أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - نوال السعداوي - ضباب الرؤية وضوء الماضى














المزيد.....

ضباب الرؤية وضوء الماضى


نوال السعداوي
(Nawal El Saadawi)


الحوار المتمدن-العدد: 5312 - 2016 / 10 / 12 - 09:58
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
    



منذ خمسة وثلاثين عاما، وجدت نفسى بالسجن، على أرض زنزانة مليئة بالحشرات القارضة، بقرار شخصى منفرد من حاكم مصر حينئذ، لم يكن اسمى واردا فى القائمة التى تشمل ألفا وخمسمائة وستين شخصا، أعدتها المباحث العامة ليراجعها الحاكم بنفسه، وحين رأى أنها لا تشملني، أمسك قلمه وكتب اسمى بخط يده فى نهاية القائمة.
لم أدخل المنابر الهزلية ولا الأحزاب الورقية التى أصدر الحاكم قرارا بإنشائها، تمهيدا لأن يقلب نظام الحكم، ويتلقى المعونة الأمريكية: المسمار الأول فى نعش الاستقلال الوطنى السياسى الاقتصادي، والعودة الى دوامة التبعية والاستعمار.

كتبت ثلاث مقالات فقط، أفزعت الحاكم، نزعت فيها النقاب عن التناقضات الصارخة تحت اسم الديمقراطية، والثورة الخضراء، والانفتاح، والعلم والإيمان وغيرها من الشعارات الجوفاء، فالثورة الخضراء قضت على الخضرة وقتلت الإنتاج الزراعى، وهاجر الفلاحون سعيا للرزق، وأدى الانفتاح الى إغلاق المصانع وتشريد العمال وضرب الإنتاج الوطني، والاعتماد على الاستيراد والمعونات الخارجية وقروض البنك الدولى وصندوق النقد، مما أدى لتفاقم البطالة والفقر واللامساواة، وزادت الهوة بين الأثرياء والفقراء، وانطلق رجال الأعمال يلتهمون لحم الشعب، بالضبط كالنمر الدى نهش جسد طفلة العياط منذ أيام، والوحش الذكورى الذى إغتصب جسد طفل المعادى وأحدث به ثقبا أسود ينزف حتى اليوم، أما دولة العلم والإيمان فقد أدت الى انتشار الخرافات والعفاريت والثعبان الأقرع وعذاب القبر، وانطلقت النمور الدينية الإرهابية يلتهمون العقل المصري، يحرقون الكنائس، يزرعون الفتن والانقسامات، يضربون حقوق النساء، يفرضون الختان والنقاب على الأطفال، ويشجعون الرجال على التعددية الجنسية واشباع النزوات داخل الزواج وخارجه، وامتلاك الإماء والجوارى وملك اليمين، وتوغل هذا الانغلاق الفكرى فى المدن والقرى والنجوع فى الدولة والأسرة، فى الاقتصاد والثقافة والتعليم، أما التعددية الحزبية فقد أنتجت أحزابا كرتونية لم يعد لها أثر فى يومنا هذا، ونهشت أنياب الديمقراطية الحريات الفردية والجماعية أكثر مما تفعل الديكتاتوريات الشرسة.

وكان يمكن للعبور الناجح الذى قام به الجنود المصريون فى الأيام الأولى لحرب أكتوبر، أن يحرر مصر كلها وليس فقط سيناء، من التبعية والاحتلال لكن الحاكم ضرب الشعب فى أوج الفرح بقرار منفرد أدى الى ثقب أسود فى جسد النصر سمى «الثغرة» وبعد الفرحة غرقنا فى الحزن والكمد على ما يحدث فى الضباب من وقف إطلاق النار، الى مفاوضات الكيلو 101، الى دخول مصر فى ثقب أسود، اسمه ـ التفاوض لتسوية الصراع العربى الإسرائيلى ـ ثم معاهدة السلام، التى أدت لمزيد من الحروب والمفاوضات اللانهائية داخل الثقب الأسود كنت فى الزنزانة مع المحبوسات، ومن الراديو الترانزيستور، نتابع الحاكم يهدد بقطع أعناقنا، ويخيم التشاؤم والاكتئاب على الجميع، فينتفض عملاق الأمل فى أعماقى هاتفا: هو هيموت وإحنا هنخرج من السجن, وتتهكم امرأة محجبة على تفاؤلى الطفولى صارخة: هيقتلنا كانت متعصبة متشنجة تتهم السافرات بالكفر والإلحاد، وتتهم زميلاتها الإسلاميات بعدم النطق الصحيح للقرآن، وتشتبك يوميا فى معارك عصابية ضارية حتى قررت جميع المسجونات مطالبة إدارة السجن بنقلها إلى عنبر آخر.

وفى يوم احتفاله بعيد نصره تم اغتيال الحاكم ، بسلاح القوى الدينية الإرهابية ذاتها التى دعمها بالمال والسلاح والاعلام.

منذ التاريخ القديم يظل الشعب المصرى أكثر ذكاء وإبداعا من ملوكه وحكامه، فالعقل المبدع لا يهدر وقته فى السعى للحكم، ولا يغير التاريخ إلا العقول المبدعة، يستخدم أغلب الحكام إبداع الشعوب للتسلط والإثراء، ثم يموت الحاكم، وتبقى الشعوب أقوى من جيوشها وحكامها الطغاة، تغلب الشعب المصرى على جميع الغزوات والهزائم التى جلبها ملوكه وحكامه بالداخل والخارج، تغلب الشعب المصرى على هزيمة يونيو الكبرى منذ تسعة وأربعين عاما، وتغلب الشعب بثورته فى يناير منذ خمسة أعوام على حكم الاستبداد والفساد ثم تغلب فى يونيو، منذ ثلاثة أعوام فقط، على دكتاتورية الحكم الدينى ترفض الشعوب الهزيمة بحكم الطبيعة والتاريخ والذاكرة والإبداع.

يقوم الإبداع الشعبى على الربط بين السياسة والحرب والاقتصاد والجنس والثقافة والتعليم والعلم والفلسفة والفن والدين والأخلاق، لا تنفصل الحرب العسكرية عما يعقبها من نتائج اقتصادية سياسية اجتماعية ثقافية يلعب الزمن دورا فى الكشف عن الهزيمة أو النصر، وتظل الرؤية ضبابية فى الحاضر، حتى يكشفها ضوء الماضى.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,557,578,664
- كُحل ثقيل.. عقل خفيف.. والضحك
- الصخرة العاتية تتحدى أى دستور
- لكنهم لم يعثروا عليها أبدا
- رقة الشاعرة وحاملة الأثقال
- نكهة الشاى الأخضر بالنعناع
- تجاربنا الشخصية جدا تغير العالم
- ولم تسقط طائرة لندن
- ذكريات عن تعدد الزوجات
- ذكريات مع توفيق الحكيم
- أتكون الطفلة ملحدة؟
- فاطمة الميرنيسى
- كتابك غير حياتى
- امرأة تكتب مصيرها بيدها
- وتظل النخبة المختارة تصفق
- لا يكفى أن تكون امرأة
- مشروع جديد لإصلاح الأخلاق
- حوار لا أنساه بين أمى وأبى
- المنسيون فى التاريخ الرسمى للثورات
- القلاع الأبوية. الرأسمالية تتهاوى
- أتكون هى أنبل النساء؟


المزيد.....




- الناتو وبريطانيا يطالبان بإنهاء العملية التركية في سوريا.. و ...
- -فورت نايت- تعود بجزئها الثاني بعد توقفها ليومين
- محمد صلاح عن حرائق لبنان: كامل تعاطفي مع الأشقاء.. ودعواتي أ ...
- حفتر: نستطيع السيطرة على طرابلس في يومين عبر اجتياح كاسح بأس ...
- الدفاع الروسية: شويغو يبحث الوضع في سوريا في اتصال هاتفي مع ...
- السويد تسحب تراخيص تصدير الأسلحة والمعدات العسكرية إلى تركيا ...
- عضو مركزية حركة -فتح-: محمود عباس مرشحنا الوحيد لرئاسة فلسطي ...
- شاهد: دمار كبير تخلفه الحرائق في لبنان
- استئناف محادثات السلام في جوبا بين حكومة الخرطوم والمتمردين ...
- قيس سعيد: لماذا اختار التونسيون رئيسا من خارج الأحزاب السياس ...


المزيد.....

- التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيو ... / الحزب الشيوعي المصري
- الفلاحون في ثورة 1919 / إلهامي الميرغني
- برنامج الحزب الاشتراكى المصرى يناير 2019 / الحزب الاشتراكى المصري
- القطاع العام في مصر الى اين؟ / إلهامي الميرغني
- أسعار البترول وانعكاساتها علي ميزان المدفوعات والموازنة العا ... / إلهامي الميرغني
- ثروات مصر بين الفقراء والأغنياء / إلهامي الميرغني
- مدخل الي تاريخ الحزب الشيوعي السوداني / الحزب الشيوعي السوداني
- السودان : 61 عاما من التخلف والتدهور / تاج السر عثمان
- عودة صندوق الدين والمندوب السامي إلي مصر / إلهامي الميرغني
- الناصرية فى الثورة المضادة / عادل العمرى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - نوال السعداوي - ضباب الرؤية وضوء الماضى