أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبد المجيد حمدان - تقاطعات بين الأديان 4 الطوفان















المزيد.....


تقاطعات بين الأديان 4 الطوفان


عبد المجيد حمدان

الحوار المتمدن-العدد: 5290 - 2016 / 9 / 20 - 00:47
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



بداية يمكن القول ، استنادا للدراسات الأثارية ، بحيازة أسطورة الطوفان على اهتمام العديد من الديانات ، قديمها وحديثها . ولأن الأسطورة تعود في جذورها إلى بلاد الرافدين ، كما تنبئنا العديد من الإشارات التي تضمنتها الروايات الدينية ، فقد رأيت أن أعرض على القارئ بضع روايات لها ، بدءا من العصرالسومري البعيد – الأول - ، كما وردت في ملحمة جلجامش ، ومرورا بالعصر السومري الأقرب ، فالعصر البابلي ، وأخيرا العصر الهيليني – اليوناني - قبل الانتقال إلى الروايتين التوراتية والقرآنية . كما رأيت أن أقفز على الرواية الكنعانية ، من رأس شمرا ، والتي تعذر جمعها نظرا لحجم الضرر الذي أصاب الرُقَم المدونة عليها ، والتي بدت ، من عديد من الإشارات ، انها مجرد ترجمة للرواية البابلية .
الطوفان في ملحمة جلجامش :
تقول الرواية أن جلجامش ، في بحثه المضني للكشف عن سر الحياة الأبدية – الخلود – ، وصل إلى جد البشر الذي كان قد سبق وأنقذ البشرية من الفناء الذي حمله الطوفان . وردا على سؤال جلجامش عن كيفية حصوله على الخلود ، قرر أبو البشر ، والذي حمل الاسم ، أوتا – نافيشتي ، ومعناه " وجدت – حياتي " ، أو وجدت نفسي ، قرر أن يحكي لجلجاميش قصة الطوفان التي قام ببطولتها ، واستحق الخلود بسببها .
يقول أوتا – نافيشتي أن الآلهة العظام ؛ آنو إله السماء وأبو الآلهة ، إنليل ؛ إله الهواء وسيد مجمع الآلهة ، نينورتا سيد الأرض وابن انليل ، قرروا في اجتماع للآلهة ، إحداث الطوفان بغرض القضاء على الحياة على الأرض . عشتار الإله الأم لاذت بالصمت ، ولم يستطع الإله إنكي أو إيا ، إله الحكمة ، الخلق ومهارة الصنع الاعتراض على القرار . كما أقسم الجميع على حفظ السر .
لكن الإله إيا كان قد قرر في نفسه إنقاذ الحياة من الفناء . وفي لقائه مع أوتا - نافيشتي ، ولأنه أقسم على حفظ السر ، أدار ظهره لأوتا وأخذ يخاطب السياج ويحكي قصة مدينة شروباك ، الواقعة على ضفة نهر الفرات ، وقرار الآلهة بإحداث الطوفان . كما طلب من السياج أن يقول لملك شروباك ، والذي هو أوتا – نافيشتي ، أن يهدم بيته لكي يبني فلكا ، وأن يتخلى عن ممتلكاته كي ينقذ نفسه ، وأن عليه ، بعد إتمام بناء الفلك ، أن يأخذ معه نماذج من كل الكائنات الحية . ثم أخذ يشرح له كيفية بناء الفلك ، أطواله وارتفاعه وطبقاته ...الخ .
رد أوتا ، وقد فهم ما قيل له ، متسائلا عما عساه يقول لأهل المدينة ، للصغار والكبار . قال له إيا بأن يقول أن الإله إنليل وجه غضبه نحوه ، وأنه لذلك مضطر لترك المدينة ولعدم وضع رجله على أرض إنليل ، ومن ثم كان عليه التوجه إلى الإبسو – المياه العميقة – والعيش إلى جوار الإله إيا . وقال أن الإله إنليل سوف يغدق عليهم الكثير من عطاياه نتيجة ذلك .
صدقه الناس ومع بشائر الصباح كان أهل البلد ، وفي مقدمتهم النجارون والصناع ، ومعهم أدواتهم ، قد تجمعوا حوله وبدأوا العمل . وبعد خمسة أيام اكتمل البناء ، ويومين آخرين للطلاء بالقار كانت السفينة جاهزة للإقلاع . وكانت أرض السفينة مربعة وبطول مائة وعشرين ذراعا ، وبارتفاع مماثل ، وبسقوف ستة ، وسبع طبقات ، وتسع حجرات لكل طبقة . بعد اتمام البناء حمل إليها أوتا كل ما تحتاجه من المؤن ، وكل ما يملك من الفضة والذهب ، وكل ما كان عنده من الكائنات الحية ، ثم أهل بيته وكل أقربائه إضافة إلى كل الصناع ، وفي مقدمتهم ملاح السفينة ، والحيوانات البرية صغيرها وكبيرها .


ينتقل بعدها أوتا لوصف الطوفان وما جلب من أهوال وخراب ، ولدرجة أن الآلهة أنفسهم أصابهم الرعب ، فلاذوا بالفرار إلى سماء آنو – كبير الآلهة – " وربضوا هناك مثل كلاب مذعورة حذاء جدار " . وحين رأت الإلهة الأم – عشتار – ما حل بأبنائها البشر ، أخذت تنتحب ملتاعة ، وتلوم نفسها لموافقتها على القرار . وأصاب مجمع الآلهة ما أصابها من ندم ومن سكب دموع اليأس .
استمر الطوفان ستة أيام وسبع ليال ، وتوقف بعدها .
فتح أوتا – نافيشتي كوة السفينة فسقط نور شديد على وجهه ، عرف منه بانتهاء الطوفان . دار بنظره في جميع الاتجاهات يبحث عن الشاطئ فلم ير غير الماء ، لكنه لاحظ بروز قطعة أرض على مسافة قريبة من السفينة ، فعرف أنها رست على جبل ، قيد حركتها سبعة أيام ، اسمه جبل نصير .
في اليوم السابع أطلق حمامة . طارت الحمامة ثم عادت دون أن تحط على أرض . امسك بعدها سنونو وأطلقه . طار ثم عاد بعد بعض الوقت دون أن يجد أرضا يحط عليها . وأخيرا أطلق غرابا لم يعد ، فعرف أوتا أن الغراب شاهد انحسار الماء ، فحط وأكل ولم يعد .
فتح أوتا باب السفينة وأطلق ما فيها من حيوانات وبشر في اتجاهات الأرض الأربعة . ذبح ذبائح وعمل قربانا للآلهة التي ما أن شمت الرائحة الزكية " حتى تجمعوا مثل الذباب حول مقدم القربان " .
الإلهة عشتار تحسست عقد اللازورد الذي يزين جيدها قائلة : " سأتحسس إلى الأبد هذه الأيام المشؤومة ولن أنساها ، فليأت إذن الآلهة وليتقدموا إلى القرابين ، أما إنليل فعليه ألا يقترب ، لأنه دون ترو قرر الطوفان ، وأرسل خلقي إلى الهلاك " . ومع ذلك وصل إنليل ، وعندما رأى الفلك تملكه الغضب ، امتلأ حنقا على مجموع الآلهة ، وأعلن :" أحدهم إذن نجا من الطوفان وكان يجب أن لا ينجو أحد من الهلاك " . رد الإله نينورتا ، سيد الأرض ، بأن لا أحد يمكنه أن يفعل ذلك غير الإله أيا . وبدل أن يبادر أيا للدفاع عن نفسه ، توجه للإله إنليل مسائلا كيف له وهو الأحكم بين الآلهة ، ودون ترو ، أن أحدث الطوفان ؟ وإذا كان هناك أشرار ، مخطئون ، ألم يكن الأجدر محاسبتهم فعقابهم ؟ومضى مسائلا : الم يكن أفضل لو أرسل الأسود لتقليل عدد البشر ؟ ألم يكن أفضل لو سلط الذئاب ؟ لو أرسل القحط فأوهن البلاد ؟ لو سلط الوباء يصيب البشر هنا وهناك ، بدل إحداث الطوفان ؟ أخيرا قال : أنا لم أفش السر الذي أقسم عليه الآلهة ، لكنني جعلت أتر - حسيس – الرجل فائق الحكمة ، اي أوتا – نافيشتي ، يرى حلما فأدرك سر الآلهة . وهكذا منح الإله إنليل أوتا – نافيشتي وقرينته الخلود ، وأسكنهما بعيدا عند فم الأنهار .
الطوفان السومري :
رغم أن الرقم المكتوب عليها أسطورة الطوفان السومري أصابها التلف الشديد ، فقد نجح علماء الآثار في جمع أجزاء منها أشارت إلى ذلك الشبه الكبير ، حد التطابق في المضمون العام بينها وبين تلك الواردة في ملحمة جلجامش . وبدا الاختلاف أولاً في اسم بطل الطوفان . هو هنا زيو سودرا " زي- أو –سود – را " ومعناها " ذو- الحياة – المديدة " وليس أوتا - نافيشتي ، رغم أنه في الحالتين ملك شروباك . وثانيا أن الإله إنكي أو إيا ، إله الحكمة ومهارة الصنع ، لم يسكت في مجمع الآلهة ، عند صدور القرار بإبادة البشر بالطوفان . اعترض أول مرة ، بصفته شريك الإلهة الأم ، واسمها هنا نينتو ،في خلق البشر ، وطلب منحه فرصة أولى فثانية ، نجح في الأولى في دفع البشرلإعادة بناء الأماكن المقدسة ، وفي ممارسة الطقوس المقدسة ، وبالتالي في إزالة الأسباب التي دعت الآلهة عموما ، والإله إنليل خصوصا ، لإصدار القرار بالطوفان . وكان نتيجة لهذا التدخل أن عم الرخاء وتكاثر البشر ، كما تكاثرت المواشي وغيرها من الكائنات الحية . وفي الثانية نجح إنكي ، أو إيا ، في جعل الناس يقومون ببناء خمس مدن ، خصصت كل واحدة منها لإله أو إلهة ، مع إقامة معابد لهؤلاء الآلهة . وثالثا أن البشر الذين تتحدث عنهم الأسطورة هم ذوو الرؤوس السوداء ، وهو الوصف الذي كان يطلق على سكان وادي الرافدين ، وحيث هم كل البشرية حسب معارف ذلك الزمان . ورابعا أن الطوفان وقع في أراضي الرافدين ، كما تشير جملة المعلومات وأسماء المدن التي أغرقها الطوفان .
أخيرا ولأن الإله إنكي لم ينجح في معارضة قرار الطوفان ، ولأنه استنفذ الفرص ، وظل البشر يعودون لارتكاب تلك الأفعال التي تغضب الآلهة ، فقد رضخ لقرار الآلهة ، وأقسم معهم على حفظ السر . لكنه ، كما في ملحمة جلجامش ، أفشى السر لحائط كان زيوسودرا يقف إلى الجانب الآخر منه . سمع زيوسودرا كل التعليمات وقام بتطبيقها بما ذلك بناء السفينة ، وتحميلها . وكما في ملحمة جلجامش غضب الإله إنليل عندما اكتشف نجاة بعض البشر ، لكنه رضي أخيرا ومنح الخلود للبطل زيوسودرا وقرينته .
الطوفان البابلي :

تبدأ أسطورة الطوفان البابلي بالإشارة إلى أنه بعد اثنتي عشرة مائة من السنين – 1200 سنة – على خلق البشر ، تم توسيع رقعة البلاد وتكاثر عدد السكان ، وارتفع صوت البلاد مثل خوار ثور ، وأزعج الضجيج سيد الآلهة – إنليل - .
إنليل توجه إلى الآلهة العظام قائلا أنه لم يعد يستطيع النوم بسبب ضجيج البشر ، ومطالبا الآلهة بإصدار الأمر لإصابة البشر بالوباء .
لكن كان من حسن حظ البشر أن كان بينهم شخص يتعبد للإله إنكي ، أو إيا ، إله الحكمة والخلق ومهارة الصنع ، اسمه أتر- حسيس ،ومعناه الفائق الحكمة . أتر- حسيس توجه إلى إلهه الذي يتكلم معه ويحاوره ، شاكيا ما فعله الوباء ، ومتسائلا إلى متى سيدوم الوباء ، وهل سيتواصل حتى الفناء الكامل للناس ؟

الإله إنكي في رده علمه كيفية التخلص من الوباء ، آمرا إياه بجمع قدماء القوم - الشيوخ والمسنين - ، ليقول لهم أن عليهم إرسال المنادين في البلاد ، ليتوقف الناس عن تكريم الآلهة وعن التضرع للإلهات ، والتوجه للإله نامتار – أحد آلهة العالم السفلي والمكلف بإرسال الوباء – وإليه وحده يقدمون قرابين الأطعمة المطبوخة ، حينذاك سيعمد إله الوباء هذا إلى إيقاف الوباء .
أتر – حسيس ، أو الفائق الحكمة ، نفذ هذه التوجيهات وبالحرف ، أقاموا المعابد لنامتار ، وعندما وجد الإله نفسه مغمورا بالهدايا والأضحيات ، أوقف الوباء .
بعد 1200 سنة أخرى ، تكاثر السكان ، علا ضجيجهم ، حتى أزعج سيد - الآلهة " إنليل " . وكما في أول مرة ، جمع الآلهة وأخبرهم كيف يحرمه ضجيج الناس من النوم ، وقراره بقطع الأرزاق عنهم . يعني ضرب البلاد بالجفاف فالقحط .
نفذ الإله أدد ، إله الرعد والصواعق والمطر ، الأمر . حبس المطر ، وحتى الندى حبسه . كما أرسل الرياح اللافحة لتحمص الأرض وتقتل النبات . هكذا فني خلق كثير .
أتر – حسيس ، كما في المرة الأولى ، توجه لإلهه إنكي ، شاكيا حال الناس ، ومتسائلا ما إذا كان هذا العقاب سيدوم حتى فناء الناس كافة . وأيضا كما في المرة الأولى أمره الإله بأن يتوجه لكبار قومه ، كي يرسلوا المنادين في البلاد ، آمرين الناس بالتحول إلى عبادة الإله أدد ، وتقديم التقدمات إليه وحده .
بنى الناس معابد للإله أدد ، وعندما رأى كيف بات مغمورا بالتقدمات ، حن على البشر ، وأرسل الندى في الليل ، فعادت البساتين للإخضرار ، والنباتات للنمو ، وتوقفت المجاعة .
ومن جديد عاد البشر للتكاثر ، ومن جديد علا ضجيجهم مما أزعج سيد الآلهة وحرمه من النوم . هكذا قرر سيد الآلهة الإبقاء على الجفاف والمجاعة ، مضيفا إليه مراقبة محكمة . جعل الآلهة يؤدون قسما بالمحافظة على الجفاف والمجاعة ، وبعدم السماح لأية رطوبة تغذية الأرض . ولضمان ذلك كلف الإلهين آنو وأدد بمراقبة السماء ، فيما أخذ هو على عاتقه مراقبة الأرض .
الفائق الحكمة وهو يرى ما آل إليه حال البشر ، عمل كل جهده للمساعدة لكن دون نجاح ، إذ باءت جهود الإله بالفشل . ولزم مقام إلهه يبكي . فقد " جفت الحقول المعشبة ، وغطى الملح السهول . في السنة الأولى أكلوا المخزون ، وفي السنة الثانية أفرغوا الأهراءات ، وبحلول السنة الثالثة تبدلت بسبب الحرمان ملامحهم ، كأن وجوههم غطاها طحين حبوب منتشة ، ظهر التغضن على الوجوه ، كانوا جميعهم يطوفون في الشوارع مرهقين ، وضمرت أكتافهم العريضة ، وصغر أكثر وأكثر المكان الذي يشغلون ".
لكن الإله إنكي ، مستجيبا لرجاء وإلحاح خليله الفائق الحكمة ، واصل محاولاته للمساعدة ، ونجح أخيرا في تخفيف حدة المجاعة ، الأمر الذي أغضب سيد الآلهة ، وجعله يعقد اجتماعا لمجمع الآلهة ، وجه فيه الاتهام مباشرة إلى الإله إنكي بمساعدة البشر ، فالإفلات من المصير الذي قرره لهم . لكن إنكي لم يسلم بالاتهام ، وفي دفاع طويل تساءل كيف يطلب منه المشاركة في إبادة مخلوقات قام هو بخلقها ؟
في ذات الاجتماع صادق مجمع الآلهة على قرار سيدهم إفناء البشر بالطوفان . لكن الإله إنكي استغل تفسير حلم الفائق الحكمة – أتر حسيس – ليبلغه ، عن طريق توجيه الحديث إلى حائط وسياج ، بقرار سيد الآلهة إحداث الطوفان . بعدها نرى تطابقا في السرد مع أسطورة الطوفان ،كما وردت في ملحمة جلجامش ، سواء فيما يتعلق بصنع الفلك ، وشحنها بالمؤن وبالحيوانات والطيور ، الأليفة منها والبرية . وكذلك بمجريات الطوفان ذاته ، فرسو الفلك على جبل ، وإطلاق الحيوانات في الاتجاهات الأربعة ، وأخيرا غضب إنليل سيد الآلهة عندما رأى الفلك ، وعلم بنجاة بعض البشر ، ثم إنعامه على أتر – حسيس وقرينته بالحياة الأبدية – الخلود - . لكن هناك تفصيلين صغيرين لم يردا في ملحمة جلجامش . الأول تمثل في وصف ما حصل للبشر ، على لسان الإلهة الأم ، وهي تبكيهم :" وهكذا أيضا انتحبت نينتو ، لماذا أحدثوا إذن هذا الطوفان ؟ ها هم البشر ملأوا البحر ، وكاليعاسيب ملأوا وجه النهر ، ومثل جذوع حطب ، ها هم مكدسون على الشاطئ ، ومثل جذوع محروقة ، ها هم مكومون على الضفة ." والثاني تمثل في اتخاذ إجرارات تحول دون عودة البشر إلى تكاثر يؤدي الضجيج الناجم عنه إزعاج الآلهة ، كي لا يتم اللجوء إلى قرار آخر مثيل للطوفان . وجاءت الإجراءات على النحو التالي : 1- الموت 2 – وجود إمرأة عاقر إلى جانب المرأة الولود .3- وفيات الأطفال . 4- نظام النساء المكرسات اللواتي تحرم عليهن الأمومة .
الطوفان الهيلنستي – اليوناني - ، أو ملحمة بيروز :
وبيروز هو مثقف بابلي وكاهن لمعبد الإله ميردوك في بابل ، جاء بعد قرابة ربع القرن من رحيل الاسكندر الكبير ، وأراد تعريف العالم الهيلنستي على جوانب من الحضارة البابلية ، ومنها ملحمة الطوفان . ترجم بيروز ملحمة الطوفان السومرية مضيفا إليها التالي . 1- أحل اسم الإله اليوناني كرونوس محل الإله إنكي أو إيا السومري . 2- أعطى بطل الطوفان الاسم اليوناني كسيسوتروس بدل زيوسودرا السومري . 3 – كرونوس أعطى تعليمات مباشرة لبطل الطوفان ، بدلا من مخاطبة الحائظ والسياج . والأهم أمره بحفر مخبأ ، يطمر فيه كافة النصوص المكتوبة في سيبار ، مدينة الإله أوتو إله الشمس . 4 – شكلت هذه الخطوة إضافة نوعية لخطوة حمل الحرفيين والصناع على الفلك ، بما يعني إنقاذ الحضارة البشرية ، وحتى لا يعود البشر الناجون لبدء الحياة من نقطة الصفر . 5- الفلك الذي بناه أضخم بكثير من السفينة السومرية ، إذ بلغ طوله 15 ستادا ، أي 3000 م وعرضه ستادين أو 400 متر . 6 - بعد انتهاء الطوفان وخروج من كانوا في الفلك ، وامتثالهم لأمر العودة إلى بابل ، لانتشال النصوص المدفونة في سيبار لكي يتناقلها البشر ،وتوزيع الحيوانات والطيور على الجهات الأربعة ، اختفى كسيسوتروس ولم يظهر من جديد ، وسمع الناجون هاتفا من أعلى يحثهم على الصلاح والتقوى ، لأن كسيسوتروس بفضل تعبده وصلاحه أخذ للإقامة مع الآلهة ، ومعه قرينته وابنته وملاح سفينته . 7 – أعلن الهاتف للناجين أن اسم البلد الذي هم فيه هو أرمينيا وأن الجبل الذي رست عليه السفينة هو جبل كورديين ، وإثر سماع هذه الكلمات ضحوا للآلهة وتوجهوا عائدين إلى بابل مشيا على الأقدام .
الطوفان التوراتي :
يبدأ الإصحاح السادس من سفر التكوين بالإشارة إلى إعلان الرب حزنه وأسفه لأنه عمل الإنسان في الأرض ، بسبب أن شره قد كثر وأن كل أفكاره تنطوي على الشر ، ولذلك قرر أن يمحو من على وجه الأرض ، ليس الإنسان وحده وإنما كل بهائم ، دبابات الأرض وحتى طيور السماء ، مستدركا أن نوح وجد نعمة في عيني الرب .
أبلغ الله نوحا عزمه على إهلاك الأرض :" فقال الله لنوح ؛ نهاية كل بشر قد أتت أمامي ، لأن الأرض امتلأت ظلما منهم . فها أنا مهلكهم مع الأرض * اصنع لنفسك فلكا من خشب جفر . تجعل الفلك مساكن وتطليه من داخل ومن خارج بالقار * وهكذا تصنعه : ثلاثمائة ذراع يكون طول الفلك ، وخمسون ذراعا عرضه وثلاثون ذراعا ارتفاعه * وتصنع كواءً للفلك وتكمله إلى حد ذراع من فوق ، وتصنع باب الفلك في جانبه . مساكن سفلية ومتوسطة وعلوية تجعله * فها أنا آت بطوفان الماء على الأرض لأهلك كل جسد فيه روح حياة من تحت السماء . كل ما في الأرض يموت * ولكن أقيم عهدي معك . فتدخل الفلك أنت وبنوك وامرأتك ونساء بنيك معك * ومن كل حي من كل ذي جسد اثنين من كل تدخل إلى الفلك لاستبقائها معك . تكون ذكرا وأنثى * من الطيور كأجناسها ومن البهائم كأجناسها ومن كل دبابات الأرض كأجناسها . اثنين من كُلٍّ تدخل إليك لاستبقائها * وأنت فخذ لنفسك من كل طعام يؤكل واجمعه عندك فيكون لك ولها طعاما * ففعل نوح حسب كل ما أمره به الله . هكذا فعل " .
كان الله قد أبلغ نوحا أن الطوفان سيبدأ بعد سبعة أيام ، يُتم فيها نوح بناء الفلك وشحنه بكل ما أمره الله . " وحدث بعد السبعة أيام الأول أن مياه الطوفان صارت على الأرض * في سنة ستمائة من حياة نوح ، في الشهر الثاني في اليوم السابع عشر من الشهر ، في ذلك اليوم انفجرت كل ينابيع الغمر العظيم ، وانفتحت طاقات السماء * وكان المطر على الأرض أربعين يوما وأربعين ليلة * " .
إذن حصل الطوفان . رفعت المياه السفينة ، وغطت المياه "جميع الجبال الشامخة التي تحت كل السماء * خمسة عشر ذراعا في الارتفاع تعاظمت المياه ، فتغطت الجبال * فمات كل ذي جسد كان يدب على الأرض ، من الطيور والبهائم والوحوش وكل الزحافات التي كانت تزحف على الأرض وجميع الناس * كل ما في أنفه نسمة روح حياة من كل ما في اليابسة مات * فمحا الله كل قائم كان على وجه الأرض ، الناس والبهائم والدبابات وطيور السماء . فانمحت من الأرض . وتبقى نوح والذين معه في الفلك فقط * وتعاظمت المياه على الأرض مائة وخمسين يوما . "
أخيرا تذكر الله نوحا ومن معه في الفلك . أجاز " ريحا على الأرض فهدأت المياه * وانسدت ينابيع الغمر وطاقات السماء فامتنع المطر من السماء * ورجعت المياه عن الأرض رجوعا متواليا .وبعد مائة وخمسين يوما نقصت المياه * واستقر الفلك في الشهر السابع في اليوم السابع عشر من الشهر على جبال أرارات * وكانت المياه تنقص نقصا متواليا إلى الشهر العاشر . وفي العاشر في أول الشهر ظهرت رؤوس الجبال * " .
نوح كل أيام الطوفان كان حبيسا في الفلك . بعد الاربعين يوما فتح طاقة في الفلك وأرسل منها الغراب ليتعرف إلى ما آل إليه الوضع . ثم أرسل الحمامة من بعده ، والتي عادت دون أن تحط على أرض . بعد سبعة أيام أرسلها من جديد ، فعادت وفي منقارها ورقة زيتون خضراء ، فعرف أن المياه قلت عن الأرض . انتظر سبعة أيام أخرى وأرسل الحمامة التي طارت ولم تعد ، فعرف أن اليابسة ظهرت . رفع نوح غطاء السفينة ونظر فرأى أن الأرض نشفت . وسمع أمر الله بخروج كل ما تم شحنه من كائنات في الفلك .
خرج نوح ومن معه إذن . " وبنى نوح مذبحا للرب . وأخذ من كل البهائم الطاهرة ومن كل الطيور الطاهرة وأصعد محرقات على المذبح * فتنسم الرب رائحة الرضى . وقال الرب في قلبه لا أعود ألعن الأرض أيضا من أجل الإنسان لأن تصور قلب الإنسان شرير منذ حداثته . ولا أعود أميت كل حي كما فعلت * مدة كل أيام الأرض زرع وحصاد وبرد وحر وصيف وشتاء ونهار وليل لا تزال * " .
" وعاش نوح بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة * فكان كل أيام نوح تسعمائة وخمسين سنة ومات * " .
الطوفان في القرآن :
حكاية الطوفان وردت في سورة هود ، وبإشارات عابرة في سورتي الأعراف ويونس . تبدأ الحكاية من الآية 25 وإرسال نوح لقومه الذين لا يُعرفنا القرآن من هم ، وجدل ملأ قومه معه ورفضهم لرسالته . ثم قرار الله بإرسال الطوفان وإهلاك القوم الكافرين ، ابتداء من الآية 36
وكالتالي : { وأُوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون * واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مُغْرقون * ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون * فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم * حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأَهْلَكَ إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل * وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومُرْساها إن ربي لغفور رحيم * وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين * قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين * وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بُعدا للقوم الظالمين * ونادى نوح ربه فقال ربِ إن ابني من أهلي وإنَّ وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين * قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عملٌ غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين * قال ربِّ إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلَّا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين * قيل يا نوح اهبط بسلام مِنَّا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك ، وأممٌ سنمتعهم ثم يمسسهم منا عذاب أليم * تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين * }
وفي الختام :
الرواية القرآنية هنا شديدة الإيجاز ، كما هو حال القصص القرآني ، وحيث الإعجاز في الإيجاز . لكن بمقارنتها مع الروايات الأخرى نتبين أن لا إعجاز فيها ، وإنما غموض مقصود . فالرواية مثلا لا تعلمنا من هم قوم نوح ، وبالتالي لا تعرفنا في أي بلاد أو منطقة وقع الطوفان . والروايات كلها تشير إلى أن الطوفان وقع في بلاد الرافدين ، ولم يعم العالم ، كما تدعي بعض التفسيرات ، التي استندت إلى ارتفاع الماء خمسة عشر ذراعا حتى غطى قمم الجبال ،وإطلاق الغراب والحمامة والسنونو وعودتها دون أن تجد مكانا تحط إليه . هذا بالإضافة إلى اتفاق الروايات ومنها الرواية التوراتية أن غضب الرب ، وقرار إرسال الطوفان ، كان موجها لقوم معين من البشر وليس لكل الأقوام . وعلى كل فإن القارئ للروايات ، والرواية القرآنية في المقدمة ، يستطيع أن يكتشف وبسهولة أنه بصدد أسطورة عن فيضان ، أو طوفان وقع في بلاد الرافدين – العراق – في العصر السومري الأول ، وأن هذا الطوفان ألحق بالبلاد وبالبشر خسائر هائلة . وكان أن السومريين بنوا حوله أسطورة ، حاولوا من خلالها تفسير بعض الظواهر التي رافقت ونتجت عن ذلك الطوفان ، ومنها نجاة بعض الناس . وعليه يمكن للقارئ أن يستنتج وبسهولة أن الأسطورة السومرية هي الأصل ، وأن الآخرين ، إما ترجموها ، كما في النصوص البابلية والكنعانية واليونانية ، مع إضافات تغني النص كما في إضافة مقاييس بناء الفلك مثلا ، أو أنها ترجمة بتصرف ، كما في الرواية التوراتية ، وحيث أطاحت بكل عناصر المنطق في الأسطورة الأصل وأخيرا بتصرف آخر عن الترجمة التوراتية ، فإطاحة جديدة بما تبقى من عناصر المنطق ، كما هو حال الرواية القرآنية .
























كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,649,732,229
- في البحث عن الأمل والسقوط في الأحضان االقاتلة
- تقاطعات بين الأديان 3 الأضاحي البشرية
- الإستراتيجية الفلسطينية .....وضرورة التغيير 3/3 البديل تقصير ...
- الإستراتيجية الفلسطينية ......وضرورة التغيير 2/3 الحركة بفعل ...
- الإستارتيجية الفلسطينية .......ضرورة التغيير 1/2 النشأة والأ ...
- في السياسة ......حديث ذو شجون
- الحجاب بين الاجتماعي والفرض الديني 2/2 القرآن ومجتمع المدينة
- الحجاب بين الموروث الاجتماعي والفرض الديني 1/2
- أوروبا ، الغرب .....والإسلاموفوبيا 2-2 تشخيص النبي ومفهوم ال ...
- أوروبا ، الغرب ......والإسلاموفوبيا 1-2
- قراءة في ثورة الشباب المصري 19 براءة مبارك
- ياحضرات المثقفين .....لطفا بتاريخنا السياسي 2 هل نحن أمام سا ...
- يا حضرات المثقفين .......رفقا بالتاريخ الحزبي 1
- بوكو حرام في نيجيريا ....داروين حرام في فلسطين
- في الذكرى ال 66 للنكبة ....ولكن آفة شعبنا قياداته
- انحدار التعليم إلى أين ؟ وإلى متى ؟ .....التلقين وطريق الخرو ...
- تلك نظم ولى زمانها
- تقاطعات بين الديان 2 صفات الآلهة
- تقاطعات بين الأديان 1 عبد المطلب ( جد الرسول ) هل كان نبيا
- حوار أملاه الحاضر 19 عدالة الإسلام 3 فلسطين اللبن والعسل


المزيد.....




- جبهة العمل الاسلامي: مؤتمر البحرين استمرار لصفقة ترامب
- الأردن.. بدء أعمال المجلس التنفيذي لمؤتمر وزراء الأوقاف بالد ...
- مؤتمر تطبيعي في البحرين تحت شعار التعايش والانفتاح بمشاركة ...
- مرصد الإفتاء: تحذيرات الرئيس عبد الفتاح السيسي بخصوص ليبيا ج ...
- الإفتاء المصرية تصدر بيانا بشأن تحذيرات السيسي حول ليبيا
- نتنياهو يشكر ترامب لنشر مرسوم بحظر التمييز ضد اليهود
- عاهل المغرب يدعو إلى اعتماد خارطة طريق تحدث نقلة في مؤشرات ج ...
- ثالث هجوم خلال أسبوع -حركة الشباب- تقتحم قاعدة للجيش...هل تش ...
- ترامب يصدر مرسوماً يقضي بتعريف جديد لليهودية يقيد حركات المق ...
- البابا تواضروس الثاني يتحدث عن -اللقاء الأول- مع الملك سلمان ...


المزيد.....

- العلمانية في شعر أحمد شوقي / صلاح الدين محسن
- ارتعاشات تنويرية - ودعوة لعهد تنويري جديد / صلاح الدين محسن
- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبد المجيد حمدان - تقاطعات بين الأديان 4 الطوفان