أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فلاح رحيم - في مئوية سايكس بيكو















المزيد.....

في مئوية سايكس بيكو


فلاح رحيم
الحوار المتمدن-العدد: 5311 - 2016 / 10 / 11 - 09:26
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


قدم قسم التعليم المستمر في جامعة فكتوريا الكندية محاضرة مهمة في الثاني والعشرين من أيلول هذا العام 2016 بمناسبة الذكرى المئوية لتوقيع اتفاقية سايكس بيكو. وهي الاتفاقية المعروفة التي وقعها الدبلوماسيان البريطاني مارتن سايكس والفرنسي فرانسوا جورج ـ بيكو في أيار عام 1916. وقد دفعني إلى حضور هذه المحاضرة، فضلاً عن موضوعها، اسم المحاضر الدكتور مارتن بينتون Martin Bunton أستاذ تاريخ الشرق الأوسط في الجامعة. ظل هذا الأكاديمي البارز يعتمد الوصف في تناوله لشؤون الشرق الأوسط بدلاً من التخندق الأيديولوجي والانصياع لأجندات الأطراف المختلفة. وقد ركز في أهم أعماله المنشورة "السياسات الكولونيالية في فلسطين" على قضية ملكية الأراضي في فلسطين بين عامي 1917 و1936 بوصفها القضية الأهم في فهم المعضلة.
بدأت المحاضرة بالتأكيد على الطابع الاستعماري التعسفي للاتفاقية. ذلك أن الدبلوماسيين اعتمدا الخرائط لا الوقائع على الأرض فرسما خطاً عشوائياً قسّم المنطقة إلى نصفين شمالي لفرنسا وجنوبي لبريطانيا. وكانت حصة الأسد لبريطانيا إذ أن المناطق التي دخلت في حصة فرنسا لم تكن تحتوي الثروات الموجودة في الجنوب، وكان دافع الفرنسيين كما يرى المحاضر تأكيد وجودهم الاستعماري في المنطقة وحماية المسيحيين. الطريف أن فلسطين تُركت خارج القسمة حتى يتم التداول مع يهود أوربا بشأن مستقبلها. أشار المحاضر إلى أن سايكس وقع الخارطة النهائية بقلم رصاص في دلالة واضحة على الطبيعة العشوائية للتقسيم.
لكن الأدهى من الاتفاقية ما أعقبها من ترتيبات سياسية جائرة. استدعي فيصل من الحجاز بعد هزيمته في سوريا لينصب ملكاً على العراق ترضية لحلفاء الأمس في محاربة العثمانيين، وكذلك لكون فيصل يمثل بحكم طائفته أقلية في العراق تبقيه في حالة تبعية وانصياع للبريطانيين في مواجهة اضطرابات بلاده. الأردن مثلاً وُجدت أصلاً لترضية عبد الله الأخ الأكبر لفيصل! كانت الملكية الدستورية البريطانية في العراق مشوهة استبدادية منحت السلطات للأعيان وكبار ملاك الأراضي وقادة العشائر. وقد أكد المحاضر أن البريطانيين نقضوا سياسة العثمانيين في إضعاف سلطة العشائر، وهي خطوة دفعت العراق إلى الوراء إذا قيست بميزان بناء الدول.
لا يمكن في هذه العجالة عرض مجمل ما جاء في المحاضرة، لكن ما يهمنا في قضية سايكس بيكو اليوم هو ما يترتب على استعادتها سياسياً. يكرر مارتن بينتون دائماً أن المؤرخ يقرأ التاريخ رجوعاً لا العكس. والقوى التي تستعيد ذكرى سايكس بيكو في يومنا هذا تصر على أنها كانت حدثاً ظالماً مزق المنطقة على الورق ولم يأخذ بنظر الاعتبار تنوعها وطبيعتها الأثنية والدينية. انبرت داعش إلى تدمير الحدود بين العراق وسوريا بالجرافات وأعلن ممثلوها أنهم يزيلون بعملهم هذا ميراثاً استعمارياً مقيتاً. لكن هذا الموقف الداعشي يلتقي في توافق طريف مع ما دعا إليه ليسلي هـ. جيلب في مقال له نشرته النيويورك تايمز في تشرين الثاني 2003 تحت عنوان "العراق: حل الدول الثلاث" دعا فيه إلى التصدي لميراث سايكس بيكو وإحقاق الحق. عرض بينتون مقتطفا من المقال ورد فيه: " قد تكون الاستراتيجية الممكنة الوحيدة إذن تصحيح الخطأ التاريخي والتحرك في مراحل نحو حل الدول الثلاث: الكرد في الشمال، السنة في الوسط، والشيعة في الجنوب." والمعروف أن الحقبة القومية التي مرت بها الحياة السياسية العربية بعد سايكس بيكو رسخت في العقول ضرورة التصدي لما ترتب عليها وتحقيق الوحدة العربية الكبرى، وهي دعاوى وصلت بنا إلى ما نحن فيه من تشرذم. هنالك اتفاق إذن بين أطراف متباعدة أيديولوجياً على التصدي لميراث سايكس بيكو أقنع الكثيرين من المتصدين للشأن العام في الشرق الأوسط بأن تقسيم المقسم قادم لا محالة.
يمضي مارتن بينتون باتجاه معاكس تماماً ويقيم جدالاً مقنعاً مفاده أن هذه الدعاوى المشبوهة تنطوي على نوايا تدميرية لشعوب المنطقة وأمنها ومستقبلها السياسي، أو إن شئنا ترجمة بتصرف لقصده أن هذه الدعاوى كلمة حق يراد بها باطل. جادل ابتداء أن الدول العربية التي مضى على إقامتها مئة عام قد كونت هويات واضحة لا تقبل الشك، وقال إن أحاديثه مع السوريين والعراقيين تدل دون شك على اعتزاز كبير بالهويات القطرية والثقافة الخاصة بها على كافة المستويات. وإذا تذكرنا نظرية بنيدكت أندرسن المعروفة في الجماعات المتخيلة، وقد أشار إليها المحاضر، صار لزاماً علينا احترام هذه الهويات القطرية التي صنعها وأكدها قرن كامل من تاريخ هذه الدول. وكما هو دأب المؤرخين الغربيين عموماً، ينشغل بينتون بالدولة المدنية الدستورية الحديثة ويتخذها مرتكزاً لكل جدالاته. الدعاوى إلى التقسيم كما يرى ستطيح بآخر مظاهر العافية السياسية في الأقطار المقسمة لأنها ستشكل كيانات طائفية وأثنية مغلقة تستمد شرعيتها من نزعة شوفينية طاردة لا من غائية تنموية تعلي من شأن المواطنة. لا يمكن لمثل هذه الكيانات أن تضمن حقوق رعاياها دون تمييز، وستنزلق إلى الاستبداد دون رادع. ثم توجه المحاضر إلى جمهوره الغفير من الكنديين فسألهم إن كانوا مستعدين لتقسيم بلدهم الكبير كندا إلى كانتونات صغيرة تمثل الطوائف والأثنيات بعد احتلال مفترض تقوم به الصين أو روسيا؟ بالطبع لا، لكن عمر كندا كما جادل المحاضر لا يزيد على عمر سايكس بيكو كثيراً!
حاول المحاضر تفسير الأسباب الكامنة وراء صعود النعرات الطائفية والأثنية في المنطقة فرأى أنها ناجمة عن قصد مبيت للتغطية على المصالح والقضايا الحقيقية التي تحرك أطراف الصراع. وأوقع اللوم على الاحتلال الأمريكي للعراق الذي ابتدع اسطورة المكونات والحصص لتفتيت الدولة العراقية مما أدى إلى حدوث فراغ سدّه ملوك الطوائف على المستوى المحلي واستغلته الأطراف الإقليمية والدولية في تدمير أمن العراق وسيادته. وكان من أسئلة المحاضر البليغة لجمهوره سؤال عن إيرلندا المعروفة بأزمتها الطائفية الطويلة: أين تذهبون إذا أردتم معرفة حقيقة الصراع الطائفي في إيرلندا، إلى كتب السجال اللاهوتي بين الكاثوليك والبروتستانت أم إلى الكتب المختصة بمناقشة السياسة البريطانية في إيرلندا؟ وهو سؤال يصح طرحه على مثقفي الشرق الأوسط المشغولين بالوساطة بين الطوائف نابشين الكتب الصفراء لمعرفة حقيقة الصراع بين السنة والشيعة، مُعرضين عن غفلة أو تعمد عن الخوض في المصالح الدولية والإقليمية والمحلية الاقتصادية والسياسية التي تقف خلف أوهام الصراع الطائفي.
رسم المحاضر سيناريو مخيفاً للتقسيم فهو يعني حركة نزوح وتهجير مأساوية على طول الحدود الجديدة ومعارك دموية على اقتسام الحصص الجغرافية وتوتراً دائماً ينهك الكيانات الجديدة. والأمثلة المعروفة في العالم دليل قاطع على ذلك: تقسيم فلسطين، وكوريا، وإيرلندا، والهند (ويمكن أن أضيف لأمثلة المحاضر أحدث تقسيم مأساوي حدث في السودان بدعم غربي منقطع النظير حيث الدولة الجديدة تمزقها الحروب والنزاعات وأقصى ما يمكن لرعاة هذا التقسيم الكبار دعوة رعاياهم إلى مغادرة البلاد والنجاة بأنفسهم.) وقد سئل المحاضر عن وضع الكرد في العراق فأكد أن دولتهم إذا تأسست ستواجه مصاعب كبرى، ذلك ان أردوغان قد قدم للكرد أكبر التنازلات في تاريخ تركيا في مسعى منه إلى منع ميولهم إلى الانفصال.
بادرتُ في نهاية المحاضرة إلى طرح سؤال يشغلني كثيراً على المحاضر. قلت له إن الصورة التي قدمتها المحاضرة لأحوال الشرق الأوسط يسودها المستعمرون بكل أشكالهم، فهل ثمة مكان لشعوب هذه المنطقة، دور فاعل تقوم به لتغيير مصيرها وصد المصائب عنها. وذكرت سبب السؤال فقلت إن المثقفين في العراق يتشاجرون في ما بينهم على أسس طائفية أو أيديولوجية، والسائد أن يلوم أحدهم الآخر وكأن مصيرهم يتقرر على المستوى الداخلي حصراً بينما تركزت المحاضرة على العوامل الخارجية. وكان المحاضر قد اقتبس قولاً لمختص بالمنطقة وصفها فيه بأنها أكثر مناطق العالم تعرضاً للاختراق الخارجي لشؤونها. لم يجد المحاضر مناصاً من تأكيد أن الأمل قائم في إمكانية الخلاص. المهمة الأولى هي ضمان قيام دولة مدنية دستورية عابرة للهويات الفرعية الضيقة. وثورة الربيع العربي تحتاج إلى مزيد من الوقت لتستعيد أهدافها الحقيقية المتمثلة أساساً في بناء مجتمع مدني ديمقراطي. هنالك في مصر قوتان كبيرتان سرقتا ربيع المصريين هما سلطة الدين وسلطة العسكر، وقد انتقلت السلطة إليهما بعد الثورة ولكنها لا بد أن تنتهي إلى أيدي من خرج من أجل العدالة والمساواة.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- محنة التدويل والتقسيم
- ماذا عن الولايات المتحدة؟
- التفكير عند الطوارئ
- الخضراء وفايمار في عامهما الرابع عشر
- العقد الاجتماعي أم العدالة الاجتماعية؟
- اللغة أم العنف؟
- اقتناص المعنى
- القناع والشخصية الروائية
- المُعتمد ورفوف الكتب
- الفجوة بين المثقفين والمجتمع: خرائط البداوة والشرعية
- السجل الأسود للنفط: الديمقراطية والحروب الأهلية
- ما بعد العلمانية ومجالس بغداد
- الحقيقة والمصالحة في رواية كوتزي -العار-
- “اعترافات كائن” والتمثيل الروائي للفاجعة
- أنسنة الشعر: حسن ناظم قارئاً لفوزي كريم
- قصائد في يوميّات: أحلام صحراوية
- -مدينة الصور-:الفوتغراف بين اللوحة التشكيلية والمشهد الروائي
- ديفيد لودج ودليل حرفة الرواية
- كُتب في يوميّات: المجموعة الكاملة لقصص مارك توين القصيرة
- كُتُب في يوميّات: الطاحونة الحمراء لبيير دي مور


المزيد.....




- شاهد.. موقع CNN بالعربية يقدم تدريباً إعلامياً لـ100 شاب وشا ...
- قرابة 10 أيام على اختفاء غواصة بالأرجنتين.. كم من الوقت بقي ...
- سيارة رياضية جبارة تبصر النور عام 2019!
- 41 نائبا تونسيا يرفضون بيان وزراء الخارجية العرب بشأن تجريم ...
- الخارجية الروسية: لا جدوى من إنعاش آلية التحقيق في استخدام ا ...
- -الجوية الجزائرية- تتجه نحو تسريح آلاف العمّال
- بوتفليقة للجزائريين: -شاركوا بقوّة- في الانتخابات !
- رئيس أركان الجيش الروسي: قد يتم تقليص حجم قواتنا في سوريا
- موسكو تعتبر الحكم بحق ملاديتش استمرارا للنهج المسيس للمحكمة ...
- -الإعصار- يجوب بحر البلطيق


المزيد.....

- العلمانية وحقوق الإنسان / محمد الحنفي
- نقد النساء / نايف سلوم
- الثقافة بين طابع المساءلة وطابع المماطلة / محمد الحنفي
- هل يمكن اعتبار الجماعات المحلية أدوات تنموية ؟ / محمد الحنفي
- أوزبر جبرائيل- تفسير رواية عزازيل / نايف سلوم
- توءمة ملتصقة بين الحزب الشيوعي والتجمع / مصطفى مجدي الجمال
- المُفكر والفيلسوف الأممي -صادق جلال العظم-: تذكرة وذكرى لمرو ... / عبد الله أبو راشد
- جذور وأفاق بنية الدولة / شاهر أحمد نصر
- حوار مع أستاذى المؤمن / محمد شاور
- مسمار في جدار الذاكرة / رداد السلامي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فلاح رحيم - في مئوية سايكس بيكو