أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - حاتم الجوهرى - سارتر والدور المزدوج فى الثقافة الصهيونية















المزيد.....


سارتر والدور المزدوج فى الثقافة الصهيونية


حاتم الجوهرى
(Hatem Elgoharey)


الحوار المتمدن-العدد: 5318 - 2016 / 10 / 19 - 23:16
المحور: القضية الفلسطينية
    


سارتر ذلك الوجود والعدم للصهيونية فى آن واحد:

لعب سارتر دورا مزدوجا فى الثقافة الصهيونية، تارة بوصفه صاحب نظرية الصهيونية الوجودية والتحرر الوجودي ليهود العالم، يُوصف احتلال فلسطين كموقف جماعي حقيقى ليهود العالم يحررهم من الاضطهاد التاريخي والسلب الوجودي الذي تعرضوا له من وجهة نظره.. وتارة أخري بوصفه رائد الفلسفة الوجودية وأزمة علاقة الفرد بالجماعة والشعور بالذاتي وهجرة الموضوعي والخارجي، وبوصفه الرائد لأدب القلق والشعور بعبثية الوجود فى العالم رغم كل محاولات التمسك الفردي..
كان سارتر فى الصهيونية أقرب لمؤلفه العمدة: الوجود والعدم، تارة مثل سارتر قوة الوجود والدفع للصهيونية عبر كتابه وفلسفته فى مقاربة الصهيونية والمسألة اليهودية، وتارة أخري مثل روح العدم والفرد المأزوم الذى لا يجد له مكانا تحت الشمس وينتظر نهايته المأساوية.

صعود سارتر العدمي فى الأدب:

على المستوى الأدبي والفكري والسياسي أخذ نفوذ المفكر الفرنسي جان بول سارتر فى التصاعد داخل المشروع الصهيوني، ولكن ليس اعتمادا على تصوره للمشروع الصهيوني على أرض فلسطين؛ بوصفه التمثل للموقف الوجودي الحر ليهود العالم، فشيئا فشيئا – على المستوى الأدبي- توارى طرح "سارتر" عن الصهيونية الوجودية المحررة لليهودي المضطهد فى أوربا، والتى كان يفترض أن تعيد له وعيه وتخلق له ذاته من جديد مثلما كان يقول "سارتر" فى كتابه، وأصبح حضور سارتر فى الثقافة الصهيونية يتمثل فى أفكاره الوجودية العامة؛ خاصة الجانب العدمى منها المصحوب بأفكار الفردية والذاتية والقلق واليأس والموت، والشخص الذى يهجر كل الأفكار الموروثة ويحاول البحث عن الجديد والمغاير ويشق طريقه بنفسه، وتأثر العديد من أدباء المستوطنين اليهود على أرض فلسطين بأبطال سارتر الوجوديين وأزمتهم فى العالم، حيث "توافق نوريت جريتس [أكاديمية إسرائيلية] على أن أدب الستينيات والسبعينيات كان بشكل رئيسى منتجا لكتاب اليسار.. فى تصورها، اتخذ الكتاب الإسرائيليون المنظور الخاص: للموت، والحرب، والاغتراب الاجتماعي، والابتعاد عن الطبيعية، من الأدب الفرنسي، من أعمال كافكا، ومن سارتر،."( 1)

العزلة والبطل الضائع:

فلم يرتبط التأثر بسارتر بطرحه (تأملات فى المسألة اليهودية) بقدر ما ارتبط بأبطال سارتر وشخصياته الأدبية، التى تواجه الحياة خالية من أي أفكار جماعية مسبقة ولا تحمل أي اعتقاد جماعي أو فردى مسبق، وقدم الأدباء الصهاينة الوجوديون أبطالا عدميين يسعون للهروب من الواقع العدمى الذى يقبع فى الخلفية المتمثلة فى المشروع الصهيوني وأزمته الوجودية التى بلا حل، ففى هذا الإطار "ليس صعبا أن نري التشابه الموجود بين بطل سارتر وبين الحكيم فى قصة الحاخام نحمان ميرسلف. فى كلتا الحالتين المقصود هم الأشخاص الذين يتمتعون بحرية مطلقة لكنهم مع ذلك منعزلون أيضا وبلا جوهر... وفقا لهذا المنهج أي يقين يفهم دائما بمثابة هروب من مواجهة الواقع، أي صوت يسمعه الإنسان يشك فيه دائما كأنه كذب وزيف. فى نهاية الأمر، لدي الحكيم وأيضا لدي سارتر، يوجد الإنسان منفردا.."( 2)

سارتر كأيقونة صهيونية:

أصبح سارتر أحد الأيقونات الكبرى فى الثقافة والأدب الصهيوني، فهو بالنسبة للمستوطنين اليهود على أرض فلسطين كان يمثل طرفى النقيض! ومن يحتمي بردائه كان يستطيع المرور وسط المحافل السياسية والثقافية دون تساؤل، فموقف سارتر الخاص من المشروع الصهيوني منحه اعترافا من المؤسسة الصهيونية الرسمية، وموقفه الفكري العام منح الأدباء المتمردين مساحة للبراح والفردية والذاتية، محتمين فى رداء المنظر الأكبر للصهيونية بوصفها التمثل لحرية الموقف اليهودي فى العالم.. كان سارتر عباءة فضفاضة تسمح للعدمية الصهيونية بالتجول بحرية.. الخلفية الجماعية الباهتة والدور الفردي الفعال الذى لا يفرض على صاحبه أي التزامات صهيونية عامة مسبقة، كان سارتر أحد "موتيفات" المشروع الصهيوني، التى ناسبت عبثية هذا الموقف الوجودي المأزوم، وكان طريقا حاول الكثير من الوجوديين الصهاينة اقتفاء أثره ومحاولة تقليده، وفى الإشارة لمدى تأثير سارتر فى هذه الفترة على النخبة الأدبية الصهيونية ومكانته، نقرأ هذا الوصف عن الأديب الروائى والإذاعي الصهيوني الشهير "دان بن أموتس" (1924-1989) ومحاولته السير فى درب سارتر: "لم يكن كاتبا عظيما، ولكني أعتقد أيضا أنه لم يرد أن يكون كاتبا عظيما، أراد أن يكون جان بول سارتر المحلى، الشخص الذى قد يعطينا الوصفة لشكل الحياة اليومية الصحيحة فى العصر الحديث، هكذا أرى الأمر."(3 )

سارتر من البناء إلى التفكيك:

حاول بعض أدباء الوجودية الصهيونية التطرق مباشرة لنقد الأطر المعرفية والثقافية العامة السائدة فى المجتمع والمستوطنات الصهيونية على أرض فلسطين، وحاولوا تفكيك الصهيونية كجزء من تفكيك كل الأطر والأفكار المسبقة كما تقول الوجودية "السارترية"، حاول هؤلاء الهروب من فشل المشروع الصهيوني، لمحاولة تطبيعه عبر تفكيكه، شعر هؤلاء بالعجز وغياب الطريق الجماعي للصهيونية، فابتعدوا عن أفكار "سارتر" الخاصة عن الوجود الحر المتمثل فى الصهيونية، واقتربوا من أفكاره العامة عن مركزية الفرد والذات، ودور الفرد فى التخلي عن الأطر الجاهزة فى المجتمع وتفكيكها، حاولوا تفكيك الصهيونية بحثا عن طريق لاستمرار وجودها، لقد شعروا بعبثية وعدمية ذلك المشروع، لذا حاولوا رفع شعارات وأفكار العدمية الصهيونية كمحاولة للبقاء فى مشروع مأزوم، وحاولوا تفكيك شعارات المشروع كمحاولة عبثية أخيرة لتحصينه وللإبقاء على وجوده، ويتضح المثال على ذلك فى مقالة "دانيل عوز" عن الشاعر "ميرون ح. إيزاكسون"، فى مجلة "موزنيم" التى قال فيها: "وبهذا عملية التحصين التى يقوم بها إيزاكسون هى مجرد التفكيك للإطار المحتمل، ليس فيها أى إشارة بأن الجسر لن ينهار وأن النفس لن تتمزق، الجسر ينهار والنفس تتمزق، هذا هو نظام العالم. الاختيار يكون هنا بمثابة خطوة وجودية سارترية، هو بمثابة خروج من الجبر إلى الحرية بواسطة طريقة الرؤية التحليلية، إنها وجهة نظر طبقا لها ليست الكارثة رهيبة"(4 )

سارتر فى المسرح الصهيوني:

كذلك برز تأثير "سارتر" فى المسرح الصهيوني؛ والتفت رجال الأدب الصهيوني فى مرحلته المثالية فيما قبل إعلان الدولة، لفكرة العدمية والعبث التى يطرحها سارتر ومريدوه ضمنيا وعلانية، مثل الشاعر والمسرحي الصهيوني الذى ينتمي للمرحلة الفلسطينية "ناتان ألترمان" (1910-1970) الذى يقول: "بالفعل لم يرفع سارتر نفسه الـ العبث لدرجة الفكر المركزى فى نظريته، لكن العبث مطوي فيها، كعلامة لبداية الوجود البشرى ونهايته، كمرافقه الذى لا مناص منه" ( 5)، وأصبح الصراع واضحا بينهم: كصهاينة مثاليين ومتبنين للمشروع، وبين: الصهاينة العدميين الوجوديين الذين يضعون اللا معيار و الفردية طريقا لهم، وأصبح الخلاف بين الفريقين واضحا إلى المدى الذى جعل ألترمان نفسه كممثل لجيل المثاليين والطلائعيين يضع نفسه وأدبه فى مواجهة أدب الوجودية العدمى الصهيوني، ملتفتا لمركزية سارتر فى الفكر العدمى الصهيوني، ومن هنا "يضع ألترمان مسرحيته فى مواجهة المسرحية الوجودية، أو بشكل أكثر شمولية إزاء الوجودية التى أسسها جان بول سارتر"(6 )، فحاول أدباء صهيونية ما قبل الدولة وحرب 1948 التمسك بأفكارهم عن وردية ومثالية ويسارية المشروع الصهيوني، فى حين كان تيار العدمية يزيد من اتساع رقعته، مدعوما بأحداث ووقائع وخريطة سير المشروع الصهيوني نفسه، مثل "عاموس كينان، الذى تتبع مسرح العبث الفرنسي فى الستينيات، دمر الميثولوجيا البطولية لجيل البالماح وقام برثاء حلم الفترة المبكرة للدولة فى تهكماته اللاذعة (ربما هو زلزال- 1970)، (أصدقاء يناقشون المسيح- 1972)، (وبينما ما زلت أومن بك- 1974)"( 7)، وبرز الاتجاه العبثي والعدمي واللامعقول؛ وارتبط بالحرب والمصير المجهول والخطر المستمر الذى يواجهه المستوطن الصهيوني على أرض فلسطين، وهو ما جعل النقاد يحسبون هذا النوع من المسرحيات على سارتر مباشرة، فعلى سبيل المثال "تنتمي المسرحية [سوف يصلون غدا، لناتان شاحام] إلى الزمن الذى قدمت فيه بشدة.. فالدولة المحاصرة كانت عنصرا شائعا فى الحرب، فلم يكن هناك شىء غير عادي بالنسبة إلى الرجال، الذين يجبرون على أن يظلوا فى مواجهة الخطر.. وصف ناقد أكاديمي واحد على الأقل المسرحية بأنها وضعت فى قالبِ سارتر؛ بسبب عناصرها الأيديولوجية الشاذة، ووضعها آخر فى إطار تراث اللامعقول"( 8)

إعادة معالجة مسرحيات سارتر:

سريعا ما كان يعود جان بول سارتر لمخيلة اليسار الإسرائيلي العدمى الوجودي فى المواقف العدمية المعاصرة خاصة فى الحروب العدوانية التوسعية للمشروع الصهيوني، حيث تبرز مشكلة الوجود الصهيوني وأزمته الدائمة، مثلما حدث فى الثمانينيات عندما عارض اليسار الصهيوني حرب لبنان وذبح اللاجئين الفلسطينيين فى مخيمات صابرا وشاتيلا، وظهر الاحتجاج عاليا ، وهو ما تلقاه المسرح الإسرائيلي، ولجا فيه لجان بول سارتر فى مسرحيته التى أعاد فيها معالجة وإعداد نص الدرامي اليوناني "النساء الطرواديات" ليوروبيدس، بما تحمله المسرحية من أفكار عن الحرب والدمار والاحتلال والتمرد، وهى الأفكار التى كانت تقسم الكيان الصهيوني لفريقين وتكسر توافقه، فنشير إلى أن "التصدع فى التوافق العام تم التعبير عنه مباشرة فى المسرح، فى كل من الدراما الأصلية وفى التأويلات المحلية للكلاسيكيات المترجمة (مثل النساء الطرواديات معالجة جان بول سارتر ليوروبيدس..)"( 9)

سارتر وحانوخ ليفين:

أصبح لسارتر وأفكاره عن الوجود المأزوم والعدم ومسرحياته وأعماله الأدبية، انعكاسا كبيرا على حالة الصهيونية العدمية، وكأننا نرى انعكاسا لروايته "الغثيان" – بصورة ما – عند أحد أهم المسرحيين الصهاينة فيما بعد إقامة الدولة، وهو حانوخ ليفين فى مسرحيته "ملكة الحمام"، مجسدا حالة القرف والغثيان والضجر الوجودي، فإن الذى "يثير الانتباه أن المسرحيات التى اتخذت وجهة نظر بطولية تقليدية للحرب [1967] حققت نجاحا جماهيريا أقل من المسرحيات الساخرة التى تهاجم المعتقدات والمؤسسات الدينية.. فقد نجح ليفين تماما فى رؤيته العدمية للبلاد، فصوره المجازية عن الشرج والإفراز والبراز أصبحت صورا لفسادها وخسارتها."( 10)، وكذلك نلمح انعكاسا آخر لمسرحيات سارتر وتيماته عند حانوخ ليفين فى المسرحية نفسها، عندما يستدعى – بشكل ما- مسرحية "الذباب" لسارتر، فى وصفه لصورة العربي بـ "الذبابة" فى عين السيد الصهيوني البورجوازى مدللا على التعالي اليهودي العنصري، ومستحضرا فكرة الشعور بالذنب وأثرها على تضخم حجم الذباب وسيطرته على المدينة فى الأصل السارتري ، وذلك حين "يقدم [ليفين] العربي فى منولوج ساخر بصورة مجازية فى شكل ذبابة، كاشفا عن العنصرية النمطية لسيده البورجوازى، بالإضافة لاحتقاره للإنسان الأدني".( 11).

سارتر فى الشعر:

أما الشعر الصهيوني فكان هو المجال الأبرز الذى ظهر فيه تأثير سارتر مبكرا وأولا، وكذلك ظهرت فيه الروح العدمية عند ألبير كامو أيقونة الوجودية الفرنسية الأخرى ورفيق سارتر لفترة طويلة فى حياته، وكان تأثر الشعر الصهيوني بالحالة الوجودية العدمية سريعا؛ لأن الشعر فى الأدب القومي الملتف حول قضية (مثل الأدب فى حالة المشروع الصهيوني)، يكون الأسرع فى التأثر بالأحداث والأسرع فى التعبير عنها، وظهرت أسماء قادت العدمية الصهيونية وأصبحت من رموزها، على رأسها دافيد أفيدان ودان باجيس وناتان زاخ وغيرهم، وذلك عندما ازدهرت الدعوة للحالة الوجودية الفردية فى الأدب الصهيوني، من ثم "وفقا لهذه الدعوة اقترح هؤلاء وتصرفوا متشابهين أكثر لأبطال سارتر وكامو عما هم لأبطال يزهار. تلك كانت دعوة شاركت فى تغيير القيم التى طرأت حينئذ فى الشعر (زاخ- باجيس- أفيدان) وبعد ذلك أيضا فى الأجناس الأدبية الأخرى"( 12)

سارتر والشعر العدمي فى الصهيونية:

أصبح لأفيدان الصدارة فى الشعر العدمى الصهيوني، ووضح فيه تأثره بأفكار وأطروحات ومواقف سارتر، عن اليأس والقلق والتشاؤم، فيقول الشاعر والناقد "حجي هوفر" عن التشاؤم الشعري عند أفيدان: "إذا تم إبراز هذا المفهوم على خلفية الفكر المتشائم، لاستطعنا تحديد مكانة أفيدان بشكل أساسى..إن المواقف التى تظهر عند أفيدان لها صلة جوهرية بـ المواقف كما فهمها سارتر فى هذه الفترة.. أعتقد أننا عند أفيدان نجد جهد إنسان لإحياء موقفه بشكل صادق بشكل مماثل لما هندسه سارتر"( 13).وكلمة المواقف هنا قد تحيلنا للاستفاضة قليلا عن "أدب المواقف" "الأدب الملتزم" عند سارتر وتلميذه أو مريده دافيد أفيدان، لنطرح السؤال: هل يمكن أن تكون "العدمية الصهيونية" ومواقفها عند أفيدان موقفا واضحا والتزاما فى المشروع الصهيوني! بمعنى أنه رأى أن الموقف الأكثر تعبيرا وصدقا إزاء الطرح الصهيوني هو تفكيكه والمناداة بعبثيته وعدميته، لأنه وضع نشأ فى موقف وجودي مستحيل الاستمرار، فكانت العدمية هنا موقفا والتزاما واقعيا! لنستطيع القول أن سارتر قدم التنظير لحرية الموقف الوجودي ليهود العالم من خلال الصهيونية على أرض فلسطين، ثم قدم سارتر بعد ذلك الخلفية الفلسفية أيضا للنهاية العبثية لذلك الموقف العدمى الذى لم يقدم أبدا الحرية لليهود، إنما وضعهم فى الموقف الوجودي الصفري والمستحيل الاستمرار!

سارتر وأفيدان رائد العدمية الصهيونية:

كذلك ظهر اهتمام متزايد بالموت عند أفيدان متأثرا بسارتر وعلى طريقته، وربما كان "أفيدان" يرى فيه خلاصا من ذلك الموقف الوجودي العبثي الذى فرضته عليه الصهيونية، فإنه "ادعاء مقبول فيما يتعلق بشعر أفيدان، بأنه يري فى انشغاله القسري بالموت فعلا وجوديا على طريقة سارتر"( 14)، وتلك النظرة للموت فى ظل حرية الوجود الصهيوني العبثي سرعان ما تكررت فى الأدب الصهيوني من خلال الرواية عند أحد أقطاب الوجودية الصهيونية يعقوب شبتاى فى روايته "محضر جلسة"، حيث "تسيطر هنا على شخصيات الرواية نظرتهم إلى الموت باعتباره أحد صور حرية الإنسان الذى يختار توقيت موته ومكان انسحابه من الحياة.. حيث أنه لا يجد وسيلة للهروب من الواقع سوى الانتحار"( 15)، ليتضح لنا شيئا فشيئا العديد من أبعاد حالة وطرح "الصهيونية العدمية" التى قد ترى فى الموت خلاصا من المشروع الصهيوني مأزوم الوجود؛ ويتأكد توجهها العدمي والعبثي؛ مع انسحابها مما هو رومانسي أو أسطوري كما حدث مع شبتاي الذى تراجع عنده الأسطوري التاريخي والرومانسي المثالي، لصالح العدمي والشعور بالاغتراب؛ فهنا "بينما عند شبتاي بخلاف الموقف المحتمل للعدمية، والعبث، والاغتراب، يوجد تحجيم هزلي سواء لليأس أو للرومانسي أو للأسطوري".( 16)

سارتر ويهودا عميحاي:

هناك من انشغل بالوجودية ونزعتها الفردية والذاتية فى "جيل الدولة"، إنما جاء توصيفه من قبل بعض النقاد فى سياق الخلفية العريضة والقماشة الواسعة لحالة الوجودية الصهيونية ، مثل الشاعر الصهيوني المعروف يهودا عميحاى، الذى وصفه الناقد الصهيوني الشهير أيضا جابريل موكيد وأكد على وجوديته لكنه احتار قليلا فيها وفى توصيفها: "لا تصحب وجودية عميحاى بالغثيان الوجودي على طريقة سارتر، ولا بصمت فردى لأسس الطبيعة فى مواجهة الإنسان المتمرد عند كامو، وأيضا ليس بالظلمة والنور الغنوصيين المعروفين عند المبدع الأكبر منهم جميعا فرانز كافكا"( 17)، وربما كان جابريل موكيد هنا يتحدث عن نوع من "الصهيونية العدمية" غير ملتفت لها واعيا أو غير واع. إلا أنه عاد وأكد على موقع الوجودية عامة فى تجربة عميحاي، "فى شعر يهودا عميحاى، كبير الشعراء العبريين فى النصف الثاني من القرن العشرين، الوجودية أيضا هى أحد الأعمدة التجريبية والفكرية، وربما أيضا الأساس التجريبي والفكري، للتصورات والمدركات".( 18)

خاتمة:
مراجعة الأطروحات الفكرية الغربية فى مقاربتها للصراع العربي الصهيوني، يجب أن تخرج من إطار الأقوال المنفعلة التعميمية، إلي هدف إنشاء مدرسة علمية عربية تهتم بدراسات "التدافع الحضارى" وكيف ألقت أوربا "بعقدة ذنبها" تجاه العرب، كيف قدمت الصهيونية واحتلال فلسطين على أنه أحد أفعال وتمثلات الحرية والحق والعدل!! ذلك هو لب القصيد، السعي لبناء مدرسة علمية عربية تتصدي لجذور "المسألة اليهودية" فى أوربا وتطالبها بتحمل مسئوليتها من جهة عن الصهيونية ودولتها، ومن جهة أخري تعمل هذه المدرسة الفكرية فى البحث عن أسباب النهضة واستعادة وبناء مشروع حضارى عربي قادم وآمل





مراجع الدراسة:
---------------
--------------
-------------

1- Inextricably Bonded: Israeli Arab and Jewish Writers Re-Visioning Culture, p.99
- פירר, אהוד. ס סא סאר סארט סארטר ממונמארטר، מעריב، 26/11/2007
3 - The film after the scandal: Can this trampled Israeli icon be resurrected?
4- ע---ו---ז---, ד---נ---י---א---ל---. ס---ו---ד--- ה---ש---ל---ו---ם--- ה---פ---נ---י---מ---י--- ש---ל--- מ---י---ר---ו---ן--- ח---. א---י---ז---ק---ס---ו---ן---، כ---ת---ב--- ה---ע---ת--- "מ---א---ז---נ---י---י---ם---" ל---י---נ---ו---א---ר--- 2012.
5- ד---ו---ר---מ---ן---, מ---נ---ח---ם---. א---ל--- ל---ב--- ה---ז---מ---ר---: פ---ר---ק---י--- ב---י---ו---ג---ר---א---פ---י---ה--- ו---ע---י---ו---ן--- ב---י---צ---י---ר---ת--- א---ל---ת---ר---מ---ן---, ע---מ---׳--- 191, ה---ק---י---ב---ו---ץ--- ה---מ---א---ו---ח---ד---, 1986
6- ש---ם---, ע---מ---׳--- 181.
7- Ben-Zvi, Linda. Theater in Israel, University of Michigan Press, 1996 , p.35.
8- الدراما والأيديولوجيا فى إسرائيل، مرجع سابق، ص 36.
9- Theater in Israel, p.36.
10- الدراما والأيديولوجيا فى إسرائيل، مرجع سابق، ص 69.
11 - المرجع السابق، ص72.
12 - מ---א---ז---נ---י---ם---, כ---ר---ך---72، ה---מ---ס---פ---ר---י---ם--- 1-5, א---ג---ו---ד---ת--- ה---ס---ו---פ---ר---י---ם--- ה---ע---ב---ר---י---ם---, 1997, ע---מ--- 21.
13- ה---ו---פ---ר---, ח---ג---י---. ה---פ---ס---י---מ---י---ז---ם--- ה---פ---ו---א---ט---י--- : מ---י---פ---ו---י--- ר---א---ש---ו---נ---י--- ש---ל--- י---צ---י---ר---ת--- ד---ו---ד--- א---ב---י---ד---ן---, ה---ו---צ---א---ת--- ה---ו---פ---ר---, ,2010 ע---מ--- 15.
14 - מ---ט---ע---ם---: כ---ת---ב----ע---ת--- ל---ס---פ---ר---ו---ת--- ו---מ---ח---ש---ב---ה--- ר---ד---י---ק---ל---י---ת---, ה---מ---ס---פ---ר---י---ם--- 3-4, ע---מ--- 37
15- الانتحار فى رواية محضر جلسة ليعقوب شبتاى، مرجع سابق ، ص525.
16 - ה---ק---ו---ל--- ה---א---ו---מ---ר--- א---נ---י---: מ---ג---מ---ו---ת--- ב---ס---י---פ---ו---ר---ת--- ה---י---ש---ר---א---ל---י---ת--- ש---ל--- ש---נ---ו---ת--- ה---ש---מ---ו---נ---י---ם---, ה---א---ו---נ---י---ב---ר---ס---י---ט---ה--- ה---פ---ת---ו---ח---ה---, 1998, ע---מ--- 64.
17- א---ר---ב---ע---ה--- מ---ש---ו---ר---ר---י---ם---: ד---ב---ר---י---ם--- ע---ל--- י---ה---ו---ד---ה--- ע---מ---י---ח---י---, נ---ת---ן--- ז---ך---, ד---ו---ד--- א---ב---י---ד---ן--- ו---י---ו---נ---ה--- ו---ו---ל---ך---, ע---מ--- 39.
18- ש---ם---, ע---מ--- 32.








كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,360,963,177
- العبور الجديدة وأزمة المسئولية السياسية
- مستويات التعامل مع نصوص الفلسفة السياسية: تأملات سارتر لليهو ...
- سارتر والصهيونية ومعارك الديناصورات القديمة
- سارتر وبنيته الوجودية لتبنى الصهيونية
- نبوءة خراب الصهيونية: مدخل الفكرة والفكرة النقيض
- اليهودى الأبيض أم اليهودى الأصفر فى إفريقيا!
- البطل المتكيف ونظرية الفن فى الدراما المصرية
- نقد مقاربة سارتر للمسألة اليهودية: الشعب الترانسندنتالى
- الحرية الحائرة: سارتر بين الصهيونية والعرب
- متى تعامل لينين مع الصهيونية كطليعة ماركسية: فى مراجعة المسل ...
- المصريون وعلم نفس التحرر: أزمة الموضوعية والذاتية
- رد مزاعم الاستلاب للصهيونية: يوسف زيدان وواقعة الإسراء نموذج ...
- قبل الانفجار: أزمة الذات الافتراضية وتحول آليات التواصل الاج ...
- المتغير المجتمعى والاستجابة السياسية: مستقبل البلاد والثورة
- تفكيك الأبنية المعرفية لمقاربة يوسف زيدان والأقصى
- الخطاب السياسى وأزمة الانفصال عن الواقع
- الدين والدين السياسى: قراءة فى تحولات المقاصد
- الانتفاضة الثالثة: بين خراب الصهيونية وإكسير الثورات
- الإنسان مقطوع الصلة: الأدب الشعبى والثورة
- ثوار الداخل وثوار المهجر


المزيد.....




- قبلة بين ممثلتين مغربيتين في مهرجان -كان- تشعل مواقع التواصل ...
- استطلاع: كيف ينظر الأمريكيون إلى الحرب مع إيران؟
- في ليبيا..أمنيات أروقة السياسة ترمى بنيران واقع جبهات القتال ...
- باكستان تختبر صاروخا بالستيا وتقول إنها تريد السلام مع الهند ...
- انطلاق قاطرة الانتخابات الأوروبية وبريطانيا وهولندا أولى الم ...
- رمضان في أوروبا: يوميات شباب عرب خلال شهر الصيام
- في ليبيا..أمنيات أروقة السياسة ترمى بنيران واقع جبهات القتال ...
- باكستان تختبر صاروخا بالستيا وتقول إنها تريد السلام مع الهند ...
- انطلاق قاطرة الانتخابات الأوروبية وبريطانيا وهولندا أولى الم ...
- المندرة والنوقارة.. ما تبقى من طقوس رمضان في صعيد مصر


المزيد.....

- كتاب - أزمة المشروع الوطني الفلسطيني / نايف حواتمة
- كتاب -اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام- / غازي الصوراني
- حركة حماس والكيانية الفلسطينية المستقلة / فهد سليمان
- في راهنية الفكر السياسي للجبهة الديمقراطية.. / فهد سليمان
- فلسفة المواجهة وراء القضبان / محمودفنون
- مخيم شاتيلا - الجراح والكفاح / محمود عبدالله كلّم
- فلسفة المواجهة وراء القضبان / محمود فنون
- المملكة المنسية: تاريخ مملكة إسرئيل في ضوء علم الآثار(1) / محمود الصباغ
- قطاع غزة.. التغيرات الاجتماعية الاقتصادية / غازي الصوراني
- الفاتيكان و الحركة الصهيونية: الصراع على فلسطين / محمود الصباغ


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - حاتم الجوهرى - سارتر والدور المزدوج فى الثقافة الصهيونية