أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خالد صبيح - ذات يوم كان ديلان















المزيد.....

ذات يوم كان ديلان


خالد صبيح
الحوار المتمدن-العدد: 5315 - 2016 / 10 / 15 - 01:12
المحور: الادب والفن
    


وُجد الشعر ليُسمع لا ليُقرأ، لانه، بحكم نشاته وطبيعته، مرتبط بالموسيقى والايقاع وهذان يختصان بالسمع لا البصر. واكتشف بعض الشعراء ( درويش والنواب مثلا) هذا السر العميق الذي يختص به الشعر لذا اثروا أن يكون شعرهم مسموعا بالقاء خاص ونجحوا عبر القائهم في ايصال شحنات الجمال والقوة في شعرهم. وهذا الامر هو الذي اسست له الاكاديمية السويدية في حيثيات منحها جائزة نوبل للادب لهذا العام (2016) للمغني الامريكي الشهير بوب ديلان. وفي سياق التبرير والشرح لخلفية هذا القرار المفاجئ، والصادم للبعض، شبهت السيدة (سارة دانوس) سكرتيرة الاكاديمية السويدية نصوص ديلان المغناة بشعر هوميروس وغيره من شعراء الملاحم الذي وسم شعرهم في عصر الشفاهية فن الشعر ومنحه خصائصه المميزة شبه الثابتة في بنيته.

اعتادت لجنة نوبل ان تثير الحيرة والتساؤلات من جهات واتجاهات مختلفة حول خياراتها والاسس التي تعقدها عليها، لكن قرارها المفاجئ لهذا العام وسع دائرة الحيرة والتساؤلات الذي اضيف اليهما عنصر الصدمة هذه المرة، فقد عبر اكثر من مختص في الشان الثقافي (في السويد) عن صدمته وحيرته وعبر اخرون عن امتعاضهم وتوقع اخرون ان يثير هذا القرار غضب البعض، فقد عبرت، مثلا، محررة الشؤون الثقافية في اكبر الصحف السويدية في تعليق عن قرار الاكاديمية عن توقعها وترقبها لمواقف غاضبة سيثيرها منح ديلان الجائزة.

حينما انحدر مستوى جائزة نوبل للسلام وصارت قراراتها تثير السخرية (مثل منح قتلة ومجرمي حرب كبيغن وبيريز ورابين للجائزة) علق بعض السويديين بمرح ان السويد بريئة من هذه الجائزة لان النرويج هي التي تقررها، لكن معايير لجنة نوبل للادب تحديدا (سنتجاوز جائزة الاقتصاد لانها باتت معروفة المصدر والغايات، وكذلك الجائزة في مجالات العلوم كالطب والفيزياء لصعوبة تمييز الابعاد السياسية والايدلوجية في هذه الحقول) كانت، ويبدو انها ستبقى، مثيرة للجدل. فقد عُرف عن هذه اللجنة تحبيذاتها وتعصبها لمنح الجائزة، وذلك بحسب سيرة الجائزة واللجنة، الى كثير من ذوي الاصول اليهودية، ولهذا اثر معنوي داعم للصهيونية كما انه يشير بشكل ما الى تاثير ونفوذ اللوبي الصهيوني العالمي في تحريك خيوط الكثير من اللعب على الساحة الدولية بما فيها الجوائز والفن (السينما على وجه الخصوص) وغيرها.

( هل يمكننا بهذا الصدد الاشارة الى خلفية ديلان اليهودية؟).

بالاضافة الى الاصرار على منحها الى منشقين عن ماكان يسمى بالمعسكر الاشتراكي زمن الحرب الباردة ليتحول بعد انتهاء هذه الحرب او تغير معالمها الى تحبيذ وتشجيع لكتاب يعلون من قيم اللبرالية والحداثة بحسب المفهوم الغربي النيو لبرالي. ولايعني هذا الكلام باي شكل من الاشكال ان هذه قواعد مطلقة في منح الجائزة، فالاكاديمية توازن بين فترة واخرى بمنحها لكتاب مثيرين للجدل، بحسب المعايير الغربية، من مثل البريطانية ليسنج والالماني غونتر غراس والفرنسي لو كليزيو. هذا بالاضافة الى ان منح الجائزة يكاد يقتصر على الاوربيين ما دفع البعض للظن ان اوربا او الغرب يكافئ نفسه بهذه الجائزة.

حينما مُنحت الكاتبة البريطانية دوريس ليسنج الجائزة علقت ساخرة وهي تجلس عند دكة باب بيتها وترد على اسئلة الصحفيين، إن أصحاب الجائزة نظروا في القائمة لديهم وقالوا؛ مسكينة هذه العجوز لنمنحها الجائزة عزاءً لها على شيخوختها. ورغم أن التعبير ساخر وينتمي لحس الفكاهة الانكليزي المعروف إلا أنه يلامس الحقيقة بدرجة كبيرة. فأين كانت اللجنة عن ليسنج حينما منحتها قبل عام للكاتب التركي باموك؟ ألم تكن تعرف بنتاج ليسنج التي كتبت أهم رواياتها حينما كان باموك مايزال طفلا لم يتعلم فك الحرف بعد؟ ألا يدفع هذا الواقع الى الشك في دوافع المنح والامتناع في أن أسبابا أيدلوجية وسياسية تقف وراءه؟ من مثل خلفية ليسنج الشيوعية وتوجهات باموك اللبرالية التي هي في واحدة من ملامحها الانحياز لقيم الينيولبرالية الغربية وتاييد اسرائيل؟ ألم يُمنح محفوظ الجائزة متاخرا، وهو يستحقها بطبيعة الحال، مثل اغلب من نالها، ارتباطا كما اشيع بموقفه من قضية التطبيع مع اسرائيل؟

أكيد أن للأكاديمية بعض التقديرات التي يمكن أن تبعدها عن ماهو متوقع بشيء من الاجماع، كامكانية منح الجائزة هذا العام للشاعر السوري أدونيس مثلا، لكن تبقى سيرتها وخياراتها تثير التحفظات والشكوك حول طبيعة المعايير وما إذا كانت تتخذ من الابداع الصرف معيارا مطلقا ووحيدا لها أم لا؟

رغم أن اللجنة أسندت موقفها بمنحها الجائزة لديلان، بحسب شرحها، الى مرجعيات أسلوبية، جمالية، إلا أن هناك من نافح لتبرير قبوله أو فرحه بهذا المنح الى المضامين والمواقف التي أعلنها ديلان في ستينيات القرن الماضي بقصائده الغنائية التي عارضت العنصرية وحرب فيتنام. وهذا صحيح، وقد بنى ديلان مكانته وشهرته في الوسط الفني وبين الجماهير على هذا الإرث، لكن سيرة الفنان اللاحقة ونشاطه تراجع عن مابدأ به من مواقف انسانية وسياسية رفيعة ومتقدمة والتي يمكن عزوها الى طبيعة الظرف الزمني ومزاج الناس السياسي آنذاك الذي مال، باتجاهه العام، لمعارضة الحرب والعنصرية. لكن ديلان تراجع في مواقفه مثلما في نبوغه الموسيقي، كما اعترف هو، في السبعينات والثمانيات ليتحول في مواقفه السياسية حد وصفه مجرم متعصب مثل كاهانا (بالرجل الصادق) وتاييده لعدوان إسرائيل على لبنان عام 1982 وتبرعه المادي للدولة العبرية، وبديهي يمكن التذكير هنا أن المواقف (الثورية) لا تُجزأ ولا تختلف المعايير في النقد بين جريمة وأخرى. وان ماتمارسه إسرائيل في فلسطين، واعتداءاتها على لبنان، كما سيفهم أي مبتدأ في السياسة، هو نوع من الجرائم الدولية التي يأنف منها الحس الانساني السليم الذي دفع ديلان، كما يفترض، الى اتخاذ مواقفه النقدية السابقة.

بالمناسبة يبنغي التذكير ان ديلان لم ينفرد بهذا الاسلوب الغنائي فقد سبق وأن ابدع الاخوان رحباني نمط الشعر الغنائي على منوال ماكتبه وغناه، وإن كان، بظني، بطريقة أجمل وأكثر عمقا، لكن يبدو أن زمن الرحابنة وانتماءهما العرقي والجغرافي ( وبالتاكيد الايدلوجي) لم يكن ليعينهما على الوصول الى نوبل التي خطت، كما يبدو بقرارها منح الجائزة لهذا النمط من الابداع، خطوة جديدة قد تكون يتيمة لأن ليس كل الغناء مثل غناء ديلان أو الأخوين رحباني.

***

انقسم الوسط الثقافي السويدي حول الموقف من منح الجائزة لديلان. بعض المعنيين بالشان الثقافي عبر عن صدمته واحباطه واصفا القرار بانه تجاوز على القيمة المعنوية للجائزة التي ميزت نفسها بانحيازها للأدب الرصين بالمقاييس الأ كاديمية، فيما عبر آخرون عن فرحتهم معتبرين هذا القرار تحولا نوعيا في طريقة تفكير الأكاديمية ومعايير منح الجائزة لأنها منحت بقرارها حيزا واسعا للادب الشعبي والجماهيري.

بعض المتفاجئين تصوروا حينما أعلنت السكرتيرة عن اسم الفائز أن الأمر كان مزحة، وظنوا أنها ستواصل بعد إعلانها الأسم بالقول، لاسيما وأنها توقفت للحظة لتختبر ردة فعل الحاضرين الذين ضجوا بالضحك:

كلا.. كانت هذه مزحة وستمنح الجائزة لـ..

لكن الامر لم يكن مزحة، ومُنحت الجائزة فعليا لديلان، وربما ستؤسس الاكاديمية السويدية بهذا لتحول في معايير منح الجائزة.

من يدري، فالدنيا مليئة بالغرائب.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- مخالب فولاذية أُنْشِبَت في غير مكانها
- تلك هي شقائق النعمان إذن!2
- تلك هي شقائق النعمان إذن!
- نظرة إحادية
- مشروع مؤجل
- محنة العجز
- محنة عراقية
- (المناضل) عزيز السيد جاسم
- أول آيار، بعيد، حزين ومنسي
- الحشد الشعبي: الدور والمهمة
- وداعا ايها الورق وداعا
- تركة ثقيلة
- عقدة المظلومية
- في فضائل الانتحار/ كلام في السياسة
- حرب التقسيم
- ألأمهات مستودع الحكمة
- تكفيريو اليسار
- بوابات الماضي
- هوى التقسيم
- بارزان 1984


المزيد.....




- السعودية تسمح بـ«افتتاح دور السينما» اعتبارا من 2018
- التماثيل بعدسات الجمهور
- أبو بكر سالم.. صوت عربي ظلّ وفيا للأصالة
- السعودية تسمح بدور السينما بعد عقود من الحظر
- وقف شيرين عن الغناء شهرين لسخريتها من مياه النيل
- يهود العراق وملكة جماله فى جنة مدينة السلام: فيلم جديد ذاكرة ...
- السعودية تسمح بدور السينما اعتبارا من 2018
- شعبان عبد الرحيم يهجو ترمب ويصفه بالمجنون
- كتاب -رحلة إيطالية- للشاعر العالمي -غوته- بنسخته العربية
- بلقيس الراشد..لهذا السبب عبارة فنانة سعودية هي مفارقة


المزيد.....

- المدونة الشعرية الشخصية معتز نادر / معتز نادر
- من الأدب الفرنسي المقاوم للنازية - القسم الثانى والاخير / سعيد العليمى
- من الأدب الفرنسى المقاوم للنازية - الفسم الأول / سعيد العليمى
- من الأدب الفرنسي المقاوم للنازية - مقدمة / سعيد العليمى
- تطور مفهوم الشعر / رمضان الصباغ
- البخاري الإنسان... / محمد الحنفي
- يوم كان الأمر له كان عظيما... / محمد الحنفي
- التكوين المغترب الفاشل ) أنياب الله إلهكم ) / فري دوم ايزابل Freedom Ezabel
- عندما كان المهدي شعلة... / محمد الحنفي
- تسيالزم / طارق سعيد أحمد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خالد صبيح - ذات يوم كان ديلان