أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - الجزء الأول من الرواية: دال 2















المزيد.....

الجزء الأول من الرواية: دال 2


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 5325 - 2016 / 10 / 27 - 10:19
المحور: الادب والفن
    


كان يخيّل إليّ مذ بدء عملي كسكرتير، بأنّ حدثاً ما في حياة مرافقة " سوسن خانم "، هوَ ما دفعَ هذه الأخيرة إلى تخديمها لديها وجعلها محل ثقتها. فلو كان الأمرُ كذلك، فإنه ولا شك حدثٌ على درجة من التراجيدية بحيث يؤثر على امرأة غنية ذات جذور أرستقراطية، دأبت دوماً على محض أبناء الطبقات الدنيا نظرة حطّة وأحتقار. ولأقل منذ البدء أيضاً، بأنني أستطعت إلى الأخير معرفة كل ما يحيط بحياة من ستصبح أم طفلتي الوحيدة. على أنّ الأسرار لا تروى دفعة واحدة، سواءً في رواية حقيقية أو متخيلة. على ذلك، لا أجدني في حاجة للعودة إلى الوراء؛ آنياً على الأقل.
آنذاك كنتُ في غير قليل من القلق، فيما يتعلق بموضوع مختلف. فاللوحة المرسومة بالزيت على القماش، المصوّرة " الشريفة " كموديلٍ عار، كان لا يُمكن إلا حمل مخدومتها على الظنّ بأنها أنجزت على خلفية علاقة سرية. ولم يكن ثمة شيء من هذا القبيل، في حقيقة الأمر. ذلك جرى فيما بعد، وكنتُ قد فصّلتُ أمره في مكان آخر. إلا أنّ ثيمة اللوحة، في المقابل، لم تكن إيروتيكية بشكلٍ فجّ. لقد جعلتُ " الشريفة " تمكث في الوضعية ذاتها على عدّة جلسات، متكوّرة بمؤخرتها الجسيمة فيما هيَ تلتفت إلى وراء مثبتة عينيها بعينيّ. كانت هيَ الكائن الواقعي الوحيد في اللوحة، مع أنني شئتُ أولاً طمسَ ملامحها. إذ رسمتها بأكثر من نموذج، مكتسية ملابسَ تقليدية كردية، رهيفة، تشفّ عن عري جسدها. ولكنها تجرّدت تماماً في النسخة الأخيرة، مثلما أن ملامح سحنتها أضحت واضحة. طبيعة أنطباعية، كانت في خلفية المشهد ولم تشهد أيّ تغيّر؛ ربيع ضائع؛ سماء ندية؛ شلالٌ مستحيل؛ رأس ماعز جبليّ مُدمّى، أعارَ قرنيه الكبيرين لعاشق عار يمسك بيديه قوساً وجعبة سهام.
حينَ الإنتهاء من العمل، سألتني الموديل المفترض عما إذا فكّرتُ بعنوان مناسب للوحة. فأجبتها في الحال: " خجي وسيامند ! ". المرافقة، كانت في الأثناء مقلّة في الكلام. وربما كان هذا هو الشيء الوحيد، الممكن أن يجمع شخصيتينا. غير أنّ صمت هذه المرأة الفتية، كما سأختبره على مرّ الأيام، كان ينمّ عن المكر أكثر منه الطبع الكتوم. من ناحية أخرى، فالمرافقة لم تكن تخلو من التهذيب بل وشيء من التحفّظ. حتئذٍ، لم أكن قد سمعتُ كلاماً يخدشُ الصورةَ البهية لهذه المرأة. فإنّ عالمَ النساء في الفيللا، أين أقمتُ لأكثر من شهرين، كان مُغلقاً بإحكام دون الرجال غير المعنيين. " شيرين "، وكانت إذاك تعلمُ الكثير كما شفَّ عنه مخطوطُ سيرتها، لم تكن معتادة على مبادلتي أحاديثَ من هذا القبيل. وهوَ شيء مفهوم، بطبيعة الحال، بين أخ وأخت في مجتمع مسلم. على أنّ شقيقتي، في آخر المطاف، طرحت ذلك الإعتبار لما تناهى إليها عزمي على الزواج من " الشريفة ". فما كان منها إلا المجيء إلى منزل الحيزبون، لكي تحذرني مما وصفته ب " كارثة ستمسّ سمعتكَ وشرفك وكرامتك..! ".
مجدداً، رأيتني بين امرأتين تحتَ سقفٍ واحد. في المرة الأولى، كان الأمرُ يتعلّق بابنة العائلة الصغرى، " خدّوج "، وزوجة أخيها الأصغر منها سناً؛ " غزلان ". كلاهما، كان يعيشُ في عالمٍ من الرغبات المكبوتة والنزوات الطائشة وحتى اللقاءات المشبوهة. لقد مسّني الأذى فعلاً من لَدُن والدة ابنتي، وكما توقّعت " شيرين ". إلا أنّ الأولى كان لها الفضل في فتح عينيّ على حقيقة مخزية، تتعلّق بتينك المرأتين الصغيرتين. وسأعيدُ هنا ما سَلَفَ أن قرأتموه من كلام " الشريفة " في هذا الشأن: " جميعهن، لا خدّوج وحدها، أستعملنَ وسامتك للهدف نفسه؛ سواء أكانت سوسن أو لبنى أو غزلان. أنا وحدي مَن أحبّتكَ بلا غاية، بل إنني عشقتُ شقيقتك حتى أشمّ فيها عطرَ دمك! ". علمنا، أنّ " خدوج " كانت تستعملني كوسيلة لبث الغيرة في نفس خطيبها العراقيّ. وإنني حقاً كنتُ في داخلي أهجسُ بمختلف الشكوك، فيما يخصّ مسلكها معي لحين أن غادرت الفيللا نهائياً. ما يفتئ يحيّرني، هوَ فقط حقيقة مشاعرها على أثر حادثة التحرّش في ساحة جامع الفنا؛ ما إذا كان ذلك تمثيلاً أيضاً؟ ولكنني لا أستطيع إلا تبرئتها، طالما أنها عمدت في اليوم التالي مباشرةً إلى فضّ عقد القران وطرد " رفيق " من حياتها. لم تفعل ذلك من أجلي، بحالٍ من الأحوال. وإذا جرى على لسان " سُمية " هكذا كلام متهافت، فلأنها كانت ترغبُ فعلاً في أن أقترن بشقيقتها بعد سماعها بخدمتي وشقيقتي لدى شخصين من كبار رجال الأعمال في مراكش.
" غزلان "، كانت تتعمّدُ الإيحاءَ بوجود علاقة سرية تجمعني بها. ما كانت لتتحرّج من إرسال هكذا علامات حتى بوجود زوجها. هذا الأخير، لحُسن الحظ، كان من النباهة أن يُدرك بأن الشيء الوحيد الذي جمعني بإمرأته هوَ الأهتمام بالفنّ. ولكنه ليسَ الزوج، مَن كان معقد إزار المسألة. بل هوَ ابن أخته، المدعو " غني ". كان شاباً موهوباً أيضاً بأمور الرسم، وقد تخرّج من معهد مختص بالنقش والعمارة. علاقة ذينك القريبين، على شذوذها ظاهراً، كانت أكثر تعقيداً مما يُظنّ. وأعتقدُ أن شقيقتي " شيرين "، كانت قد سجّلت ملاحظات مهمّة وصائبة في هذا المجال. إذ انتبهت إلى كون " غزلان " منتزعة من أعوام مراهقتها، مما جعلها جدّ حالمة وشبقة في آن واحد. وإذا كانت الرقابة الصارمة، التي طوقت بها " للّا بديعة " كنتها، قد منعتها من الشطط، فإنّ الأمرَ كان خارج السيطرة حين تواشجَ بالعاطفة المحضة. " غني "، من ناحيته، دأبَ على مبادلة امرأة خاله مشاعرَ لا تقلّ تناقضاً. كان مشبوب الهوى في كلّ شيء؛ سواءً في أمور تتعلق بالفكر أو السلوك. آراؤه السياسية، يمكن أن تُحال إلى اليسار المتطرّف، المُطعّم نوعاً برومانسية دينية. ولم أزجّ هنا مسألة السياسة، عبثاً. فخلال جلساتنا في صالة الفيللا، والتي تبادلنا فيها النقاش حول الوضع في الخليج على أثر غزو الكويت، إنما كانت تلك الوساوس المُعتملة في صدره: لقد تهيأ له أنني أميل إلى امرأة خاله، وربما أيضاً مرتبطين بصلة جسدية. " غزلان "، كما سبقَ القول، هيَ من كانت تبث في روع الشاب هكذا أوهام. أذكرها، حينَ كانت تتقدم من مجلسي على الأريكة، لترمي بنفسها رمياً ملصقةً جسدها بجسدي. كانت تفعل ذلك بطريقة طريفة، شبيهة بمسلك امرأة قروية ساذجة وجدت نفسها لأول مرة في المدينة. على أنّ الشاب المتحمّس والغيور، لم يكن يجد في الأمر أيّ طرافة طالما أنه كان يتفاقم يوماً بعد يوم. وإذا به يُصاب بما يقارب المسّ، فيبدأ بملاحقتي في أرجاء المدينة القديمة وهوَ ملثّم الوجه بعمامة صحراوية زرقاء، قابضٌ في جيب جلابته على خنجر. ثمّ كان على حدثٍ طاريء، مرتبط بخالته " خدّوج " هذه المرة، أنّ يجدَّ على حين فجأة، حتى يفيق " غني " من أوهامه. منذ حادثة التحرش في ساحة جامع الفنا، وحتى إعتقاله على أثر إنتفاضة 14 كانون الأول / ديسمبر، فإننا بقينا على علاقة طيبة على الرغم من ندرة لقاءاتنا.







كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,569,807,476
- الجزء الأول من الرواية: دال
- الجزء الأول من الرواية: ج / 3
- الجزء الأول من الرواية: ج / 2
- الجزء الأول من الرواية: ج / 1
- الجزء الأول من الرواية: ب / 3
- الجزء الأول من الرواية: ب / 2
- الجزء الأول من الرواية: ب / 1
- الجزء الأول من الرواية: أ / 3
- الجزء الأول من الرواية: أ / 2
- الجزء الأول من الرواية: أ / 1
- الفردوسُ الخلفيّ: تقديم 3
- الفردوسُ الخلفيّ: تقديم 2
- الفردوسُ الخلفيّ: تقديم 1
- غرناطة الثانية
- الرواية: ملحق
- خاتمة بقلم المحقق: 6
- خاتمة بقلم المحقق: 5
- خاتمة بقلم المحقق: 4
- خاتمة بقلم المحقق: 3
- خاتمة بقلم المحقق: 2


المزيد.....




- -درس القرآن- لعثمان حمدي بك تُباع في لندن بأكثر من 4.5 مليون ...
- فنانون لبنانيون يخاطبون الجيش
- رئيس الحكومة يبحث مع وزير الفلاحة الروسي تطوير العلاقات بين ...
- تحفة معمارية فريدة لأمر ما لم تعجب القيصرة يكاتيرينا الثانية ...
- وفاة الفنان الشعبي محمد اللوز أحد مؤسسي فرقة -تاكادة-
- العثماني بمجلس النواب لمناقشة مناخ الاستثمار وولوحات السياسة ...
- لافروف: حلمت بتعلم اللغة العربية
- الموت يفجع الفنان ادريس الروخ
- مظاهرات لبنان تعيد الحياة للـ -التياترو الكبير- الذي غنت أم ...
- تحفظ عليها سقراط وأربكت كانت وهيغل.. هل خدر الفلاسفة الثورات ...


المزيد.....

- عالم محمد علي طه / رياض كامل
- دروس خصوصية / حكمت الحاج
- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - الجزء الأول من الرواية: دال 2