أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - علي المدن - التصوف ودوره في حياتنا المعاصرة















المزيد.....

التصوف ودوره في حياتنا المعاصرة


علي المدن

الحوار المتمدن-العدد: 5309 - 2016 / 10 / 9 - 11:08
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


لطالما تنازع الفقهاء والمتصوفة حول المعبِّر الحقيقي عن خصوبة الروح الأخلاقية الإسلامية، وبين السطحية من جهة، والميوعة والإبتذال من جهة ثانية، والمروق من الدين ثالثة، تراشق الطرفان الكثير من الانتقادات. إلا أن التصوف - وكما هو الحال مع جميع الأفكار الكبيرة - ليس نسخة واحدة، ولا أنموذجا واحدا. يمكننا بنحو أولي، ومن أجل أغراض توضيحية، اقتراح مخطط مؤقت، يلخص أشكال التصوف في التراث الثقافي الإسلامي في ثلاثة أشكال:
- التصوف الاجتماعي، وهو تيار كرّس إيمانَه باللاهوت من أجل خدمة الناسوت. يستفزّه الوجود الإلهي ليحفّز فيه رعاية الوجود الإنساني. ليس لمحبة الله وعبادته من معنى لديه أعمق من "الممارسة"؛ ممارسة الشفقة والإحسان والتعاون والمآزرة والنجدة وأعمال البر ... إلخ. تبجيله وتوقيره للإنسان هو سبيله الوحيد للعيش مع الإله المطلق.
- التصوف الفلسفي، وهو تيار مغرم بتأمل معاني الوجود الإلهي، والتعمق في استيعاب دلالاته، وفهم ما تعنيه أسماء الذات الإلهية وصفاتها وأفعالها، ثم علاقة ذلك كله بالإنسان وعقيدته.
- التصوف الطقوسي؛ وهو تيار يعيش حالات الوجد والهيام بالذات الإلهية، ويرتاض بالأذكار والعبادة. مورس أولاً بنحو فردي، ثم تطور لاحقاً ليصبح سلوكاً جماعياً محفلياً.
هذا التصنيف يأخذ بنظر الاعتبار السمة البارزة "تعبيرياً" في كل شكل من الأشكال الثلاثة التي تميزه عن قسيميه، دون أن نمنع تشابك هذه الأشكال وتداخلها تاريخاً. ويمكن أن نضيف صفة أخرى تصلح للتمييز بينها تعود إلى "مصادر التلقي"، أي المنابع التي تستقي منها الأشكال الثلاثة أفكارها. وصفة تمييزية ثالثة تتعلق بالسؤال المركزي الذي تدور حوله النشاطات التي يزاولها هذا الاتجاه الصوفي أو ذاك. فالاتجاه الصوفي الاجتماعي يلتزم بمصدري (الكتاب والسنة) ويحاول النظر فيهما بأدوات منهجية بيانية (بحسب اصطلاح محمد عابد الجابري)، أي من خلال الأساليب والمقدمات التي تكوّنت ضمن السياق المنهجي التاريخي للمسلمين التقويين، وهو يفعل ذلك لغايات عملية. في حين أن الاتجاه الصوفي الفلسفي يؤسس نظره في (الكتاب والسنة) على مقدمات ومفاهيم منطقية وفلسفية، وهو ينشغل بالجانب النظري أكثر من الجانب العملي. أما الاتجاه الصوفي الطقوسي، فهو عبارة عن مزيج مرتبك من الإثنين معا.
تاريخاً بدأ التصوف في البصرة، وشكّل في بداية ظهوره احتجاجاً مزدوجاً على الوضعين السياسي والاجتماعي معاً، على تعسفات السلطة من جانب، ومظاهر الترف المالي من جانب آخر. ثم ما لبث أن توسعت دائرة هذا التيار الاحتجاجي وجذبت شخصيات مرموقة عرفوا بطبقة الزهَّاد والعبَّاد، ثم لحق بهم بعد ذلك آخرون. وكان في طليعة هذه التيار الفاعل شخصيات من قبيل: مالك بن دينار السامي، ويزيد بن أبان الرَّقَاشي، وزياد بن عبدالله النُّميري، وسفيان بن سعيد الثوري، وأبي محفوظ معروف بن الفَيْرزان الكرخي، والسَّري بن المُغَلِّس السَّقَطي، والحارث بن أسد المحاسبي، وسهل بن عبد الله التستري، وأحمد بن محمد بن سالم البصري، وأبي طالب المكي، وأبي إسماعيل الهروي الأنصاري، وأبي القاسم الجنيد بن محمد القواريري، .. وغيرهم. وهناك كلمة تنقل عن الجنيد يمكنها أن تلخص تنوع المشهد الصوفي ومميزاته حتى عصره تبعاً للبيئة التي يتواجد فيها، قال فيها: (أُعطي أهل بغداد الشَّطْح والعبارة، وأهل خراسان القلب والسّخاء، وأهل البصرة الزُّهْد والقناعة، وأهل الشام الحِلْم والسّلامة، وأهل الحجاز الصَّبر والإنابة) [تاريخ الإسلام ت بشار 6/ 927].
ومنذ بدايات القرن الثالث الهجري دخل التصوف في إشكاليات دينية عديدة تتعلق بالصفات الإلهية ومسألة السماع (الغناء والطرب في مجالس الصوفية) وتوظيف المناهج والمقدمات الفلسفية في التأمل الصوفي .. إلخ، إلا أن التحول الحقيقي تمثل في اتجاه التصوف صوب الفلسفة، مع جماعة إخوان الصفا وتراث الفارابي وابن سينا ثم الغزالي والعفيف التلمساني وابن سبعين وابن عربي ومن جاء بعدهم. وفي هذا السياق استأثرت فكرة "الوجود" ووحدته والتأسيس عليه بالنقاش الصوفي. وباستثناء الغزالي وابن عربي فإن مشاركة الاتجاه الصوف الفلسفي اللاحق لم تكن بذلك المستوى من الأهمية في تنمية وإنعاش التأملات العملية الخصبة للحياة الروحية في تاريخ الفكر الإسلامي، بل بقيت تلك المرحلة السابقة هي الأغزر والأعمق في سبر أغوار الجانب الجواني الأخلاقي التي غذّتها العقيدة الدينية عبر الأجيال والعصور.
والآن إذا كانت نظرتنا للتصوف بهذا المستوى من الموضوعية والإيجابية، وقلّلنا من شأن تلك الآراء القدحية التي رأت فيه (أو في ذاك الاتجاه الاتحادي البعيد عن الكاب والسنة منه) تجديفاً بدعياً مخالفاً للحقيقة الدينية، أو تلك الآراء "الحداثوية" التي رأت فيه شكلاً من أشكال انحطاط العقل والوعي، بل ومسؤولاً عن تخلّف الأمة وتراجعها وخورها ... إذا ما قلّلنا من صرامة تلك الآراء وشموليتها، فهل يعني ذلك أننا نسلّم فعلاً بقدرة التصوف (بنماذجه الثلاثة المتقدمة) على خلق، أو بعث، الطاقات الروحية الكامنة التي يعد بها، أو التي مثّلها في يوم من الأيام؟ هل من الممكن له، بنسكه وتأملاته وبرّه، أن يثري حياتنا، أو أن يسهم في تعميق وعينا الأخلاقي، أو أن يستحث فينا حب الإنسان والاحتفاء بالحياة؟
لقد طرحت هذا السؤال لأنني أرى إقبالاً متزايداً على نصوص المتصوفة وأفكارهم في مقابل صعود التيارات الإسلامية المتشددة، ومن الواضح أن هذا السؤال يثير سلسلة شائكة من الصعوبات في المنطق والفلسفة والإلهيات والاجتماع .. إلخ ذات العلاقة بإشكالية عقلانية الإيمان الديني ومفهوم الوحي وتاريخانية النصوص المقدسة والعقدة الهيومية حول إمكانية تأسيس الأخلاقيات على المقولات الدينية، وغير ذلك من الصعوبات العلمية التي يعرفها المختصون في فلسفة الدين. ولكن الأسئلة ذات المنحى الاجتماعي الإصلاحي لا تأخذ مبرراتها من تماسكها المنطقي، بل من نجاعتها وتأثيرها على مستوى الواقع. وإذا اعترفنا بعمق الارتباط الروحي للمجتمعات الإسلامية بتراثها، وهو تراث واسع وعميق وغني، فإن فكرة الحديث عن الأخلاقيات المؤسسة على الدين تبقى أكبر من مجرد "ارتكاس رومانسي" يقع ضحيته المتدينون غير المستوعبين لقيم الحداثة. صحيح، أن الأخلاقيات الصوفية تستمد معناها من الإيمان بالله وكلماته وصفاته إلا التصوف كـ"تراث فكري إسلامي" أوسع من أساسه الذي أقيم عليه، أعني أنه أوسع من كونه بحثاً في (الإلهيات)، وإنما هو أيضاً تحليل أخلاقي للسلوك البشري. إنه في النهاية جهد بشري يمثل أنبل ما أبدعته مشاعر أسلافنا المشبوبة بالسمو المعنوي وهم يتأملون ويفككون وينقدون انفعالاتهم وعلاقتها بالآخرين والعالم. وهي لهذا تعد جهداً عقلياً لا يمكن الاستغناء عنه بحال. وأنا حين أقول ذلك لا أريد إفراغ (الأخلاقيات الصوفية) من أساسها الديني من أجل تجاوز العقبات العلمية التي تواجه هذه "الأخلاقيات"، وإنما أريد القول إن الخلافات النظرية مهما اتسمت بالجدية لا يمكنها أن تحمل المؤمنين على نفض أيديهم من المعاني الرفيعة التي ولدتها تلك الأخلاقيات والتي من شأنها الإسهام بنحو إيجابي في إسعادهم روحياً واجتماعياً.
ومن أجل تسويغ إعادة الاعتبار للنقاش في هذه الأخلاقيات أجد من الجدير بنا ملاحظة القضايا الثلاث التي سأتناولها في الجزء المتبقي من المقال، والتي أحسب أن من شأنها تغيير الوعي الديني في مجتمعاتنا لو قدّر لهذه القضايا أن تسود وتنتشر. الأولى منها تتعلق بمفهوم التوحيد، والثانية بقيم التعددية الدينية أو التسامح الديني، والثالثة في مجال المعاملة الصالحة وأعمال البر والإحسان.
لقد سبق لي أن نشرتُ نصوصاً لابن عربي اقتبستها من كتابه الشهير "فصوص الحكم" تتعلق بوجهة نظره حول عقيدة "التوحيد"، ثم أردفت تلك الاقتباسات بتوضيحات تيسّر للقارئ ما كنتُ أريده أن يفهم منها، بعد أن منحتُ الاقتباسات عنواناً ملفتاً هو "أنسنة التوحيد الإسلامي". كنت أقصد بتلك العملية كلها التنويه بتيار يمثله ابن عربي في فهم صلب المعتقد الإسلامي (التوحيد)، تيارٌ يُنزِل هذا المعتقد من عالم "تعاليه" و"قداسته" و"قطعيته"، إلى عالمٍ محايثٍ عديم القداسة والوثوقية (أو قليلهما). إنه إنزالٌ يرى في هذه العقيدة مجرد جهد بشري مرتهَن باستعدادت الكائن البشري وقدراته ووعيه وتجربته؛ وهو بهذا المعنى يصبح "توحيداً مؤنسناً"، إفرازاً للوعي البشري، وبمستواه، من حيث القيمة المعرفية. هنا نشهد فهماً لفكرة التوحيد، يستتبع منطقياً، إلغاءً لكل أشكال العصبيات الدينية المؤسسة على أساس ربط تلك الفكرة بما هو فوق بشري، مباشرة مع الذات الإلهية. إننا مع ابن عربي، في هذا الجزء تحديداً، لسنا أمام فكرة إلحادية نافية لأصل وجود عقيدة الله أو توحيده، على شاكلة مفهوم الاغتراب الفيورباخي، فابن عربي معترف بالله وتوحيده وحقانيته وواقعيته، وإنما أمام نظرية ترى أن فهم الوجود الإلهي على مستويين: (إلهي) يختص اللهُ باستيعابه، و (بشري) يتناسب مع استعدادت الإنسان وقابلياته. الأول: مطلق لا تحده الحدود، والثاني مقيد بشري بامتياز.
يقول ابن عربي في خاتمة الفص المحمدي: ([ ... ] قوله: «وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ» أي بحمد ذلك الشيء. فالضمير الذي في قوله «بحمده» يعود على الشيء، أي بالثناء الذي يكون عليه، كما قلنا في المعتقِد: إنه إنما يثني على الإله الذي في معتقده وربط به نفسه. وما كان من عمله فهو راجع إليه، فما أثنى إلا على نفسه، فإنه مَنْ مَدَحَ الصنعة فإنما مدح الصانع بلا شك، فإن حسنها وعدم حسنها راجع إلى صانعها. وإله المعتقد مصنوع للناظر فيه، فهو صنعه: فثناؤه على ما اعتقده ثناؤه على نفسه. ولهذا يَذُمُّ معتَقَد غيره، ولو أنصف لم يكن له ذلك. إلا أن صاحب هذا المعبود الخاص جاهل بلا شك في ذلك لاعتراضه على غيره فيما اعتقده في اللَّه، إذ لو عرف ما قال الجنيد: (لون الماء لون إنائه) لسلّم لكل ذي اعتقاد ما اعتقده، وعرف اللَّه في كل صورة وكل مُعتَقَد. فهو ظانٌ ليس بعالِم، ولذلك قال: «أنا عند ظن عبدي بي» لا أظهر له إلا في صورة معتقَده: فإن شاء أطلق وإن شاء قيَّد. فإله المعتقدات تأخذه الحدود، وهو الإله الذي وسعه قلبُ عبده، فإن الإله المطلق لا يسعه شيء؛ لأنه عين الأشياء وعين نفسه: والشيء لا يقال فيه: يسع نفسه، ولا: لا يسعها. فافهم! واللَّه يقول الحق وهو يهدي السبيل).
مضافاً إلى ما تقدم يمكن للقارئ أن يراجع ما ذكره ابن عربي في (الكلمة الهودية) عند تعليقه على الآية القرآنية (ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) حيث ذهب إلى أن الإنسان غير قادر على العيش بلا إله، وأنه بالرغم من اختلاف مسميات تلك الآلهة، فإنها تعود إلى الله الواحد؛ إذ كل ما يظهر في الوجود فهو تجلٍّ لله، وعليه فجميع البشر مهديّون إلى الصراط المستقيم؛ لأن من يقودهم هو الله. نعم، ما يعتقده الإنسان على أنه الله، إنما هو من صنعه وجعله بحسب استعداده ومنهجه. ولهذا فهو ينصح قارئه بأن لا يقصر إيمانه على اعتقاد في الله مخصوص وتكفير من لا يتفق معه عليه، إذ هو بذلك يفوّت على نفسه إدراك تجلٍّ له (= الله) في صورة أخرى. ومن هنا ينظر ابن عربي لموضوعة التكفير بنحو مختلف جذرياً عن كل من عداه. إن حقيقة "التكفير" في رأيه ما هي إلا حرمان للنفس عن مشاهدة الحقيقة، ونقص في استيعاب أشكال الاعتقاد بالله المتنوعة، وقلة لياقة وغرور في التعاطي مع الله تعالى. إن البشر في رأي ابن عربي لا يدركون من حقيقة الله إلا ما يقع ضمن إطارهم وتستوعبه عدستهم البشرية، وعليه: فالجميع يدركون جانباً من الحقيقة، والجميع مثابون من قبل الله على مساعيهم، والجميع سعداء بنيل الحق، والجميع يحظون برضوان الله.
من جهة أخرى نلاحظ قيم التعددية الدينية، أو التسامح الديني على الأقل، حاضرة بغزارة في الفكر الصوفي، وفي كلمةٍ جامعةٍ أوضح ابنُ عربي رأيه في هذه النقطة حين تحدث عن غايته من الرد على مخالفيه من المتكلمين، فقال: (وليس طريقنا على هذا بُنيْ، أعني في الرد عليهم [= المتكلمين] ومنازعتهم، لكن طريقنا تبيين مآخذ كل طائفة، ومن أين انتحلته في نحلها؟ وما تجلى لها؟ وهل يؤثر ذلك في سعادتها أو لا يؤثر. هذا حظ أهل طريق الله من العلم بالله، فلا نشتغل بالرد على أحد من خلق الله، بل ربما نقيم لهم العذر في ذلك للاتساع الإلهي، فإن الله أقام العذر فيمن يدعو مع الله إلها آخر ببرهان يرى أنه دليل في زعمه فقال عز من قائل (ومن يَدْعُ مَعَ الله إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ به) ... ) [الفتوحات المكية ط دار صادر: 1/ 204].
أما القضية الثالثة، وهي قضية المعاملة وأعمال البر، فإن نصوص التصوف في ذلك تفوق الإحصاء، حثّاً وتحليلاً وتنظيراً! لأن الصورة النمطية للتفكير الصوفي أنه يرى الخلق "عيال الله"، وأن قيمة الإنسان عند الله إنما تتسامى بمقدار تفانيه في خدمة خلقه. إن من بين أهم العناصر المشتركة التي تجتمع عليها أشكال التصوف الثلاثة، مقاومة "الامتثال الخلاصي" الذي يشيعه التطرف الفقهي حين يطالب بالانكفاء على المدوّنات الفقهية كمحفّز نهائي لجميع أنماط التدين. ففي نظر المتصوفة أن الحياة الروحية عصية على الاختزال في القراءة الحرفية للدين، وأن الأحكام الفقهية بوسعها تحجيم الإرادة الإلهية حين تحبس الإنسان في الإمتثال الطقوسي. إن تبجيل الإله كما يرى المتصوفة لا يكون عبر تنمية الدوافع الأنانية للإنسان وترغيبه بالنجاة الأخروية، بل عبر شعوره العميق بالخير وانخراطه الجاد في توقير الحياة البشرية وما يرتبط بها من قيم المشاركة والتعاون وأعمال البر وأخلاقيات التعاطف والتراحم، والمتصوفة إنما يستمدون أعظم أفكارهم ثراء في هذا المجال من تأويلهم العميق لأسماء الله وصفاته في التوحيد الإسلامي. وفي الوقت الذي تورط الكثيرون من أتباع "التصوف الفلسفي" في التنظير، حتى بات وكأن "التصوف" مجرد مران عقلي على التحليل المجرد، بلا روح ولا سلوك ولا اختلاط، توغل "التصوف الطقوسي" في ما يشبه الكرنفالات اللذائذية الجسدية التي لا صلة لها بالقيم، تحليلاً وتطبيقاً. ومع هذا فلا نعدم وجود صيغة "صوفية" متوازنة بوسعها الجمع بين هذه الأشكال الثلاثة، حيث يمكن للمرء أن يتقبّل خيارات الآخرين في أن يحييوا حياة النسك والعبادة، فيرى في ذلك شأناً شخصياً، وقد يخطو خطوة للأمام فيُعجب بالحضور الجمالي للأداء الاحتفالي لتلك الطقوس، كما بوسع المرء أن يقدّر الجهود النظرية الهائلة التي أفرزها التأمل الصوفي الفلسفي، كنوع من الإبداع الفكري الرصين في دراسة مشكلات الأطروحة الدينية في حياة الإنسان.
إنني على وعي بأن الأخلاق التي ترسيها الحداثة، وهي تأكّد بنحو متواصل على مركزية الفرد ومكانته كذات، وتتمسك بأهمية عنصري الحرية والاستقلال في تشييد مفهومها لما هو أخلاقي، قد لا توافق على الأطروحة التي تقدمها (الأخلاقيات الدينية) المتهمة بإشاعة أنماط من السلوك الامتثالي والدمجي المشبع بمفاهيم الطاعة والتماهي مع الغير، ذاتاً كان أو جماعة، والتي تنتهي في الغالب إلى (دكتاتوريات أخلاقية). ولكن هذا لا يمنعنا من النظر للجوانب الإيجابية في هذه الأخلاقيات حين تقدر على تخطي مأزق النسبوية المفرطة والمدمرة من جانب، وحين تعزز من قدراتها الفائقة في بعث الشعور بالحميمية البشرية.
لا شك إن الفكر الأخلاقي الإسلامي لا يمكن حصره في حقل معرفي واحد، كأن يكون تراثاً صوفياً، أو بحثاً عقائدياً كلامياً، أو بحثاً فلسفياً، أو تشريعاً فقهياً ... إلخ، إلا أنني فضّلت التركيز على التراث الصوفي، وذلك لم يأت مني انصياعاً وراء ما هو رائج في هذه الأيام، بل لأنني أجد هذا التراث أكثر قرباً مما بات معروفاً بعودة (الأخلاقيات المؤسسة على الدين). وإذا كان صحيحاً، وهو بالفعل صحيح بنحو مدهش، ذاك الاتهام التقليدي لفكرنا الديني الموروث بالمسؤولية عن ضياع هذه الأخلاقيات في حياتنا المعاصرة، لعدم استجابته لضرورات التحديث، فإن الإنصاف يدعونا للقول إن في تراثنا الصوفي من النماذج الأخلاقية ما تدفع عن التصوف تهمة الشراكة في هذا الضياع، وأظن أن فيما عرضته أعلاه ما يكفي لإثبات ذلك.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,514,872,661
- الإرث الفكري للمعتزلة بين التسنن والتشيع
- الجديد القديم في السياسة العراقية وأزماتها
- العهدان الملكي والقاسمي والعقل السياسي الشيعي
- للمنددين بالمظاهرات
- ويلفرد مادلونگ ونقص الترجمة في حقل الدراسات الشيعية
- هل نحن ناضجون؟
- كيف ندافع بنحو صحيح عن التفلسف الخلَّاق ؟
- هل كان الصدر سياسيا فاشلا؟
- مهنة الفيلسوف
- أحوال ملوك التتار المغول
- لماذا استهداف مساجد الشيعة؟
- الأنموذج الملهم بفعل الخير
- العرب على مفترق طرق اللاهوت
- البصرة والخليج الداعشي
- السلم أولاً
- المغمور من تراث الصدر الفقهي والأصولي .. جذاذات أبحاث منتظرة
- ما يشبه بيانات القمة
- مأزق الإله الرسالي
- المسألة الدينية ومحطات الوعي الثلاث في الثقافة العراقية
- إدارة التوحش


المزيد.....




- وزير الشئون الإسلامية السعودي: مصر من أهم ركائز الأمن والاست ...
- زعيم تنظيم الدولة الإسلامية البغدادي: العمليات اليومية تجري ...
- زعيم تنظيم الدولة الإسلامية البغدادي: العمليات اليومية تجري ...
- الأمم المتحدة: أقلية الروهينغا المسلمة مهددة بالإبادة في ميا ...
- مقتل 6 جنود في هجوم شنّه عناصر بوكو حرام في شمال الكاميرون ...
- مقتل 6 جنود في هجوم شنّه عناصر بوكو حرام في شمال الكاميرون ...
- انتخابات الكنيست تكشف الشرخ بين الأحزاب الدينية الإسرائيلية ...
- مقتل 6 جنود في الكاميرون بهجوم لـ-بوكو حرام-
- لأول مرة.. نتنياهو يتعهد بضم -المناطق اليهودية- في الخليل
- منظمة التعاون الاسلامي: رفضٌ وإدانةٌ لخطة نتنياهو ضم أجزاء م ...


المزيد.....

- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - علي المدن - التصوف ودوره في حياتنا المعاصرة