أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - تجمع اليسار الماركسي في سورية - طريق اليسار 88















المزيد.....



طريق اليسار 88


تجمع اليسار الماركسي في سورية
الحوار المتمدن-العدد: 5299 - 2016 / 9 / 29 - 20:45
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


طريق اليســـــار
جريدة سياسية يصدرها تجمع اليسار الماركسي في سورية / تيم /
* العدد 88أيلول-سبتمبر 2016 - mhd.s2012@gmail.comE-M: *


الإفتتاحية:
نقد العقل السوري المعارض

في عام 1980، عندما طرحت المعارضة السورية بشقيها الإسلامي والديموقراطي برنامجيها، كان ذلك بدلالة «الذات» وليس بدلالة «الآخر». كذلك عندما قام الشق الديموقراطي من المعارضة (التجمع الوطني الديموقراطي) في عام 1989، بتغيير البرنامج من «التغيير» نزولاً إلى «الإصلاح»، فقد كان هذا أيضاً من خلال دلالة «الذات» وممكناتها.
لم يعد الأمر كذلك في مرحلة «العهد الجديد» إثر وفاة الرئيس حافظ الأسد في 10 حزيران 2000، حيث بدأ نهجٌ، مازال يسود أغلب المعارضة السورية (الظاهرة الاجتماعية تصبح ظاهرة عندما تأخذ أكثر من النصف من الحالة الاجتماعية المعنية)، يتمّ فيه بناء السياسة بدلالة «الآخر»، لتتحرّك الذات وتبني تصوراتها وبرنامجها من خلاله. أول ما بدأ هذا عند «التجمع الوطني الديمقراطي» ــ ما عدا رياض الترك ــ وعند «جماعة الإخوان المسلمين» و«لجان إحياء المجتمع المدني» لمّا بنوا سياستهم على أساس «وجود تيار إصلاحي في القصر الرئاسي ضد التيار المحافظ الموجود عند الحرس القديم».
وحين خاب رجاؤهم من «الآخر» ضمن السلطة السورية، اتجه معظم هؤلاء ــ ما عدا «حزب الاتحاد الاشتراكي» والمعارضون في «الحزب الشيوعي ــ المكتب السياسي» ــ إلى «نهج الاستعانة بالخارج»، وبناء السياسة بدلالة «الآخر» (رأوه عند الأميركي المحتل لبغداد في 9 نيسان 2003)، للاستعانة به لإحداث تغيير داخلي سوري على غرار ما فعلت المعارضة العراقية ضد صدام حسين، بسيناريو عسكري أم بغيره. كان الملفت سقوط رياض الترك في نزعة بناء السياسة بدلالة «الآخر الأميركي» وتزعّمه لهذه النزعة السورية الجديدة.
كان تكوين «إعلان دمشق» (16 تشرين أول 2005) في هذا الاتجاه، نتيجة اجتماع النزعتين المذكورتين وتسيّدهما في صفوف المعارضة السورية، التي تشجّعت بعد ما جرى في بغداد (9 نيسان 2003) وبيروت (14 آذار 2005). عندما خاب رجاء هؤلاء في تكرار التجربتين البغدادية والبيروتية في دمشق بحكم الاتجاه الأميركي إلى «تغيير سياسات النظام السوري وليس تغييره»، استمروا على تلك النزعتين، وهو ما ظهر في بيان «الأمانة العامة لإعلان دمشق» (5 أيلول 2008) بخصوص زيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى دمشق، وفي مقابلة رياض الترك مع وكالة «رويترز» (31 أيار 2009)، حين ظهرت مراهنات على أن انفتاح ساركوزي ونظيره الأميركي باراك أوباما على السلطة السورية ستكون له انعكاسات إيجابية على الداخل السوري من حيث تخفيف القمع عند السلطة.
بعد فاصل قصير، استمر بين ما حصل في درعا يوم 18 آذار 2011 وبين أيلول 2011، كان هناك عودة إلى بناء السياسة عند كل المعارضين السوريين بدلالة «الذات» الذي رأوه في «الحراك» وفي البعد عن «الاستعانة بالخارج» بحكم قوة الداخل المتحرك في الشارع ضد السلطة، وبعد فشل ذلك الحراك الداخلي في إحداث تغيير داخلي ــ كما حصل في تونس (14 كانون الثاني 2011 والقاهرة 11 شباط 2011) ــ رأينا عودة قوية عند أغلب المعارضين، ما عدا «هيئة التنسيق الوطنية»، نحو بناء السياسة بدلالة «الآخر» ونحو «نزعة الاستعانة بالخارج»، وقد كانتا نزعة واحدة بحكم أن هذا «الآخر» كان هو «الخارج الأميركي ــ التركي».
منذ خريف 2011، أُضيفت نزعة جديدة إلى المعارضة السورية وهي عدم قراءة ميزان القوى كأساس في بناء السياسة، بوصف الأخيرة «عملية إدارة للممكنات». وقد ساعد اجتماع «الرهان على الخارج» مع «العنف المعارض المنظمّ البادئ في خريف 2011» على طغيان «نزعة إرادوية» على «نزعة إدارة الممكنات». وكان دخول المنشقّين عن المؤسسة العسكرية ــ وهم الجدد على العمل السياسي ــ و«معارضي ربع الساعة الأخير» وخاصة من المثقفين والإعلاميين و«المنشقين المدنيين عن النظام من أصحاب المناصب السابقة» ــ الذين يستخدمون التطرف المعارض لنظامهم السابق كغسّالة لغسل أوساخهم الماضية ــ بمثابة عوامل إضافية ساعدت على هزيمة «نزعة إدارة الممكنات» في المعارضة السورية. يضاف إلى هذا، ارتباط معارضين سوريين كثر بدول كبرى أو إقليمية رأت أن نشوب النزاع السوري يخدم أجنداتها الخاصة ــ كل تلك الدول كانت قريبة من السلطة السورية (تركيا 2004، قطر 2006، فرنسا 2008، الولايات المتحدة 2009) ــ ما جعلهم منساقين وراء لعبة أكبر منهم، تمنعهم من الرؤية أو لا تسمح لهم بالتعبير عن ما يروه إن كان مخالفاً لإرادة مشغليهم. كان هناك عامل إضافي ساعد على عدم القبض على الوقائع وانكفاء «نزعة إدارة الممكنات»، وهو وجود رؤوس في المعارضة هي بعيدة زمنياً لعقود عن التربة السورية، ما جعلها خارج الوقائع أو لا تستطيع مسكها معرفيّاً.

كل العوامل المذكورة، قادت المعارضين إلى غربة عن الوقائع الداخلية والخارجية، فهم لم يدركوا، ما عدا «هيئة التنسيق»، أن تشكل الحلف الأميركي ــ الأوروبي ــ التركي ــ الخليجي في «الصراع على سوريا وفي سوريا» منذ خريف 2011، قد أدى إلى تشكل استعصاء سوري ناتج عن تشكل حلف مضاد روسي ــ إيراني، أُضيف إلى الاستعصاء الداخلي المتشكل بحكم وجود انقسام الداخل السوري إلى أثلاث متساوية: موالاة ــ معارضة ــ تردد، منذ أحداث درعا 18 آذار 2011، وهو ما منع تكرار تجربة الرئيس المصري حسني مبارك في دمشق خلال ربيع وصيف 2011. كذلك، لم يدركوا عبر موسكو (7 أيار 2013) يومَ اتّفق وزيرا الخارجية الأميركي جون كيري والروسي سيرغي لافروف حول الأزمة السورية، بأنّ هناك انعطافة كبرى بحكم تلزيم المسألة إلى موسكو من قبل واشنطن، بكل ما يعنيه ذلك من انتهاء التلزيم الأميركي لتركيا منذ خريف 2011، وأن هذا يعني أن مضمرات «بيان جنيف 1» (30 حزيران 2012) ستكون لصالح بقاء الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية وليس رحيله. تأكّد هذا الاتجاه الأميركي ــ الروسي في الاتفاق حول تسليم الأسلحة الكيميائية السورية، بين كيري ولافروف (14أيلول2013) وكان من متضمنّاته الكبرى، التي ضمّنت بعد ثلاثة عشر يوماً في القرار الدولي رقم 2118، الذي بُني على ذلك الاتفاق وجعل «بيان جنيف1» ضمن متضمنات قرارات الأمم المتحدة.
عندما انعقد مؤتمر «جنيف 2» (2014) ــ وفقاً للقرار 2118 ــ كان من الواضح أن مندوبي «الائتلاف الوطني» مثل من يذهب إلى الحج في مكة في شهر صفر وليس في ذي الحجة. وفي مؤتمر «جنيف 3» (2016) أصبحوا ــ ومعهم العسكريون والمنشقون المدنيون ومنهم رئيس وزراء سابق للنظام (رياض حجاب) ــ واعين ومدركين لذلك الاتجاه الأميركي ــ الروسي، ولكنهم يحاولون عرقلته عبر إفشال المفاوضات ثم عبر «عملية الراموسة» في تموز وآب 2016، التي تهدف ــ عبر فرض وقائع عسكرية مضادة جديدة واقية ــ إلى إفشال «جنيف 3» أو منع حلول مفروضة من موسكو وواشنطن، شبيهة بما جرى في «اتفاق دايتون» الخاص بالبوسنة عام 1995.
في السياسة هناك أربع نماذج للسياسيين، الأول: يملك الحدس لاتجاه الرياح السياسية القادمة، والثاني: يدرك الوقائع السياسية أثناء وقوعها، والثالث: يدرك الوقائع السياسية بعد وقوعها، أما الرابع: لا يدرك الوقائع السياسية حتى بعد وقوعها وجريانها في مجراها. أحسن الموجودين في «الائتلاف» وفي «منشقي النظام السوري» هم من الزمرة الثالثة، والغالبية العظمى من الزمرة الرابعة، بينما ليس هناك أحد على الأرجح، سوى رياض الترك، من الزمرة الثانية، وربما هو من الأولى ولكن تمنعه «نزعته الثأرية من السلطة السورية بسبب السجن» من التسليم أمام قوة الوقائع وبناء السياسة بوصفها «إدارة للممكنات». مثال رياض الترك، يدلّ على مرض مستشرٍ عند المعارضين السوريين يقارب السرطان، حيث تقودهم «النزعة الثأرية» المستشرية عند غالبية السجناء المعارضين وعند منشقي النظام وعند الكثير من المتألمين من مظالم السلطة السورية، إلى نزعة بناء السياسة عبر «التعاكس مع النظام»، فهم عند كل نقطة نقاش يقولون «هذا يفيد النظام» أو«هذا يقوله النظام». هم ليسوا معارضين للنظام بل متعاكسين معه، وهم هنا بشكل أو بآخر يبنون السياسة بدلالة «الآخر» ولكن عبر التعاكس معه، غير مدركين أنهم يتوجّهون وفق سيره عبر «بوصلة مقلوبة»، وهو ما يجعل النظام السوري بمثابة «المرشد التعاكسي لهم».
هذا الاتجاه موجود أيضاً عند موالين حاليين للنظام، وعند معارضين سابقين للنظام أصبحوا موالين أو قريبين منه في مرحلة ما بعد درعا 18 آذار 2011، عندما يقودهم «الرهاب من الإسلاميين» إلى بناء السياسة عبر الاقتراب والتحالف مع كل من يتواجه مع الإسلاميين وبغض النظر عن موقع هذا المتجابه. ويمكن أن يقودنا الحديث عن إدراك اتجاه الرياح السياسية إلى مثلين: «حزب الاتحاد الديموقراطي»(pyd) الذي أدرك بعد القرار «2170» (15 آب 2014) بأن التركيز الأميركي في سوريا وعراق ما بعد «موصل 10 حزيران 2014» قد أصبح على «داعش»، لذلك أراد الصعود عبر هذا «الأسنسور»، وهو ما نجح في ذلك عبر «طوابق» عين العرب وتل أبيض ومنبج، متجهاً لتحقيق مشروعه الكرديّ الخاص بوصل الشريط الممتد من المالكية إلى عفرين، إما من أجل كيان منفصل أومن أجل جعل القامشلي مقابل دمشق بمثل وضعية أربيل مقابل بغداد ما بعد 9 نيسان 2003.
مقابل هذا الذكاء الكردي توجد حالة معاكسة، ففي هدنة 27 شباط 2016، منعت موسكو سقوط شرق حلب من أيدي المعارضة المسلحة لصالح السلطة وحلفائها، وهو ما كانت تقوله الوقائع العسكرية. وكان طلب موسكو هو أن تقوم المعارضة المسلحة الموجودة في «الهيئة العليا للمفاوضات» بفك ارتباطها مع «جبهة النصرة»، وبدلاً من القيام بذلك، بدؤوا في آذار هجوماً مشتركاً مع «النصرة» جنوب حلب، في أول خرق نوعي لاتفاق الهدنة. ولمّا عيل صبر موسكو من ذلك، قامت بدعم قواتها الجوية بقطع طريق الكاستيلو يوم 17 تموز، مستغلّة تداعيات محاولة الانقلاب التركي والاتفاق الأميركي ــ الروسي قبل يومين. وعوضاً عن فهم التصرف الروسي قامت المعارضة المسلّحة بالاصطفاف وراء زعيم «النصرة» ــ بعد تغيير قميصه من دون جسمه ــ وهاجموا الراموسة في عملية جعلت كل المعارضين العسكريين الموجودين في «الهيئة العليا للمفاوضات» ضمن كيان عسكري واحد مع «النصرة» تحت اسم «جيش الفتح»، وجعلت أبو محمد الجولاني (زعيم النصرة) في وضعية «أقوى شخصية معارضة سورية عسكرية»، في وقت ما زالت مفاعيل القرار 2170، الذي يضع «النصرة» و«داعش» ضمن لائحة الإرهاب الدولية، قائمة وهو ما أكد عليه اتفاق موسكو (15 تموز 2016) بين كيري ولافروف.
-------------------------------------------------------------------------------------------------------
الذكرى الرابعة لتغييب عبد العزيز الخيِر:

جريدة "السفير"
20-09-2016
عبد العزيز الخيِّر: اختطاف السلطة وغزوة المعارضة

فائق حويجة
لم يكن عبد العزيز الخيِّر رجلاً عادياً في تاريخ سوريا الحديث، وهو الذي أمضى ربع قرنٍ من عمره بين تخفٍ واعتقال قبل الإفراج عنه العام 2006. لكن هذه السنوات لم تثنه عن معاودة النضال في صفوف «حزب العمل الشيوعي» الذي قدّم رفاقه آلاف السنوات على مذبح الحرية ومناهضة الاستبداد، ولا عن الانخراط في سياق الانتفاضة السورية حتى اختطافه في 20 أيلول 2012.
لم تكن الصلابة الشخصية المُمتَحَنة خلال سنوات التخفي والاعتقال، ولا الضمير الإنساني النظيف، أبرز ميزات عبد العزيز، على أهمية ذلك، بل قدرته على تجاوز الوجع الشخصي كلّما تعلق الأمر بقضايا مصيرية، والجرأة في طرح الأفكار الكبيرة المعاكسة للشعبوي والسائد، من دون تكلّفٍ أو ادَعاء حكمة.
جاء موقف عبد العزيز من الانتفاضة السورية ومآلاتها المحتملة مركَّبَاً ومفتقراً إلى البساطة الساذجة ـ أو المتذاكية ـ التي ميّزت سياسيين أكثر ضجيجاً وأقلّ فاعلية. فمع انحيازه التام لمطالب المنتفضين في الحرية والكرامة والعدالة، رأى أن هذه الانتفاضة «إن تسلّحت تأسلمت، وإن تأسلمت، تطيّفت وتطرّفت». ولم تكن هذه الرؤية ناجمة عن جهد نظري مجرد بقدر ما كانت ناجمة عن قراءة متأنية للواقع السوري وتعقيداته: انشراخات المجتمع العمودية، الدولة الشمولية، تماسك المؤسسة العسكرية، الوطنية السورية، إسرائيل، التوازنات الدولية والموقع الجيوسياسي السوري، وسواها من عوامل متفاعلة سيشحذها التسلّح باتجاه ممرٍ إجباري، يبتدئ بالأسلمة لينتقل للتطيّف فالتطرّف فالإرهاب.
توصيف عبد العزيز المكثَّف لمآلات تسليح الثورة يجيب ضمناً على الأسئلة المتذاكية، من قبيل: من بدأ القتل؟ ومن الذي دفع للتسلح؟ إلى آخر ما هنالك من أسئلة بليدة، تخفي الوقائع بالسؤال عنها. ذلك أنَّ مجرد المساهمة بالحرب، عبر المناداة بالتسليح، من دون أخذ كامل خصائص الساحة السورية وتقاطع المصالح الإقليمية والدولية فيها، كان سيحوّل هذه الحرب إلى حرب استنزاف مجتمعية مفتوحة. وكان على المتذاكين الأشاوس الذين رفعوا عقيرتهم الثورية صارخين: «النظام من قادنا إلى التسلُّح والتطيُّف، ونحن أبرياء من ذلك»، أن يعوا أنهم ليسوا أبرياء، وإن كان النظام قد أراد ذلك. وأنّهم إمّا كاذبون أو بلهاء سياسياً، أو الاثنان معاً، لا لأن اليد الواحدة لا تصفق فحسب، بل لأنّهم برروا لكلّ من يقاتل النظام فعلته، مهما تكن الأجندات ما قبل الوطنية التي ينطلق منها، ومصادر تسليحه، وارتهان قراره للدولة التي تسلّح وتموّل، ثم توجّه وتقود.
لم يُقِمْ عبد العزيز رفضه التسلّح والعنف على رؤية تطهريّة أخلاقية مجرّدة، فهما أسلوب نضالي قد يُلجأ إليه في لحظة معينة، وحالة مشروعة في الدفاع عن النفس. كان رفضه ينطلق من يقينه بعدم قدرة السلاح، ضمن التعقيدات السورية، على حسم الصراع مقابل قدرته الأكيدة على تدمير بنية المجتمع السوري.
وبسببٍ من هذه الرؤيا، التي ترسم السياسة انطلاقاً من المصالح الاستراتيجية، بعيداً عن الاستبداد بداعي ضمان الأمن، أو الشعبويّات التي تتاجر بالدماء، وُوجه عبد العزيز بالتخوين من الجميع: من السلطة التي ضيّقت عليه باستمرار، ثم أنكرت اعتقاله حتى اللحظة؛ ومن المعارضات التي شيطنته، ثم اتهمته بالعمالة والخيانة، ثم آذته ضمن المسموح به من أسلحة العام 2012: سلاحُ البَيْض.
كانت «غزوة البيض» مؤشّراً على ضحالة المكان الذي وصلت إليه المعارضات عالية الصوت، وعلى ضرورة إعادة النظر في قضايا مثل: توحيد المعارضة على أرضية رؤية سياسية تقوم على تحقيق طموحات الشعب في الحرية والكرامة والمواطنة المتساوية، ضمن ممكنات الواقع وبعيداً عن الأوهام والأكاذيب التي ساهمت في هدر تضحيات الشعب على مذبح تجّار ثورة وثروة ولصالح دول إقليمية ودولية، آخر همومها قضايا مثل الديموقراطية أو الحرية. كما كانت هذه الغزوة المقدمة الأولى لقمع واختطاف وقتل الناشطين من قبل القوى المسلحة التي تقود «الثورة»، بحيث أصبحت مفاهيم الغزوات هي التعبير الأمثل عن روح الثورة وأصبح استحضار الإرهابيين مروان حديد وابراهيم اليوسف هو تجلّي الروح في التاريخ، من وجهة نظر الأشاوس الأكثر ثورية.
تساءل كثيرون بكلّ براءة، مع عبد العزيز قبل اختطافه، هل يَسعُ الشعب المنتفض المسالم أن ينتصر؟ وكان جوابه واضحاً: قد لا تنتصر الانتفاضة السلمية، لكنها ستؤسس للمستقبل وستستطيع انتزاع مكاسب مهمة بقدر ما تكون منظّمَة ومتحلية بالنفس الطويل وتقدّم النموذج السياسي والأخلاقي الجاذب لشرائح الشعب السوري، الرمادي أو الحيادي منه بصورة خاصة. والأهم من ذلك أن الحراك السلمي لن يسمح لأحدٍ من المنتفعين باسم الثورة أو من القوى الإقليمية أو الدولية بتوجيهه خدمةً لمصالحه، كما أنه لن يعطي ذريعة لأحد لدخول حربٍ دينية مقدسة ستفسّخ المجتمع بالضرورة.
الحراك السلمي المدني قد لا ينتصر، لكنه يضمن وحدة المجتمع السوري ويؤسس للمستقبل بالحدّ الأدنى، أما «الثورة المسلحة» فإنها سترهن المجتمع ككل لصالح الدول الإقليمية والدولية وليس لصالح الثورة. كما أنها ستطيّف المجتمع، عدا عن مئات آلاف القتلى وملايين المهجرين وبنية تحتية مدمّرة؛ وبذلك ستكون مهزومة حتى لو انتصرت عسكرياً.
تساءل آخرون، هم الأكثر دهاءً، كيف لنا أن نضحي بالعدالة والأخلاق ونتجاوز التضحيات والدماء التي سالت (كذا..)، بما يوحي بأنَّ الآخرين «السلميين» قد تسامحوا حيال الدم الذي سال، أو أنهم مسؤولون عنه، متناسين أن أصحاب الرؤيا هذه هم الأكثر تشدداً في عدم إهدار العدالة أو تجاوز الإطار الأخلاقي، وأنهم وحدهم من لم يقم باختلاق موعد الانتصار العظيم الآتي في رمضان القادم اعتماداً على بلاهات وأكاذيب.
أربع سنوات ونيف مرت على غزوة البيض، وما زالت الغزوات مستمرة.
أربع سنوات مرت على اختطاف عبد العزيز الخيِّر وما زال الإنكار سيّد الموقف.
--
وثيقة:

الهيئة العليا للمفاوضات
----------------------------
الإطار التنفيذي للحل السياسي
وفق بيان جنيف (2012(

أيلول/سبتمبر 2016



ملخص تنفيذي
تقدم الهيئة العليا للمفاوضات رؤيتها للإطار التنفيذي للحل السياسي في سوريا، والتي تمثل تصوراً شاملاً للعملية التفاوضية والمرحلة الانتقالية وللأسس العامة التي ينبغي أن يقوم عليها النظام السياسي الجديد لسوريا المستقبل، وللضمانات القانونية التي تحمي خيارات الشعب السوري، مع التأكيد على ديناميكية هذه الرؤية والاستعداد لتطويرها بما يغني منظورها أو يسهم في تحقيق تطلعات الشعب السوري بكافة مكوناته.
وتنطلق هذه الرؤية أساساً من الإيمان العميق لدى الهيئة العليا للمفاوضات بضرورة التنفيذ الأمين والصادق لبيان جنيف لعام 2012، وللقرارات الأممية ذات الصلة، ولسائر الموجبات القانونية في القانون الدولي.
كما تمثل الرؤية في مجملها استجابة لتطلعات السوريين إلى الانعتاق من الدكتاتورية، وصياغة عقد اجتماعي جديد لسوريا، وبناء نظام سياسي يحمي الحريات ويصون الحقوق الفردية، ويقوم على مبادئ الحرية والمساواة والمواطنة والعدالة من خلال تمثيل كافة مكونات وفئات الشعب دون تمييز أو إقصاء ديني أو مذهبي أو طائفي أو عرقي أو طبقي، وصيانة حقوقهم المشروعة ضمن إطار الهوية الوطنية الجامعة والوطن الواحد، وتتمتع فيه المرأة بكامل حقوقها العامة والفردية وضمان إسهامها الفاعل والمكفول دستورياً في جميع مؤسسات الدولة وهيئات ومواقع صنع القرار بنسبة 30 بالمائة.

تنقسم عملية الانتقال السياسي إلى ثلاث مراحل رئيسة؛ تبدأ المرحلة الأولى بعملية تفاوضية تمتد ستة أشهر، وتبدأ على أساس إقرار جدول الأعمال الذي يعكس المبادئ الواردة في بيان جنيف المنصوص عليها في قرار مجلس الأمن رقم 2118 وقرار مجلس الأمن رقم 2254، ويلتزم فيها طرفا التفاوض بهدنة مؤقتة، يتم من خلالها وضع الأسس العملية لتنفيذ قرارات مجلس الأمن، وذلك بالتزامن مع التطبيق الفوري وغير المشروط للفقرات 12و13و14 من قرار مجلس الأمن رقم 2254 لعام 2015 وسائر الموجبات المفروضة في القانون الدولي الإنساني، ولا سيما في اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولات التابعة لها، والتي تقضي بالكف عن ارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية ووقف الأعمال القتالية وجميع أنواع القصف المدفعي والجوي والهجمات غير القانونية على المدنيين، وفك الحصار عن جميع المناطق والبلدات، والسماح بتوصيل المساعدات الإنسانية، والإفراج عن المعتقلين وبيان مصير المغيبين قسراً في السجون، والالتزام بالقانون الدولي واحترام حقوق الإنسان، ووقف عمليات التهجير القسري وأحكام الإعدام، وعودة النازحين واللاجئين إلى ديارهم، واستحداث آليات لفرض ذلك في حال استمرار النظام في مماطلته، وتوفير الضمانات اللازمة من المجتمع الدولي لإنجاح العملية التفاوضية.

أما المرحلة الثانية فهي المرحلة الانتقالية التي تمتد لفترة سنة ونصف وتبدأ فور توافق طرفي التفاوض على المبادئ الأساسية للعملية الانتقالية، وتوقيع اتفاق يضع هذه المرحلة ضمن إطار دستوري جامع، يتضمن وقفاً شاملاً ودائماً لإطلاق النار، وتشكيل هيئة الحكم الانتقالي التي تستوجب رحيل بشار الأسد وزمرته الذين تورطوا بارتكاب الجرائم بحق الشعب السوري، ويتم العمل من خلالها على صياغة دستورٍ جديدٍ، وإصدار القوانين اللازمة لإجراء انتخاباتٍ إداريةٍ وتشريعيةٍ ورئاسية.
تتمتع هيئة الحكم الانتقالي منذ تأسيسها بسلطات تنفيذية كاملة تتضمن: إصدار إعلان دستوري مؤقت يتم تطبيقه على امتداد المرحلة الانتقالية، وتشكيل حكومة تصريف أعمال، وإنشاء مجلس عسكري مشترك، ومحكمة دستورية عليا، وهيئة لإعادة الإعمار، وهيئة للمصالحة الوطنية، وعقد مؤتمر وطني جامع، وإعادة هيكلة القطاع الأمني، والإشراف على إدارة الشؤون الداخلية، وتأسيس نظام إدارة محلية يقوم على مبدأ اللامركزية الإدارية، وضمان استمرار عمل الوزارات والمؤسسات والهيئات الخدمية والعامة في الدولة، وبقاء الموظفين في وظائهم لضمان سير هذه المؤسسات دون أية عراقيل، والتصدي للإرهاب ومكافحته، سواء كان من بقايا إرهاب الدولة الذي مارسه النظام في الفترة السابقة، أو إرهاب الأفراد والجماعات والتنظيمات، والقضاء على الحواضن الفكرية والتنظيمية التي تغذي التطرف والطائفية والاستبداد السياسي والفساد، وضمان خروج سائر القوات الأجنبية من البلاد.
ويتم في هذه الفترة التأسيس لنظام سياسي يقوم على مجموعة من المبادئ الأساسية، من أبرزها: سيادة سوريا واستقلالها وسلامة أراضيها، والدولة متعددة الأحزاب المبنية على الحرية والممارسة الديمقراطية والشمول والتمثيل والمواطنة، وسيادة القانون وحقوق الإنسان والمساءلة، واستحداث آليات فاعلة لاحترام حقوق الإنسان السوري وحفظ كرامته وضمان حقه في المشاركة الكاملة في العملية السياسية، واعتبار القضية الكردية قضية وطنية سورية، والعمل على ضمان حقوقهم القومية واللغوية والثقافية دستورياً، وإطلاق حوار وطني شامل لا يستثني أحداً.

وتؤذن نهاية المرحلة الانتقالية بتدشين مرحلة ثالثة تمثل انتقالاً نهائياً عبر تطبيق مخرجات الحوار الوطني والمراجعة الدستورية، وإجراء انتخابات محلية وتشريعية ورئاسية تحت إشراف الأمم المتحدة ودعمها الفني، وتبقى المبادئ الأساسية المحددة في الاتفاق المؤقت سارية المفعول بوصفها جزءاً من الدستور الجديد للبلاد، والذي يقوم على مبدأ المواطنة، وينص على: فصل السلطات، واستقلال القضاء، وحرية الاعلام، والحياد السياسي للجيش والقوات المسلحة وخضوعها للحكومة الشرعية المدعومة بأغلبية برلمانية، وإنشاء منظومة اقتصادية تراعي العدالة الاجتماعية ويستفيد منها جميع السوريين دون أي مفاضلة أو تمييز.

المحتويات
مقدمة
مبادئ عامة
أولاً: مرحلة التفاوض وإقرار المبادئ الأساسية للعملية الانتقالية
ثانياً: المرحلة الانتقالية
ثالثاً: الحالة النهائية
ملحق



مقدمة
تضع الهيئة العليا للمفاوضات بين يدي الشعب السوري رؤيتها لمستقبل البلاد من خلال عملية تفاوضية تفضي إلى إقرار مبادئ أساسية لمرحلة انتقالية تبدأ مع رحيل بشار الأسد وزمرته الذين تورطوا بإصدار أوامر بارتكاب الجرائم والمجازر بحق الشعب السوري عن السلطة وتولي هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات التنفيذية.
وتمثل هذه الوثيقة رؤية شاملة لمرحلة مفصلية من التطور البنيوي في سوريا عبر إنشاء منظومة حكم جديدة تحقق التمثيل العادل لسائر أبناء الوطن، وإعلان دستوري ينص على فصل السلطات واستقلال القضاء وحرية الاعلام، وتأكيد الحياد السياسي للجيش والقوات المسلحة وخضوعهما للحكومة الشرعية، وتحويل المؤسسات الأمنية من أجهزة قمعية إلى مؤسسات احترافية تصون سيادة الدولة واستقلالها وتحمي الحريات العامة.
وتعالج الوثيقة جملة من القضايا المجتمعية متمثلة بترتيبات الإدارة المحلية وإعادة اللاجئين والنازحين والمبعدين والمفصولين تعسفياً من أعمالهم، وإطلاق حوار وطني شامل، وتبني برامج المصالحة الوطنية، وردع النزعات الانتقامية عن طريق تأمين الحماية للمجموعات المستهدفة، إضافة إلى ضوابط دستورية وقانونية تتولى تطبيقها مؤسسات تعتمد آليات واضحة وفاعلة للمساءلة والمحاسبة وتطبيق العدالة الانتقالية، وضمان حقوق سائر المواطنين، وصيانة حقوقهم المشروعة ضمن إطار الهوية الوطنية الجامعة والوطن الواحد، وتمتع المرأة بكامل حقوقها العامة والفردية، وضمان إسهامها الفاعل في جميع مؤسسات الدولة وهيئات ومواقع صنع القرار.
وتشمل الرؤية وضع آليات عملية لضمان ممارسة هيئة الحكم الانتقالي كافة مظاهر سيادة الدولة في جميع المجالات، ومنع سائر أشكال التدخل الخارجي، وإخراج جميع المقاتلين الأجانب من ميليشيات طائفية وجماعات مسلحة ومرتزقة وقوات عسكرية أو شبه عسكرية تابعة لدول أجنبية من الأراضي السورية، وذلك بالتزامن مع تبني برنامج شامل للتصدي للإرهاب ومكافحته، سواء كان تداعيات إرهاب الدولة الذي مارسه النظام، أو إرهاب الأفراد والجماعات والتنظيمات، والقضاء على الحواضن الفكرية والتنظيمية التي تغذي التطرف والطائفية والاستبداد السياسي والفساد.
كما تتعرض في الوقت ذاته لتحديات: إعادة الإعمار، واستعادة البنية التحتية، وتوفير الخدمات الأساسية، وتنفيذ القرارات الدولية بشأن عودة جميع السوريين إلى وطنهم ومناطق سكناهم الأصلية، وإلغاء القرارات المتخذة بعد آذار من عام ٢٠١١ وما ترتب عليها من عمليات التجنيس (باستثناء تجنيس المواطنين الكرد في تلك الفترة) والاستملاك والتغيير الديمغرافي والترحيل الفردي والجماعي، وإبطال تدابير وقرارات مصادرة الممتلكات والتهجير القسري.
وتهدف الرؤية في مجملها إلى وضع أسس سليمة لعملية انتقال سياسي يفضي إلى مرحلة نهائية من الاستقرار السياسي والاقتصادي والمجتمعي من خلال استحداث إصلاحات في مؤسسة القضاء تتضمن حل المحاكم العسكرية والاستثنائية ومحاكم الارهاب وإلغاء أحكامها، وإلغاء جميع التشريعات القمعية المتناقضة مع قرارات الأمم المتحدة، وإصدار عفو عام وشامل عن الذين حوكموا غيابياً، والتمهيد لانتخابات بلدية ونيابية ورئاسية، وإصدار التشريعات والمراسيم المنظمة لتلك الانتخابات.


مبادئ عامة
ترتكز عملية الانتقال السياسي على التنفيذ الفوري وغير المشروط لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، ولا سيما القرار رقم 2254 لعام 2015، الذي تمت الدعوة لبدء العملية السياسية على أساسه، مع وجوب التركيز على التنفيذ الكامل للفقرات العاملة ذوات الأرقام 12و13و14 من هذا القرار باعتبارها التزامات قانونية يستوجب على المجتمع الدولي تنفيذها تحضيراً لانطلاق العملية السياسية، بالإضافة إلى الفقرات أرقام 15 و16و17 من القرار رقم 2118 لعام 2013.
وتشكل عملية الانتقال إلى نظام حكم جديد في سوريا الهدف الأساسي للعملية السياسية التفاوضية، وذلك وفق: بيان جنيف لعام 2012، والملحق الثاني من القرار رقم 2118 لعام 2013 والمستند إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 262/67 لعام 2013.
وتجسد عملية الانتقال هذه حلاً سياسياً عادلاً يلبي مطالب الشعب السوري ويحمي دولته ومجتمعه ويكفل حريات وحقوق جميع مكوناته وفق مجموعة من المبادئ الأساسية التي تتلخص فيما يلي:
1- سوريا جزء لا يتجزأ من الوطن العربي، واللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة، وتمثل الثقافة العربية الإسلامية معيناً خصباً للإنتاج الفكري والعلاقات الاجتماعية بين السوريين على اختلاف انتماءاتهم الإثنية ومعتقداتهم الدينية حيث تنتمي أكثرية السوريين إلى العروبة وتدين بالإسلام ورسالته السمحاء التي تتميز بالوسطية والاعتدال.
2- سوريا دولة مستقلة ذات سيادة، ولا يجوز اقتطاع أي جزء من أراضيها أو التخلي عنه، كما لا يجوز التخلي عن حقها في استعادة الأجزاء المحتلة منها بكافة الطرق المشروعة التي كفلها ميثاق الأمم المتحدة، وتلتزم بالعهود والمواثيق الدولية ومقتضيات عضويتها في الجامعة العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي وهيئة الأمم المتحدة والمنظمات المتفرعة عنها، وتسعى للمساهمة في الجهود الدولية لإقامة نظام دولي خالٍ من النزاعات وقائم على التعاون وتبادل المصالح وتقاسم المسؤولية في مواجهة التحديات والأخطار التي تهدد الأمن والسلم العالميين.
3- الشعب السوري هو مصدر السلطات، يمارسها من خلال انتخابات دورية نزيهة ينظّمها القانون، ويقوم نظامه السياسي على أساس الممارسة الديمقراطية والتعددية وتداول السلطة، والمواطنة التي تساوي بين جميع السوريين في الحقوق والواجبات من دون تمييز على أساس اللون أو الجنس أو اللغة أو القومية أو الرأي أو الدين أو المذهب، ويضمن التمثيل المتساوي لكافة المواطنين في مختلف المؤسسات التي يتم تشكيلها.
4- يقوم نظام الحكم على مبادئ الفصل بين السلطات، واستقلال القضاء وضمان الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين جميعاً دون تمييز، وحماية الحق في التعبير السياسي وحرية الإعلام وحق الوصول للمعلومات.
5- يُؤَسس العقد الاجتماعي في النظام الجديد على مبدأ المواطنة وتتمثل فيه مكونات الشعب السوري كافة، ويرتكز على صيانة الحريات العامة كحرية الاعتقاد وحرية الممارسة السياسية، والمساواة والعدالة وتكافؤ الفرص.
6- اعتبار القضية الكردية قضية وطنية سورية، والعمل على ضمان حقوقهم القومية واللغوية والثقافية دستورياً.
7- تلتزم الدولة السورية بالمعاهدات والمواثيق والعهود الدولية الخاصة بحقوق الإنسان وبخاصة تلك التي هي طرف فيها، كما تلتزم برعاية الحقوق الثقافية والدينية المشروعة لكل مكوناتها في إطار وحدة الدولة والشعب.
8- تعتمدالدولة السورية مبدأ اللامركزية الإدارية في إدارة شؤون البلاد بما يمنح أهالي كل محافظة ومنطقة دوراً في إدارة شؤونهم المحلية: الاقتصادية والمجتمعية والحياتية، ولا يؤثر سلباً على وحدة البلاد.
9- تعمل الدولة على تحقيق تنمية اقتصادية وبشرية مستدامة ومتوازنة، في إطار تكافؤ الفرص، والتوزيع العادل للدخل، ومكافحة البطالة والفقر، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وحماية البيئة.
10- تتمتع المرأة بكامل حقوقها العامة والفردية، وتضمن الدولة إسهامها الفاعل والمكفول دستورياً في جميع المؤسسات الرسمية وهيئات ومواقع صنع القرار بنسبة لا تقل عن 30 بالمائة.
11- تضمن المبادئ الأساسية لاتفاق المرحلة الانتقالية المشاركة الشعبية في صياغة السياسات الوطنية، واستحداث الآليات اللازمة لتحقيق ذلك، وتطبيق قواعد اتخاذ القرار بالتوافق فيما يتعلق بالإجراءات التشريعية والتنفيذية التي تؤثر على مكونات بعينها في المجتمع السوري، وفي حال تعذر ذلك يُتخذ القرار بأغلبية الثلثين.
12- تحقيق السلم الأهلي والمصالحة الوطنية، وردع النزعات الثأرية بواسطة ضوابط دستورية وقانونية تتولى تطبيقها مؤسسات تعتمد آليات واضحة وفاعلة للمساءلة والمحاسبة وتطبيق العدالة الانتقالية لتحقيق الإنصاف ورد المظالم إلى أهلها، وإلغاء كافة إجراءات وقرارات التجنيس التي تمت منذ آذار 2011 (باستثناء تجنيس المواطنين الكرد) وإلغاء قرارات الاستملاك التي تمت لغير السوريين منذ تلك الفترة.
13- منع كافة أشكال التدخل الخارجي، ونبذ سياسات التبعية والانحياز التي رسخها النظام، وإخراج كافة المقاتلين غير السوريين من ميليشيات طائفية وجماعات مسلحة ومرتزقة وقوات عسكرية أو شبه عسكرية تابعة لدول أجنبية من كافة الأراضي السورية.
14- تتمثل مهمة الجيش والقوات المسلحة في الدفاع عن الوطن وحماية أمنه واستقلاله وسلامة أراضيه، ويخضع في ذلك لقرارات الحكومة، ويُمنع على أفراد الجيش ممارسة النشاط السياسي أو الانتماء لأحزاب وتيارات سياسية ماداموا في الخدمة.
15- التصدي للإرهاب والقضاء عليه، سواء كان تبعات إرهاب الدولة الذي مارسه النظام، أو إرهاب الأفراد والجماعات والتنظيمات، وتعزيز الجهود الدولية في محاربة الإرهاب، والقضاء على المرتكزات الفكرية والسياسية والتنظيمية التي تغذيه كالتطرف والطائفية والاستبداد السياسي والفساد.


أولاً: مرحلة التفاوض وإقرار المبادئ الأساسية للعملية الانتقالية
1- تهدف المفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة إلى تنفيذ بيان جنيف لعام 2012، والقرارات الأممية الأخرى ذات الصلة، وخاصة منها قرارات مجلس الأمن (2118/2013) و(2254/2015) و(2258/2015)، وإلى الوصول إلى اتفاق انتقال سياسي كامل خلال ستة أشهر تبدأ على أساس اعتماد جدول الأعمال الذي يعكس المبادئ الواردة في بيان جنيف المنصوص عليها في قرار ي مجلس الأمن رقم 2118 و 2254.
2- يتعين تنفيذ الالتزامات الدولية من قبل طرفي التفاوض، بما في ذلك الالتزام في المرحلة التفاوضية بالامتناع عن استخدام أسلحة الحرب المحظورة، واستخدام البراميل المتفجرة والقنابل العنقودية والفوسفورية وأي نوع من الأسلحة الكيماوية وأية وسيلة من وسائل الإرهاب، ووقف الانتهاكات التي ترتكب بحق الشعب السوري، وفك الحصار عن المدن والمناطق المحاصرة فوراً ومن دون أي مماطلة وبشكل كامل لا انتقاص فيه، وتمكين الوكالات الإنسانية من توصيل المساعدات إلى جميع من هم في حاجة إليها، والإفراج عن جميع المعتقلين، ووقف جميع عمليات القصف الجوي والصاروخي والمدفعي والهجمات ضد المدنيين والأهداف المدنية، ووقف عمليات التهجير القسري، ووقف تنفيذ أحكام الإعدام، وبيان مصير المغيبين قسراً، وتأمين عودة اللاجئين والنازحين، وإعادة المفصولين والمبعدين بسبب آرائهم دون قيد أو شرط، وضمان تحقيق ذلك من خلال فرض رقابة دولية صارمة لمنع النظام وحلفائه من الاستمرار في انتهاك الحقوق الأساسية للشعب السوري.
3- يتزامن مع إقرار المبادئ الأساسية للعملية الانتقالية صدور قرار من مجلس الأمن يحظر أي عمل عسكري على الأراضي السورية خارج إطار محاربة الميلشيات الطائفية ومجموعات المرتزقة والجماعات الإرهابية المحددة في قرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
4- يتم الاتفاق في بداية المرحلة التفاوضية على هدنة تشمل جميع الأراضي السورية -دون أن يؤثر ذلك على أعمال مكافحة الإرهاب- ويتضمن وجود مراقبة دولية فعالة وإجراءات فرض امتثال واضحة على الطرفين، وصولاً إلى وقف إطلاق نار دائم مع بداية المرحلة الانتقالية.
5- لتعزيز فرض احترام الهدنة خلال المرحلة التفاوضية يتعين إلزام سائر القوات غير السورية بسحب كامل قواتها وفق جدول زمني محدد، وتعهدها باحترام استقلال وسيادة سوريا، وتكلف الأمم المتحدة قوات دولية محايدة بالإشراف على عملية الانحساب بالتنسيق مع هيئة الحكم الانتقالي فور تشكيلها.
6- يتضمن اتفاق المبادئ الأساسية للعملية التفاوضية اتخاذ إجراءات فورية لتحقيق العدالة الانتقالية والمساءلة والمصالحة وفقاً لبيان جنيف الذي يطالب في الفقرة 10 (د) بـ "المساءلة على الأفعال المرتكبة خلال هذا النزاع"، بالإضافة إلى "مجموعة شاملة من أدوات العدالة الانتقالية كتعويض ضحايا هذا النزاع ورد الاعتبار إليهم، واتخاذ خطوات من أجل المصالحة الوطنية والعفو".
7- يتطلب هذا الاتفاق إيقاف عمل بعض المؤسسات، الحكومية والتابعة، المتورطة في انتهاكات حقوق الانسان ريثما يتم إبرام اتفاق للمرحلة الانتقالية.
8- تتضمن المبادئ الأساسية للاتفاق السياسي حول المرحلة الانتقالية: إقرار إعلان دستوري يحكم المرحلة الانتقالية، ويضمن المشاركة الشعبية في صياغة السياسات الوطنية وتطوير الاليات لذلك .
9- يتمتع اتفاق الانتقال السياسي فور إبرامه بصفة دستورية معترف بها وطنياً ودولياً، ويتضمن وقفاً دائماً وشاملاً لإطلاق النار، وتشكيل هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات التنفيذية وفق: المادة (16) من القرار (2118/2013)، والفقرة (4) من القرار (2258/2015)، والمادة (2) من قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (262/67) بتاريخ 15 أيار 2013، والتي تقضي بنقل سلطات وصلاحيات رئيس الجمهورية والحكومة إليها، بما في ذلك سلطات رئيس الجمهورية على الجيش والأمن، على أن تبادر الهيئة، وبمجرد تشكيلها، إلى ممارسة هذه الصلاحيات مباشرة .
10- يلتزم المجتمع الدولي بالمساعدة في تنفيذ إجراءات بناء الثقة، وتوفير الدعم الفعال لإنجاح العملية السياسية وإعادة إعمار سوريا.
11- يقوم المجتمع الدولي برفع العقوبات الاقتصادية عن المؤسسات الحكومية والعامة لدى البدء في المرحلة الانتقالية، دون أن يشمل ذلك مجرمي الحرب ومن ساهم في انتهاك حقوق الشعب السوري والمدرجين على قوائم العقوبات الدولية والأوروبية والأمريكية، وتقديم مساعدات لتأمين عودة كريمة للاجئين والنازحين والمبعدين دون قيد أو شرط.
12- تلتزم الأمم المتحدة بضمان نجاح العملية الانتقالية من خلال إنشاء بعثة للأمم المتحدة لدعم تنفيذ الاتفاق.
13- في حال استمر النظام في انتهاك الحقوق الأساسية للشعب السوري ومخالفة القانون الدولي والتلكؤ والمماطلة لكسب الوقت أو إفساد العملية السياسية؛ فإنه يتوجب على مجلس الأمن أن يضطلع بمسؤولياته لتحقيق عملية الانتقال السياسي وفق القرارات الأممية السابقة وعبر إجراءات وتدابير ملزمة ومعتمدة دولياً، لتجنب وقوع أية آثار سلبية يمكن أن تنتج عن وضع سوريا تحت البند السابع.

ثانياً: المرحلة الانتقالية
14- تبدأ المرحلة الانتقالية بإنشاء هيئة حكم انتقالي تستوجب رحيل بشار الأسد وزمرته ممن تلطخت أيديهم بدماء السوريين، وتمتد لفترة سنة ونصف، ويتم التحضير من خلالها لعقد مؤتمر وطني شامل وإقرار دستور جديد للبلاد، وإصدار القوانين اللازمة وإجراء انتخابات إدارة محلية وتشريعية ورئاسية تؤذن بانتهاء المرحلة الانتقالية.
15- هيئة الحكم الانتقالي سلطة مؤقتة لا تقرر عوضاً عن السوريين، إنما تقتصر مهماتها على تأمين الشروط اللازمة لتمكينهم من التعبير عن إرادتهم الحرة في تحديد مستقبل بلادهم، وضرورة خضوعها للمحاسبة وضمان الشفافية في عملها.
16- تتولى هيئة الحكم الانتقالي -فور تشكيلها- كافة السلطات التشريعية والتنفيذية ومن ضمنها:
أ. الحفاظ على سيادة الدولة السورية على كامل أراضيها وصيانة استقلالها ووحدتها الوطنية بشكل كامل.
ب. ممارسة السلطة العليا على الأمور العسكرية والأمنية بما فيها الإشراف على المجلس العسكري المشترك.
ج. بسط السيطرة على الحدود، والنقاط الحدودية، والمطارات، والمعابر، وطرق المواصلات، ومنع تسلل العناصر الأجنبية داخل الأراضي السورية، والتنسيق مع دول الجوار فيما يتعلق بصيانة الأمن الإقليمي والأمن الدولي.
د. اتخاذ ما يلزم من إجراءات وقرارات لإخراج القوات غير السورية والميلشيات المسلحة ومجموعات المرتزقة والتنظيمات العسكرية وشبه العسكرية الخارجية ومحاربة التنظيمات الإرهابية.
ه. تمثيل الدولة السورية في جميع المحافل والمنظمات الدولية والإقليمية والقيام بمهام الشؤون الخارجية والعلاقات مع الدول.
و. إيجاد البيئة الوطنية المناسبة واللازمة لعملية الانتقال السياسي.
ز. وقف العمل بالدستور الحالي (الصادر عام 2012) وإصدار إعلان دستوري مؤقت لضبط المرحلة الانتقالية، وذلك لضمان الحرية والمساواة والعدالة وتكافؤ الفرص لجميع المواطنين رجالاً ونساء.
ح. تقوم هيئة الحكم الانتقالي بتشكيل لجنة مختصة لمراجعة جميع القوانين السورية ووقف العمل بالبنود التي تتعارض مع الاتفاق، وفي مثل هذه الحالات تسود بنود الاتفاق على التشريعات القائمة التي يتم تجميدها، خاصة فيما يتعلق باحتكار حزب البعث للسلطة في البلاد أو أية قوانين أو تشريعات أخرى ترسخ السلطة الدكتاتورية ولا تخدم الصالح العام، وترفع تقريرها إلى هيئة الحكم الانتقالي.
ط. إدارة الشؤون الداخلية، والإشراف الكامل على موازنة الدولة ومواردها المالية وضمان استمرار عمل الوزارات والمؤسسات والهيئات الخدمية والعامة في الدولة.
ي. ممارسة السلطات التشريعية بعد حل مجلس الشعب، وتجميد العمل بقانون الأحزاب إلى حين إصدار قانون جديد، وفرض الحراسة القانونية على ممتلكات الأحزاب المرخصة وتشكيل لجنة للبت في مصيرها. وفي حال وجدت هيئة الحكم الانتقالي أنها تحتاج لوضع تشريعات لمعالجة أمور تخضع للتشريعات المجمدة؛ تصدر تشريعات مؤقتة يكون لها قوة القانون.
ك. إلغاء القرارات التعسفية وما ترتب عليها من عمليات تغيير ديمغرافي أو ترحيل فردي وجماعي، وإبطال تدابير وقرارات مصادرة وحجز المملتكات والتهجير القسري، وحل المحاكم الميدانية ومحاكم الإرهاب وإلغاء أحكامها، وإلغاء كافة القوانين الاستثنائية التي تعارض القانون الدولي وحقوق الانسان ومنها القانون رقم ٤٩ وجميع ما ترتب عليه من نتائج وأحكام، وكذلك المراسيم والقوانين الاستثنائية التعسفية بحق الكرد السوريين ووضع الآليات اللازمة لمعالجة آثارها وتداعياتها.
ل. إزالة العوائق أمام وصول المساعدات الطبية والإنسانية إلى جميع المناطق.
م. تنفيذ القرارات الدولية المتعلقة بعودة السوريين غير المشروطة إلى وطنهم ومناطق سكنهم الأصلية، وتهيئة الظروف الملائمة لذلك.
ن. تشكيل لجنة لإعادة الإعمار، وتكليفها بوضع الخطط الكفيلة بذلك.
س. إعادة الجنسية لجميع السوريين الذين جردوا منها بموجب الإحصاء الاستثنائي لعام 1962 بمحافظة الحسكة، ومعالجة الآثار المترتبة على ذلك، بمن فيهم المكتومون والذين لم يتم تسجيلهم من السوريين وأبنائهم نتيجة الظروف التي تمر بها البلاد، وتشكيل لجنة عليا تتبع لهيئة الحكم الانتقالي لدراسة هذا الموضوع على أن ترفع قرارها لهيئة الحكم الانتقالي للبت فيه.
ع. إعادة النظر في عمل أجهزة الدولة التي تورطت بانتهاك حقوق الشعب السوري، واتخاذ الإجراءات اللازمة من حل وإعادة هيكلة وتشكيل.
17- النظام الأساسي لهيئة الحكم الانتقالي: تُشكّل هيئة الحكم الانتقالي لجنة خاصة مهمتها إعداد نظام أساسي لعمل الهيئة يراعي الاعتبارات التالية:
أ. بيان مرجعية الهيئة، وضمان دستورية عملها؛ من خلال الإعلان الدستوري الذي يتم إقراره والعمل به فور تولي هيئة الحكم الانتقالي مهامها.
ب. تحديد صلاحيات رئاسة الهيئة والأعمال المنوطة بأعضائها، والمؤسسات التي تتبع لها، وتنظيم العلاقة بينها وبين المؤسسات الانتقالية التابعة لها.
ج. تحديد آليات اتخاذ القرار داخل الهيئة ومدونة قواعد السلوك.
د. ضمان الشفافية والوضوح فيما يتعلق بتوزيع المهام وتحديد المسؤوليات.
18- عضوية هيئة الحكم الانتقالي: يتم تحديد عضوية هيئة الحكم الانتقالي بناء على الموافقة المتبادلة، وفق معايير يتم الاتفاق عليها في المرحلة التفاوضية.
19- تخصيص المقاعد: تقسم المقاعد في هيئة الحكم الانتقالي بما يضمن تمثيل سائر مكونات الهيئة العليا للمفاوضات باعتبارها الجسم المسؤول عن إدارة العملية التفاوضية بناء على قرارات مجموعة الدعم الدولية الخاصة بسوريا، وممثلين عن النظام ممن لم تتلطخ أيديهم بدماء الشعب السوري، وضمان تمثيل كافة شرائح المجتمع السوري.
20- معايير الأهلية: للترشح لعضوية هيئة الحكم الانتقالي يجب أن يكون الأفراد:
أ‌. لا علاقة لهم بأي من المنظمات الإرهابية حسب قرارات مجلس الأمن 2170 (2014)، و2178 (2014)، والقرارات الأممية ذات الصلة.
ب‌. ليسوا ضمن الأسماء التي أوردتها لجنة التحقيق الخاصة بسوريا باشتباههم في ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وليسوا ضمن قائمة الأسماء المتوافق عليها في الاتفاق، والتي يجب ألا تحتل منصباً منذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ.
ج. يتمتعون بقبول واسع من قبل المجتمع السوري.
21- تمثيل المرأة: تلتزم هيئة الحكم الانتقالي بتمثيل المرأة في جميع الكيانات والمؤسسات التي يتم تشكيلها بنسبة 30 بالمائة، والعمل على تمكينها في شتى المجالات.
22- اختيار رئاسة الهيئة: يتم اختيار أعضاء رئاسة هيئة الحكم الانتقالي بالانتخاب أو التعيين (بحيث يسمي كل مكون ممثليه)، ويتم تحديد عدد أعضاء الرئاسة في الاتفاق، وتحدد الشروط الناظمة لرئاسة هيئة الحكم الانتقالي من خلال اللجنة المكلفة بإعداد القواعد الناظمة لعمل الهيئة.
23- رئاسة هيئة الحكم الانتقالي: تتولى رئاسة هيئة الحكم الانتقالي مسؤولية تنظيم عمل الهيئة ووضع جدول أعمال اجتماعاتها، ومتابعة تنفيذ قراراتها، والإشراف على عمل المؤسسات الانتقالية التابعة لها والتواصل مع المجتمع الدولي.
24- تتولى رئاسة هيئة الحكم الانتقالي مسؤولية ضمان احترام المبادئ الأساسية للمرحلة الانتقالية، وتوكل إليها مهمة الفصل في الخلافات التي يمكن أن تطرأ بين مختلف المؤسسات الانتقالية العاملة تحت سلطتها.
25- قواعد اتخاذ القرار في رئاسة الهيئة: تعمل رئاسة هيئة الحكم الانتقالي على قاعدة التوافق، وفي حالة عدم تحقق ذلك يتم اتخاذ القرار بأغلبية الثلثين.
26- حكومة المرحلة الانتقالية: تعمل حكومة المرحلة الانتقالية تحت إشراف هيئة الحكم الانتقالي.
27- المجلس العسكري: تشكل هيئة الحكم الانتقالي مجلساً عسكرياً مشتركاً يخضع لإشرافها.
28- يعمل المجلس العسكري المشترك على ضبط الهيكليات العسكرية المحلية القائمة، ويضم ممثلين عن قوى الثورة وجيش النظام من الذين لم تتلطخ أيديهم بدماء السوريين، ويعمل المجلس بصفته قائداً لجميع العمليات العسكرية، ويضمن الالتزام بوقف إطلاق النار، وإخراج سائر القوى غير السورية والميلشيات الطائفية والجماعات المرتزقة من البلاد.
29- ينسق المجلس العسكري المشترك مع ممثلين عن الأطراف المقاتلة التي لها حضور معتبر على المستوى الوطني، ويعمل بصورة مؤقتة ضمن الهيكليات المحلية القائمة ريثما تستكمل عملية الدمج، وينشئ -عند الضرورة- هيئات محلية لوقف إطلاق النار.
30- يمثل المجلس العسكري المشترك تنوع المجتمع السوري بما في ذلك المناطق الجغرافية، وتتضمن عضويته أعضاء من فصائل الثورة وشخصيات عسكرية من الجيش والضباط المنشقين وتتولى هيئة الحكم الانتقالي عملية التعيين.
31- يتكون المجلس العسكري المشترك مناصفة من المعارضة والنظام، وتترأسه قيادة يتم تعيينها من قبل هيئة الحكم الانتقالي.
32- يتولى المجلس العسكري -ومن غير حصر- المهام التالية:
أ. الدفاع عن سيادة واستقلال البلاد وحماية وحدتها.
ب. إعادة هيكلة وبناء المؤسسة العسكرية على أسس وطنية وتأمين إدماج قوى الثورة وفعالياتها ضمن هذه المؤسسات، تحت إشراف هيئة الحكم الانتقالي.
ج. قيادة كافة العمليات العسكرية لحماية الحدود ومحاربة الإرهاب.
د. ضمان وقف إطلاق النار.
ه. تطبيق المعايير القانونية لضمان حماية المدنيين وخاصة في مناطق النزاع وبؤر التماس.
و. حماية البنى التحتية، ومؤسسات الدولة والموارد الوطنية بناء على تكليف من هيئة الحكم الانتقالي.
ز. إعادة الكفاءات والخبرات والعناصر المنشقة ودمج من يرغب من قوى الثورة ضمن تشكيلات وطنية احترافية،
ح. حماية الحدود والمعابر ومنع دخول العناصر غير السورية أو المساعدات إلى أية جماعات محظورة.
ط. تُشكّل لجان وطنية لمراقبة وقف إطلاق النار، وترفع تقاريرها إلى المجلس العسكري المشترك الذي يقدم تقاريره وتوصياته إلى هيئة الحكم الانتقالي.
ي. تبلغ لجان وقف إطلاق النار المجلس العسكري بالانتهاكات، ويقوم المجلس برفعها إلى هيئة الحكم الانتقالي لمعالجتها واتخاذ القرار المناسب بشأنها، وذلك بالتنسيق مع الأمم المتحدة التي تتولى مهمة الإشراف على وقف إطلاق النار، بطلب من هيئة الحكم الانتقالي.
ك. العمل مع البنى العسكرية المحلية بما فيها المجالس العسكرية المحلية على جمع السلاح وضمان حصر حق حيازته بيد الدولة.
33- محاربة الإرهاب: تمتلك هيئة الحكم الانتقالي، من لحظة تأسيسها وبموجب الاتفاق، السلطة العليا في محاربة الميلشيات الطائفية ومجموعات المرتزقة والمنظمات الإرهابية، ولها الحق في الاستعانة بالمجتمع الدولي بقرار يتخذ بموافقة ثلثي أعضاء الهيئة، وتضع الهيئة سياسة عامة لمحاربة الإرهاب والتصدي للفكر المتطرف.
34- لا تمنع هذه الرؤية من استمرار الجهود التي يقوم بها التحالف الدولي في محاربة الإرهاب، وفق صيغة يتم الاتفاق عليها مع هيئة الحكم الانتقالي.
35- المؤتمر الوطني السوري والسلطات التشريعية خلال المرحلة الانتقالية: يتم حل مجلس الشعب في بداية المرحلة الانتقالية وتضطلع هيئة الحكم الانتقالي بالمهام التشريعية خلال الفترة الانتقالية.
36- تدعو هيئة الحكم الانتقالي إلى عقد مؤتمر وطني سوري خلال مدة لاتزيد عن ثلاثة أشهر، ويتكون من أشخاص يمثلون مختلف مكونات الشعب السوري وقوى المجتمع المدني ومنظماته إضافة إلى شخصيات دينية وسياسية وثقافية ونقابية وفكرية لها حضور على الصعيد الوطني، وتمثيل السوريين في المهجر والشتات، وذلك وفق معايير يتم تحديدها في مرحلة المفاوضات، مع ضمان تمثيل المرأة بصورة مناسبة، ويقوم المؤتمر الوطني السوري بإطلاق عملية حوار وطني شامل لا يستثني أحداً من مكونات المجتمع.
37- يقوم المؤتمر الوطني بتشكيل لجنة لصياغة مسودة دستور جديد للبلاد بقرار من هيئة الحكم الانتقالي.
38- يضطلع المؤتمر الوطني بدور استشاري تجاه هيئة الحكم الانتقالي ويكون مسؤولاً أمامها عن وضع إطار الحوار الوطني السوري.
39- يُمنع وجود الأشخاص الذين تم الاتفاق على حظرهم من المشاركة في مؤسسات الحكم بسبب تورطهم في انتهاك حقوق الشعب السوري من عضوية المؤتمر الوطني في المرحلة الانتقالية أو أية مرحلة لاحقة.
40- المحكمة الدستورية العليا: تصدر هيئة الحكم الانتقالي قراراً بإعادة تشكيل المحكمة الدستورية العليا برئاسة شخصية مستقلة، وضمان استقلالها وحياديتها.
41- تصدر هيئة الحكم الانتقالي قراراً بإعادة تشكيل المجلس القضائي الأعلى وضمان استقلاله.
42- يتم إلغاء المحاكم الاستثنائية بما فيها -دون حصر- محاكم الإرهاب والمحاكم الميدانية، وإحالة اختصاصاتها القضائية إلى القضاء العادي.
43- تعتبر الأحكام الصادرة على خلفية النشاط السياسي ملغاة ولا أثراً قانونياً لها، ويتم تعويض المتضررين منها.
44- العدالة الانتقالية: تشكل هيئة الحكم الانتقالي لجنة تتكون من قضاة ومحامين أكفاء ومشهود لهم بالنزاهة ومن شخصيات اعتبارية تعكس التنوع المجتمعي.
45- تتولى اللجنة تنفيذ برنامج العدالة الانتقالية المحدد في بنود الاتفاق على المرحلة النهائية، وتبدأ بالحالات الملحّة لضمان المصداقية والاستمرارية في عمل اللجنة، ومراعاة القضايا الخلافية وإشكالية الموازنة بين جهود المصالحة من جهة والمحاسبة من جهة أخرى، وترفع اللجنة تقاريرها إلى هيئة الحكم الانتقالي، وتضمن عدم القيام بأية أعمال انتقامية أو تبني سياسات عقاب جماعي.
46- تقوم لجنة العدالة الانتقالية بعملها وفق المعايير الدولية للعدالة الانتقالية، وعليه يجب أن تدرس وتقترح آليات لضمان المحاسبة، وجبر الضرر للضحايا (مادياً و معنوياً)، وتحقيق الإصلاح المؤسساتي، واقتراح آليات التحقيق في التجاوزات والجرائم وحفظ السجلات المتصلة بانتهاكات حقوق الانسان.
47- لجنة المعتقلين والمفقودين: إنشاء لجنة لضمان الإفراج عن المعتقلين والبحث عن مصير المفقودين والمخطوفين، يعهد إليها بمهمة تقديم نتائج ملموسة تساعد في تحقيق ثقة السوريين بتحقيق انتقال حقيقي، وتوكل لهذه اللجنة مهمة مراقبة مراكز الاحتجاز وضمان الإفراج عن المعتقلين والبحث عن مصير المفقودين.
48- تعمل هيئة الحكم الانتقالي على انضمام سوريا إلى نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية والمصادقة على الانضمام لضمان عدم تكرار انتهاكات حقوق الانسان.
49- الإدارة المحلية: تعتمد هيئة الحكم الانتقالي تنظيم إدارة للمجالس المحلية ووضع هيكليتها وتشكيلها في مختلف المحافظات السورية، وفق تقسيمات جغرافية وإدارية تضمن تمتع السوريين بسائر الخدمات دون أي تمييز.
50- يقوم نظام الإدارة المحلية على مبدأ اللامركزية الإدارية في السلطات والمسؤوليات، وتتضمن الوحدات الإدارية: المحافظات، والمدن، والبلدات، والقرى، ويعيّن لكل منها مجلس محلي يتألف من عدد من الأعضاء المنتخبين حسب قانون الانتخاب الخاص بالإدارة المحلية، وتعمل من خلال مكتب تنفيذي، ويرأس رئيس الوزراء المجلس الأعلى للإدارة المحلية.
51- تتولى المجالس المحلية مهام: التنمية الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والعمرانية، المتوازنة والمستدامة لمنطقتها، بما في ذلك أعمال: التخطيط، والصناعة، والزراعة، والاقتصاد، والتجارة، والتعليم، والثقافة، والسياحة، والنقل، والري، والكهرباء، والصحة، والشؤون الاجتماعية، والعمل، والخدمات، والبيئة، وغيرها من المسؤوليات المحلية مع مراعاة حصة المحافظة من مواردها المالية.
52- تشرف هيئة الحكم الانتقالي على دمج المجالس المحلية في المناطق التابعة للمعارضة والنظام مع جهاز الحكم المحلي تحت إدارة موحدة بما يراعي توازن التمثيل.
53- تراعي سلطات الإدارة المحلية ظروف التنوع والاختلاف في أنماط الإدارة بين مختلف المحافظات وصعوبة معالجة بعضها على المدى القريب، وبناء على ذلك فإنه يتم الحفاظ على هيكليات الإدارة المحلية الفاعلة الرسمية وغير الرسمية حيثما وجدت.
54- العمل على توفير الخدمات العامة في المناطق التي لا يوجد فيها نظام إدارة محلية، والعمل على تشكيل مجلس وتنظيمه حيثما تطلب الأمر.
55- يقدم الإطار أيضاً مجموعة من المبادئ المشتركة التي تنظم عمل المجالس المحلية ومنها (من غير حصر):
أ‌. تحقيق التوازن في التمثيل بين مختلف فئات المجتمع وتحقق المساواة في المواطنة، وتوفير الخدمات دون أي تمييز.
ب. ممارسة كامل السلطات الممنوحة دستورياً في المحافظات والبلديات.
56- الحفاظ على مؤسسات الدولة وإصلاحها: يتم الحفاظ على مؤسسات الدولة وإصلاحها بما يضمن تكافؤ الفرص والتمثيل المتوازن فيها، ومحافظة الموظفين على وظائفهم بهذه المؤسسات لضمان استمرار عملها دون أية عراقيل.
57- صيانة كافة مؤسسات الدولة، والعمل على إصلاحها فيما يضمن تمكينها من أداء مهامها في خدمة الشعب السوري، وإعادة هيكلة وتشكيل المؤسسات العسكرية والأمنية والقضائية؛ على أساس الكفاءة والنزاهة والوطنية بهدف ضمان خضوعها للقانون والمساءلة والتزامها الدستور وحقوق الإنسان، وضمان الاحترافية وتعزيز التنوع، حيث تتولى هيئة الحكم الانتقالي تنفيذ برنامج إعادة الهيكلة والتشكيل المعتمد في اتفاق الانتقال السياسي.
58- سيتم محاسبة الأشخاص الذين تورطوا بانتهاكات جسيمة لحقوق الانسان وجرائم حرب بحق الشعب السوري، بما فيهم المسؤولين الأمنيين والعسكريين وفق القانون، واستبدالهم بشخصيات لم تتورط في ارتكاب أية انتهاكات إنسانية، دون تبني سياسة اجتثاث شاملة أو القيام بردود أفعال غير محسوبة، ويتم ذلك على أسس من النزاهة والكفاءة والتزام القانون.
59- الدعوة إلى مؤتمر دولي للمانحين، وإنشاء صندوق لإعادة إعمار البلاد وتعويض الأفراد والفئات المتضررة.

ثالثاً: الحالة النهائية
60- في نهاية المرحلة الانتقالية، يتم تطبيق مخرجات الحوار الوطني، وتجرى انتخابات محلية وتشريعية ورئاسية بإشراف الأمم المتحدة ودعمها الفني، وفق جدول زمني محدد، ويأذن ذلك ببداية مرحلة جديدة في سوريا تتمتع فيها بالحرية والأمن والاستقرار والسلام، وتبقى المبادئ الأساسية المحددة في الاتفاق سارية بوصفها جزءاً من الدستور.
ملف:الذكرى 34لانطلاق (جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية- جمول):

جورج حاوي: هكذا انطلقت أولى رصاصات “جمّول”

http://mahoudhoujeirie.blogspot.com/2016/09/blog-post_21.html


في السادس عشر من أيلول العام 1982، وبينما كانت القوات الاسرائيلية
تثبّت نقاط احتلالها لبيروت، خرجت الصحف اللبنانية ببيان حمل توقيع
الأمينين العامين للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي ومنظمة العمل الشيوعي
محسن ابراهيم بإعلان “جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية”.
البيان التأسيسي يمكن اختزاله بعنوان “إلى السلاح…”، وهي العبارة
المدوّية التي غسلت عن بيروت احباطها، فراحت تقاوم الاحتلال الاسرائيلي،
وأجبرته على الانسحاب السريع، بعد أقل من أسبوعين، من دون مفاوضات أو
شروط، في سابقة عربية، يحق لأبطال “جمّول” أن يفخروا بأنهم كانوا أول من
سطّر فصولها، بدمهم وعرقهم وتضحياتهم.
في مقابلة مع إذاعة “صوت الشعب” في العام 1999، روى الأمين العام الأسبق
للحزب الشيوعي اللبناني الشهيد جورج حاوي ظروف تشكيل “جبهة المقاومة
الوطنية اللبنانية”، وحكاية الرصاصات الأولى، وبيان الانطلاقة.
تحية إلى أبطال “جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية”، في الذكرى الرابعة
والثلاثين لانطلاقتها، والشهيد جورج حاوي، ينشر “بوسطجي” مقتطفات من تلك
المقابلة، وهي شهادة تاريخية، ربما لم يتسنّ لكثيرين سماعها، أو الاطلاع
على مضمونها:
قرار انشاء قوة عسكرية منظمة لمواجهة الاحتلال الاسرائيلي اتخذ مبكراً في
الحزب الشيوعي، وكانت بوادرها في الصراع الذي جرى خلال الأزمة الكبرى في
الحزب، والذي لم يحسم إلا في المؤتمر الثاني، على قاعدة وضوح موقفه من
القضية القومية بجانبيها المركزيين المتمثلين في مواجهة المشروع الصهيوني
في فلسطين وتحقيق الوحدة العربية.
ومن خلال إدراك الحزب الشيوعي، في مؤتمره الثاني، لطبيعة هذا المشروع
الصهيوني ومطامعه على الصعيد العربي، وخاصة بالنسبة إلى لبنان، واجه
الشيوعيون سياسة البرجوازية اللبنانية التي كانت تعتمد مبدأ “قوة لبنان
في ضعفه” في محاولة منها لعزل لبنان عن الصراع العربي -الإسرائيلي وكأنما
المسألة إرادية، بحيث يكفي لفريق واحد أن يعلن أنه ليس طرفاً في النزاع
لكي يلغي مفاعيله.
وقلنا إنّ عزل لبنان عن هذا الصراع غير ممكن، لا بل مستحيل، فحتى وإن
اخذت الحكومة اللبنانية موقع الحياد، فإن المطامع الاسرائيلية في لبنان
وطبيعة الصراع العربي – الإسرائيلي، وارتباط لبنان المصيري بالأمة
العربية سيجعلان منه ساحة للصراع، وبالتالي يجب ترتيب الوضع اللبناني على
قاعدة هذه المواجهة، وليس على وهم التلفت من موجباتها.
على هذا الأساس، دعونا إلى مهمات تتعلق بالسلطة اللبنانية، كتحصين
الجنوب، وبناء الملاجئ، وتعبئة القوى السياسية والعسكرية، واعادة النظر
في العقيدة القتالية للجيش اللبناني وتربيته واعداده، والتنسيق مع الدول
العربية كسوريا ومصر (آنذاك) والعراق، والجبهة الشرقية، وتنفيذ قرارات
الجامعة العربية في هذا الصدد، حيث سبق للجامعة العربية أن اتخذت قرارات
ايجابية شكلياً في هذا المجال.
قلنا أيضاً إنّ على القوى الشعبية أن تستعد، وفي ظل رؤيتنا لطبيعة هذا
الصراع، وفي ضوء تخاذل السلطة اللبنانية آنذاك، قررنا إنشاء صيغة شعبية،
اي خارج إطار السلطة الرسمية، يمكنها ملء الفراغ المتمثل في موقف السلطة
اللبنانية. فنشأ على قاعدة ذلك “الحرس الشعبي” في إطار مهمة مواجهة
العدوان الاسرائيلي على الجنوب، وتحصين قراه في مواجهة هذا العدوان،
وتحولت قوتنا العسكرية هذه في الجنوب، إلى نوع من العلاقة التحالفية مع
الوجود الفلسطيني، الذي ازداد في تلك الفترة أيضاً.
ولكننا كنا نستنتج تباعاً، وخاصة بعد عدوان العرقوب الأول، والاجتياح
الاسرائيلي في العام 1978، الذي ادى الى احتلال قسم عزيز من ارضنا في
البقاع الغربي والجنوب، أن المواجهة المباشرة على قاعدة الجبهة العسكرية
بين جيشين لن تكون في صالح القوى الوطنية والفلسطينية. وأمام قناعتنا
بحتمية وقوع عدوان اسرائيلي محتضن أميركياً، وحتى من قبل أطراف دولية
أخرى ورجعية محلية، وعدم قدرة المواجهة العسكرية على قاعدة جيش لجيش أن
تنتصر، فإن النتيجة الحتمية ستكون أن الاحتلال الإسرائيلي سيطال أجزاء
لبنانية واسعة، وبالتالي لا بد من تحضير القوى العسكرية لمبدأ القتال على
قاعدة حرب الأنصار، أي بعد استتباب الاحتلال، ومن وراء خطوط العدو، لكي
تربك قواته وتمنعها من التمركز، وتمنع عنها الراحة والاستقرار،
وتستنزفها، وتستنهض الوضع الشعبي والسياسي في مواجهتها، لتفرض عليها
الانسحاب.

على قاعدة ذلك، اتخذنا قراراً في اللجنة العسكرية في الحزب، ثم في المكتب
السياسي واللجنة المركزية، بتقسيم العمل العسكري إلى اربعة قطاعات:
– التشكيل الأول، وقد اسميناه “القوات”، وهي تشكيلات نظامية مدرّبة جيدة
ومقاتلة، اتخذنا قراراً بجعلها خمس كتائب بواقع كتيبة لكل محافظة.
– التشكيل الثاني، كان “الميليشيا” وهي تضم الرفاق المتطوعين، المساندين
لـ”القوات”، والمشاركين في المهمات لشهر أو أسبوع أو يوم بجانب الجسم
المتفرغ.
– التشكيل الثالث، وهو القوات الامنية، ومهمته ضمان أمن الحزب والقوات
المسلحة للحزب، في إطار مشاركتها في العمليات ضد العدو الاسرائيلي والحرب
الأهلية اللبنانية.
– التشكيل الرابع، اسميناه “القوات الخاصة”، وكان نواة المقاومة، التي
اعلنت بصيغة سياسية هي جبهة المقاومة الوطنية ضد الاحتلال الاسرائيلي.

وقام الحزب الشيوعي مسبقاً، أي قبل الاجتياح، وتحديداً منذ اجتياح العام
1978، بتحضير الكوادر والنواة القيادية في كل محافظة، وخاصة في الجنوب
وبيروت والجبل والبقاع، من أجل بناء هذه القوات الخاصة، أي هذه القوات
المقاومة للاحتلال، وقد مُنعت من المشاركة في العمليات العسكرية ضمن إطار
المجابهة المباشرة، كي لا تدمّر أو تستنزف أثناء تقدّم العدو، ولكي تكون
قادرة على العمل بعد استتباب الاحتلال.
وعندما بدأ العدوان الإسرائيلي، كان رأي الحزب الشيوعي واضحاً من خلال
استقرائه السياسي للاحداث والمعلومات التي حصل عليها، نتيجة علاقاته
الداخلية والعربية والدولية، أن الاجتياح لن يتوقف عند حدود الأربعين
كيلومتراً، كما كان مقرراً على الصعيدين الاقليمي والدولي، بل أن اسرائيل
ستطوّر هذا الاجتياح لتصل الى حدود بيروت بالذات، لتحقيق هدفين، الأول هو
اجلاء المقاومة الفلسطينية بشكل كامل عن لبنان، بكل ما لها من بنية تحتية
وتجهيزات ومقاتلين، والثاني تأمين وصول بشير الجميل إلى رئاسة الجمهورية،
وهو أمر لم يكن ليتحقق لو اكتفى العدو الاسرائيلي في احتلال شرق صيدا، أو
محاصرة صيدا أو حتى دخولها، إذ كان لا بد من احتلال بيروت حتى تتحقق هذه
المهمّة.
وعلى ضوء ذلك، سرّعنا اجراءات تنظيم المقاومة في بيروت والجنوب والجبل والبقاع.
وخلال اجتماعين للجنة المركزية، ترأسهما رئيس الحزب آنذاك الرفيق نقولا
الشاوي، تم اخذ قرار بإنجاز هذه الترتيبات لتكون المقاومة جاهزة
لعملياتها فور استتباب الاحتلال، وتسمية جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية
كشعار سياسي يؤطر ليس فقط الحزب الشيوعي، وانما ايضاً القوى الحليفة
والصديقة والراغبة في قتال الاحتلال الاسرائيلي، بمعزل عن نتائج هذا
الاحتلا في نسبة القوى الاسرائيلية من جهة،
والفلسطينية-السورية-اللبنانية المواجهة من جهة اخرى، حيث كان هذا
التعاون الثلاثي على أفضل حاله في ذلك الوقت.
ومن خلال ذلك، قمنا بترتيبات مع الرفاق في منظمة العمل الشيوعي وحزب
العمل الاشتراكي والتنظيم الشعبي الناصري وفصائل يسارية وناصرية أخرى
تحضيراً لهذه الأجواء، غير موهومين بنسبة القوى، ولكن واثقين بأن المهم
هو ارادة الصمود وارادة القتال، وأن هذه الشرارة ستؤدي إلى اشتعال الحقل
بكامله، ثم أن هذا الأمر سيصبح ككرة الثلج التي سرعان ما ستصبح ضخمة.
وعلى هذا الأساس، وعندما اكملت اسرائيل احتلالها لبيروت اثر مقتل بشير
الجميل، كنا قد اطلقنا الترتيبات النهائية لبداية العمليات العسكرية ضد
الاحتلال الاسرائيلي لبيروت، فقاوم رفاقنا هذا الاحتلال على محاور عديدة
من محور الكولا إلى محور وطى المصيطبة ومحور مستشفى بخعازي، حيث سقط لنا
ثلاثة شهداء، كتبوا بدمهم بيان جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية في
السادس عشر من ايلول العام 1982، وهم جورح قصابلي ( ومحمود )قاسم الحجيري
ومحمد مغنية. وكنت اسكن، والرفيق نقولا الشاوي، في منزل قريب جداً من
موقع القتال، على مسافة بضعة أمتار، وانتقل كل منّا، بعد ذلك، الى المكان
المحدد سلفاً للعمل السري، وذهبت للقاء بمن توافر، بعد الاتصالات، من
كوادر الحركة الوطنية في منزل القائد الشهيد كمال جنبلاط، لنقرر هذه
الخطوة بشكل مشترك. لم يتمكن من الوصول الى هناك سوى أنا والرفيق محسن
ابراهيم، فيما منع القتال نائب رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي الرفيق محسن
دلول من الالتحاق بنا، وكذلك الدكتور سمير صباغ من “المرابطون”، وآخرين
من الحركة الوطنية، وهنا كتبت انا، واذعت باسمي وباسم الرفيق محسن
ابراهيم، بيان انطلاقة “جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية” ضد الاحتلال
الاسرائيلي.
كان هذا الامر يبدو، بالنسبة إلى القوى السياسية الأخرى، مجرد موقف مبدئي
أو رمزي، أو مجرّد اعلان بالرغبة في قتال العدو، وكان الجميع تقريباً يشك
في امكانية نجاح هذه الخطوة على المستوى التطبيقي والعملي. قليلون جداً
كانوا يؤمنون بأن ارادة الشعب، عندما تتوافر لها قيادة ثورية، تستطيع أن
تحقق المعجزات. البعض الآخر اعتبر هذه الخطوة مجرّد هروب إلى الأمام،
ونوع من الجنون، أمام نسبة القوى الاسرائيلية، ومقولات من قبيل “الجيش
الذي لا يقهر” و”التكنولوجيا التي لا تقاوم” و”التغطية الجوية والبحرية
والارضية للعدوان”…. وكل منطق الهزيمة التي عوّدتنا عليها الجيوش العربية
والأنظمة العربية، والتي تكرّست أيضاً في بعض المواجهات غير المشرّفة
التي جرت في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي خلال اجتياحه للبنان، من القوات
المشتركة والمقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، حيث أن معارك
بطولية وقعت، ولكن انهيارات سريعة ايضاً حصلت، فزاد ذلك من الاحباط في
الجو الوطني العام.
من جهتنا، في القيادة السياسية للحزب الشيوعي اللبناني – اللجنة المركزية
والمكتب السياسي – كنا واثقين بأن هذه الخطوة هي الجواب التاريخي –
الثوري على الحدث التاريخي- الرجعي المتمثل باحتلال عاصمة لبنان، من قبل
اسرائيل، بحماية دولية ورعاية اقليمية.
وانطلاقاً من ذلك يمكن القول إن التحضير للعملية الأولى من اولئل الابطال
المبادرين، سواء في قيادة الحزب الشيوعي، او من العناصر المحضرة والمنفذة
للعمليتين قرب صيدلية بسترس ومحطة ايوب ومقر منظمة التحرير، بالاضافة الى
عملية نوعية قام بها الرفاق في الحزب السوري القومي الاجتماعي في مقهى
الويمبي في الحمرا… كلها كانت مقدمة لسلسلة عمليات فاجأت الاحتلال
الاسرائيلي، ومنعته من الانتشار والتمركز في بيروت، وظلت تلاحقه، حتى
اتخذ قرار الانسحاب الفوري، وبدأ يذيع عبر مكبرات الصوت، طيلة ليل
بكامله، متوجهاً إلى أهالي بيروت، لأنه لم يكن يعلم من أين تنطلق ضده
العمليات: “يا اهالي بيروت، لا تطلقوا النار علينا نحن منسحبون غداً”.
وتحت ضربات ابطال جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، فُرض اول انسحاب
للاحتلال الاسرائيلي عن ارض عربية من دون مفاوضات أو شروط، لتكرّس جبهة
المقاومة الوطنية اللبنانية بذلك بداية عصر جديد لنهوض حركة التحرر
الوطني العربية والحركة الثورية العربية الجديدة.
مرسلة بواسطة محمود الحجيري
--------------------------
فواز طرابلسي
شهادةعن فترة تأسيس «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية»

(الى ذكرى كمال البقاعي، الذي يعلّمنا ان التواضع والمثابرة ذروة الكفاءة
والنضالية، من اسف ان نكتشف ضخامة دوره في المقاومة بعد الوفاة. لكن هذا
من شروط ادائه المميّز.)
منذ بدء حصار بيروت، انصرف جهد المدافعين عنها الى التفكير في المرحلة
التالية والتحضير لها بكافة الوسائل. وكان ابرز المهمات طبعا تنظيم
مقاومة الغزو وقد تأكد انه ليس عملية مؤقتة بقدر ما هو احتلال قابل لأن
يدوم. وكان ابرز الصعوبات الانتقال من الوجود المسلّح العلني لتنظيمات
اليسار الى العمل المقاوِم سواء المدني السرّي او العسكري بكل مستتبعاته
البشرية واللوجستية والمعنوية.
توالت الاجتماعات لترتيب انطلاقة مقاومة الاحتلال في أواخر آب/اوغسطس
ومطلع ايلول/سبتمبر. انعقد آخرها في عيادة الدكتور حسني كالوت، الموضوعة
بتصرّف قيادة الحزب الشيوعي في منطقة كركول الدروز. حضر الاجتماع الرفاق
جورج حاوي وخليل الدبس عن الحزب الشيوعي ومحسن ابراهم وكاتب هذه السطور
عن منظمة العمل الشيوعي وحسين حمدان عضو المكتب السياسي لحزب العمل
الاشتراكي العربي، فرع لبنان. وتقرر فيه العمل المشترك بين التنظيمات
اليسارية الثلاثة تحت إسم «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» (جمّول)
وسمّي الرفاق الياس عطالله وزهير رحال وحسن حمدان مسؤولين عن الاشراف على
العمل المقاوم كل في تنظيمه على ان يتم التنسيق فما بينهم. وكان الرفيق
جورج حاوي هو من اقترح اسم جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية. كذلك إتفق
على ان يتولى خليل الدبس وفواز طرابلسي التنسيق بين الحزب والمنظمة على
اعتبار انه تقرر ان يتخفّى الامينان العامان. وقد علّق أبو أنيس على
الاتفاق ضاحكاً «كل الحركة الشيوعية الآن بيد أولاد مشغرة!». وجرى ايضا
التداول في إمكان ان يسكن الامينان العامان معا في مخبإ آمن مشترك. ولكن
صُرِف النظر أخيرا عن الفكرة وسكن كل منهما على حدة.
خلال تلك الفترة التحضيرية، انعقدت ايضا اجتماعات مشتركة عديدة بين
الامينين العامين للحزب والمنظمة وقادة فتح والجبهتين الشعبية
والديمقراطية قبل خروجهم من بيروت. وقد حضرتُ الاجتماع الاخير مع
الرفيقين جورج حبش، الامين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ونايف
حواتمة، الامين العام للجبهة الديمقراطية الشعبية لتحرير فلسطين، الذين
إنعقد في احد مقرّات ابو انيس السرّية، في الطبقة الرابعة تحت الارض من
مبنى كان لا يزال قيد البناء في شارع كليمنصو مقابل نزلة عين المريسة.
وقد إتفق في ذلك الاجتماع على ان تدعم الجبهتان المقاومة اللبنانية وان
يشارك مناضلو الجبهتين في عمليات المقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي على
الاراضي اللبنانية تحت إسم «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية».
في صباح يوم ١٦ ايلول/سبتمير، التقى الرفيقان جورج ومحسن في شقتي في
الزيدانية، وكنت فيها والرفيق زهير رحال، وتوجّها منها بعد ان إنضم
اليهما الرفيق مصطفى احمد (عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني
حاليا ) الى منزل كمال جنبلاط بإنتظار مجيء باقي قادة الحركة الوطنية.
ولما لم يتمكن احد غيرهما من الوصول، انتقلا الى مركز تجمع الشبيبة
الديمقراطية غير البعيد عن بيت جنبلاط حيث كتبا البيان وأرسلاه للنشر في
الصحف (انظر: مصطفى احمد، جريدة السفير، ٦/٨/٢٠٠٥).
هكذا انطلقت «جمّول». وانتشرت في سائر المواقع اللبنانية.
قاوم المدافعون عن بيروت الحصار الاسرائيلي وقاوموه عندما تقدمت قواته
لاحتلال عاصمة لبنان ولم يتركوه يرتاح طوال فترة احتلاله بيروت الى ان
غادر. لم يتجاوز وجود القوات الاسرائيلية في بيروت الاسبوعين. بدأت
بالانسحاب من بيروت يوم ٢٧ ايلول/سبتمبر، بعد ان مهّدت لمجزرة صبرا
وشاتيلا وأسهمت في تنفيذها وتغطيتها. لن ينسى من كان حينها في بيروت مشهد
الانسحاب. خرج الجنود الاسرائيليون محمّلين في شاحناتهم وآلياتهم تتقدمهم
سيارات «جيب» عليها مكبّرات صوت تهيب بأهل بيروت «لا تطلقوا النار علينا،
اننا منسحبون». كتب روبرت فيسك، مراسل «التايمز» اللندنية، في تقريره عن
ذلك اليوم ان الإنسحاب تم «في الوقت المناسب ... كانت عمليات الاغتيال ضد
افراد القوات الاسرائيلية في بيروت تتوالى بمعدل واحدة كل خمس ساعات.
وكان الجنود الاسرائيليون قد بدأوا يتورطون في حرب عصابات ضدهم.» (جريدة
التايمز، ٢٧ايلول/ سبتمبر ١٩٨٢ ). وسجّلت جريدة النهار في زاوية «اسرار
الآلهة » نبذة تقول إن عمليات «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» قد
عجّلت في اتخاذ العدو قراره بالانسحاب من عاصمة لبنان.
باقي القصة معروفة في خطوطها العريضة وإن يكن يعوزها التوثيق والتدقيق
وشهادات البطلات والابطال الذي صنعوها. ما هو ليس معروفا بما فيه الكفاية
عن بدايات «جمول» هو إسم شهيدها الاول: مهدي مكاوي، المقاتل في منظمة
العمل الشيوعي، الذي سقط مطلع تشرين الاول/اكتوبر على محور الشويفات خلال
كمين نصبه ورفاقه في «جمّول» للقوات الاسرائيلية المنسحبة من بيروت
والمتمركزة في المطار وجواره.
--------------------
الأربعاء، 14 سبتمبر، 2016
سعد الله مزرعاني : "الفرسان الثلاثة... جورج ورضوان وكمال"
http://mahoudhoujeirie.blogspot.com/2016/09/blog-post_59.html?spref=fb


الأسبوع الماضي كان أسبوعاً حزيناً بالنسبة إلى كثيرين. فقدنا خلال بضعة
أيام ثلاثة من الأصدقاء والرفاق الذين، في حقل كفاحي أو أكثر (سياسي، أو
ثقافي أو عسكري)، كانوا مناضلين أعلاماً. هم تركوا، بهذا القدر أو ذاك،
بصمات في غاية الأهمية. نتحدث عن القادة الثلاثة: جورج البطل، رضوان حمزة
وكمال البقاعي.
مارس الثلاثة تجربتهم الأساسية في الحزب الشيوعي اللبناني. بل إن تجربتهم
في الحزب، لولا بعض الانقطاعات بالنسبة إلى كمال البقاعي، استغرقت حياتهم
بأكملها.
في واقع الحزب الشيوعي، منذ انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، الكثير
من الفجوات والصعوبات، التي تحوّل بعضها الى أزمات متفاقمة، وخصوصاً في
العقد الأخير. القيادة السابقة التي تجاهلت الأزمة وفاقمتها عن وعي أو عن
سوء تقدير وتعامل، رفعت شعار "منكمل باللي بقيوا" لتبرير مسؤوليتها
المضاعفة عن دفع أعداد كبيرة من أعضاء الحزب إلى التخلي الواقعي عن
عضويته، بحيث أصبح عدد من بقي من أعضائه في التنظيم لا يتجاوز ثلث عدد
الذين كانوا في عضويته عندما تسلمت القيادة المذكورة زمام المسؤولية.
ووفق مبدأ "من ليس معي فهو ضد الحزب"، مارست تلك القيادة، التي استمرت
لمدة 13 سنة (خمس منها غير شرعية: بالمماطلة والتمديد والرهان على تيئيس
أعضاء الحزب...) سياسة فئوية بالمعنى الشامل للكلمة: تغذية عصبية عمياء
في ذهن رفاق يتميزون بحسن الطوية والنية دون الحس النقدي الضروري الذي
ينبغي أن يمتلكه مناضل "طليعي". ممارسة تعسف بدائي وتهريجي في محاولة
تكريس قيادة و"قائد" على الطريقة الكورية الشمالية.
هذا الطابع الفئوي كرَّس عزل الحزب وانقطاع صلاته بمن ينبغي أن يقيم معهم
علاقات تفاعل وتعاون وتحالف... كما أدى إلى فرض عملية فرز داخل صفوف
أعضاء الحزب على أساس الولاء أو العداء للقيادة: على حساب الكفاءة
والكفاحية والقدرة على القيادة والمبادرة. ثم، وهذا هو الأخطر، على حساب
دور الهيئات الشرعية وممارستها لمسؤولياتها في إدارة عمل الحزب. وكذلك
على حساب أصول العمل المكرسة في النظام الداخلي بحيث أصبح انتهاك هذا
النظام أمراً طبيعياً وفق مبدأ أننا "قيادة" ولسنا سلطة (كما جاء في
تقرير تبريري مكتوب!). لا غرابة في ذلك (!) إذ إن المجموعة المذكورة
استولت على قيادة الحزب من خلال عمل تكتلي انقلابي دُبِّر بأكثر من ليل،
وبوسائل غير مشروعة غالباً، وغير أخلاقية وغير رفاقية، في أحيان كثيرة.
في عجالة وتكثيف، يجمع بين الرفاق الثلاثة ابتعادهم عن مثل هذه الأساليب،
ومن ثمّ ابتعادهم عن العمل القيادي، لأسباب مختلفة، في المرحلة المذكورة.
أما من شارك منهم، كالرفيق رضوان، فقد شارك من موقع اعتراضي: هكذا كان
الأمر، بالنسبة إلى رضوان في المؤتمر العاشر، وكذلك في المؤتمر الأخير،
الحادي عشر، حيث فشل معظم أعضاء القيادة السابقة في الانتخابات الحزبية.
الواقع أن المواقف المذكورة لكل من جورج البطل، ورضوان حمزة، وكمال
البقاعي، كانت، عموماً، نتيجة لمسار سياسي وسلوكي مديد. فجورج البطل كان
يتفرد بحسه النقدي الدائم والحاد والطريف. عززت أهمية هذا النقد جرأة
صاحبه الأدبية ومعرفته الموسوعية المقرونتين بهمة كفاحية عالية، وبأريحية
اجتماعية كانت تُميِّزه، وتبعده، لسبب فيه وفي بيئته الاجتماعية وقناعاته
الفكرية، عن النمطية والعقد والتعقيدات. كان البطل لا يستثني أحداً من
انتقاداته: لا "الرفاق الكبار" (السوفيات)، ولا الرفاق المحليين، قياديين
أو سواهم. أدى ذلك إلى تحسس القياديين التقليديين منه واعتبره بعضهم غير
مستوف لشروط القيادة بمعناها التقليدي الذي كان سائداً في الحركة
العالمية. وقد جرت محاولات لإبعاده، كنت، بكل تواضع، ممن تصّدّوا لها
مدافعاً عن كفاءته وعمق معرفته وثقافته وعلاقاته ومحبة الرفاق والأصدقاء
له... في مراحل التحولات والانعطافات في لبنان والمنطقة وقبلها الانهيار
الكبير في موسكو، وفي مناخ الارتباك والتباين في مواقف قادة الحزب، ابتعد
جورج عن العمل القيادي وابتعدت القيادة السابقة عنه إلى حد القطيعة
والإهمال، وخصوصاً حين حاول التدخل المخلص لمنع بعض انحرافات قيادية في
الحقلين التنظيمي والسياسي: لم يحظ بمجرد استقبال!
في المراحل الأخيرة بدَّل البطل بعض قناعاته، وكان يعيش مرحلة انتظارية
ثقيلة وطويلة باحثاً عن "غودو" الجديد الذي لا يأتي من دون أن يستدعيه
مبادرون!!
رضوان حمزة كان شخصية مرهفة ونبيلة وشاعرة ومركبة بكل ما في الكلمة من
معنى. هو، عموماً، تقليدي المفاهيم العامة. لكنه، بالمقابل، يتمتع بقدرة
عالية على التفاعل والتواصل والحوار. المدهش أنه كان ينمّي في شخصيته
هاتين الملكتين معاً: المحافظة والانفتاح من دون أن تتصادما، كما أعتقد،
إلا في معاناته الشخصية. وهو كجورج البطل كان يفرح بالمواهب الجديدة التي
يصادفها: يشجعها ويتبناها ما تيسر له ذلك. أقول ما تيسر له ذلك، لأنه
عانى هو شخصياً من التهميش والإبعاد حين حاول البعض التعامل معه كموظف
وليس كمبدع وكحزبي في "جهاز" وليس كفنّان وكشاعر وكمخرج... لم يكن رضوان،
كالبطل، يقسو في ارتفاع صوته أو نقده، لكنه، مثله، كان محبوباً دون حدود
حتى من قبل الذين يتباين معهم في المنطلق والموقف والسلوك. وكلاهما جورج
ورضوان كان بعيداً عن المظاهر وطلب المواقع. في حالة رضوان، بلغ هذا
الزهد حدّه الأقصى إلى درجة أنه امتنع عن ممارسة دوره نقيباً للمرئي
والمسموع، اعتقاداً منه بأن ذلك سيعزز الانقسام القائم. سواه كان، وفق ما
هو سائد، استغل الموقع المهم المذكور للظهور والبيع والشراء!
موقعي في قيادة الحزب الشيوعي، سابقاً، كان يسمح لي بالاطلاع على دور
كمال البقاعي في المقاومة ومساهماته المميزة فيها. طبيعة عملنا كانت تفرض
عدم الوجود في المكان نفسه. سمعت الكثير عن تصميمه ومبادراته. أنصفه
الرفاق حين تحدثوا عن دوره الشخصي المؤثر في المقاومة. هذا الإنصاف ينبغي
أن يطاول المئات ممن عملوا في السر، بتفانٍ وتضحية وكفاءة، وساهموا في
صنع انتصارات المقاومة وانتصار لبنان على العدو الصهيوني.
من خلال انخراطه في العمل العسكري المقاوم ضد العدو، مارس كمال البقاعي
دوراً وطنياً وليس حزبياً فقط. هكذا فعل جورج البطل ورضوان حمزة حين
أخضعا الخاص للعام، والحزبي للوطني. هي تجارب تستحق الدرس لجهة صياغة
البرنامج وتحديد الأهداف وبلورة الأساليب. المشروع الحزبي هو، من حيث
المبدأ، مشروع خاص وقيد التبلور. يصبح مشروعاً وطنياً ناجزاً حين تتبناه
الأكثرية. لن يحصل ذلك بالفئوية والعصبية والانعزال والجمود... هذه آفات
تكاد تقتل ما تبقى من الأحزاب ومن لبنان على حد سواء. تجارب جورج البطل
ورضوان حمزة وكمال البقاعي وأمثالهم من المناضلين، الأموات والأحياء، في
غاية الأهمية لهذا الغرض.
------------------------------------------------------------------
فيسبوكيات:
حازم نهار

كل عام وأنتم بخير، كل أعياد السوريين أعيادنا.
قرأت بعض السخرية من "عيد الأضحى" وتقاليده وعاداته.
الساخرون ينظرون إلى أنفسهم على أنهم "علمانيون" و"تقدميون" و"متحضرون".
في الحقيقة، ينقسم هؤلاء الساخرون إلى أربع فئات: فئة الطائفيين، فئة العلاكين، فئة الواهمين، فئة تيوس الأيديولوجية.
1- فئة الطائفيين، منطلقها الانتماء الطائفي، فلا مشكلة لديها في طقوس رأس السنة والميلاد، والطقوس الحمورابية والفرعونية والفينيقية والجن الأزرق، مشكلتها كلها تنحصر في الإسلام.
2- فئة العلاكين، الذين ولدوا بعقدة الرغبة في التميز واحتقار عامة البشر، ويسمون وجهات نظرهم هذه "ثقافة"، هي في الحقيقة أقرب إلى التفاهة والسخافة.
3- فئة الواهمين، التي يعتقد أصحابها أنهم بسخريتهم قادرون على إنهاء تأثير الدين في حياة البشر: ربما لا يوجد شارع في فرنسا "العلمانية" يخلو من لقب "سانت/ قديس"، ما يعني أن المشكلة هي في وجود/ أو عدم وجود دولة وطنية حيادية، وليست في المظاهر والطقوس الدينية، وليست أيضاً في الدخول مع الدين نفسه في معركة خاسرة سلفاً.
4- فئة التيوس الأيديولوجية، وهي فئة حفظة شعارات البروليتاريا والصراع الطبقي والرفيق الشيوعي قدس الله سره، الفئة التي بنى أركانها دولاً اشتراكية دينية، استبدادية ومتخلفة، في طول العالم وعرضه، ولا تختلف عن دولة طالبان ونظيراتها.
أخيراً، ربما يعتقد هؤلاء "التقدميون" أن سورية كانت سائرة في طريق التقدم، وأن ما أعاقها هو طقوس عيد الأضحى! يا للتفاهة.
كل عام وأنتم بخير، كل أعياد السوريين أعيادنا.
-------------------------------------------------------------------------------------------------------


مقالات:
الديموقراطية التشاركية
- محمد أسعد -

ان كل من يريد الخوض في مفهوم الديموقراطيةسيراه شائكاً، وبالأخص الاشكاليات التي تنتج لدينا من جراء عدم مطابقة التعريف لإمكانية التحقيق ، وذلك ينتج بطبيعة الحال عندما نحاول أن نعرف الديموقراطيةبالعموم، لذلك يتوجب علينا التخصص أكثر وعدم الخوض في عموم المفهوم كي نتجنب الاشكاليات التي تضيع الوقت والجهد، ولأنه هناك الكثير من الانظمة الديموقراطية المتباينة ولا يمكن احاطتها في تعريف واحد شامل.
والجدير بالذكر أن الانظمة الديموقراطيةالحديثة -التي نشأت كفكر سياسي فلسفي بعد الثورة الصناعية- تتعدد ولكل تجربة منها خصوصية، وقد حصلت تغيرات عميقة جداً في الديموقراطيةنفسها نظراً إلى أن من يمثل الشعب في المجالس المنتخبة قد يكون أبعد ما يكون عن مصالح الشعب، وان الشكل الانتخابي يعني عملية التفويض الممنوحة للممثلين يجعل الهيئات المنتخبة خارج إطار النقد والرقابة إلا من خلال صناديق الاقتراع، وهذا سبب الكثير من أشكال الفساد، ويعتقد أن مثل هذا النموذج ما دفع الديموقراطيةعلى تكييف نفسها مع الواقع الجديد.
وفي ستينيات القرن الماضي، وبعدما تراءى لعلماء السياسة الأميركيين أن نموذج الديموقراطيةالتمثيلية النيابية يقلص من دور المواطنين في الحياة السياسية وعملية الانتاج السياسي بعد إدلائه بصوته في الانتخابات، بدأ التبشير بنموذج ديموقراطي آخر بديل وهو "الديموقراطيةالتشاركية" الذي يتضمن المشاركة الفعالة لمجموع المواطنين -الذي صار لزاماً على الدولة- ضمن حق المشاركة وحق التعبير، فلتحقيق شروط الديموقراطيةفإن الحقوق المتضمنة فيها يجب أن تكون متاحة فعلاً لكل المواطنين، وإن الوعد في الحقوق الديموقراطيةكتابةً في قانون أو وثيقة دستورية ليس كافياً لأنه يبقى "حبراً على ورق" بناءاًعلى ذلك تحول التركيز الرئيسي حول العمل الديموقراطيةمن الانتقال من ممارسة السيادة لمجموع المواطنين إلى الاهتمام بحماية حقوق الفرد والاهتمام بوسائل حماية الاقليات عوضاً عن وسائل حكم الاكثرية، ويمكن القول أن أهداف الديموقراطيةالتشاركية هو توسيع قاعدة المشاركة في العملية السياسية عبر تعظيم وتفعيل مشاركة كل المواطنين في عملية صنع القرار من دون الاعتماد الكلي على النواب المنتخبين أو اختزال الديموقراطيةفي عملية الاقتراع.
وقد جاء الاخذ الديموقراطيةالتشاركية كما وضحنا سابقاً نتيجة الانتقادات المتكررة للنظام الديموقراطي النيابي الذي لم يعد يوفر للمواطنين مكانة لائقة في الحياة السياسة سواء من الناحية المحلية أو من الناحية البرلمانية وبخاصة أن دور الناخب ينتهي بمجرد انتهاء عملية الانتخاب .
وقد كانت البرازيل من أول الدول التي تأسس لنموذج الديموقراطيةالتشاركية خلال فترة الستينات خاصة في مدينة (بورتوأليغري)* البرازيلية، التي شكلت أحد النماذج البارزة في الديموقراطيةالتشاركية، تبع ذلك اعتماد هذا النموذج في الدستور البرازيلي سنة 1988، وقد انتقلت عملية تطبيق هذا النموذج إلى الدول الاوربية خلال فترة الثمانينيات خاصة في بريطانيا واطلق عليها هناك اسم الديموقراطيةالتداولية وفي فرنسا اطلق عليها اسم الديموقراطيةالحوارية "de proximitè"،فالديموقراطية التشاركية تحاول أن تتجاوز مشكلة التمثيل في الديموقراطية اللبرالية وتحاول ان تضمن المشاركة الشعبية.
ويتوجب علينا تفصيل وتوضيح التجربة البرازيلية من أجل تبيان المعنى المقصود من المشاركة الفعلية للمواطنين في العمل السياسي وغيره، حيث كانت تتمثل تجربة البرازيل من خلال الميزانية التشاركية لمدينة (بونتوأليغري) التي بموجبها تقرر لجان للأحياء سلم الاولويات المحلية لترفعها إلى المستوى البلدي العام، وقد عملت هذه التجربة على اثبات أن تقليص التفاوت بين الطبقات الاجتماعية واعادة توزيع الثروات هما الاساس لاحترام حقوق الانسان وقد اعطت تجربة "الميزانية التشاركية" من خلال التعاون واللقاء والحوار والتصويت لسكان "بورتو أليفري" شعوراً بالمساهمة في تسيير أمورهم وشؤنهم وتحديد طبيعة حياتهم.
وطريقة العمل بالنموذج البرازيلي تكون أولا من خلال (الاجتماعات الجماهيرية)* التي تكون مع بدابة كل عام حيث يعود عمدة المدينة والمجلس البلدي للوقوف على رأي عامة الناس من خلال عقد اجتماعات جماهيرية يتم البحث خلالها عن ما انجز ولم ينجز في السنة الفائتة، ومن ثم تقوم هذه الاجتماعات الجماهرية الكبيرة بانتخاب ما يعرف بمجلس الميزانية، ومن ثم اقامة المجلس البلدي المنتخب بتكوين مجلس للميزانية المنبثق مباشرة عن القاعدة الشعبية،وهنا تكمن الخطوة الابداعية لهذه التجربة.
وقد تبدو الديموقراطية التشاركية على انها جديد فعلي للديموقراطية، غير انها تخفي في جوانبها العديد من الاشكاليات فهي تحدث القطيعة مع التجربة الاوربية الديموقراطية فهي تجربة آتيه من أميركا اللاتينية وربما لهذا السبب لم تلق الرواج لدى الاوربيين، ويمكن القول ايضاً انها آتية من مرجعية اشتراكية، وأيضا هناك ثم باهظ جداً للديموقراطية التشاركية آلا وهو الوقت، فعلى سبيل المثال إن كان كل شخص في التجمعات الجماهيرية سيتحدث لمدة عشر دقائق فإن مجموع عشرة آلاف شخص بحاجة إلى 1667 ساعة للإدلاء بآرائهم -وهذا أمر مُحال- ولكن من المعتاد أن عدد قليل من الناس يتكلم أما الباقين فيظلوا مستمعين لسبب أو لآخر، وهذا المثال يجعلنا نستخلص أن فرص المشاركة تتناقص بشدة كلما زاد عدد المواطنين.
اذاً ان الديموقراطية التشاركية قد أوجدت مخرجاً بالنسبة لموضوع التمثيل وغياب الرقابة الشعبية عن النيابيين وقد جعلت المواطن على علاقة وثيقة بحكومته، وقد استأصلت تلكالقطيعة بين الفرد و حكومته التي تسببا الديموقراطية التمثيلية النيابية، ولكنها أيضاً تغوص بإشكالية خاصة بها ألا وهي الوقت وحقيقة تلك التشاركية المزعومة.
------------------------------------------------------
(بورتو أليغري)*: مدينة تقع جنوب البرازيل، ويقطنها حوالي 1،5مليون نسمة، كانت في تسعينيات القرن العشرين المدينة الاولى التي نجح فيها حزب العمال بإدارة شؤون البلدية.
(التجمعات الجماهيرية)*: يحضر فيها ما بين 10000و15000 من السكان الفقراء والذين حسب الدراسات يرون أن الحكومة تلتزم بمخرجات لقاءاتهم وتنفذ المقترحات المتوافق عليها.
------------------------------------------------------

أن تفقد مسقط الرأس مرغماً
خليل صويلح
نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2016-09-09 على الصفحة رقم 9 – السفير الثقافي
في حال نجحت لعبة الخرائط الجديدة، في خلخلة تضاريس البلاد، فإن شخصاً مثلي ولد في «ريف الجزيرة السورية»، سيجد نفسه مرغماً بلا «مسقط رأس». وتالياً فإن عبارة «عاد إلى مسقط رأسه» التي تُستخدم في السيرة، ستكون عصيّة على التحقّق. كنت فقدت الأمل بزيارة أهلي بعد غزو كتائب الرايات السود المنطقة، وفرض تعاليمهم الصارمة على الأهالي بما لا أستطيع تنفيذه، بالإضافة إلى صعوبة عبور نحو ألف كيلو متر من الحواجز والكتائب المسلّحة وقطّاع الطرق، تفصل دمشق عن الحسكة، من دون مخاطرة.
باندحار البرابرة خارج حدود المدينة وريفها، استعدت مسقط رأسي ذهنياً، لكنني لم أهنأ طويلاً بهذه الفكرة. هجوم الأكراد على المدينة و «تحريرها؟» أربكني مجدّداً، من دون أن أفقد الأمل تماماً هذه المرّة، مستنجداً بذاكرة مضادة تذهب بعيداً نحو المرحلة التي كان يكتب فيها سليم بركات «القامشلي» في جندبه الحديدي، قبل أن يصححها في كتاباته اللاحقة إلى «قامشلو»! أفضّل الأولى على الثانية تلك التي تعني بالتركية «أرض القصب»، كما سوف استعيد وجوه الشعبة الثانية أدبي في «ثانوية أبي تمّام»، وذلك الخليط من الإثنيات المختلطة: من عرب، وسريان، وأكراد، وايزيديين، وآشوريين، وأرمن.
لا أعلم اليوم أين انتهت الدروب بأصدقاء الأمس: كخوشابا الآشوري، ويعقوب المسيحي، وعزو الكردي، وجاسم البدوي، وآخرين، لكن ما أتذكّره جيّداً هو أن مدرّب حصة الفتوة البعثي، كان يضطهدنا جميعاً بصرف النظر عن أصولنا، ولطالما تجاورنا في الباحة في تنفيذ عقوبة «الرقصة الروسية». كان «مقهى حيدو رزقو» الآشوري بكؤوس شايه الثقيل محطتنا الثانية، بعد أن نتناول وجبة الكباب في «مطعم طاووس» الكردي، أما دكان «توفيق طالاني» المسيحي لبيع الأقمشة، فكان عنواني البريدي لفترةٍ طويلة. في ذلك الزمن السعيد صفقنا جميعاً لبهلوانيات «جاك خابوط» وهو يتمدد تحت عجلات سيارة ثم ينهض سليماً، وكيف كانت «عطية» تسدد ضرباتها إلى مرمى الخصم في مباريات كرة السلة للإناث. وستكون رحلاتنا المدرسية الاستثنائية إلى «رأس العين» لزيارة نبع المياه الكبريتية، ثم قصر «أصفر ونجّار»، وهما مزارعان يتحدران من «ماردين» كانا أول من جلب زراعة القطن إلى المنطقة قبل أن تطيحهما قرارات التأميم الاشتراكية. بعدها سيجفُّ نهر الخابور، وستتسع مساحات التصحّر في القرى، وستذبل عناقيد العنب في كروم «تل تمر» لنفتقد النبيذ الآشوري، وستدمّر الكنائس بمفخخات البرابرة الجدّد، وسوف يهاجر معظم المسيحيين من القامشلي التي كانت يوماً ما «باريس الصغرى». الآن فقط سأكتشف أن هذه المنطقة كردية، وينبغي تحريرها وتهجير الأقوام الأخرى. ما هذا العبث؟ أيها الكردي دع لي مسقط رأسي فقط، فأنا لست وافداً من جبال طوروس إثر مجزرة ارتكبها الآخرون بحقك، أنا من احتضنك ضيفاً ووليفاً و «كريفاً» جرياً على أعراف العشائر المحليّة. مائة سنة لا تصنع تاريخاً أو أمة، والبرغل الكردي الشهي لا يكتمل طعمه من دون مزجه بالسمن العربي. أبي كان يرفض حصاد موسم قمحه إلى أن تصل حصّادة صديقه الكردي «شيركو»، وأعراسنا البدوية لا تشتعل إلا بموسيقى الدبكة الكردية. لا تتوهم دولةً محاطة بالأعداء من كل جهاتها، فكّر بالمواطنة أولاً، وبأن نتقاسم معاً القمح والقطن والنفط وعناق الأشقاء، مثلما كنّا نتقاسم النكبات والإهمال والضيم وطين كراجات الأرياف. من حقك أن تستعيد حنجرتك بالغناء الكردي، وأن تكتب بالكردية، ولكن لا تطعن هذه الجغرافيا بالميثيولوجيا المنسيّة. كنْ ذئباً ولا تكن ضبعاً، في الوقت الضائع للخرائط، فأميركا لا تُرضع أحداً من ثدييها وقت العطش. لا أريد لأصدقائي الأكراد أن ينجروا وراء الأوهام في بناء إمبراطورية متخيّلة، فالذخيرة الأميركية في تحرير «الأراضي المغتصبة» لا تُباع بالمجان، وستنفد يوماً، كما أنها ليست من أجل الحق في تقرير المصير. أخشى أن يكون هذا «الزحف المقدس» نحو»أرض الميعاد» المشتهاة، مصيدة لخنق الأنفاس، ودفن الألفة، وإيقاظ الخصومة، وذلك بتوجيه فوهات البنادق نحو الشمال بدلاً من الجنوب، لإزاحة العبء عن»أرض ميعاد» أخرى، بحروبٍ طويلة لن تبقي- في نهاية المطاف - أحداً، كي يرفع علماً على سارية.
آلة البزق بين أنامل العازف الكردي، تحتاج إلى ربابة الشاعر البدوي الجوّال كي يكتمل شجن الأغنية، بحنجرة إبراهيم كيفو السرياني، كذلك لن تكتمل حكاية «ممو زين» من دون سماع «فراقيات عبد الله الفاضل»، ومثلما اقتسمنا الحنطة والتمر واللبن والنبيذ والعجاج في الأمس، دعونا نتقاسم مسقط الرأس أيضاً، من دون رطانة الحواجز في مداخل المدن.
(روائي سوري)

-------------

-------------------------------------------------------------------------------------------------------


الموقع الفرعي لتجمع اليسار في الحوار المتمدن:
htt://www.ahewar.org/m.asp?i=1715




للاطلاع على صفحة الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي على الفيسبوك على الرابط التالي:
https://www.facebook.com/pages/الحزب-الشيوعي-السوري-المكتب-السياسي/1509678585952833





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,009,361,401
- طريق اليسار - العدد 87 آب / أغسطس 2016
- طريق اليسار - العدد 86 تموز / يوليو 2016
- طريق اليسار - العدد 85
- طريق اليسار - العدد 84
- طريق اليسار - العدد 83
- طريق اليسار - العدد 82 آذار / مارس 2016
- طريق اليسار - العدد 81
- طريق اليسار - العدد 80
- طريق اليسار - العدد 79
- طريق اليسار - العدد 78
- طريق اليسار - العدد 77
- طريق اليسار - العدد 76
- طريق اليسار - العدد 75
- طريق اليسار - العدد 74 تموز / يوليو 2015
- تصريح صحفي من رئيس مكتب الإعلام في (هيئة التنسيق الوطنية)
- طريق اليسار - العدد 73 حزيران / يونيو 2015
- طريق اليسار - العدد 72
- طريق اليسار - العدد 71
- طريق اليسار - العدد 70
- طريق اليسار - العدد 69


المزيد.....




- ماذا قال ترامب عن -موت- جمال خاشقجي ومكان جثته؟
- الاتحاد الأوروبي يطالب بتحقيق شامل في مقتل خاشقجي
- المشهد- مع سمير جعجع-
- الاتحاد الأوروبي يطالب بتحقيق شامل في مقتل خاشقجي
- التهاب الغدد اللعابية يتطلب العلاج السريع
- عسيري والقحطاني.. متهمان مثاليان في رواية غير مثالية
- -أنصار الله- تقصف الجيش اليمني بصاروخ محلي شمال غربي حجة
- والي دارفور يكشف دور قطر في مسألة استقرار بلاده
- بعد مشروع -الذاريات-...اجتماع عسكري أمريكي قطري
- الكشف عن المظاهر الأولى لبداية كارثة مناخية عالمية


المزيد.....

- نظرة على الأوضاع الاقتصادية في الضفة والقطاع (1-2) / غازي الصوراني
- كيف ساهم -اليسار الجديد- بصعود -اليمين-؟ / فرانسيس فوكوياما
- مدخل في الاقتصاد السياسي للعراق الدولة الريعية من المركزية ا ... / مظهر محمد صالح
- الحكم الصالح وإدارة الدولة / جاسم محمد دايش
- صلوات سياسية ونصوص متنوعة الكتاب / أفنان القاسم
- الإخفاقات الذريعة ونصوص متنوعة الكتاب / أفنان القاسم
- الضعف الاستراتيجي لقطاع السياحة في مصر / مجدى عبد الهادى
- الفيدرالية في اليمن.. ماضياً وحاضراً (ورقة بحثية) (الحلقة ال ... / عيبان محمد السامعي
- Dialog oder Crash der Kulturen in Deutschland? / كاظم حبيب
- مدخل إلى الفلسفة الماركسية 6-12 قوانين الديالكتيك.. / غازي الصوراني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - تجمع اليسار الماركسي في سورية - طريق اليسار 88