثانية ، حينَ قَرَّرَ مع بقية أفراد طاقم السفينة إغراقَ سفينتهم الحربية والهرب من جحيم الحرب ، ليعـود من نابولي ـ سيراً على الأقدام أربعة أيام ـ إلى جزيرة صقليا ، إلى قريته ، ويمارس مهنته ( صيّاد سمك ) ... طِوالَ خدمته في الحرب وخلالَ رحلـة العـودة / التيه ، كان يحلمُ بقريته واهلها.. ولمّـا تصيرُ القرية على مرمى النظـر ، حيثُ لا يفصله عنها سوى مَمَرٌّ مائي لايزيدُ عرضه على ثلاثةِ كيلومترات
( مضيقُ مَسينا، الذي سمعَ فيه عوليس / جويس / نداءَ حوريات البحـر ) تتطوَّعُ لمساعدته/ سيسينا سيكوجينا/، ليس دونِ مقابلٍ! إنما كانت تُريدُ أنْ تستدرجه إلى سريرهـا .. إحـدى النساء الساحرات بجمالهن .. مزهوّةً تشُدُّ جَرََساً في ظفيرتها، ، تحاولُ إغواءه .. واحدة من أُولاءِ النسوة المرصوصات ، اللاتي يتقطَّرنَ شَبَقَاً كنساء غوغان وبيكاسو .. واحدة ممن إمتهنَّ تهريب الملـح خلال الحرب ، بعد أَنْ تركهن الأزواج ليلتحقوا بحماسةٍ في الحرب ، التي لا يسميها ستيفانو داريغـو إلاّ بـ" المُجنَّد الفاجر/ الفاسق"... لكنه ( نْْدْريَا) لا يُلبّـي " حاجتها".. يكتفي بمتابعة حركاتها مبتسماً ، خاصة عندما تستخدمُُ رأسَ تمثالٍ لموسوليني مِبْوَلَـةً .... ثُمَّ يروحُ يرى تحوّلات في وجهها ولون بشِرَتها .. كأنه يُغالبُ غيبوبةً مِلحاحةً ، تطرقُ بابَ أحلامه ..
يُرافقها نْدرْيََا بعينٍ مليانة نُعاساً ، في رحلةِ هلوسةٍ بحرية بقاربٍ شراعيٍّ .. يتغرغرُ بذكرياتٍ عن موطنٍ أضحى ذكـرى .. رحلة عبورٍ لا يسمع فيها نداء حوريات البحر، بل أصواتاً مبهمةً ونداءاتِ لضحايا الحرب ، إنها تراوما الحـرب عينها :

" لا أبعَدَ من شاطيءٍ لَعينٍ لا تصله ، كي تُُلقي مرساتك
فيه ، وإن كان على مبعدةِ ثلاثة كيلومترات، فقط .. !! "

لكنـه حين يصـل ، يُصابُ بدهشةٍ / صعقة ... فالوطنُ ، الذي كان يحلمُ به ويحنُّ إليـه ، أمسى خراباً ، سراباً ، فتحوّلَ إلى ماضٍ .... عندهـا يعي أنْ لا عـودة إلى وطـنٍ أَمسكَ الخرابُ بتلابيبه ،



حين أزاحَ الموتُ النوخذة( الربّان) وإستلم دفّـةَ السفينة ..!! خـلالَ ذلك راح يستوعب ما خلَّفته الحرب في الحرث والنسل ، في البيئة الطبيعية والإجتماعية ... فالناسُ تُقابله بجفوَةٍ :

"ها قد عُدتم من الحرب ، لأنَّ الموتَ الهائل هناك إستنكفَ أنْ يأخذكم ،
لأنكم مُنحطّون ، برابرة ، على الأقل فيما يبدو من سَحناتكم ومظهركم .."

صيادو السمك ، الذين كانوا يكرهون الدلافين كُره الموت ، ولا يسمونها بأسمها ، بل يطلقون عليها تسمية " وحشية / غير مُدجَّنة" (صورةٌ نَمَطِيّة لما يحمله صيّادو صقليا عنها) ، لأنها تُقطِّعُ شباكهم ، التي يحوكونها بدأبٍ وتوأدةٍ ... هؤلاء الصيادون لـمْ يعودوا يرمون الشباك من زوارقهم ، إنما يحاولون الصيد بالقنابل اليدوية ، وأصابع الديناميت. ذلك أنَّ البحرية البريطانية ، التي فرضت سيطرتها التامة على البحر الأبيض المتوسط ، وأنزلت قواتها في صقليا إستعداداً للزحف وأقتحـام إيطاليا لإلحاقِ الهزيمة بموسوليني ، أغرقت وأحرقت كل العبّارات وقوارب الصيد ، وقطعت بذلك أرزاق الصيادين الفقراء وعوائلهم ... في عمليةُ إنخلاع وجودي وفقدان لأساس هويتهم ، كونهم لا يعرفون ممارسةَ شيءٍ آخرغيرَ الصيد .. لكنهم يظلّـون على موقفهم الحاقد والكاره لهذه الكائنات البحرية (الدلافين) ، التي كانت تحمل للشاطيء جثثَ الغرقى من قتلى الحرب . قتلى تتقاذفهم أمواجُ البحر...
..............................

تغيّرات كثيرة شهدها نْدرْيَا كامْبْرْيَا ، الذي كان يَعتقدُ أنه عاش في الحرب ما يكفي من الأهوال ، مما يُحصِّنـه ضدَّ الإهتزاز لما حَصَلَ في قريته من " تحوُّلاتٍ" ....!!
فها هو يروح يتسكّعُ على الشاطيء مُتأملاً ، يُفرِدُ بساطَ / حصير حياته :

" في كلِّ مرةٍ ، عندما يتأمل المتسكِّعُ على الشاطيء حياته ، ويرصدُ المرّات ، التي أصبح
فيها قبالةَ الموتِ .. وجهاً لوجه ، يُكِـرُّ حبات الزمان ، الذي عاشه ، يشعرُ بما يشبه الموجَ ،
الذي يصفعُ وجه الساحل أمامه .. موجةً إثرَ موجة .. يتذكر عمره عاماً بعدَ عامٍ ، فيُحِسُّ
بدفقاتِ ألم يخِزُّ فيه ، مثل وجعِ النقرِاس ، الذي يلسعُ خطفَاً . " ص160
................................

كل القرى المنتشرة على الشاطيء مُُخرَّبة ، ترعى فيها الكوليرا والطاعون .. نساءٌ متجهِّماتٌ ، هدَّهنَّ
الثكَلُ ، وأخريات نخرهنَّ سوسُ الإنتظـار، يذرعنََ الشواطيءَ ، يُُغطّي هديرٌ الموج طَقطقَةَ عظام السمك تَتَكسّرُ تحتَ أقدامهنَّ .. علَّهنَّ يعثرنَ على جُثَثِ أزواجهنَّ [ مثل أم ولد غرقان ، أبرى الشرايع .. كلمن وليفه وياه ، بس ولفي ضايع... كما تقول الأغنية العراقية ..!] ، لَفَظهــا البحرُ أو حملتهـا الدلافين اللعينة إلى رمال الساحل ...!

لكن داريغو، لا يتركُ الدلافينَ نهبـاً للصورة النمطية السلبية ، التي يحملها الصيّادون عن هذه الحيوات ،
فينظرون إليها كالحرب والطاعون ، لا يتوقّف .. حتى تُهدِّمَ المرجَلَ ، الذي يُغذّيه .. لكنهم عاجزون
أمام هذه المخلوقات / الدلافين .." فهيَ أَبدية ، لأنها من صنع الرب ..!"أقولُ لا يتركها داريغو ،
بل ينتصرُ لها ويَكشفُ عن " سِرٍّ " فلسفي عميق ، يضعه بصيغةِ "حلم يقظة" على لسان " البطل "
/ ندريا / ، الذي يرى أنِّ هذه الحيوات ، التي ما رآها أيٌّ من صيّادي صقليا ، قد وصلَت إلى " أرذلِ العمر!" ، ذلك أنها لمّـا تتقدّمُ بها السنون ، تسبح إلى فوهة بركان حيٍّ فتقفز في لُجَّـةٍ من الطفَحِ البركاني منتحرةً . وبذلك ترفعها الرواية وتخلِّصها من كل السلبياتِ ، التي لحِقتْ بها من منظـور الصيّادين ، إلى مرتبةٍ أسمى .. مرتبة الإستشهاد ! وهو مشهدٌ يذكِّر بما يشابهه ، تقريباً ، عند الفيَلَة ،


التي تُغادر القطيعَ عندما تشعر بأقترابِ "ساعتها"، وتذهبُ إلى مقبرتها ــ مكانٌ خاص تتجمع فيه عظام الفِيَلَةِ ،التي نَفَقت قبلها ــ فلا يراها أحدٌ من القطيع تنهارُ أمامه !!
ولأنـه / نْدْْريَا / عازمٌ على مزاولةِ مهنته ، كما كان يحلم خلالَ خدمته في الحرب ، لا بُدَّ له من مبلغٍ كي يستطيع صناعة زورق للصيد ، لذلك يًقرِّرُ المشاركَةَ في مسابقةٍ للتجديف ، أقامتها البحرية البريطانية ، مؤمِّلاً نفسه بالفوز بجائزتها ... وحين يصلُ إلى نقطة العودة ، يستديرُ بقاربه عند حِنِكِ حاملة الطائرات البريطانية ، كأنه يضع جبهته مَصَدَّةً لرصاصةٍ ،أفلَتَها خلال التدريب الليلي أحد حُرّاس حاملة الطائرات ، رصاصة ساخنة تَطيرُ حثيثاً نحوه ... فتستقِرُّ.. حيثُ تُطفيءُ النـورَ في عينيه ، وتُطبِقُهما على آخرِ ما رأتاه من صوَرٍ ومشاهد ..!

أما القسم الثاني (471-832) ، الذي يعادل الـ ( آندانت / بطيء ) فيحكي عن كايتانـوـ والد نْدْريَا ، الذي كان الوحيد من بين سكان القرية لم يتعرِّف على إبنه لمّـا وصل القرية عائداً / هارباً من الحرب
ـ كايتانو يقصُّ على ولده ما حدث خلال الحرب للناس في القرية وما حولهـا ... وفي بعض المقاطع ،
يدسُّ داريغو للقاريء ما يُلقي ضوءاً على نشأة نْدْريَا وشبابه.. وأشياء متفرقة تُكوِّنُ بالتالي صورةً
عن حياة الصيّادين، عاداتهم وثقافتهم وكيف ينظرون للأمورِ وللحياة ... واحدة من الصور ،التي يصف
بها داريغو الحرب :
" برمشة عين، جاءت الفاجرةُ ، إبنة القحبة [ كناية عن الحرب، بالألمانية مذكر، ليس
كمثل العربية التي تؤنثها !] كأنَّ الشمس الحارقة أعادت لها(للحرب) كاملَ حيويتها،
فراحت تضرب مُخلِّفةً ، أينما حلَّتْ ، كوارثَ : قتلى ، جرحى .. أشلاءٌ ممزقة ،
حرائقَ وإنفجارات ، أحشاءٌ إندلَقَتْ خارجَ بطونٍ مزَّقتها القذائف ، بُُرَكٌ من الدم الفوّار،
دُخان ونيران أحرقت الصخرَ ، حتى .. صرخاتُ إستغاثة بالألمانية والإيطالية ، نحيبٌ
بالإنكليزية والأمريكية .. كلهم كانوا يلبسون ذات البزّات العسكرية ، وماتوا بنفس الميتة،
إختطفتهم ذات اليد ، يد الفاجرة إبنة القحبة .. " (ص579 )

المحـور الآخـر ... فيما تَغُطَُ القريةُ بالقنوطِ واليأس والحزن ، تَجدُ من جديدٍ ما يُشغلُها عندَ ظهورِ
"أبو سيف" ، بحجمه الهائل ولونه الفاقع ، فيُحْييِ فيهم ما حَفِِظَته ذاكرة السرد عن الموت .. إنه
" الحـوت القاتل "! نوع من الحيتان تسميه المعاجم بـ"أبو سيف " نسبةً إلى زعنفة الظهر الكبيرة المميزة له ــ يعيش في أعالي المحيطات .. ضلَّ طريقه ، لأنَّ الدلافينَ "الوحشية " قَضََمَت زعنفةََ ذيله ، التي يحتاجها لتحديد مَساره . لذلك ضَـلَّ طريقـه ، فأنحشر في مضيق مسينا ، ليستقرَّ محتضراً، يتمرّغُ في بُركَـةٍ كبيرةٍ من الوحل والـدم ، يدخلُُ في صراعٍ مريرٍ مع الموت ، قبلَ أن ينتهي فطيسةً على الشاطيء . فقد تجمَّعت على هذا الحيوان الهائل ، الذي أرعب الصيادين لأنهم لم يروه من قبل ، ولا حدَّثهم الأسلاف عنه ، طيور النورس والقطرس ، تنهش في لحمه الحَي ، فيما هو يتطلَّعُ إليها ، بعيـنٍ حزينة ،عاجزاً عن الفعلِ ، كأنه يريد أن يقول شيئاًً قبلَ أنْ يلفظ آخر أنفاسه ... فهذا الكائن المُخيف ، الذي كانت أحشاؤه مقبرةً لمختلف الكائنات البحرية ... إنتهى بهـذه الطريقـة المُحزنـة ، فصارَ جيفةً " قاتلةً" .

لقَدْ كَرَّس داريغـو لهذا الغرض القسم الثالث مـن الرواية ( ص833-1020) ، الذي يقابل الـ
( مِنْوَتْ ) الحركة الثالثة في السيمفونية .

القسم الرابع والأخير (1021- 1459) ، هو ما يعادل الـ (روندو والسوناتا معـاً) فيكرَّسُ لما أحدثته الحرب من تغيير وخرابٍ في مصائر الناس والمجتمع والحياة ، وبخاصة وصف حياة الصيادين في صقليا وظروف معيشتهم ، التي ستُحدِّدُ الصورةَ النمطيةَ عن هؤلاء القوم ...




السردُُ ولغة الروايـة :


ستيفانو داريغو لا يتّخذُ في هذا العمل نموذجاً تقليدياً للسرد ، بل ينحـو صَوبَ التغريب بأستعاراتٍ بلاغية وشخوص إستثنائية من صقليا الخراب ، كانت قبل الحرب أكثر الأجزاء تخلفاً في إيطاليا .. ولم
تكن تحظى بسمعةٍ حميدة ، كونها( عاصمة المافيا!)

شخوصٌ تتمرجحُ بين الأسطورة والواقع .. يتوه معها القاريء ،على مدى أسابيع ، حتى ينسى الواقعَ نفسه .. فتبدو له اللغة الإعتيادية ، لغة الصحف والمجلات والإعلام عموماً ، التي يسمعها ويقرأها يومياً ، لغةً باهتة في كيفية إيصال ما تريدُه ..!

فاللغةُ الرفيعةُ والشعرُ يشكلان رافعتينِ هامّتين في هذا العمل .. المترجم المبدع (خان) يقول في الخاتمة
، التي أرفقها بنهاية الرواية :" ما عرفتُ كتاباً يشبه هذا ، قط ، لا في لغته ولا في موسيقيته ولا في تنوُّع الصورِ والمجازات ، التي يقدمها هذا العمل ."

فالروايةُ نهرُ / بحرٌ هادرٌ بالصور والمجاز والإستعارة .. لكنه بلا ضفافٍ ، أزاح فيه داريغو الحواجزَ بين الواقعي والملحمي .. فأبدعَ واحدةً من قِمَمِ السرد ، الذي يعزفُ على قيثارة التأريخ والواقع .

..................................

متأخراً أربعين عاماً ، وصلنا هذا العمل المُبهر .. في عالمٍ يلهثُ وراء المبتسرِ واليسير ،"سهل التسويق..!"بحجةِ زحمة وسرعة إيقاع الحياة العصرية !!
فخلافـاً لمـا إعتدناه في الروايـاتِ الضخمـة ، حيثُ يقتحِمُك الأسلوبٌ واللغـة منذ البدء ، يشُدُّ على خناقِكَ ، ويكاد يُقطِّعُ أنفاسك .. ! داريغو روائي من نمطٍ آخر .. غير مُتعَجِّلٍ ، مُتأمِّلٌ ، يُراهن على قاريء
مُجِدٍّ ، صبـورٍ، يتحلّى بالجَلَد ، فيجزِلُ له العطاء لمّـا "يتصابر"/ القاريء/ ويغوص في النص ، دونَ وجَلٍ .. حينها يبدأ رويداً يفتـحُ له مخزونَ "الطلاسم" واحـداً إثرَ آخـر .. فيقوده في ربـوع النص
ويكشفُ لـه مكنوناته بلغـةٍ غير مستهلكة ، لغة شِعرية ، لا عـلاقـة لهـا بلغـة الـ" فاست فود "
الثقافي !! الذي يملأُ سوق الكتاب ... لُغةٌ غير مألوفة في الوصف والتصوير..!

* * *

أما عن زمن السرد ، فلا يتركنـا داريغو في متاهة التخمين ، إذ يقدمه بكرمٍ باذخٍ في بداية الصفحة الأولى من العمل :

" للمرة الرابعـة تهادت الشمس نحـو مغربهـا ، يـومَ وصـلَ نْدرْيا كامْبرْيَا ،
شاطيء فَمينوتن ، عند ِ مُلتقى البحرين سكيلا وكاريبدي، في الرابـع
من تشرينَ الأوّل / أكتوبـر من عام 1943 ... كان بحّاراً بسيطاًً في صنف
البحرية الملكية سابقاً ."

أي أن زمن السرد في هذا العمل (الميغا) في حجمه ، ثمانية أيامٍ ، أربعة حتى وصوله القرية ، ومثلها حتى النهاية ... هنـا ، ومن البدء ، في هذا الموضع ، كاريبدِي عند الممر البحري الضيق بين كالابري وصقليا ـ مضيق مَسينا ـ الذي يربط بين البحرين ، هنا بالضبط ، كان (عوليس) قد سمع نداء حوريات

البحر.. يغوينَ البحّارة والصيّادين .. هنا ، بالذات ، إختار داريغـو أن يكون هذا المكان موطناً لـنْدريـا. وبهذا الإختيار نَسَجَ وشيجةً بين الأسطورة والواقع ...

فأن كان عوليس قد مرَّ بأهوال حرب طروادة وعاد مبحراً إلى مملكته ، إيثاكا ، منتصراً حيثُ تنتظره زوجةٌ وولد .. شدَّ نفسه إلى صارية السفينة ، بعد أن سَدَّ بالشمع آذانَ بحارته كي لايسمعوا نداء حوريات
البحـر، مخافة أن يستجيبوا لندائهن فيهلكوا.. فأن "بطل" داريغو مرَّ بأهوال الحرب العالمية الثانية .. ولما عـاد إلى قريته ، عادَ مُحطّماً ، مُهشَّما روحياً .. لم يكن أحدٌ بأنتظاره ، سوى جفوة سكان القرية ، بل
أنَّ أباه لم يتعرَف عليه في البداية ... وكما قاومَ عوليس نداء حوريات البحر، غالَبَ نْدرْيَا "حاجته وحاجتها" سيكوجينا ساحرة الجمال ، لكنه إنتهى ، كما إنتهى "الحوتُ القاتل" ... كأني بداريغـو أراد ، من خلالِ وصف مستفيضٍ للفاجعة التي إنتهى إليها الأثنان ، أراد القولَ أنَّ إنعتاقهما وخلاصهما / نْدْرْيَا والحوت / يكمنُ في الموتِ وإنهاء الحالةِ المُزرية والمهينة ، التي وصلا إليها ..

ــ عليه ، فأنَّ هذه الروايةُ نصٌّ يفيضُ على شُطآنِ السرد .. بعينٍ " مكروسكوبيةٍ "، يلتقطُ فيها الروائي أصغرَ التفاصيل .. يؤبِّدُهـا في نصٍّ مُمتع .. لكنـه ليس سهلاً على الإطلاق ( حتى بالنسبة للقاريء
الإيطالي العادي ... ربما يتعيَّنُ على القاريء المثابر أن يعودَ إلى أفلام صاحبه بازوليني الأولى كيما يتمكن من أسلوبِ سردِ داريغو هذا !)

ــ تزهو الرواية بجملٍ طويلة ، قد تصلُ الواحدة منها إلى نصف صفحة ، لكنها مشوِّقة ولا تُثقل كاهلَ القاريء ، تُذكر بلغة تولستوي و دوما وحتى ماركيز في "عاصفة الأوراق" ... ويمكننا القول أنَّ هذه الرواية هي "أوديسا العصر الحديث" ، مكتوبة بنصٍّ شديد التَطَلُّب ..
ــ في النص مستويات مُتعدِّدة للسرد ، تُفضي إلى تأويلاتٍ مختلفة .. منها ما يحملُ إحالات لأحداث ماضوية أو ثقافية ـ لابُدَّ تستلزم خلفية من المعلومات لفهمها على نحوٍ أفضل ، بل قد تستوجب أكثرَ من قراءة (2)، وإنْ كانت ستتضح في مجرى السرد لاحقاً(3).
ــ موضعٌ آخر أَبهَجَني وأدهشني بجمالية الوصف ، حين كرَّس داريغو ما يزيد على 100 صفحة يصف فيها كيفَ أنَّ نداء / غناء حوريات البحر أثَّرَ في ندريا يافعاً ، ثم شاباً ، فرجلاً … وصفٌ لم يترك للقاريء ، حتى فرصةً للملل أو الضجر !
ما قرأتُ وما سمعتُ ، قَط ، وصفاً كهذا .. فيه إحالاتٌ متنوعة ، ليصلُ بالقاريء أخيراً إلى إستيعاب قرار ندريا وبقية أفراد الطاقم بأغراق السفينة الحربية .. والإستسلام ليذهب كلٌ إلى سبيله ! أَنَّ قراراً
مثل هذا يكمن في صلبِ البنية الروحية للصيّاد .

إنهـا لَمتعةٌ حقيقية أنْ يسوحَ القاريءُ في رحاب الوصف الجميل ، شديد التنوع مُتعدِّد الدلالات ، الذي يقدمه ستيفانو داريغو.. فقد يندهش المرء باديء الأمر لوضوح الرمز مباشرة ، لكنه سيكتشف ، بعد
التأمُّلِ وإعادة القراءة ثانية ، أنَّ هناكَ بُعداً آخرَ كامناً في مستوى جديد من التجريد … يتعينُ عليه أن يغور في لُجّته ، كما البحرُ الهائجُ ، كي يصلَ إلى معرفة الصورة الحقيقية عن ثقافة الصيادين وبنائهم النفسي ، ليفهم ما بدا غريباً عليه باديء الأمر .

ــ قد ينقطع تدفُّقُ السرد ، في بعض المواضع ، بسببٍ من غرائبية الصور والإستعارات .. كونها غير
مألوفة ، لكن لا يلبثُ أن يناولكَ "الخيطَ " كي لا تتوه !

ــ لقد نحتَ داريغـو، في عمله الروائي هذا( 2000 – 3000) تركيبٍ وإشتقاقٍٍ لُغَويٍّ، فقد فجَّرَ جذورَ
المفرداتِ ليصنعَ منها عجينةً لمفرداتٍ جديدة لاتعرفها المعاجم ، ويشتقَّ منها أفعالاًً وصفاتٍ . مفرداتٍ لايمكن"غوغَلتها"! ذلك أن (غوغل) سيطقُّ من الغمِّ إنْ أَلقمتَهُ بواحدة منها وطلبتََ معنـاها !!

كان ستيفانو داريغـو قد أعلنَ إستياءه عندما قام أحد أصدقائه ــ دون موافقة منه ــ بنشر أجزاء من العمل أرفقها بملحقٍ لشرح الإشتقاقات والإبتكارات اللغوية .. لأنـه( داريغـو) كان يدرك أنْ لاحاجةَ لذلك
،إذ سيفكّكُُ القاريء بنفسه تلك " الفزّورات" كلما تعمّقَ في النص وغاص في لُجّته ... بل أن البعضَ منها سيفهمه القاريء ، دون حاجةٍ إلى تعليل .. تماماً مثلما نستوعب معادلةً رياضيةً نعجزُ عن شرحها، كما يقول المترجم (موشيه خان) في الخاتمة الغنية ،التي جاءت في نهاية الرواية .على أن تلك الإشتقاقات لم تكن "لهـواً أو عبثـاً!"، إنما تحمل إحالات تأريخية أو إجتماعية/ سياسية أو حتى فلسفية ، تتطلب من القاريء أنْ يوظف "ترسانة" ثقافته ... ! (4)

ــ داريغو هو الوريثُُ الأكثر راديكالية لِما أرساه إيليو فيتورينو، الذي أَسَّسَ في السنوات ، التي أعقبت الحرب العالمية الثانية لـ"الواقعية الجديدة"في النثر الإيطاالي ، عندما نشر " حوارات في صقليا ". لقد أتحفَ داريغو القاريءَ بواحدةٍ من لآليء الأعمال الأدبية، خاض فيها تجربةً مثيرة ،بتطعيمِ إيطالية رفيعة بعامية صقلية ... حيث وُلِدَ ونِشأَ قبل أن ينتقلَ إلى روما . لكن صقليا بقيت مهدَ الحنينِ لطفولةٍ
تركها هناك .. يريدُ أن يستعيدها " لَغَـةً ".. وبذلك يكونُ قد أنجزَ عملاً فخماً ، متعدّد المستويات ، قد
يشغلُ النقّادَ والمهتمينَ بشؤون الأدب لسنواتٍ قادمة ، كما أظنُّ ! لِما فيه من رمزية وكناية ..
ولمحتواه السوسيولوجي .. فقد إستخدَمَ الإسطورةَ والتأريخَ القديم ( الأنتيك) ليساعدَ على الإقترابِ
من عالمه / ملحمته ، التي أراها غنائية فاخرة للحياة ، رغم حديثها ووصفها التفصيلي للمـوتِ والخراب ..
ــ المذهِـلُ أَنَّ داريغـو لا يستخدم اللغـة وسيطاً للسرد فقط ، بل " حصان طروادة " يدُسُّ / يُسَرِّبُ فيها ومن خلالهـا تأملاتـه الفلسفية بشكلٍ داهيٍ ... فعندما يصوِّرُ لنا ، مثلاً ، كيف أنَّ نْدرْيَا ينظرُ إلى العالم بعينِ بَحّـارٍ وصيّـاد سمك ، يُشيرُ غامزاً أَنْ لا وجودَ ــ في هذه الحالة ــ للحقيقة ، التي تبدو
ِلفهمنا صريحـة/ صارخـةً .. ذلك أنهـا مُجَرَّدَ إنعكاسٍ / صورة للواقع .. لذلك لا يمكنها أَنْ تَتَطّلَّبَ
" القبول وسَرَيان المفعـول" ، ببساطة لأنهـا نتاج حياتنا " السابقة/ القَبْلِيّة... لذلك نَراها تَجرُّنا إلى هذا الإستنتاج / الرؤية أو ذاك . إنها مُحـاكاة فنية رفيعة لمقولة كانط الفلسفية ( تابولا راسا )
Tabula Rasa

أي الطاولة النظيفة ، المَكسوّة بالشمع ، التي أراد بهـا / كانط / العودة بالمعرفـة إلى طورِهـا "الطُهراني النظيف " قبلَ أَنْ " تَتَلَوَّثَ " بمنظـورٍ قَبْلِيٍّ ، من أجل إنتاج معرفة جديـدة ...



في الترجمـة :


إبتداءاً ، لا بُدَّ من تثبيت حقيقةٍ أنَّ ملاحظاتي السريعة هذه تستند إلى قراءتي للنص الألماني ، لأنني أجهلُ الأيطالية ، الذي أَبدعه موشي خان ، وهو ليس أيَّ مُترجمٍ ـ مع إحترامي للجميع ـ إنما هـو واحدٌ من الـ" جهابذة " في أوساط الترجمة الألمانية .

إضافةً إلى ما سبقت الإشارة إليه فيما تقدم ، فقد فاز، عن حقٍ وحقيقة ، بجائزة الترجمة الإيطالية/
الألمانية .. وبفضل جهده الإبداعي رُشِّحت الرواية للفوز بجائزة " معرض الكتاب "/لايبزك/ . بذلك يكون قد نَقَلَها إلى العالمية... كان موشيه خان ــ بأختصارٍ شديد ، نظراً لمحدودية الحيز ــ


" سَفّاناً " بارعـاً بين ضَفَّتي الأيطالية والألمانية ... إذ إستنبطَ ألمانية أُخرى (قام بـ 800 إشتقاقِ جديد على الألمانية ) .. ليست ما إعتدنا قراءته وسماعه .. لغة مَوْسَقَها ولَوَّنهـا بما يتناسبُ مع اللغة الأصلية .. ألمانيةً تتمنّى أنْ تُرَتَّلَ عليكَ ترتيلاً .. كـي تستمتعَ بجَرَسِها / َنَغمهـا، وفقَ أبي نؤاس:

" ألا فأسقني خمراً ، وقُلْ لِي : هي الخمرُ.... ولا تسقني سِرّاً إذا أمكنَ الجَهرُ"!

يقول خان أَنَّّ داريغو أَسرَّه ، خلال الحوارات التي أجراها معه ، بأنَّ "موسيقية النص هي مفتاح
الرواية ، وليس المعنى المباشر.. لذلك ركِّزْ على هذا الجانب !"

في مكانٍ آخر ، وخلال إحدى الندوات التي نُظِّمت له للحديث عن الرواية وترجمتها ، يقول خان أنه
أنجزَ الجزء الأكبر من الترجمةِ في مراكش / المغرب ، على خلفية من موسيقى مالر .. السبب ، كما يقول ، كان مالياً . ذلك أنَّ دار (فيشَر) كانت تدفع مبالغ دفع أولي ، لم تكن تكفي ليتفرَّغَ للترجمة
في برلين أو أيَّ مكان في أوربا .. لذلك إلتجأ إلى المغرب ، لأنَّ " قيمةَ اليورو هناك تساوي أربعة أضعاف قيمته في أوربا .. !"

يقول المثل الشعبي" تدحرَجَ القِدرُ .. فوجَدَ غطاءه "! وهو ما ينطبق تماماً على داريغو و خان ...
فكما كان داريغو غير متعجِّلٍ ، متأملاً .. أمضى خمسة عشر عاماً منقطعاً في " صومعته " لأنجاز
هذا السِفر .. كذلك هـو خـان المترجم الفــذ ، الذي أمضى مثلها تقريباً في نقل العمل إلى ألمانية ممتازة. كان يضطر إلى الإبتعاد عن النص ، كما يقول .. كي يتمكّن من الإمساك بتلابيب تؤهله لنقل جو النص .. إنها مسؤولية ، تمنيتُ لو تحلّى بشيءٍ منها البعض من المترجمين العرب ، ممن تصدّى لأعمال روائية أو فكرية مهمة ..!!

لقـد أمضى خـان ــ كما يقول عن عمله ــ عامين في كتابة خاتمة مميزة .. ظلَّ يجلوها ، يشطب ويضيف ويعيد صياغة .. حتى إستقرَّ على شكلها الأخير .

ــ إستنبطَ خان إيقاعاَ خاصاً في سرد الرواية .. يَجعلُ القاريءَ يُرفرفُ على شراع جملة داريغو،
خصوصاً عندما تُتلى عليكَ ترتيلاً ... حينها ستتوهُ في عوالمها ، لكنه لا يلبثُ أنْ يختطفكَ ،
ليعودَ بكَ كي تلتقِطَ " الخيطَ" مرة ً أخرى ، لتغوصَ في غنىً من سرديةٍ تعبيرية .

ــ أدهشني سِحرُ الجُملِ ،التي صاغها خان ، وموسيقاها .. كاني إزاءَ ملحمةٍ شعريةٍ مكتوبةٍ بـ
" لُغـةٍ إستلهمَتْ أُصولها ، التي تمتدُّ إلى ما يزيدُ على ألفَي عام .." [ خاتمة خان ص 1467 ] جُمَلٌ
بموسيقى تأسُرُكَ وتَشفِطُكَ لتغورَ في أعماقِ النص ... في أكثرِ من موضعٍ ، كنتُ أتوقَّفُ ، ألتقِطُُ أنفاسي
بعدَ جُمَلٍ ، لها وقعُ رشيشٍ ، كتلاطُمِ أمواجِ البحرِ على صخـورِ الشاطيء :

" كان عليه أنْ يتخيَّلَ رؤيتهنَّ هناك .. قال العجوز ، يُضيِّقُ عينيه كأنه يشحذُُ بهما بصرَهُ ليرى أولئكَ
النسوة ، المسترخيات بألَقٍ ، كآلهة الأولمب ، حَفِظنه / الإسترخاء / بمنتهى الهدوء ، رُغم الأحداث
التي تُنذِرُ بـ ـ قِيامِ الساعة ـ .. مُسترخيات ، مثل كائنات خالدةٍ ، لا تَطالُها المدفعيَّةُ .. مسترخياتٍ هناكَ
أَبعدَ من أَنْ تصلهنَّ القذائف، في أَسِرَّةٍ خلفَ أبوابٍ .. في مغاراتٍ أكسَلَ من أَنْ تُرجِعَ الصدى ... يُفَكِرنَ
بقوارِبَ سَحَبنها إلى اليابسة كي تنشَفِ ، يُسنِدنُ مؤخراتهنَّ إليها ... يُجرِّحن وجه الرملِ ، على الجوانب بأضافِرِهنَّ ، كأنهنَّ يُمشِّطنَ شعورَ أزواجهنَ على السرير، حيثُ دفنوا رؤوسهم في مغاراتِ أجسادهنَّ ،
ممتلئينَ حقداً على هذه الحرب اللقيطة ، التي تركت الجميعَ بعيداًعن متناولِ الحب والملـح .. كلٌّ لنفسه ،
لا يعنيه الآخرونْ .. " [ ص 142 ]



ــ أنحني إجلالاً ، وأرفع قُبَّعتي على ما يقول الأوربيون ، لهذه الترجمة الفريدة بروعتها ، بحسب غالبية النُقّاد ومَنْ كتبوا عنها .. تَصوَّروا ملحمةً شعريةً تقع في قرابةِ 1500 صفحة ، يتعيَّنُ على القاريء أن يفُكَّ أسرارَها كلمةً إثرَ أخرى، لأنها تنطوي على كنوزٍ من المعاني والإيحاءات .. جوهرةٌ داكنةٌ في
نُدرتِها .. إنها تتطلَّبُ جهداً ، ليس بسبب حجمها أو لمحتواها الملحمي ، إنما كذلك بسبب الجهد ، الذي تتطلَّبُه من قاريء يتسلَّحَ بطولِ نَفَسٍ يؤهله لمقاومة الإرهاق ، إذا ما قرَّرَ السعيَ فيها بـ "تصابُرٍ"! إنها "برميلٌ بلا قـاع"! بحرٌ من الكنايات والإحالات والإيحاءات ..عمل مكتوبٌ بجمَلٍ حُبلى بالرموز والمعاني . فقد وظَّفَ موشيه خان كلَّ إمكانيات اللغة ومستحيلاتها ، إستنطقها ، فجاءت ترجمةً
ساحرةً ...

* ملاحظة أخيرة : لفَتَ إنتباهي أنَّ دار (فيشر) للنشر، التي موَّلت الترجمة وأنجزَتْ الطبعة الأولى منها
، وباعت جزءاً من حقوق النشر لأربعة دور نشرٍ أخرى ـ حتى الآن ـ ، أنَّ هذه الدار خصَّت ، في الغلاف الداخلي ، وزارة الخارجية الإيطالية (إيطاليا واحدة من البلدان الفقيرة في السوق الأوربية !) بالشكر لأنها تعاونت ودعمت مالياً إنجاز الترجمة .. ما زلتُ أتمنى أنْ أسمع دعايةً ، حتى لو كانت
كاذبة ، وما أكثرها في عالمنا المعولم ! ،عن قيام إحدى وزارات الخارجية في دولنا غير الفقيرة بعملٍ مماثل ، تدعم فيه إنتاج وترويج عملٍ إبداعي من بلدانها في الخارج ...!!




يحيى علوان
كاتب ومترجم عراقـي يعيش في ألمانيـا


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) من الصعب تقديم عرضٍ وافٍ لعمل هائل يقع في 1500 صفحة تقريباً ، إشتغل عليه صاحبه قرابة 15 عاماً
ومثلها فعلَ المترجم الفذ موشيه خان ، الذي أخرجه ،إلى العالمية / الألمانية ، و"حرَّره " من أُسار لغته الأصلية(الإيطالية) .
(2) الصفحات الخمسونَ الأُُوَل أعدتُ قراءتها أكثرَ من مرّة ، كِدتُ أتأسَّف على ستينَ يورو إقتطعتها خلسةً من ميزانية الشهر، الشحيحة أصلاً ، كي أقتني الرواية !! .. وحتى إلى الصفحة المئة قرأتها مرتينِ .. بعدها بداتُ أدخلُ عالم الرواية ، إيقاعها ولغتها ، لأنها إستلزَمَتْ صبراً ، بل " تصابُراً "!!
(3) المُتلقي المألوف/ إقرأ العادي/ ينتظرُ، دون " تصابر" ، إنبلاج الرمز حالاً، دون أن يُمهلَ نفسه والنصَّ فرصةً
أن يتفتّحَ بَوحَـاً ، في صفحاتٍ لاحقة أو في إعادة القراءة ، أكثر من مرة ، إن إستلزم الأمر ..!
(4) لم أتطرّق عمداً إلى الإشتقاقات اللغوية ، والتي تبدأ من عنوان الرواية أصلاً ، لإستحالة الأمر. لأنَّ الإيطالية ، كما الألمانية وسواها من اللغات ، أبجديتها لاتينية ، وهو أمر مستحيل في محاولة نقله إلى العربية . ذلك أنَّ إضافة حرف عِلّةٍ أو إستبداله بحرفٍ آخر يُنتِجُ معنىً آخر .. وقد لَعب ستيفانو داريغو على هذه الخواص، التي سهّلت له مُهمةَ إستنباطِ إشتقاقات فريدة، بل إستخرَجَ منها صفاتٍ وأفعالاً ....

* الصورة في الأعلى للروائي داريغو عام1985
وما تحتها للمترجم خان ، ومن بعد صورة غلاف
الترجمة الألمانية





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,865,413,201
- مقاصير نصوص (4)
- ومضات
- هو الذيبُ .. صاحبي !
- غِرّيدٌ أَنبَتَ صداهُ .. ومضى
- الوداع الأخير للمبدع صبري هاشم
- شَذَراتْ
- مقاصير نصوص (3)
- فائز الصغير
- هيَ أشياءٌ عاديّة ، ليس إلاّ !
- ضِدَّ التيّار (8)
- مقاصيرُ نصوص (2)
- ضِدّ التيّار (7)
- لِنَكُن أكثر جرأةً على التنوير !
- ضِدَّ التيّار (6)
- ضِدَّ التيّار (5)
- في برلين ...
- ضِدَّ التيار ! (4)
- ضِدَّ التيّار !
- ضدَّ التيّار !
- ضِدَّ التيّار !!


المزيد.....




- الممثلة الإباحية ستورمي دانيلز تغيب عن بيغ براذر في اللحظات ...
- توقعات ضخمة لأكبر فيلم أنتج في هوليوود يؤديه ممثلون آسيويون ...
- تحب السينما؟ هذه أبرز أفلام العيد
- إزالة أعلام قوس القزح قبل حفل الفنانة نانسي عجرم في مهرجان ي ...
- بالصور... فنانة سعودية تجسد رحلة الحج على قماش الإحرام
- بمناسبة خمسينية نادي السينما السوداني
- دور العرض السينمائي في السودان
- تفاصيل جديدة حول اعتقال الفنان المصري في تركيا
- صور وفيديو... -الحجر لم يخلق للرجم-... لوحات الحرب يرسمها فن ...
- خبير يكشف لـRT مصير الفنان المصري المعتقل في تركيا


المزيد.....

- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد
- من القصص الإنسانية / نادية خلوف


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يحيى علوان - رواية داريغو : ترنيمة للبحر... ملحمة عائد من الحرب ... غنائية للحياة !