أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي - كريم اعا - النظام التعليمي بالمغرب (2).















المزيد.....



النظام التعليمي بالمغرب (2).


كريم اعا
الحوار المتمدن-العدد: 5297 - 2016 / 9 / 27 - 16:09
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي
    


المبادئ الأساسية للميثاق الوطني للتربية و التكوين.
يعد الميثاق الوطني للتربية و التكوين المرجعية الأساس لفهم الإصلاح التربوي و النظام التعليمي بالمغرب. و إذا كانت صياغته كما أشرنا تأتي في إطار متغيرات محلية و خارجية حملت الشأن التعليمي إلى واجهة الاهتمامات، فإنه جاء ليساير المستجدات الاقتصادية و السياسية و الاجتماعية التي تعرفها بلادنا بعد مجموعة من الأزمات التي انعكست سلبا على الجسم التعليمي، و التي كان من تجلياتها اللجوء إلى مسلسل التقويم الهيكلي مع منتصف الثمانينات. و ما أفرزه ذلك من تعليم هش ورديء انتهى بدوره إلى التفكير في إصلاح تربوي بمنظور شمولي تتكلف بصياغته لجنة من المجتمع السياسي و المدني إلى جانب رجال المقاولة و التعليم و الإدارة.... الخ.
الأهمية المتزايدة لهذا الميثاق تفرض علينا الوقوف عنده لنتعرف ماهيته، مبادئه و مرتكزاته. و أخيرا مواطن قوته و ضعفه إن وجدت.
الميثاق الوطني منظومة إصلاحية تضم مجموعة من المكونات و الآليات و المعايير لتغيير النظام التعليمي و التربوي و تجديده على جميع الأصعدة و المستويات قصد خلق مؤسسة تعليمية مؤهلة و قادرة على المنافسة و الانفتاح على المحيط السوسيو اقتصادي، و مواكبة كل التطورات الواقعية الموضوعية المستجدة، و التأقلم مع كل التطورات العلمية و التكنولوجية ولاسيما في مجالات : الاتصال و الإعلام و الاقتصاد.
و يعتبر الميثاق مشروعا إصلاحيا كبيرا و أول أسبقية وطنية بعد الوحدة الترابية، و عشرية وطنية (2001-2010) لتحقيق كافة الغايات و الأهداف المرسومة من إخراج البلد من شرنقة التخلف و الأزمات و الركود و الرداءة إلى بلد متطور حداثي منفتح تسوده آليات الديمقراطية و الجودة و القدرة على المنافسة و المواكبة الحقيقية ( ).
و سأعمل على عرض المبادئ الأساسية للميثاق ضمن ثلاثة مطالب، يتضمن أولها المرتكزات الثابتة و ثانيها الغايات الكبرى، بينما ثالثها يعرض لحقوق وواجبات الأفراد و الجماعات.
1.المرتكزات الثابتة لميثاق التربية و التكوين.
يهتدي نظام التربية و التكوين للمملكة المغربية بمبادئ العقيدة الإسلامية و قيمها الرامية لتكوين المواطن المتصف بالاستقامة و الصلاح و المتسم بالاعتدال و التسامح، الشغوف بطلب العلم و المعرفة في أرحب آفاقهما، و المتوقد للإطلاع و الإبداع، و المطبوع بروح المبادرة الإيجابية و الإنتاج النافع ( ).
فالمواطن المراد تكوينه مطالب بتمثل العقيدة الإسلامية فكرا و ممارسة، و الدفاع عن قيمها المناهضة للتطرف و التعصب و الداعية إلى الاستقامة و الصلاح. كما أن السعي إلى طلب العلم و المعرفة، وربط ذلك بالإبداع و الإنتاج النافع من الأمور التي تشكل مرتكز مغاربة الغد. إن هذا يدل على أن التعليم تعبير عن العلاقات الاجتماعية القائمة في مرحلة تاريخية معينة، وما تفرزه من تمايزات و توترات. فالحقل التعليمي ترجمة لرهانات سياسية و لتوجهات إيديولوجية تحاول أن تجعل من نفسها مركز إجماع.
يلتحم النظام التربوي للمملكة المغربية بكيانها العريق القائم على ثوابت و مقدسات يجليها الإيمان بالله وحب الوطن و التمسك بالملكية الدستورية؛ عليها يربي المواطنون متشبعين بالرغبة في المشاركة الايجابية في الشأن العام و الخاص وهم واعون أتم الوعي بواجباتهم وحقوقهم متمكنون من التواصل باللغة العربية، لغة البلاد الرسمية تعبيرا و كتابة، متفتحون على اللغات الأكثر انتشارا في العالم، متشبعون بروح الحوار و قبول الاختلاف، و تبني الديمقراطية في ظل دولة الحق و القانون ( ).
فالميثاق يؤكد على الدور المحافظ لنظام التربية و التكوين، و إن كان يدعو إلى تبني قيم " الديمقراطية" و يتشبث بدولة الحق و القانون في انسجام تام مع التطورات السياسية و الاجتماعية التي يعرفها المغرب. إن المقدسات الدستورية تجد صداها في مختلف بنود الميثاق الوطني للتربية و التكوين.
على أن تركيزه على اللغة العربية لم يجعله يغفل ضرورة الانفتاح على لغات العصر الأخرى و ما يستتبع ذلك من تبني قيم الحوار و قبول الاختلاف و الاعتراف به كمعطى حضاري لا يمكن تجاوزه.
يتأصل النظام التربوي في التراث الحضاري و الثقافي للبلاد، بتنوع روافده الجهوية المتفاعلة و المتكاملة؛ و يستهدف حفظ التراث و تجديده، و ضمان الإشعاع المتواصل به لما يحمله من قيم أخلاقية و ثقافية ( ).
يؤكد الميثاق على العلاقة الجدلية بين النظام التربوي و التراث الثقافي للبلاد. كما يفرد مكانة خاصة لروافد الثقافة الوطنية و التي ليست إلا التعبير عنة التنوع الثقافي بالمغرب.
و كأي نظام تربوي، فهو يسعى إلى الحفاظ على هذا الإرث و ضمان استمراريته و إشعاعه. إنها إحدى الوظائف الأساسية للمدرسة في هذه المرحلة التاريخية المتسمة بكثافة التأثيرات الثقافية و هيمنة الفكر الواحد : فكر الليبيرالية المعولم. فلا مكان للثقافة المحلية في منظور هذا الفكر وهو ما أنتج ردود فعل كثيرا ما اتسمت بالتطرف و العنصرية.
و للتوفيق بين الهجوم الثقافي للآخر و بين دعاة التشبث الأعمى بالتراث كان لزاما على الميثاق، وتماشيا مع جوهره التوافقي أن يحسم الأمر بتبني خيار ثالث يجد الجميع فيه ضالتهم. و هكذا يعتبر الميثاق النظام التربوي مندرجا في حيوية نهضة البلاد الشاملة، القائمة على التوفيق الإيجابي بين الوفاء للأصالة و التطلع الدائم للمعاصرة، و جعل المجتمع المغربي يتفاعل مع مقومات هويته في انسجام و تكامل، وفي تفتح على معطيات الحضارة الإنسانية المعاصرة وما فيها من آليات و أنظمة تكرس حقوق الإنسان و تدعم كرامته ( ).
و تأكيدا منه على محورية البعد الاقتصادي للتربية و التكوين، نجد الميثاق يولي أهمية خاصة لدور التربية في الرقي بالبلاد إلى مستوى امتلاك ناصية العلوم و التكنولوجيا المتقدمة، و الإسهام في تطويرها، و بما يعزز قدرة المغرب التنافسية، ونموه الاقتصادي و الاجتماعي و الإنساني في عهد يطبعه الانفتاح على العالم( ).
عموما يمكن القول أن المرتكزات الثابتة تتعلق بربط التعليم بالعقيدة الإسلامية، بما هي أساس التسامح و الاستقامة و طلب المعرفة و الإبداع، في أفق لا يتخطى المقدسات الدستورية، مع التشبث بالتراث تجديدا و إشعاعا و التطلع نحو النهضة، التي يراها الميثاق توفيقا بين الأصالة و المعاصرة، و بين المحافظة على الهوية و الانخراط في الكونية، و مراعاة الواجبات و الحقوق. و لكن لا نهضة- حسب الميثاق- بدون رقي يعطي الأولوية للعلوم و يعتمد على التنافسية و الانفتاح من أجل تحقيق النمو.
2. الغايات الكبرى للميثاق الوطني للتربية و التكوين.
إذا كانت التربية وسيلة الإنسان للخروج من عالم الطبيعي إلى الفضاء الإنساني الخلاق المتسم بالإبداع و استمرار الخلق الإنساني، فإن النظام التربوي كترجمة لهذا التوجه، عادة ما يضع نصب عينيه بلورة مجموعة من الغايات التي تحدد إوالياته و آفاقه.
و هكذا فميثاق التربية و التكوين يعتبر المتعلم، و الطفل بوجه خاص، محور الاهتمام و التفكير و الفعل خلال العملية التعليمية التعلمية. إنه يطالب بتوفير الشروط و فتح السبل أمام أطفال المغرب ليصقلوا ملكاتهم، و يكونوا متفتحين مؤهلين و قادرين على التعلم مدى الحياة.
لقد عبر الميثاق في طرحه هذا على نضج كبير بجعله الطفل المنطلق و الغاية. و لكن الخوف كل الخوف من أن تكون آليات التنفيذ في غير مستوى الميثاق( ).
إن الميثاق يضع على عاتق نظام التربية و التكوين مسؤولية النهوض بوظائفه كاملة تجاه الأفراد و المجتمع، و ذلك بمنح الأفراد فرصة اكتساب القيم و المعارف و المهارات التي تؤهلهم الاندماج في الحياة العملية و فرصة مواصلة التعلم، كلما استوفوا الشروط و الكفايات المطلوبة، و فرصة إظهار النبوغ كلما أهلتهم قدراتهم و اجتهاداتهم.
إلى جانب ذلك يتوجب على نظام التربية و التكوين تزويد المجتمع بالكفايات من المؤهلين و العاملين الصالحين للإسهام في البناء المتواصل لوطنهم على جميع المستويات. كما ينتظر المجتمع من النظام التربوي أن يزوده بصفوة من العلماء و أطر التدبير، ذات المقدرة على زيادة نهضة البلاد عبر مدارج التقدم العلمي و التقني و الاقتصادي و الثقافي.
يحدد الميثاق شروط المدرسة المغربية الجديدة في نشاط نهجها التربوي الذي يتجاوز التلقي السلبي و العمل الفردي إلى اعتماد التعلم الذاتي، و القدرة على الحوار و المشاركة في الاجتهاد الجماعي. كما أن المدرسة المأمولة تتسم بالانفتاح على محيطها بفضل نهج تربوي قوامه استحضار المجتمع في قلب المدرسة و الخروج إليه منها بكل ما يعود بالنفع على الوطن، مما يتطلب نسج علاقات جديدة بين المدرسة و فضائها البيئي و المجتمعي و الثقافي و الاقتصادي. على أن الميثاق أفرد للجامعة حيزا خاصا مشددا على ضرورة سيرها على ذات النهج المحدد للمدرسة، و على ضرورة انفتاحها و تحولها إلى قاطرة للتنمية على مستوى كل جهة من جهات البلاد، و على مستوى الوطن ككل.
فالجامعة فضاء منفتح و مرصد للتقدم الكوني العلمي و التقني، و قبلة للباحثين الجادين من كل مكان، و مختبر للاكتشاف و الإبداع، وورشة لتعلم المهن، يمكن لكل مواطن ولوجها أو العودة إليها، كلما حاز الشروط المطلوبة و الكفاية اللازمة( ).
و إذ اعتبر الميثاق الجامعة قاطرة للتنمية فهو ما لن يتم تسهم بالبحوث الأساسية و التطبيقية في جميع المجالات، و تزود كل القطاعات بالأطر المؤهلة و القادرة ليس فقط على الاندماج المهني فيها، و لكن أيضا على الرقي بمستويات إنتاجيتها وجودتها بوتيرة تساير إيقاع التباري مع الأمم المتقدمة.
الخيار إذن لن يكون إلا إعداد جيل قادر على الانخراط في سوق الشغل الذي يشهد تحديات و تنافسا شرسا بفعل اتساع رقعة التبادل و تشابك العوامل المحلية و الخارجية. إنه أفق الاندماج في الاقتصاد العالمي، مما يعنيه ذلك من رهن التنمية بالتنمية الاقتصادية بالأساس. و هنا ينتصب أمامنا السؤال التالي، ألا يعني ذلك ضرب كل ما هو إنساني في الكائن البشري و تحويله إلى مجرد رقم في معادلة الاقتصادي؟
فقيمة التعليم المكتسب لن تكون مثبتة إلا بمقدار ما يوفره لصاحبه من عائدات مادية. وهو ما يتناقض و أفق تشجيع المدرسة كخدمة إنسانية يكون هدفها الأول و الأخير الفرد المشبع بالقيم و المعارف و العلوم.
3. حقوق وواجبات الأفراد و الجماعات.
حمل ميثاق التربية و التكوين المواثيق الدولية في ميدان حقوق الطفل و المرأة و الإنسان عامة إلى مصاف التشريعات المحلية بجعلها مرجعية لمبادئ و حقوق الأطفال بالمغرب. و هكذا تحدث عن مبدأ المساواة بين المواطنين و تكافؤ الفرص أمامهم، وحق الجميع في التعليم، إناثا و ذكورا، سواء في البوادي أو الحواضر.
لكن واقع الحال يطرح أكثر من علامة استفهام حول حقيقة هذه الحقوق بالنظر إلى الفوارق الاجتماعية الشاسعة بين أقلية ميسورة و أغلبية تعاني ضيق الحال. و بالنظر إلى الهوة العميقة بين البوادي و المدن، و بين نسب تمدرس الفتيات خصوصا في القرى.
و إذا كانت النوايا الحسنة لا تغير في بؤس الواقع شيئا، فإن تفاقم هذه الأعراض المشار إليها يضع الميثاق أمام المحك و أمام استجابته للمعطيات الملموسة ووجود إرادة حقيقية في تجاوز السلبي منها.
الميثاق لا ينفك يتحدث عن التعميم، ذاك الشعار الخالد الذي لازم السياسات التعليمية منذ أزيد من نصف قرن، في حين استطاعت دول أخرى تجسيده و تحقيقه في أقل من ذلك بكثير. و لعل الجديد هو حديث الميثاق عن تعميم للتمدرس لكن إلى غاية السن القانونية للشغل. و لكأني بهدف التعليم هو إنتاج يد عاملة فقط و ليس تكوين الإنسان المبدع و الخلاق.
إن الميثاق يحدد التزامات الدولة المتمثلة إلى جانب ما أوردناه في تشجيع كل الفعاليات المسهمة في مجهود التربية و التكوين بما في ذلك :
- المؤسسات و الجامعات المستقلة ذاتيا؛
- الجماعات المحلية؛
- القطاع الخاص المؤهل؛
- مؤسسات الإنتاج و الخدمات المسهمة في التكوين؛
- الجمعيات ذات الاختصاص أو الاهتمام بمجال التربية و التكوين.
تتحمل الدولة أيضا مسؤولية وضع مرجعيات البرامج و المناهج، و معايير التأطير و الجودة في جميع مستويات التربية و التعليم و أنماطها. إلى جانب مراقبة كل المسهمين في قطاع التربية و التكوين و الحرص على احترامهم للقوانين و التنظيمات الجاري بها العمل.
كما أن الميثاق ركز على أن التربية و التكوين مسألة تهم الجميع، جماعات محلية و أسر. أي أنه عبر عن عدم قدرة الدولة بمفردها على تحمل عبء هذا القطاع الذي كانت إلى أجل قريب ملزمة بتدبيره و تسييره. إنها مؤشرات اعتبرها البعض بداية لانسحابها من الميدان الذي تعتبره مكلفا لخزائنها، في حين يطالب القطاع الخاص بإطلاق يده ليستثمر فيه و يطوره؟ !.
الجماعات المحلية إذن أصبحت ملزمة بنقل التربية و التكوين إلى صدارة اهتماماتها، ضمن أولويات الشأن الجهوي أو المحلي التي تعنى بها. و على مجالس الجهات و الجماعات الوعي بالدور الحاسم للتربية و التكوين في إعداد النشء للحياة العملية المنتجة لفائدة الجهة أو الجماعة، و في بث الأمل في نفوس آباء المتعلمين و أوليائهم و الاطمئنان على مستقبل أبنائهم، و بالتالي حفزهم على التفاني في العمل لصالح ازدهار الجهة و الجماعة.
و بناء على هذا الوعي، تقوم الجماعات المحلية بواجبات الشراكة مع الدولة، و الإسهام إلى جانبها في مجهود التربية و التكوين، وفي تحمل الأعباء المرتبطة بالتعميم و تحسين الجودة، و كذا المشاركة في التدبير وفق ما جاء به الميثاق.
بعد مرور سبع سنوات على إصدار الميثاق لازالت نفس الأعراض التي سجلها قائمة، و المتمثلة في ضعف انخراط الجماعات المحلية في الشأن التعليمي لعوامل ترتبط بعاملين رئيسيين أولهما تواضع تكوين أغلبية المنتخبين وقلة وعيهم بأهمية التعليم، و ثانيها ضعف الموارد المالية "وحياد" سلطة الوصاية في أشكال تدبير المتوفر منها.
كما أن المشرع في القانون الجديد لتنظيم الجماعات مثلا، لم يضع المسألة التعليمية في موقعها المستحق( )، بل تكاد تكون غائبة غيابا مطلقا. وهو ما يدل على غياب رؤية متكاملة لمشروع مجتمعي متكامل متجدد.
لقد حمل الميثاق الآباء و الأولياء مسؤولية العناية بالمؤسسات التعليمية و المشاركة في التدبير و التقويم وفق ما تنص عليه مقتضياته.
كما طالب جمعيات الآباء و الأولياء بخاصة، بنهج الشفافية و الديمقراطية و الجدية في التنظيم و الانتخابات و التسيير، وواجب توسيع قاعدتها التمثيلية لتكون بحق محاورا و شريكا ذا مصداقية و مردودية في تدبير المؤسسات التربوية و تقويمها و العناية بها( ).
إلا أن توجه العديد من الآباء، خاصة ذوي المستوى التعليمي العالي، إلى تسجيل أبنائهم بالمدارس الخصوصية، و توسع دائرة الأمية لدى فئات واسعة من السكان، خصوصا في البوادي ، إلى جانب البيروقراطية الإدارية و انعدام الوعي بأهمية المقاربة التشاركية ساهم في عدم إقحام الآباء و الأولياء في ميدان التعليم. و لعل الإرث الثقيل الذي كان يرى في المواطن موضوعا و ليس فاعلا سيزيد من ابتعاد المواطن عن الشأن التعليمي أكثر فأكثر.
فالمبادرات الناجحة هي المنطلقة من الرصد الواقعي للحاجات و التي تشرك المعنيين في الصياغة، الإنجاز و التتبع و التقويم.
حاول الميثاق التأسيس لرؤية تربط النظام التربوي بالمتغيرات التي يشهدها الواقع المغربي على جميع الأصعدة، الاقتصادية، السياسية و الثقافية. و لئن كان الهاجس المتحكم هو الاندماج في المحيط الاقتصادي العالمي و ما يحبل به من تحديات، فإن التأكيد على الحقوق التي تضمنها المواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب، لم ينجح في المضي قدما حتى تحقيق الأهداف التي سطرها الميثاق، خصوصا و أننا على بعد ثلاث سنوات من نهاية العشرية التي حددها مجالا زمنيا لانشغاله.
فمبدأ التعميم الحاضر الغائب في خطابات المسؤولين لازال يراوح مكانه، و إن كانت المقاربة الكمية التي لا تستحضر جودة التعليم تحاول إثبات قرب تحقيقه فإن المشاكل الناتجة عن ضعف المستوى التكويني، و عن التسرب و الهدر يدفعنا لضرورة ربط التعميم بالجودة و الفعالية و إلا سيتحول إلى شعار ديماغوجي مضلل.
كما أن الحديث عن التكافؤ في فرص التمدرس لا يستحضر البتة تدهور القدرة الشرائية لشرائح واسعة من المواطنين، تنامي البطالة خصوصا في صفوف حاملي الشواهد العليا. كما أن التركيز على التعليم الخاص و عزم فرض رسوم التسجيل في الثانوي التأهيلي و الجامعي يجعلنا نتساءل عن واقعية شعار التكافؤ و المساواة، خصوصا إذا استحضرنا النسبة الضعيفة أصلا للحاصلين على شهادة البكالوريا 15% من مجموع المسجلين في السنة الأولى ( ).
عموما فالوقوف عند المنجزات و النتائج على الأرض يجعلنا نتساءل عن مدى واقعية الميثاق في طروحاته، ومدى وجود إرادة حقيقية في بلورة ما سطر من غايات و أهداف.

المجالات الكبرى لميثاق التربية و التكوين.
ككل مشروع إصلاحي حاول الميثاق بلورة مجموعة من الصيغ و الدعامات التي اعتبرها بوابة لتجديد الحقل التربوي و تغييره. و قد ركز صائغو الميثاق على مجالات ست أساسية تختزل تصورهم لأزمة التعليم و لآليات تجاوزها و هي:
1- نشر التعليم و ربطه بالمحيط الاقتصادي؛
2- التنظيم البيداغوجي ؛
3- الرفع من جودة التربية و التكوين؛
4- الموارد البشرية؛
5- التسيير و التدبير؛
6- الشراكة و التمويل.
و لئن حاول الميثاق استحضار جميع مكونات الحقل التعليمي و علاقاتها بالحقل الاجتماعي بمختلف فروعه، فقد أفرد أهمية خاصة لعلاقة التعليم بالمحيط الاقتصادي، معبرا بذلك عن هاجس يطغى على البعد الإنساني لعملية التربية و التكوين.
و سأعرض لأهم طروحات الميثاق المرتبطة بعلاقة التعليم، الاقتصاد و الجودة في مطلب أول على أن أتناول في مطلب ثان موقع الموارد البشرية و علاقتها بالتسيير و التدبير. أما المطلب الأخير فسيتناول الهيكلة المقترحة للنظام التعليمي و آليات إشراك الفاعلين الآخرين في تدبير الشأن التعليمي.
1ـ التعليم ، الاقتصاد و الجودة : أية علاقة ؟
يهدف الميثاق في مجاله الأول إلى نشر التعليم وربطه بالمحيط الاقتصادي عن طريق تعميم تعليم جيد. و قد حدد سنة 2002 لتحقيق تمدرس كافة التلاميذ البالغين من العمر ست سنوات. كما أقر تعميم التسجيل بالسنة الأولى من التعليم الأولي في أفق 2004. إلا أن الواقع سيثبت تعثر هاته الاختيارات وهو ما سنتعرض له في الفصل الثاني.
إن نظام التربية و التكوين حدد للتلاميذ المسجلين بالسنة الأولى من التعليم الابتدائي في 1999-2000 الآفاق التالية ليصلوا إلى :
- نهاية المدرسة الابتدائية بنسبة 90% عام 2005.
- نهاية المدرسة الإعدادية بنسبة 80% عام 2008.
- نهاية التعليم الثانوي ( بما فيه التكوين التقني و المهني و التمرس و التكوين بالتناوب ) بنسبة 60% عام 2011.
- نيل البكالوريا بالنسبة 40% عام 2011.
أهداف لم تتحقق في شقها الكمي، أما جانب الجودة فالوقائع تثبت انتفاءها و ضعفها الشديد.
أما عن تحديد 40% كسقف لحاملي شهادة البكالوريا فدليل على غياب تكافؤ الفرص و على إنتاج تعليم نخبوي يضرب في العمق شعارات دمقرطة التعليم.
المدرسة المأمولة ليست إلا مدرسة متعددة الأساليب تساهم في التنوير و نشر المعرفة. وهو ما لن يتم إلا بمحاربة الأمية في إطار التربية غير النظامية للقضاء عليها تدريجيا في 2010 بنسبة 20% و بشكل نهائي في 2015. و لن يتم تحقيق هذه الأهداف إلا في إطار اللامركزية و الشراكة في التربية بين القطاع العام و الخاص و المجتمع المدني و السلطات المحلية و المجتمع السياسي و المنظمات الحكومية و غير الحكومية مع توظيف الإعلام المرئي لتحقيق الأهداف المسطرة للقضاء كليا على الأمية بكل أنواعها. فضلا عن خلق تلاؤم أكبر بين النظام التربوي و المحيط الاقتصادي عن طريق الاندماج المتبادل بين المؤسسة التعليمية و المحيط البيئي و الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المهني أو عبر الانفتاح الوظيفي على الحياة العملية و آفاق الإبداع إما بواسطة التمدرس و التكوين بالتناوب و إما عن طريق التكوين المستمر.
العشرية الوطنية للتربية و التكوين تهدف العمل على الرفع التدريجي من نسبة الأشخاص ذوي المؤهلات المهنية الوافدين سنويا على سوق الشغل المشكلين ما يقرب من 20% حاليا إلى 50% على الأقل، وذلك في أفق عام 2010.
و لبلوغ هذا الهدف يجب الحرص على أن يستفيد من التكوين بالتمرس 10000 شاب برسم الدخول المدرسي 01/2000، وصولا إلى 50000 شاب سنويا في أفق الخمس سنوات اللاحقة و على أن يستفيد من التكوين بالتناوب 12000 شاب برسم الدخول المدرسي 01/2000، و صولا إلى 30000 شاب سنويا في أفق الخمس سنوات اللاحقة.
كما يجب تقوية التوجيه إلى الشعب العلمية و التقنية و المهنية لتستقبل على الأقل الثلثين من مجموع تلاميذ التعليم الثانوي و طلبة التعليم العالي، في أفق السنوات الخمس القادمة.
و حتى يتجاوز الميثاق تهمة استحضار الجانب الكمي التي ظلت ملازمة للسياسات التعليمية بالبلاد منذ أكثر من نصف قرن، أفرد إحدى مجالاته للحديث عن الجودة في التربية و التكوين. وهو ما يستحقق عبر مراجعة المناهج و البرامج و الكتب المدرسية و الوسائط التعليمية و تدبير، بشكل أفضل، لاستعمالات الزمن و الإيقاعات المدرسية و البيداغوجية و تحسين تدريس اللغة الأمازيغية و استعمالها و إتقان اللغات الأجنبية من أجل امتلاك مفاتيح و آليات العلم و المعرفة و التكنولوجية و التفتح على الأمازيغية لمعرفة مكونات الهوية الثقافية و الحضارية دون أن ننسى الاستعمال الأمثل و الوظيفي للتكنولوجيات الجديدة و الإعلام و التواصل و تشجيع التفوق و التجديد و البحث العلمي و إنعاش الأنشطة الرياضية و التربية البدنية المدرسية و الجامعية و الأنشطة الموازية.
لقد أسهب الميثاق في وضع مجالات و دعامات للتغيير، و حاول وضع سقف محدد لتحقيق بعض أهدافه. كما تحدث كثيرا عن الجودة و عن آليات تحقيقها و الرفع منها. لكن ما لم يتوقف عنده صائغو الميثاق هي إمكانيات تحقيق كل هذه النقط. و حتى لا يكون حكمنا متسرعا فإننا نقول أن الآمال غير الواقعية كثيرا ما تكون حلما يزول سحره بعد حين لتنكشف صورة الواقع المر بإكراهاته التي زادت عمقا و تعقيدا.
2ـ تسيير و تدبير الموارد البشرية، أحد شروط الإقلاع المنشود.
يتم التركيز في المجال الرابع من الميثاق و الخاص بالموارد البشرية على حفز هذه الأخيرة بالاعتماد على ركائز ثلاث: تحسين الوضعية الاجتماعية للمدرسين، و الاعتراف باستحقاقاتهم، و مراجعة القوانين المتعلقة بمختلف مراتب موظفي التربية و التكوين.
إن أي إصلاح أو تجديد لن يحدث إلا بالاهتمام بالعنصر البشري، أي بالفاعلين التربويين، ليس فقط على مستوى التكوين المستمر و على مستوى تحسين الوضعية الاجتماعية، بل حتى على مستوى شروط العمل، فضاء المؤسسة، الخزانة، الحجرات الدراسية، عدد التلاميذ في الفصل، عدد الفصول بالنسبة للمدرس الواحد، عدد ساعات العمل، جداول الزمن... الخ. و كذا على مستوى مكانة رجل التعليم و المرتبة التي يحتلها في الهرم الإداري. فتحريره من ثنائية الجزاء و العقاب، و خلق مصالحة بينه و بين ذاته، و بينه و بين رؤسائه و مرؤوسيه ستجعله ينتقل من مجرد منفذ للقرارات إلى مشارك فاعل في صياغتها و تتبعها و تنفيذها بإيمان راسخ . و هو ما دعاه الجابري بتفعيل الأجهزة الداخلية للتعليم ( ) وتفعيل الفاعلين، و تغيير عقلية التسيير، من خلال دفع العنصر البشري إلى تحمل المسؤولية و اتخاذ القرارات المناسبة حسب الظروف.
إن إتقان تكوين الموارد البشرية يمر عبر التكوين المستمر لعناصرها من خلال حصص سنوية قصيرة لتحسين الكفايات و الرفع من مستواها، أو من خلال حصص لإعادة التأهيل بصفة معمقة تنظم على الأقل مرة كل ثلاث سنوات.
تنظم دورات التكوين المستمر على أساس الأهداف الملائمة للمستجدات التعليمية و البيداغوجية و في ضوء الدراسة التحليلية لحاجات الفئات المستهدفة، و آراء الشركاء و مقترحاتهم بخصوص العملية التربوية من آباء و أولياء و ذوي الخبرة في التربية و الاقتصاد و الاجتماع و الثقافة( ).
على أن الحديث عن تدبير حديث و سليم للموارد البشرية لن يتم ما لم تقر سياسة توظيف حديثة و نظام تقويم سليم و ما يستتبعه من تدبير ناجح للحياة العملية للعنصر البشري.
فالتغيير الذي يمكن اعتباره ثورة في هذا الميدان هو ما أقره الميثاق من إمكانية اللجوء إلى التعاقد على مدد زمنية تدريجية قابلة للتجديد، مع مدرسين جدد على صعيد المؤسسات و الأقاليم و الجهات وفق القوانين الجاري بها العمل.
إنها بداية نهاية الشغل القار و انتفاء لدور الدولة كمشغل دائم للعاملين بالقطاع التعليمي العمومي. فلم يعد الانخراط في الأسلاك التعليمية بمثابة السلم المضمون للارتقاء الاجتماعي بل صار منصب شغل لا يختلف في شيء عن فرص العمل التي يعرضها القطاع الخاص.
تبقى الإشارة إلى أن تأهيل الموارد البشرية في قطاع التربية و التكوين يشمل أيضا تحسين الظروف المادية و الاجتماعية للمتعلمين و العناية بالأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة ولاسيما المعاقين منهم.
و في هذا الصدد ينادي الميثاق بإعادة هيكلة المطاعم المدرسية و تدبيرها على أسس لامركزية مع إشراك الفرقاء، و خاصة منهم الآباء و الأولياء و التلاميذ في البرمجة و المراقبة، بحيث توفر هذه المطاعم وجبات غذائية سليمة على أوسع نطاق، خصوصا في الوسط القروي.
إلا أن المتتبع للشأن التعليمي يعي جيدا أن الإطعام المدرسي يمر بأحلك فتراته حيث تأخر وصول اعتماداته المالية و عدم إشراك موظفي الإدارة في البرمجة و المراقبة، فما بالنا بالآباء و الأولياء....الخ. واقع مترد لم تفلح بنود الميثاق في تحريكه و الدفع به إلى الأمام.
إن حضور ذوي الاحتياجات الخاصة في برامج الإصلاح قد يعتبر دليلا على الموقع المركزي الذي أصبحوا يحتلونه في اهتمامات المسؤولين، و قد يكون مجرد انخراط في موجة عالمية تجعل من هذا الشأن رمزا للحداثة و الديمقراطية.
و شأنها شأن العديد من الوعود ظلت الدعوات إلى تجهيز المؤسسات بممرات و مرافق ملائمة لذوي الحاجات الخاصة، ووضع برامج مكيفة و تزويدها بأطر خاصة لتيسير اندماج الأشخاص المعنيين في الحياة الدراسية، و بعد ذلك في الحياة العملية، حبيسة مقتضيات الميثاق و لم يتحقق منها إلا النزر القليل خصوصا بالوسط الحضري.
الجودة كما يطرحها الميثاق لا تتعدى كونها قدرة الخريجين على الاستجابة لحاجيات السوق، و هو ما يدفعنا إلى القول أن تبضيع الإنسان هو الطريق لنزع الطابع الإنسي عن عملية ظلت و لقرون طويلة أسلوبا أساسيا إن لم نقل الأسلوب الوحيد لنقل الكائن البشري إلى عالم الحضارة و العقل المبدع.
3ـ هيكلة نظام التربية و التكوين و آليات إشراك الفاعلين في تدبيره.
يستهدف الإصلاح المقترح التنظيم البيداغوجي عن طريق إعادة هيكلته و تنظيم أطوار التربية و التكوين ابتداء من التعليم الأولي و الابتدائي و الثانوي، الإعدادي و التأهيلي و الجامعي عن طريق تنظيم أسلاك التعليم و شعبه و شواهده و أهدافه و مضامينه و أساليب تقويمه. مع مراعاة تطوير التعليم الأصيل و مجموعات ذوي الاحتياجات الخاصة كأبناء الجالية المغربية في الخارج و اليهود المغاربة. كما أن إصلاح المنظومة البيداغوجية يستلزم إصلاح أنظمة التقويم و المراقبة المستمرة و التتبع و المراقبة بموازاة مع إصلاح التوجيه التربوي و المهني.
على أن إحدى البوابات الأساسية لإشراك الفاعلين في مشروع الإصلاح تظل هي الشراكة التربوية التي تخدم مصلحة المتمدرس عن طريق تنمية شخصيته على جميع الأصعدة و المستويات ليتكيف مع الواقع الموضوعي ليصبح مواطنا صالحا مبدعا و فاعلا في المستقبل و السير به نحو آفاق فضلى و تغييره ايجابيا و تهذيبه معرفيا ووجدانيا و حركيا مع توفير جميع الظروف المناسبة التي تؤهله للفوز و النجاح و الترقي.
إن الشراكة نوعان : شراكة داخلية و شراكة خارجية. فالأولى هي تلك التي يساهم فيها فاعلون من داخل المؤسسة من تلاميذ و أساتذة ورجال الإدارة و قدماء التلاميذ و آباء و أمهات التلاميذ أوليائهم من أجل خلق مشروع تربوي داخل المؤسسة أو باشتراك مع مؤسسة تعليمية أخرى من أجل تحسين أحوال التلميذ و الرفع من مستوى المتعلم و دعمه تربويا و مساعدته ماديا و معنويا. أما الشراكة الخارجية فتتمثل في انفتاح المؤسسة التعليمية على محيطها السوسيو اقتصادي و المحيط الوطني و الدولي، أي إن الشراكة الخارجية قد تكون شراكة وطنية أو أجنبية مع مؤسسات دولية ضمن التبادل اللغوي، الثقافي و الحضاري عامة أو عبر خلق توأمة تشاركية مؤسساتية و تحقيق مشاريع تعاون و تمويل و دعم و مساعدة. و يمكن أن نحصر مظاهر الشراكة التربوية في مايلي :
- الشراكة المادية؛
- الشراكة المالية؛
- الشراكة البشرية؛
- الشراكة الثقافية و الفنية و الرياضية؛
- الشراكة الاجتماعية؛
- الشراكة الإعلامية؛
تلك هي أنواع الشراكة البيداغوجية و أهم مجالاتها من أجل تحقيق الجودة التربوية و إنجاح الميثاق الوطني للتربية و التكوين و الذي أوشكت العشرية التي حددها على الانتهاء، في وقت لازال الوضع التعليمي يتخبط في عدة مشاكل و معيقات جعلت الرداءة تحل محل الجودة بسبب اللامبالاة و التسيب و انعدام الإمكانيات المادية و المالية و البشرية و تعقيد المساطر التنظيمية و الإدارية و القانونية.
لقد أصبح مفهوم الشراكة شعارا موسميا يحيل على شح موارد الدولة و فقرها و تخليها التدريجي عن إيلاء قطاع التعليم ما يستحقه من رعاية و عناية و اهتمام، و دفعها المؤسسات التعليمية إلى البحث عن المساعدات المادية و المالية.
إن الشراكة الحقيقية تقتضي التكافؤ بين الأطراف المشاركة فيها و تتطلب رؤية واضحة و مستقبلية للقطاع الذي تستهدفه. و إذا كان التعليم قضية اجتماعية بامتياز فإن الدفع به إلى الأمام لن يتم بشكل سليم إلا إذا كان التعاطي معه من منظور مشروع مجتمعي متكامل يتداخل فيه السياسي، الاقتصادي و الثقافي.
يقتضي التفكير في معالجة مشكل التعليم أولا تشخيص مستويات و مظاهر الأزمة التي يعاني منها( )، وذلك لإمكانية تصور إصلاح يستجيب لطبيعة هذه المشاكل.
و على الرغم من المستجدات و المجالات التي نص عليها الميثاق فإن الواقع يعطينا انطباعا مخالفا لما بشر به هذا الأخير. فبدلا من أن تتحقق الجودة التربوية في مؤسساتنا التعليمية و الإدارية، فإننا نجد الرداءة تزداد يوما عن يوم في شتى الميادين التابعة لقطاع التعليم، ناهيك عن اللامبالاة و البطء و الروتين و التسلسل الإداري المتكلس. هذا إلى جانب العزوف عن الدراسة و التثقيف من قبل المتعلمين، و انتشار الأمية و التفكير في الهجرة إلى الخارج مع تنامي ظاهرة البطالة و العطالة المستمرة. إضافة للتأثير السلبي لأسلوب تعميم التعليم و الذي اتخذ بعدا كميا و عدديا على حساب الجودة التربوية و الـتأهيل الكيفي.
كما أثرت سياسة الخفض من الاعتمادات المالية على التعليم بشكل سيء حيث لا تستطيع المؤسسات التعليمية تسيير نفسها بنفسها لانعدام الإمكانيات المادية و المالية و البشرية.
و إذا كان الحديث عن المسألة التعليمية حاضرا بشكل دائم فلصعوبة المشاكل البنيوية التي تطرحها ولارتباطها بقطاع حساس يمس شرائح واسعة من المواطنين.
إن إعلان الرغبة في الإصلاح لا تكفي لهزم الوقائع العنيدة التي تقاوم لشد التعليم نحو النخبوية و عدم التكافؤ.
الإصلاح الحقيقي يتطلب إرادة حقيقية في التغيير لا حمل شعارات موسمية و مناسباتية، و إصدار قرارات و مذكرات و منشورات تبقى حبرا على ورق، لانعدام الموارد المالية و البشرية و تعقد المساطر الإدارية و القوانين التشريعية و التنظيمية.
إن جميع هذه العوامل تدفع إلى بقاء الميثاق الوطني للتربية و التكوين ميثاقا نظريا مطروحا فوق رفوف المكتبات و أرشيف المكاتب الإدارية و التربوية بدل تفعيله ميدانيا و أجرأة بنوده إلى حقائق ملموسة. و كذا التحقق منه تقويما، تتبعا من دعامة إلى أخرى ومن مجال إلى آخر.
عرف نظام التربية و التكوين بالمغرب مجموعة من الإصلاحات التي جاءت لتجاوز مظاهر أزمته و تعثراته. و إذا كانت الحقبة الاستعمارية قد كرست تعليما نخبويا لفائدة أبناء الأعيان و الميسورين حينذاك، فإن مرحلة ما بعد الاستقلال، رغم كل الطموحات التي واكبتها : تعميم التمدرس و توحيد مضامينه و مقرراته، لم تستطع أن تحل رموز معادلة لاشك أن جذورها تتجاوز البيداغوجي التربوي و تضرب عميقا في الخيارات السياسية الاقتصادية للبلاد.
و يمكن اعتبار ميثاق التربية و التكوين بمثابة المرجعية التي أصبح الدارسون و المسؤولون يرتكنون لأهدافها و آفاقها، لتقييم الأداء التعليمي ومدى تطوره.
إن الميثاق و لإرجاع القيمة إلى المدرسة، يقترح ربط هذه الأخيرة بالشغل، ولاندماجها في المجتمع يعتمد على البعد الاقتصادي كمنظور استراتيجي، و لتجاوز الخلل الحاصل في التكوين، يقترح نموذج التكوين المهني ودوره في ترسيخ السلم الاجتماعي. خطاب متفائل سريعا ما سيظهر الواقع ضرورة تقييمه و تطويره.
فالمدرسة يجب أن ينظر إليها كقيمة في ذاتها، و ينبغي أن نعتبرها أداة لاندماج الفرد داخل المجتمع. و أفقا لإبداع المستقبل و تطوير الحركية الاجتماعية. كما ينبغي أن ينظر إلى التكوين بالمعنى الذي لا يختزل فيه الإنسان إلى مجرد يد عاملة، بل كذات فاعلة، مفكرة و طموحة.
إن تفتح المدرسة على المحيط الاقتصادي، لا يعني فقط انفتاح جدران المؤسسة و أبوابها على المقاولة، بل يجب أن ينظر إليه بالمعنى الإنساني، بالمعنى الذي ينفتح الفرد فيه على الثقافة العامة و على الحرية و على الإحساس بالمسؤولية، و على التشبع بقيم التفكير المتنور. إنه ليس مجرد منفذ، بل هو طرف في اتخاذ القرار و إبداع أشكال تطبيقه و امتلاك الجرأة على نقده.
لا مجال للحديث عن تكافؤ الفرص في غياب التشبع بالديمقراطية، و توطينها داخل الفضاء العمومي. فالمدرسة الديمقراطية لا تهتم فقط بتكافؤ الفرص على مستوى الحد الأدنى: تعميم التعليم، و محو الأمية و الإلزامية المحدودة، بل تهتم بجعل الفرص متكافئة بين الأفراد مع مراعاة تمايزاتهم اللغوية و الثقافية و الاجتماعية.
إن خطاب الميثاق يعيش أزمة اختزاله اندماج الفرد في المحيط الاقتصادي، وهو بذلك يختزل الإنسان في اليد العاملة.
المشروع الإصلاحي يتوخى تكافؤ الفرص، فيثبت قواعد فرص غير متكافئة، تنظم عملية الانتقاء و الإقصاء أكثر، يضع أسسا جديدة في الهيكلة و يقدم اقتراحات لتطوير اللغة و البحث... الخ و ينسى أن كل ذلك رهين بالعنصر البشري، الذي إما سيشوه التنفيذ أو سيتوفق فيه. وقد يتوفق في تطبيقه حرفيا وقد يبدع في ذلك، فما فائدة الاهتمام بما سينفذ إذا لم يهتم بمن سينفذ، و أخذه بعين الاعتبار، قبل وضع الميثاق و أثناء و بعد وضعه.
إن التعليم هو حجر لأساس لكل نهضة و تقدم. و إن التخطيط له تخطيط للمورد البشري قبل كل شيء. فرأس مال الشعب الحقيقي هو الإنسان المعلم، المدرب و المؤهل ( ).
مقتطف من بحث قدمته سنة 2007.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- النظام التعليمي بالمغرب.
- في مقومات الاتحاد الوطني للمتصرفين المغاربة.
- عولمة الهمجية والبؤس.
- احتدام الصراع الطبقي ما يرهب الرأسماليين
- إنتاج الوعي الطبقي هدف أي نضال عمالي.
- تأملات في عزل اثني عشر منتخبا جماعيا.
- في الوعي الثوري.
- دروس من وحي تضليل طبقي.
- منظومة التربية والتكوين ووهم الإصلاح.
- فرنسا الثورة، لا فرنسا الرأسمال.
- لنسقط وهم نسبة النمو.
- الممارسة السياسية الواعية طريق الطبقة العاملة للانتصار.
- لماذا يرهبهم الصراع الطبقي ومفاهيمه؟
- وسيتمر الهجوم الطبقي على مكتسبات الطبقة العاملة.
- أنا الحاكم المستبد.
- المدينة التي أساءت للزهور.
- الملكيات لا تنتج إلا رجعية.
- قراءة أولية في القانون المنظم للمجلس الأعلى للتربية والتكوين ...
- تحرر اليسار شرط وجودي.
- في الصداقة.


المزيد.....




- كيف يُستخدم الحليب لترميم منزل البابا؟
- كندا: العثور على جثتي ملياردير كندي وزوجته بظروف -مشبوهة-
- تمديد خدمة صاروخ -الشيطان- الروسي الاستراتيجي
- القبض على سجينين أمريكيين فرا من سجن إندونيسي
- موسكو ترحب بالاقتراحات الأممية للحوار بين واشنطن وبيونغ يانغ ...
- تقرير: حزب الله هرب كوكايين إلى أمريكا وأسلحة إلى إيران!
- من يسعى لتشويه سمعة ولي العهد في السعودية؟
- لعبة الموت توقع مزيدا من الضحايا في الجزائر
- جولة في شوارع القدس المحتلة
- مفوضية الانتخابات تمدد فترة تسجيل الاحزاب السياسية والتحالفا ...


المزيد.....

- ذكرى إلى الأمام :أربعون سنة من الصمود والاستمرارية في النضال / التيتي الحبيب
- الحزب الثوري أسسه – مبادئه - سمات برنامجه - حزب الطليعة الدي ... / محمد الحنفي
- علاقة الريع التنظيمي بالفساد التنظيمي وبإفساد العلاقة مع الم ... / محمد الحنفي
- الطبقة العاملة الحديثة والنظرية الماركسية / عبد السلام المودن
- الانكسارات العربية / إدريس ولد القابلة
- الطبقة العاملة الحديثة و النظرية الماركسية / عبدالسلام الموذن
- أزمة الحكم في تونس، هل الحل في مبادرة “حكومة الوحدة الوطنية“ / حمه الهمامي
- حول أوضاع الحركة الطلابية في المغرب، ومهام الوحدة.. / مصطفى بنصالح
- تونس ، نداء القصرين صرخة استمرار ثورة الفقراء. / بن حلمي حاليم
- الفكر المقاصدي عند ابن رشد الحفيد 520_ 595 هــ - قراءة تأويل ... / الباحث : بوبكر الفلالي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي - كريم اعا - النظام التعليمي بالمغرب (2).