أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - كامل كاظم العضاض - تحليل الواقع السياسي والإجتماعي والثقافي في العراق ضمن إطار إقتصاد ريعي، لابد من تصويبه















المزيد.....



تحليل الواقع السياسي والإجتماعي والثقافي في العراق ضمن إطار إقتصاد ريعي، لابد من تصويبه


كامل كاظم العضاض
الحوار المتمدن-العدد: 5279 - 2016 / 9 / 8 - 00:07
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


تحليل الواقع السياسي والإجتماعي والثقافي الراهن في العراق، ضمن إطار
هيكل إقتصادي ريعي مشوّه، لا بد من تصويبه
د. كامل العضاض*
مقدمة: تحاول هذه الدراسة المركزة أن تبحث في عدد من المحاور بشأن الواقع السياسي والإجتماعي والثقافي في إطار هيكل اقتصادي ريعي مشوّه، لا بد من تصويبه. وعليه، سنتناول في خمسة أقسام وخلاصة أبرز الوقائع، بصورة موضوعية، بمنهجية قياسية كمية في الجوانب اللازمة. في القسم، 1، نشير إلى نبذة موجزة جدا عن خلفية نشوء وتطور الإقتصاد والمجتمع العراقي، وطبيعة النظم السياسية التي تعاقبت عليه، منذ نشأته حتى الآن. وفي القسم، 2، سنعرض بإيجاز سمات تطور الهيكل الإقتصادي، ومن ثم تحوله إلى حالته الريعية الراهنة منذ اكتشاف النفط الخام منذ بداية خمسينات القرن الماضي، وآثار هذه الحالة، ليس فقط على توازن النمو في النشاطات الإقتصادية، وعلى العقلية الإدارية للسلطات الحاكمة وتفردها، وإنما أضحت، بعد تنامي عوائد تصدير النفط الخام، في غنى عن الحاجة لفرض ضرائب ورسوم وغيرها، كما صارت، عمليا، لا تهتم برضى الشعب على أسلوبها لإدارة الحكم، فهي لم تعد ترجع لإرادة الشعب، إلا شكليا. وفي القسم، 3، سنتناول بتركيز كل من المعضلات السياسية الإجتماعية والثقافية، وضعف الوعي اللازم لتصحيح العملية السياسية، مما جعل كل الشعارات المطروحة والخطط الإقتصادية الرسمية تفشل في تحقيق تنمية إقتصادية إجتماعية متنوعة ومستديمة. كما سنشير إلى إفرازات العملية السياسية بعد تغيير النظام الصدامي السابق عن طريق غزو العراق من قبل المحتلين الأمريكان وحلفاءهم، في نيسان 2003، مما ولد، أثناء وبعد الاحتلال، إصطراعات بين القوى الطائفية والمكوناتية، كما نصّبها المحتلون، بل هو، من جهة أخرى، كان تنصيب سعت إليه بإصرار القوى الرئيسة (المعارضة) لصدام ذاتها، آنذاك، وبالأخص منها الشيعية والكردية وكذلك السنية أيضا، ثم نجاحها للأسف في جر الناخبين إلى إعتماد تمثيل المكونات في إنتخاب مرشحيهم، مما شجع أيضا على إشاعة الصراعات الدامية وفسح المجال للإرهاب أن يضرب بقسوة بالغة، وبصورة متواصلة منذ بعيد الإحتلال حتى الآن. كما ساد الفساد والنهب وغياب الكفاءة الإدارية، فضاعت موارد البلاد بصورة غير مألوفة. وفي القسم، 4، سنحاول الإشارة الى بعض الفعل السياسي المتاح أمام القوى الديمقراطية والعلمانية لتحقيق الإصلاح بوسائل ديمقراطية حقيقية، بعيدا عن المحاصصة، من أجل النهوض بالبلاد. وفي القسم، 5، سنعرض خلاصة مع بعض التوصيات الموجزة.
1. نبذة مركزة لخلفية تطور الإقتصاد العراقي، كما أفرزته تطورات البنيتين الاقتصادية والسياسية منذ نشأة الدولة العراقية الحديثة ما بعد الحرب العالمية الأولى حتى الآن:
نوجز بهذا الخصوص بالقول بأن الدولة العراقية تشكلت بعد الحرب العالمية الأولى بمساحة تبلغ 460 ألف كيلومتر مربع، وكان ربعها صالحا للزراعة التي تدهورت لاحقا، وخصوصا بعد تنامي تصدير النفط الذي صارت عوائده هي المورد الرئيس لموزانات الدولة المالية. خضعت الدولة للنظام الملكي الدستوري لغاية إسقاطه في عام 1958، على رغم توجيهه العقلاني للموارد النفطية في الخمسينات آنذاك، بقطع النظر عن الموقف من العهد الملكي، بنسبة %70، إلى مشاريع الإعمار، حيث كان قد أقام مجلسا للإعمار وخصص لمشاريعه لاحقا %50 من عوائد تصدير النفط الخام. وسندرس بتركيز في القسم الثاني التطور الهيكلي النسبي، بعد عام 2003، ليس فقط بخصوص توزيع العمالة على النشاطات الإقتصادية، الإنتاجية والخدمية، إنما أيضا حالة عدم التوازن في نسب مساهمات النشاطات الإقتصادية والخدمية في الناتج المحلي الإجمالي، حيث أفرزت هيكلا إقتصاديا مشوّها لا يلائم تحقيق نمو متوازن، وولدت سوء توزيع للدخل بين شرائح المجتمع، وخصوصا بالنسبة للطبقات الشعبية الغالبة الفقيرة في الريف، أو المهاجرة منه، وضمنها فقراء المدن، مما جعلها سهلة الإنقياد للقوى الطائفية التي إنتهجت تجييش نوازعها الطائفية المذهبية والأثنية لكسب ولاءها.
وعلى الرغم من تمكن النظام الصدامي الذي جاء في عام 1968، بعد عدة انقلابات أقامت نظما عسكرية، فتمكن في عام 1972، من تأميم صناعة إستخراج النفط، مما أثار تفاؤلا بإمكانية تحقيق نهوض تنموي كبير نتيجة السيطرة على عوائد النفط الضخمة، ولكن نظام صدام لم يفتأ حتى شن حربا ضارية ضد جارته الشرقية إيران، إستمرت لثمان سنوات، دُمرت خلالها البنى الإرتكازية العراقية وإستشهد الآلاف من الجنود والشعب العراقي، كما ضاعت موارد ضخمة، وتوقفت التنمية، وتراجع مستوى الحياة، وسادت الديكتاتورية، وضاعت فرص التنمية والحياة. وإستفحل الأمر، بعدما قرر صدام أن يوجّه جيشه لإحتلال الكويت في عام 1990، مما خلق فرصة للقوى العالمية، الولايات المتحدة وبريطانية وحلفائهما بشن حرب مدمرة لإخراج جيشه هذا من الكويت حفظا لمصالحها، ورافق ذلك تدمير المزيد من بنى العراق الإرتكازية، ناهيك عن الشهداء من أبناء القوات المسلحة. ولدى الغزو الصدامي للكويت فرضت الأمم المتحدة، بتأثير أمريكي، حصارا إقتصاديا قاسيا على العراق، مما أدى إلى تجويع الشعب، ومحاصرة النظام وشلّه ولغاية 2003، حيث شنت الولايات المتحدة مع حلفائها غزوا شاملا على العراق لإسقاط هذا النظام واحتلال العراق، بهدف فرض وصاية وسيطرة على تدفق النفط ولمكاسب استراتيجية أخرى في أهم منطقة في الشرق الأوسط. وهذا على الرغم من إيجابية قرار غزوها العراق في تخليص الشعب العراقي من نظام ديكتاتوري قامع للحريات وخانق للشعب في عيشه طالما كان غير ملتحق بأجهزة صدام القامعة والمتمثلة بحزب البعث ومنظماته العديدة وجيشه الشعبي. ولترتيب سيطرتها جلبت قوى الغزو معها بعض المجموعات من المعارضات العراقية المقيمة في بلدان أخرى متعددة، وكان معظمها إسلاموية شيعية وبعضها سنية، وأخرى مستقلة، فأقامت نظاما سياسيا على أساس مكوناتي وطائفي مذهبي وأثني، وللتنفيذ نصبت بول بريمر، كحاكم مطلق خلال السنتين الأولى والثانية من تأريخ الغزو.
وهكذا تحوّل النظام السياسي، إلى نظام إصطراعي طائفي أثني، هيمنت فيه قوى سياسية إسلاموية طائفية إلى جانب الأثنية الكردية، التي إستمكنت في إقليمها في شمال العراق، ساعية إلى فصله بالنهاية عن العراق. ولسنا هنا بمعرض الإسهاب في تفصيل الواقع السياسي المتمخض بعيد الاحتلال وكيفية تحول الديمقراطية التي زعمت أمريكا بأن غزوها جاء من أجل إدخالها للعراق بعد الغزو، إلا أنها تحولت إلى ديمقراطية توافقية تحاصصية مشوّهه وفاشلة، كما سنشير لاحقا.
2. سمات هيكل الاقتصاد العراقي المشوّه وتأثيراته على نمو الاقتصاد العراقي وعلى توازن المجتمع ومستقبله:
يتسم هيكل الاقتصاد العراقي بما يُسمى الحالة الريعية، أي إن العوائد التي تُسمى ريعية، أي المتحققة من تصدير النفط الخام إلى الخارج هي التي تشكل المورد الأول والأساسي لتمويل الموازنات المالية للحكومة، كما تشكل النسبة الأعظم من قيمة الناتج المحلي الإجمالي، كما سنبين في جدول لاحق، حيث لهذا الأمر مضامين وآثار تنموية وإجتماعية. وفي ضوء العرض المركز لخلفية تطور الإقتصاد العراقي أشرنا إلى هجرة ريفية متصاعدة خلال كل الحقب الزمنية، منذ أصبحت الموارد النفطية هي الممول الأساسي للنشاطات الإقتصادية والخدمية، وخصوصا في المناطق الحضرية على حساب سكان الريف، مما أدى إلى تقهقر الزراعة وإرتفاع الخدمات في المدن، وبما شجع، بالطبع، على إستمرار إنتقال اليد العاملة غير الماهرة، عموما، للمدن، وبالأخص إلى بغداد العاصمة. ويشير الجدول أدناه إلى التغيّر في توزيع قوة العمل على النشاطات الإنتاجية والخدمية، بما يعكس حالة اللاتوازن في المساهمات في النشاطات الإقتصادية الإنتاجية والخدمية. فأصبحت الحكومة هي المستخدم الأكبر لتشغيل الناس في أجهزتها، لاسيما في الجيش والشرطة والأمن. وبالنظر لبروز النزعة الإستهلاكية، في ضوء تزايد عوائد الحكومة الريعية، ولإتساع الخدمات العامة والخاصة في المدن، فقد ارتفع حجم السكان من حوالي سبعة مليون نسمة في عام 1958 إلى حوالي 22 مليون في عام 1997، صعودا إلى ما يقرب من 34 مليون نسمة في عام 2012، حسب تقديرات وإسقاطات الجهاز المركزي للإحصاء، أي أن نمو السكان كان يفوق الـ 3%، وبهذا يكون من أعلى معدلات النمو في العالم. وشكلت القوة العاملة في عام 1997 ما يقرب من ربع السكان، وارتفع حجمها من حوالي 5 مليون شخص في عام 1997، إلى ما يقرب من 8 مليون في عام 2011، وإلى ما يقرب من 8.8 مليون شخص في عام 2014. أما توزيع قوة العمل المستخدمة فعلا في النشاطات الإقتصادية، فيبيّنها الجدول الآتي:
1.التوزيع النسبي للمستخدمين حسب النشاطات الاقتصادية: % المستخدمين من قوة العمل
النشاطات الاقتصادية 1997 2011 2014
الزراعة 15 11 8
النفط (مع الصناعة) 8 6 5
خدمات الحكومة العامة 28 30 33
خدمات شخصية 10 12 14
بقية النشاطات 27 18 19
عاطلون عن العمل 12 23 21
المصدر: مستنبطة ومطورة من بيانات الجهاز المركزي للإحصاء في العراق.(1)
يُلاحظ من الجدول أعلاه، ما يمكن إيجازه بالنقاط الآتية:
أولا؛ إن نسبة قوة العمل المستخدمة في نشاط الزراعة قد انخفضت من 15% من مجموع القوة العاملة إلى النصف تقريبا، (%8)، ما بين عامي 1997 و2014، مما يعكس ليس فقط تدني النشاط الزراعي، بل وتزايد الهجرة إلى المدن والمناطق الحضرية، وخصوصا العاصمة بغداد.
ثانيا؛ بينما كانت نسبة قوة العمل في نشاط صناعة النفط الإستخراجية، مدموجة معها (كافة النشاطات الصناعية، العامة والخاصة، على الرغم من صغرحجمها لأن هذه الصناعة لا تتطلب كثافة عمالية)، فقد انخفضت من% 8 إلى %5، أي بنسبة إنخفاض تقارب%38.
ثالثا؛ كما يلاحظ، بوضوح، إرتفاع نسبة العاملين في قطاع خدمات الحكومة العامة من %28 في عام 1997 إلى%33، في عام، 2014، أي بنسبة تزيد على ثلث القوة العاملة، مما سيولّد بالنتيجة مشكلات إجتماعية وسياسية، نظرا لأن ذلك يعني أن ثلث القوة العاملة في القطاع الحكومي لا تنتج السلع الإستهلاكية والإستثمارية، بل هي تنتج خدمات عامة بكفائة متدنية، حيث يقدر البعض أن معدل عمل الموظف الحكومي لا يتجاوز الثلاث ساعات في اليوم فقط، اي أن الإقتصاد العراقي صار يحتضن في نشاطه الخدمي الحكومي بطالة مقنعة بنسبة تفوق ال %20 من قوة العمل ! ومع ذلك إرتفع عدد منتسبيي الحكومة بمقدار إرتفاع تبلغ حوالي% 18 من حجمها في عام 1997.
رابعا؛ أما نسبة العاملين في نشاط الخدمات الشخصية فقد زادت بنسبة %40 في عام 2014، عنه في عام 1997.
خامسا؛ كما إنخفضت نسبة العاملين، في بقية النشاطات، بنسبة تقرب من%70، عما كانت عليه في عام 1997، خلال هذه المدة الزمنية.
سادسا؛ ويلاحظ بأن نسبة العاطلين الفعليين، كما أفصحت عنها بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الرسمية قد تضاعفت تقريبا ما بين 1997 وعام 2011، بينما انخفضت قليلا في عام 2014، حيث تمت تعبئة الحشد الشعبي والإستعداد لمحاربة عصابات داعش التي إحتلت ما يقرب من ثلث الأراضي في شمال وغرب العراق، في حزيران من ذلك العام. وعموما يُقدر عدد العاطلين بما يقرب من مليوني شخص في عام 2014.
وعليه، يمكن الاستنتاج، بوضوح، بأن النشاطات الإنتاجية السلعية، كالزراعة والصناعة، في انحسار، مقابل توسع في نشاطات الخدمات الحكومية والخدمات الشخصية غير السلعية، والتي لا تضيف للإنتاج المادي والتراكم الرأسمالي شيئا، وهذا ما يتوازى مع الحالة الريعية للإقتصاد العراقي، حيث تُستخدم عوائد النفط لتمويل النشاطات الخدمية، بدلا عن النشاطات الإنتاجية السلعية والتراكم الرأسمالي، لاسيما وأن عوائد النفط غير دائمة، لأنها تستند إلى تصدير مورد طبيعي نابض خلال عقود غير طويلة. وبطبيعة الحال، بسبب البطالة العالية التي شكلت ربع القوة العاملة، وبسبب تدني مستوياتها التعليمية، وكذلك أميّة قسم مهم منها، صارا ميسورا للقوى الطائفية، وخصوصا الشيعية أن تستغلها سياسيا وتوظّف عواطفها الطائفية المذهبية للتصويت لها بالإنتخابات ولتوظيفها في مليشياتها.
ويتجلى التشويه في هيكل الاقتصاد العراقي من خلال دراسة نسب مساهمات النشاطات، (القطاعات)، في الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية لنشاطات أو قطاعات إنتاج السلع والخدمات، كما يعكسها الجدول التحليلي أدناه:
2.مساهمات النشاطات الاقتصادية بالنسب المئوية في الناتج المحلي الإجمالي، (النسب % محسوبة للناتج المحلي بالأسعار الجارية)*
النشاطات 2003 2008 2012 2013 2014
الزراعة 14.3 7.5 4.1 4.8 4.4
التعدين والمقالع 51.0 44.8 53.2 46.4 45.0
الصناعة التحويلية 4.3 3.2 1.7 2.4 2.6
الكهرباء والماء 0.7 1.0 1.0 1.8 1.7
البناء والتشييد 0.9 3.2 5.6 8.4 5.1
النقل والمواصلات 3.2 4.2 4.7 5.4 5.1
تجارة الجملة والمفرد 3.3 5.5 6.4 7.5 7.4
المال والتأمين 1.4 1.5 1.6 1.7 1.8
ملكية دور السكن 3.8 5.1 7.3 6.9 6.6
خدمات عامة وشخصية 15.0 18.1 14.9 16.1 18.2
الناتج المحلي الإجمالي 100.0 100.0 100.0 100.0 100.0
قيمة الناتج المحلي الإجمالي **(مليار دولار) ... 130 218 235 222
حصة دخل الفرد الواحد، (ألف دولار) ... 4.3 5.6 6.7 6.2
*جرى تعديل على بعض النسب. وننوه أن تقديرات عام 2014 مقدرة حسب البيانات التاريخية المتوفرة في الجهاز المركزي للإحصاء في العراق. ولا تتوفر حاليا بيانات عن عام 2015، حسب البيانات المنشورة.
(...): البيانات المقدرة لسنة 2003 غير متوفرة أو غيردقيقة.
**مستقاة من المصدر: http://www.cosit.gov.iq/en/national-accounts-e (2)
ونوجز أدناه أهم الملاحظات التحليلية حول دلالات نسب مساهمات النشاطات أو القطاعات أعلاه في الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية:
أولا؛ يبدو واضحا بأن مساهمة قطاع الزارعة، (ومن ضمنها الصيد وتربية الحيوانات)، في الناتج المحلي الإجمالي قد هبطت من %14.3 إلى مجرد %4.4 من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي، أي تدنت بمقدار ثلثي ما كان عليه حجم نسبتها من الناتج المحلي الإجمالي قبل عقد واحد من الزمن فقط. ومن مضامين هذا التدني في الإنتاج الزراعي الموجّه أساسا للاستهلاك، بالتزامن مع زيادة عدد السكان المستهلكين في المناطق الحضرية أدى ويؤدي إلى إرتفاع النزعة الاستهلاكية التي لا يمكن سدها إلا عن طريق زيادة الإستيراد من الخارج، وبالتالي صار لزاما توجيه المزيد من عوائد تصدير النفط لتمويل الاستهلاك على حساب تقليص الفوائض التي كان يمكن تخصيصها للإستثمار بهدف زيادة التراكم الرأسمالي، أو تكوين رأس المال الثابت لصالح الأجيال القادمة.
ثانيا؛ أما بالنسبة لنشاط أو قطاع التعدين والمقالع، فهو يتمثل أساسا بنشاط إنتاج وتصدير النفط الخام مدمجا معه نشاط قلع الأحجار وبعض الموارد الطبيعية الأخرى، كالرمل والفوسفات وبعض الخامات الضئيلة الأخرى، فإنه يشكل ما يقرب ويزيد قليلا عن نصف إجمالي الناتج المحلي كله، وتترواح نسبته ما بين%51 و%45، مما يعكس إعتماد الإقتصاد العراقي على إنتاج النفط الخام. وهو وإن كان يشكل مصدرا مهما للعملة الصعبة وموردا أساسيا لتمويل الموازنات المالية للدولة، ولكن أسعاره وبالتالي عوائده تتحكم بها عوامل التجارة الخارجية، ولذلك ليست هناك حالة من التيقن والإستقرار لأسعار النفط العالمية، كما حصل بعد عام 2012، حيث إنخفض سعر البرميل من النفط الخام من 100 دولار إلى أقل من 40 دولار، ولا يزال دون الـ 45 دولار حتى الآن. ولهذا تعرضت الموازنة المالية إلى عجز كبير بلغ في عام 2016 بما يقرب من 28 مليار دولار، ارتُئيَ تغطيتها عن طريق الإقتراض من الصندوق الدولي، وعن طريق إصدار سندات محلية، فضلا عن مصادر التمويل من إحتياطيات البنك المركزي. فمن خصائص الريعية المرتبطة بالتجارة الدولية هو إنعدام التيقن والإستقرار في مصادر التمويل، لاسيما وأن الإنتاج المحلي في القطاعات الإنتاجية الوطنية، كالزراعة والصناعة آخذ بالتقلص بدلا عن الارتفاع، كما أشار تحليلنا أعلاه. والأدهى من ذلك، هو حصول الهجمات الداعشية التي تسببت باحتلال ما يقرب من ثلث مساحة العراق، حيث تعرضت محافظتا الموصل والأنبار إضافة إلى صلاح الدين إلى الاحتلال والتخريب والإرهاب. وعليه، فالمجهود الحربي لمحاربة هذه العصابات الإرهابية تطلب تعبئات عسكرية رسمية وقوات شبه مستقلة، كالحشد الشعبي، مما تطلب أيضا تخصيص موارد وإنفاقات هائلة. وكل ذلك أدى إلى تعطيل الإنفاق على المشاريع الإستثمارية. كما لعب الفساد دورا مؤثرا في هذا المجال، وسنشير لاحقا إلى ذلك. والجدير بالذكر هو أن عوائد النفط المصدر التي تشكل نصف الناتج المحلي الإجمالي أضحت مواردا متاحة بدون شقاء التصنيع والمنافسة، فصارت كالمال السائب تلعب به القوى المتنفذه وأتباعها، وبذلك لم تعد هذه القوى تعبأ كثيرا بموارد يدفعها الشعب، كضرائب ورسوم أوغيرها، ومن هنا ايضا لم تعد المعارضة الشعبية ضد هذه القوى الحاكمة وفسادها فاعلة لأن الشعب لايملك قوة تمويلية للتاثير على الحكام عن طريق حجبها مثلا. بل بالعكس، فالنسبة العظمى من الشعب تعتمد في عيشها على ما تدفعه الحكومة من رواتب وإجور وإعانات، كالبطاقة التأمينية والخدمات الصحية والتعليمية وغيرها.
ثالثا؛ أما النشاط الصناعي بقسميه العام والخاص فقد تقهقرت نسبة مساهمته في توليد الناتج المحلي الإجمالي من %4.3 إلى %2.6، أي بمقدار يقارب %40، من هذا النشاط، مما أدى إلى نزف موارد الدولة بالعملة الصعبة لسد الطلب المحلي عن طريق الإستيرادات.(انظر مصدر الجدول أعلاه).
رابعا؛ ويلاحظ بأن نسبة المساهمة القطاعية في الناتج المحلي الإجمالي، لنشاط توليد الطاقة الكهربائية، فبرغم إرتفاعها النسبي، من %0.7 الى %1.7في عام 2014، إلا أن هذا النشاط فشل في تلبية تغطية الطلب المحلي، مما دعى الحكومة إلى إستيرادها من المنظومة الإيرانية المجاورة بمبالغ باهظة، مع أن الحاجة المقدرة للطاقة الكهربائية تصل إلى حوالي 22 ألف ميكاوات، ولكن ما توفر لا يسد نصف الحاجة، فإنقطاعات الكهرباء تدوم أحيانا لسبع أو حتى عشر ساعات باليوم، مما دعى لإستخدام المولدات، رغم تكاليفها العالية وتلويثها للبيئة. وكل هذا على الرغم من المليارات التي أُنفقت على هذا القطاع خلال العقد المنصرم وخلال السنوات الأخيرة منه.
خامسا؛ ونلاحظ أن قطاع التشييد والبناء قد نما نسبيا، وخصوصا خلال السنتين الأخيرتين من السلسلة، ولو أنه إنخفض في عام 2014 إلى% 7.2، عنه في سنة 2013، الذي كانت قد بلغت عندها نسبة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي %8.4.
سادسا؛ أما بقية النشاطات أو القطاعات فتراوحت نسب مساهماتها، ولكنها تشي بالارتفاع النسبي غير الكبير، ولكن بالنسبة لقطاع الخدمات الحكومية ومع الخدمات الشخصية، فقد ارتفعت مساهمته إلى %18.2.2، مقارنة بعام 2003 في عام 2014، حيث كانت قد بلغت %15 فقط.
سابعا؛ ماذا نستنتج؟ نلاحظ أن القطاع الضارب هو قطاع إستخراج النفط، وأن النشاطات أو القطاعات السلعية المهمة ذات الآثار التنموية المحلية في تقهقر، أما النشاطات أو القطاعات الخدمية والتجارية فهي تنمو حسب نمو القطاعات السلعية، ولكن وتائرها تتحدد بوتائر نمو تلك القطاعات، فإن ضعفت تضعف مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي، حتى ولو ارتفعت نسبيا، فنموها مرتبط بنمو القطاعات أو النشاطات السلعية. ويبدو واضحا أن الحالة الريعية معيقة ليس فقط للنمو المتوازن، بل وتخلق حالة تكون فيها السلطة الحاكمة متفردة وغير مهتمة بكسب رضى الشعب، لأنها لا تستقي منه مواردها، بل تأتيها متدفقة من صادرات ريعية من تصدير النفط الخام، فهي ليست بحاجة لفرض ضرائب ورسوم مهمة، وبهذا فقدت الجماهير الواسعة سلطتها لفرض إرادتها عند قيام الحاجة، بل هي الأخرى ما فتئت تصوت لنفس القادة والقوى السياسية، ليس على أساس الأداء، بل رضوخا لموجبات الإنتماء الطائفي والأثني، ولربما لدفعها عمليا للإرتزاق من خلال الزعيق الطائفي الذي ما فتأت القوقى الإسلاموية الطائفية تجيشه، بعيدا عن المعيار الوطني للمصالح الوطنية العابرة للطائفية والفوارق الدينية والأثنية. هذه الظواهر باتت تضرب اليوم جذورها في الإقتصاد العراقي، مما يستدعي وضع استراتيجيات تنموية كفيلة بالخلاص منها، ومن إعتماد الإقتصاد العراقي على قطاع إستخراج وتصدير النفط الخام الأحادي، والتوجه لإستثمار عوائده في القطاعات الإنتاجية الأساسية؛ الزراعة والصناعة والبنى الارتكازية، وعلى وفق خطط وطنية متوسطة وبعيدة الأمد، وذلك من أجل إعادة التوازن للهيكل الاقتصادي ومن أجل تصنيع النفط لا تصديره خاما وبصورة تدريجية؛ وهذا موضوع آخر اشرنا له في دراسات أخرى متخصصة، (3).
تأسيسا على ما تقدم، يمكن القول بأن الإقتصاد فقد أهليته للنمو المتوازن والمستديم، وذلك للفشل في تحويل الفوائض من العوائد النفطية بصورة فاعلة للإستثمار في النشاطات السلعية الإنتاجية التي تساهم في تحقيق تراكم رأسمالي، من جهة، لصالح الأجيال القادمة، ومن جهة أخرى، للتقليل أو حتى الإستغناء في النتيجة عن الإعتماد الكلي على صادرات النفط الخام، كمورد طبيعي ناضب حتما في زمن ليس بعيد، وذلك عن طريق تنمية القطاعات الإنتاجية الأساسية التي تتوفر لها مزايا تنافسية مقارنة، comparative advantages، وهي قطاعات أساسية لإنتاج السلع الاستهلاكية والرأسمالية، كما في الزراعة والصناعة والبنى الارتكازية والتشييد والبناء والماء والكهرباء والنقل والمواصلات والبيئة والأبنية الخدمية والصحية والتعليمية والتأهيلية وما شابه. وهذا يعني ضمنا تنويع الإقتصاد وإستدامة نموه وتوسيع قاعدته وطاقاته الإنتاجية لصالح الأجيال القادمة، بدلا عن ضياع الموارد النفطية الناضبة في الأمد المنظور، وضياع فرص تحقيق المستقبل من أجل بناء عراق ناهض ومستديم، ومن أجل وضعه على طريق الرقي والازدهار (4)، وبالإضافة إلى هذا الفشل الواضح في تنمية الإقتصاد العراقي وإحتمال ضياع فرص إزدهاره للمضي به نحو مستقبل آمن، هناك عوامل أساسية تتمثل أساسا في طبيعة نظام الحكم ونوعية العملية السياسية، وأداءها الفاشل، وتناحر لاعبيها السياسيين، سواء منهم الذين شكلوا الحكومات، أو الذين شاركوا فيها على أساس المحاصصة منذ عام 2005 حتى الآن. ويُمثّل نظام الحكم بهيئاته الثلاث، التشريعية الممثله بمجلس النواب والسلطة التنفيذية الممثلة بالحكومة المشكلة بموجب محاصصات الأحزاب الطائفية والأثنية، ورئاسة الجمهورية، فهذه كلها تشكل الإطار التنظيمي للإقتصاد ولإدارة المجتمع ولرسم سياساته، فإن فسدت، عموما، فسد وتعوّق النمو وهُدرت الموارد، بسبب الفساد الذي صار طاغيا، حسب بيّنات صارخة ومتواترة خلال ما يزيد على عقد من الزمن، وكان آخرها ما أعلنه السيد وزير الدفاع في جلسة إستجوابه في مجلس النواب يوم 1 آب 2016، على الرغم من عدم إمكانية إثباتها بالأدلة القاطعة خلال جلسة إستجوابه، وهي بحاجة إلى تحقيقات قضائية نزيهة. بل وحتى على وفق ما أعلنه السيد رئيس الوزراء عن وجود ظواهر فساد طاغية ينوي التصدي لها ببرنامجه الإصلاحي حسبما ادعى، وهو ادعاء ينبغي أن يستند إلى التشخيص والإثبات، وإن كانت كظواهر، في الواقع، معروفة للعارفين من داخلهم. وعليه، يجدر بنا الآن أن نتناول بتركيز في القسم 3 أدناه، أهم المعضلات السياسية والإجتماعية مع إشارة مركزة إلى مشاكل وإفرازات الواقع السياسي والإجتماعي وطبيعة الإصطراعات السياسية للقوى السياسية الحاكمة بغالبيتها الشيعية والأحزاب االسنية والكردية المشاركة معها، والتي تلعب في الوقت نفسه دور المعارض والمتنافس والمتناحر، ولكنهم، مع ذلك، يتقاسمون الإمتيازات والمناصب مع الشيعة، ويعارضونهم ويتناحرون معهم في آن، بل ويشاركون الشيعة في المناصب الأساسية؛ فرئيس السلطة التنفيذية من الأغلبية الشيعية، أي السيد رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي، ورئيس السلطة التشريعية السيد سليم الجبوري، رئيس مجلس النواب من السنة، ورئاسة الجمهورية لفؤاد معصوم من الكرد، مما يعكس حالة غريبة لسلطة حاكمة تتصرف، بموجب انتماءآتها الدينية الطائفية والأثنية في إدارة مهامها، بهدف التمتع بالإمتيازات والصلاحيات وما يَجمعون من فيء ويحيطون به أنفسهم بحمايات مغالية، بدلا عن التعاون معا على وفق خطة شاملة للنهوض بالإقتصاد والمجتمع وعلى وفق مفهوم عقلاني، يقوم على أساس مبدأ المواطنة العراقية، وإعتبار العراقيين كلهم هو الشعب الذي يتوجب أن يخدموه، وليس طائفتهم أو أثنيتهم. ولمزيد من الإيضاح ننتقل إلى القسم 3 أدناه.
3. المعضلات السياسية والإجتماعية والثقافية في الواقع السياسي العراقي، ضمن إطار إقتصادي ريعي لم يوظّف للإستثمار بكفائة، لتنويع وتنمية الإقتصاد العراقي:
أشرنا آنفا إلى أن الإطار الإقتصادي يشكل الحاضنة الأساسية للنمو ولزيادة الإنتاج والدخل، ولكنه، حينما يكون مشوّها، فهو يؤثر بقدر ما يتأثر بحاضنته هو الآخر، أي حاضنته التنظيمية والمؤسسية، والتي تمثل السلطة التي تخطط وتنفذ وتصدر القرارت بشأن مسيرته ونهوضة وتنويعه وتكامله من أجل تحقيق تنمية مستديمة، بعيدا عن الريعية والتشوّيه المعوّق للتوازن ضمن تشابكات نشاطات عوامل الإنتاج الموظّفه للموارد البشرية المنتجة. ولعلنا هنا نعرض ونناقش إفرازات تدني العملية السياسية وحالة واقعها السياسي التحاصصي، بالتوازي مع حصيلتها المتمثلة بفشل التنمية وتشوّه الإقتصاد بهيكليته غير المتوازنة، وما إنطوت عليه هذه العملية السياسية من فساد وهدر موارد وإرهاب وتسلط قادة سياسيين يغلب عليهم الطابع الإصطراعي الطائفي والأثني وغياب الكفاءة والتأهيل والخبرة والحصافة. ونوجز في أدناه، أهم ما تمخض ويتمخض عن العملية السياسية القائمة من ظواهر ومعضلات سياسية وتنظيمية إدارية، وفساد مالي وأخلاقي مناف ليس فقط للأمانة، عموما، إنما أيضا بما ينّم عنه من جهل وانتفاعية، في ظل غياب شبه طاغ للإلتزام بمبادئ الوطنية العراقية.
أولا؛ تم بناء العملية السياسية على أساس المحاصصة الطائفية والأثنية؛ فعن طريق هذه المحاصصة المبتَدعة تم تشويه الديمقراطية المفترض قيامها على أساس مبدأ المواطنة العراقية، وذلك بابتداع ما سُمِّي بالديمقراطية التوافقية التحاصصية، والتي باتت توظّف لخدمة المصالح الفئوية، الطائفية والأثنية، إذ في ظلها تحاول أحزاب الأغلبية الشيعية استرضاء الأقلية من الأحزاب الطائفية السنية والكردية، والقليل من أقليات دينية وأثنية أخرى عن طريق إشراكها معها بالسلطة بنسب، تُقرر في ضوء نسبة عدد مقاعدهم النيابية، بهدف إسكات معارضتهم قدر الإمكان. ونجمل أهم أسباب فشل هذه الأحزاب المشكّلة للسلطة في ضمان إستقرار البلاد وتنفيذ المشاريع التنموية، كما تضعها الخطط الإقتصادية الوطنية: خطة، الأعوام 2010- 2014، وخطة الأعوام 2013- 2017، وخطة الطاقة للأعوام 2017- 2030، (صادرة عن وزارة التخطيط)*، كالآتي: أ- على الصعيد التنفيذي تغيّب أو يتم تجاهل الأهداف وتُهمل برامج التنفيذ الواجب رسمها، والتي يتوجب أن تحملها وتعرضها الأحزاب السياسية لخوض الانتخابات. ب- حين يتم التصدي لإدارة عمل الحكومة المشكلة بعد فوز حزب الأغلبية، بدون رؤية وخطط عمل، يتم، عادة، الركون إلى التجريب وربما إعتماد مشورة موظفين إعتادوا مواصلة عملهم على وفق السياقات الجارية، والوزير الجديد يكتفي بالأمر والنهي وتنفيذ ما تمليه عليه قرارات مجلس الوزراء بغض النظر عن التقويم الفني أو دراسة الآثار والنتائج لهذه القرارات، وربما بدون تحديد أولويات، أوحكمة في إستغلال الموارد المحدودة والمتاحة. ج- وقد يُهمل أو لا يُشرك الخبراء والفنيين القادرين الموجودين في معظم الوزارات لتولي مسؤولية تنفيذ الخطط الإقتصادية التي تعدها، عادة، وزارة التخطيط، مما يؤدي إلى تدني كفاءة الأداء الإداري والتنظيمي، ويُضعف جهود المتابعة وإعادة التقويم لمتابعة سير تنفيذ المشاريع الإستثمارية، تحت التنفيذ، فقد بينت وزراة التخطيط بأن نسب التنفيذ للمشاريع الاستثمارية لم يصل، في أحسن الأحوال، إلى مجرد %20 من التخصيصات المحددة على وفق المنهج الاستثماري (4)، ولكن من جانب القادة والوزراء أنفسهم فهم لا يتساهلون في تأخر قبض رواتبهم الضخمة وتخصياصتهم وما يلحقها من أجور حماياتهم وصيانة سياراتهم وامتيازاتهم وعلاجاتهم في الخارج وأسفارهم.
ثانيا؛ وبسبب المحاصصة، يُعين الحزبيون والمناصرون للحزب الإسلاموي الشيعي وكذلك الأحزاب والجماعات السنية، عادة، على وفق الولاء للكتلة النيابية و/أو الحزب، شيعيا كان أم سنيا أم كرديا على وفق مبدأ الولاء والطاعة للكتلة أو الحزب أو رئيس الكتلة أو رئيس الحزب أو المجموعة السياسية. مما يُفضي، غالبا، إلى إنتقاء أشخاص غير متخصصين، وبالتالي غير أكفاء في إدارة وزاراتهم بكفائة وإقتدار ومسؤولية. وحيث تجري حمايتهم على أساس الولاء الطائفي للحزب أو الكتلة. ومثل هذا الوزير، طالما هو محمي بفعل الوازع الطائفي أو الأثني، من جهة، وطالما مباح له أن يزايد في حرصه الطائفي أو الأثني، فيعين أقرباءه ومريديه ومن يجدهم موالين صاغرين، يجندون أنفسهم لخدمته وليس العراق، من جهة أخرى، وفي منظومة كهذه، لا تغيب المسائلة فقط، إنما يتفشى الفساد المالي والأخلاقي والولاءات المصلحية، سواء منها للوزير نفسه أو للقادة أو لرئيس الكتلة. ولكن مثل هذه الولاءات ليست داخلية مباشرة للوزير فقط، وإنما هي أيضا ولاءات الوزير لطائفته ولحزبه و/أو لرئيس كتلته. كما قد تكون الولاءات خارجية لجهات خارجية، محلية و/أو إقليمية أو حتى أجنبية، قد يصعب تشخيصها. فضلا عن هذه الأسباب المفضية إلى عدم الكفاءة وخلق شروط مواتية للفساد المالي والأخلاقي المبطن. أضف إلى ذلك، دأبت الأحزاب الإسلاموية الطائفية الشيعية، بما فيها التيار الصدري إلى إنشاء مليشيات عسكرية، توظّف، عادة، للإستعراض، وإسميا لمحاربة الإرهاب، وتشكيل نوعا من التنافس التحذيري للجيش الرسمي، ولفرض حالة من الهيمنة والتهديد أمام قيام أية تمردات أو نهوض جماهيري، لاسيما حين تطالب بإسقاط النظام الطائفي، و/أو حتى الاحتجاج. ولا تستهدف المليشات في توجهها الأساسي محاربة الإرهاب ولو أنها، في الواقع، وتحت ضغط مرجعية السيد السستاني، إئتلفت هذه المليشيات في منظومة الحشد الشعبي لمقاتلة داعش بالأساس. والحق يقال أن الحشد بعد أن زاد عدد منتسبيه من عموم الناس قد لعب ويلعب دورا مؤثرا في مقاتلة الإرهاب الداعشي، وساهم بفعالية في تحريرالأنبار والفلوجة إلى جانب الجيش العراقي والقوات الأمنية، وربما سيكون له دور في تحرير الموصل من قبضة عصابات داعش منذ احتلالها شمال وغرب العراق في حزيران من عام 2014. ولكن، من حيث المبدأ ولصيانة وحدة البلاد والسيادة الوطنية، يجب أن يكون هناك جيش وطني واحد لا غير مع قوى عسكرية تابعة له تماما، ولكن ليس خارج سيطرة الحكومة المركزية. وفعلا، اتخذ السيد رئيس الوزراء قرارا لربط الحشد الشعبي بقيادة القوات العراقية المركزية، وهو إتجاه تستلزمه صيانة وحدة العراق تحت قيادة عسكرية، يكون واجبها المقدس حماية حدود العراق ضد أي عدوان خارجي يأتي من خارج الحدود، لاسيما وأن العراق يتعرض أيضا لتهديدات إنفصالية، وهي ليست حقا دعوات من أجل تطويرالنظام الإداري للدولة العراقية، ليصبح أقل مركزية، أو، للتحول بدرجة مدروسة، إلى نوع من اللامركزية المفضية إلى درجة من المرونة الإدارية اللازمة لتحفيز الأداء في المحافظات والإقليم، ولتنشيط الفعاليات المحلية المنتجة، بدلا عن الخضوع إلى نظام مركزي بيروقراطي بطيء وغير كفوء. فهكذا نظام لامركزي قد يساعد في تحقيق نمو متوازن جغرافي واجتماعي، حيث سيؤدي إلى رفع كفاءة السلطات المحلية من إدارات وبلديات ومنظمات جماهيرية في كافة محافظات العراق الموحد. وبسبب الضخ والتحشيد الطائفي نشأت حالة من التشتت والضعف، مما سهّل ووفر فرص مواتية لتفشي الإرهاب بقيادة عصابات إرهابية، كالقاعدة وداعش، بمساندة قوى محلية معارضة بقيت من مخلفات النظام الصدامي السابق. كما لعبت التدخلات الإقليمية والقوى المعادية لوحدة العراق وإستقراره وتطوير نظامه الديمقراطي دورا مهما في إبقاء النظام السياسي في العراق مشوّها لا يقوى على التطور إلى نظام ديمقراطية ناضجة ووطنية مدعومة بوعي وطني، بعيدا عن الطائفية والتشرذم وهيمنة المتسلطين الذين دأبوا على مسخها وتوظيفها لخدمة مصالحهم النفعية، وفسادهم الطائفي والأثني. وذلك بالإضافة إلى تفشي الفساد الطاغي، حيث، رغم الطمطمات، هناك المئات من حالات الفساد المالي والمخالفات الصلفة، والتي أُحيل قسما منها للمحاكم، حيث جرى إصدار أحكام مخففة على بضعة عشرات منها. فضلا عن قضايا فساد متخفٍّ عن طريق الإستحواذ الفعلي على ممتلكات الدولة والقصور الرئاسية للنظام السابق والأراضي والعقارات، لسكنها، و/أو بيعها، ومنها، مثلا، حالة مسكن السيد عمار الحكيم، زعيم المجلس الأعلى الإسلامي، في بغداد، وغيره كثيرون من قادة العراق الإسلامويين المتربعين على كراسي الحكم اليوم، من الذين يسكنون قصورا من أملاك الدولة، وبعضها مقابل أجر اسمي تافه للتغطية. (أنظر تحقيقا في صحيفة الأخبار- Akhbaar، نُشر بتأريخ 22 آب 2016). ولعدم توفر بيانات تفصيلية عن الفساد المالي، على الرغم مما نسمعه عن أسماء أشخاص وشخصيات أُحيلوا أو اتُّهِموا بالفساد بالأسماء، ولكن، من الناحية المنطقية دعنا نحاول أن نحسب عوائد العراق النفطية منذ عام 2004 ولغاية عام 2015، نجد أنها تصل إلى ما يقرب من تريليون دولار، بينما حُسبت قيمة التخصيصات الإيرادية في الموازنات المالية للدولة، لهذه المدة حوالي 640 مليار دولار، حيث تُشكل الإنفاقات الجارية نسبة %70 منها، و%30 للإستثمارات. وقد قدرت وزارة التخطيط أن نسبة التنفيذ السنوي لتلك التخصيصات للمشاريع الاستثمارية لم تتجاوز الـ %20 فقط. وهنا نلاحظ أنه خلال هذه المدة وهي 11 عاما أن الفرق بين الإيرادات النفطية والإيرادات المخصصة للموازنات المالية لأكثر من عقد من الزمن بلغ 360 مليار دولار. والسؤال المنطقي أين ذهب هذا الفرق الكبير؟ ولماذا بدأت الموازنات وخصوصا للعام الأخير 2016، تعاني عجزا بمقدار حوالي 28 مليار دولار؟ وإذا كانت نسبة التنفيذ لتخصيصات الإستثمارية هي مجرد %20، فأين ذهب الباقي من تخصيصات الإستثمارية التي لم تُنفق (5)؟ إنها ذهبت للفساد والسرقة والإختلاس والتبذير، وهناك أدلة نقرأ ونسمع لماما عنها، ولكن الشعب لا يعرف كل الحقائق. وفي رأينا، إننا لا نحتاج الآن لتفصيل السرقات لأننا، بصراحة، لا نملكها، ولكننا نسمع بعض الحالات القليلة المعزولة عن إسترجاع سرقات من صغار الموظفين الحسابيين، بين فترة وأخرى، أما الحيتان الكبيرة، فلا أحد يسمع عنها، لأن هناك من يطمطم لها، فهم محميون. من هنا نخلص أن القادة والمسؤولين، وخصوصا رئيس مجلس الوزراء السابق السيد نوري المالكي الذي استمر حكمه لثمان سنوات، هم، بالأساس، المسؤولون عن هذا النهب، حتى ولو لم يمارسوه بأنفسهم. وتمثل هذه الظاهرة أخطر إفرازات العملية السياسية بقيادة الأحزاب الإسلاموية الشيعية والسنية ايضا، ناهيك عما يُخصص لإقليم كردستان، حيث الحكومة الاتحادية لا علم ولا اطلاع لديها بكيف تُنفق نسبة الـ %17 من الموازنة المالية الممنوحة لها من قبل الحكومة الاتحادية كل عام، وفقا للموازنة المالية السنوية. فالحكومة المركزية لم تكون قادرة على أن تطالب حكومة الإقليم بكشف حسابات مالية مفصلة، لتقدير ما يخصص سنويا لها، من أجل معرفة ليس فقط مآلها، إنما أيضا لتخطيط إستخدامات العوائد النفطية بدراية وتدبير وتنسيق مع حكومة الإقليم التي يُفترض أنها جزء من الدولة العراقية، ولكن هل الإقليم هو كذلك؟ لنترك هذا السؤال للعارفين ! ومع ذلك له حق بنسبة %17 من عوائد العراق النفطية. والسؤال لماذا إذا كانت حكومة الإقليم ليست لها شأن بحكومة العراق الاتحادية ؟ ومع ذلك ورغم ذلك، يشارك الكرد من الإقليم في مجلس النواب في الحكومة الاتحادية بحوالي 40 مقعد، ولهم خمسة وزراء في هذه الحكومة، ولهم موظفون بنسبة محسوسة في السفارات العراقية في الخارج. والحقيقة هذه قضية تتطلب دراسة متخصصة موجعة، ولكن كل الحكومات الإتحادية عجزت أو تغافلت، أو حتى لم تحاول معالجة هذا ألأمر الخطير، فوحدة العراق التأريخية، في رأي البعض، لم تعد موجودة بالنسبة لإقليم كردستان، ولكن، ويمكن القول بأن وجود دستور مضلل في مجال الحفاظ على وحدة وسيادة العراق أدى لتوفير إمكانية ليس فقط لإقليم كردستان، إنما أيضا للمحافظات السنية وحتى الشيعية، في الوسط والجنوب إمكانية لتشكيل أقاليم هي أقرب لكيانات مستقة تحت تسمية أقاليم على غرار إقليم كردستان، أي لتكون حتى أقرب لكونفدرالية منه إلى فدرالية، مما يمنع توفر الشروط الوحدوية في حدها الأدنى، مما يشجع بعض المؤثرين للدعوة للإنفصال. والمسألة لا تتعلق بأهمية وجود لامركزية تعزز كفاءة الأداء وتسهّل إستخدام الموارد الطبيعية، وما يترتيب عليها من عوائد، كتلك الناشئة عن تصدير النفط الخام لتعمير العراق كله لكل العراقيين، أينما كانوا، بل لتعبئتها، بموجب خطط إقتصادية مدروسة لتحقيقق نمو متوازن ومتكامل لجميع محافظات العراق وإقليمه الكردستاني، وذلك بتوظيف الخبرات النادرة، ومتابعة التنفيذ والإنجاز ضمن آفاق زمنية مدروسة. بيد أن الواقع منذ التغيير في 2003، يعكس تفاوتات في مسيرة التنمية أو حتى غيابها في بعض المحافظات، إلى جانب وجود مشاريع متلكئة لسنوات في بعض المحافظات والمناطق الجغرافية من البلاد. ونلاحظ، بسبب غموض المادتين 111 و114 اللتين تنصان على أن النفط هو ملك لكل العراقيين أينما كانوا، وأن التشريع الصادر لتنفيذ المشاريع الإنمائية من قبل كل من الحكومة الاتحادية والإقليم أساسا، يقوم على أساس التعاون والتنسيق التام ما بين صلاحيات الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان، لضمان كفاءة وحسن التنفيذ وعقلنة إستخدام الموارد لصالح التوازن وضمان عدم هدر الموارد وحسن إستخدامها. (6) لكن، يبدو، في ضوء التجربة، أن هذا الأمر لم يحصل، وخصوصا من جانب إقليم كردستان الذي وضع يده على حقول النفط في الإقليم، وصار يصدر النفط الخام مباشرة، وحين يدفع نسبة من النفط المستخرج للحكومة الاتحادية، فإنه يطالب ويحصل ايضا على %17 من الموازنة المالية السنوية التي يستقل تماما في التصرف بها، بعيدا عن الرقابة والتدقيق، مما جعله عمليا مستقلا إقتصاديا، بل يكاد أن يكون مستقلا سياسيا أيضا. والأكثر من ذلك، نجد أن حكومة الإقليم تدعو الآن إلى الإنفصال أو الإستقلال التام، وهو، مطلب قد يكون مشروعا لتقرير المصير، ولكنه، هل يصب في مصلحة الشعب الكردي في الإقليم؟ ونقول، إذا كانت التنمية هي هدف الجميع لاستغلال الموارد الشائعة في جميع أنحاء العراق، فإن الانفصال الكردستان قد لا يقود لمصلحة الشعب الكردي لعدة أسباب؛ منها؛
أ‌. إن الخزين النفطي في المناطق الكردية في الإقليم، حسبما حددها قانون الإقليم بموجب قانون المحافظات والإقليم في عام 2005، يبلغ حوالي 40 مليار برميل، وهذه كمية تنضب خلال أقصى مدة لا تزيد على عُشر المدة التي سينضب بعدها نفط العراق كله، إذا افترضنا أن الإقليم ينتج ويصدر ما يقرب من 680 ألف برميل يوميا، ثم يضاعفها تدريجا، بينما الخزين النفطي في العراق كله قد يصل حسب تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى ما يزيد في الحد الأقصى إلى 400 مليار برميل، (7- انظر منشورات منظمة الطاقة الدولية)، وبافتراض إنتاج وتصدير ما يُقدر بـ 3.5 برميل يوميا، حسب بعض التقديرات، فإن النفط، كمصدر أساسي للعوائد سيدوم في العراق، ككل إلى أكثر من 140 سنة. فهل من مصلحة إقليم كردستان أن ينفصل الآن، ويحرم نفسه من نسبة مهمة من هذه العوائد للمدة بعد نفاد نفطه، أي لأكثر من 120 سنة قادمة؟ المنطق المصلحي يقول لا، ولكن حكومة الإقليم ترى الأمور من زاوية سياسية، هي المفروض أن تكون أدرى بتبعاتها، لاسيما وإنها محاطة بدول ترفض بشدة بالغة قيام دولة كردية مستقلة، وهي لديها أقليات أكبر حجما من الكرد في العراق، لاسيما في إيران وتركيا وسوريا، ومع ذلك، هل التفكير بمصالحها البعيدة هو جزء من تصور حكومة هذا الإقليم؟
ب‌. نترك ذلك لتقدير المتأمل العاقل، فضلا عن ذلك، فإن الإقليم، في حالة انفصاله، ربما يحرم نفسه من منفذ بحري، حيث قد تُغلق حوله كل الحدود التي تحده، ربما من جميع الجهات. وحتى لو فُتحت له الحدود العراقية ستكون تكلفة النقل والمسافة أكبر بكثير، مقارنة بتركيا وسورية، في الأقل، ناهيك عن إيران. كما إن المناطق التي يحررها البيشمركة في الأراضي التي سُميت متنازع عليها في الموصل وكركوك وسهل نينوى وغيرها سيضمّها لإقليمه الكردستاني، هكذا؟ وماذا عن الإعتبارات السكانية وخصوصا غير الكردية، من تركمان وإيزيدين وعرب ومسيحيين من غير الأكراد؟ وماذا عن العوامل الديمغرافية والجغرافية والأثنية والتأريخ التكويني المشكّل لخصائصهم عبر التأريخ، وعليه، فالأمر يتطلب تأملا واقعيا، ومع ذلك يصح القول رغم ذلك، يحق للأكراد تقرير مصيرهم الآن، ولكن ليتأملوا في مصالحهم المستقبلية، ويبتعدوا عن التفكير بأنهم قوة، لفرض الأمر الواقع، تستطيع فرض إراداتها بالقوة أينما وكيفما رغبت، فرفقا بمصالح الشعب الكردي الطيب المستقبلية. ولطالما نسمع اليوم أصواتا عراقية غير كردية، في ضوء هذه التهديدات، أصبحت تطالب هي بذاتها بإنفصال الكرد والترويج له الآن.
ثالثا؛ في ضوء ما تقدم، ترسب مما عرضنا آنفا من تشوّه وتخلف نشأ، كنتيجة لفشل التنمية وفشل العملية السياسية تحت قيادة أحزاب إسلاموية طائفية، شيعية وسنية ومشاركة كردية لها بدوافعها الأثنية، تجسدت بطموحاتها المعلنة للاستقلال. وبسبب تفردها خالفت الدستور واستولت على آبار النفط في أراضي الإقليم، وتقوم بتصديرها بصورة غير شرعية، ولكنها بمقابل حصتها الكاملة؛ %17، من قيمة الموزنات المالية سنويا، فإنها تحصل على موارد تفوق ماتحصل علية من الآبار النفطية الواقعة ضمن أراض الإقليم وحتى خارجه، ككركوك وبعض الراض المتنازع عليها ! فهي تبدو وكأنها تتصرف هكذا بمعزل عن أية مسائلة أو تنسيق مع الحكومة الاتحادية، كما قد تكون نتجت، للعوامل الطائفية المقترنة بالتجييش السياسي الطائفي المعروضة أعلاه، ظواهر تخلف عديدة أخرى، نوجز منها الآتي؛
أ‌. تخلف التنمية، وإرتفاع البطالة والفقر والإدقاع وتآكل البنى الإرتكازية والإرهاب الوحشي المدمر الذي إستدعى الحرب ضد هذه العصابات الهمجية. كما فشل التخطيط وتضاءل الإستثمار وزيادة الأمية، حتى بلغت اليوم نسبة %40 من السكان، وتهاوت الثقافة وساد الجهل، ولعل إشاعة الطقوس الدينية المظهرية والمغالية والمستهلكة للتكاليف والوقت والمسببة للزحمة ولإقلاق راحة الناس، إنها طقوس إستعراضية طائفية، ومنافية لمعنى الحزن المزايد الذي لا ترضاه أخلاق وورع الأئمة الشهداء الأبرار أنفسهم.
ب‌. تفشي الجهل والأمية وتهالك الثقافة والوعي الوطني، وغياب رقابة الشعب على الحكومة، وفقدان الوعي المطلوب لدى عامة الشعب لإنتخاب ممثليهم من النواب، ممن يمتلكون الصدقية والثقافة والتكريس لخدمة العراق والشعب العراقي.
ت‌. ونختم بتكثيف عرض إفرازات ما عرضناه من حالة الواقع السياسي والإجتماعي والإداري الفاشل والفاسد وغير الكفؤ؛ هذه الإفرازات تمثل نتائج التخريب لنظام حكم طائفي، تحاصصي، فاسد في غالبيته، وبنسب تتوازى مع حجمي كل من الطائفة الشيعية الإسلاموية الغالبة عدديا، من جهة، والطائفة السنية المشاركة، بل يمكن القول بأن التوافق مابين الطائفتين؛ الأغلبية الشيعية والأقلية السنية، قادت بسبب نوازع المشاركة بالمناصب والإمتيازات، حيث تجسدتا بسلوك الطائفتين الفاعلتين سياسيا، وهما اللتان أعاد تسميتهما، الأخ والكاتب المتميز الأستاذ جعفر المظفر، في مقال سابق له في الحوار المتمدن الى تسميتين؛ الطائفة "السيعية" للشيعية والطائفة "الشنية" للسنية، للتعبير عن تطابق المصالح لتقاسم الإمتيازات والمصالح، ولكن الى جانب إشاعة وإدارة التناحر الطائفي أمام الجماهير، بهدف تقسيمها وإستغلالها دائما، من اجل الفوز بالإنتخابات على أساس طائفي مذهبي متخلف في كل مرة ومنذ عام 2005، أي خلال ثلاث دورات إنتخابية لمجلس النواب لحد الآن ّ ؟!
ث‌. ومن هذه الإفرازات، يأتي أولا تخلف التنمية وهدر وضياع وسلب إيرادات العراق النفطية. وبالتوازي، إزداد قهر الإنسان العراقي بكل فئاته وطوائفة، فسلبت حقوقه الإنسانية، وتم تسخير الإعلام المشوّه والفاسد، وزاد عدد القنوات الفضائية التي لاتُعرف مصادر تمويلها. كما تهالك القضاء العادل، للأسف، بسبب التأثيرات الفوقية، طائفية كانت أم وظيفية. وبالطبع، تخلف التعليم وتراجعت بالذات خدماته التربوية، وتدنت الثقافة وساد الجهل وعمّت البطالة. والمراقب الأمين، مع ذلك، يشهد وثوبا جماهيريا منذ عام 2011، والذي تكثّف منذ سنتين تقريبا، وهو مستمر كحراك جماهيري، كل جمعة تقريبا، فالجمر تحت الغضى، كما قيل بحكمة. ولعل من أهم الإفرازات أيضا تدني حقوق المرأة وهدر حقوقها القانونية في الزواج والطلاق. وكذلك أدى الغزو الإرهابي الداعشى الى بروز وتفاقم مشكلة النازحين الذين وصل تعدادهم أكثر من ثلاثة ملاين رجل وطفل وإمرأة؛ مشردون الى ملاجيْ لا تتوفر فيها وسائل الخدمات الصحية والرعاية للأطفال القاصرين. وأخيرا، لابد من القول بأن المشاكل القائمة من الصراع غير العقلاني مع سلطة إقليم كردستان، يدفع ثمنها الشعب العراقي من موارده المحدودة، فحق تقرير المصير للأشقاء الكرد هو حق مشروع تماما. ولعله، من الواجب، لحل النزاعات مع الأخوة الكرد، قد يتجسد بمساعدتهم لتقرير مصيرهم، فيستقلوا بدولتهم الكردية، ولكن بشروط ومعايير تستند الى القانون الدولي والحقائق والوثائق التأريخية وحقوق الأقليات غير الكردية التي أضحت مضطهدة ومشردة، حالها حال الأقليات الدينية والاثنية، كالأشقاء المسيحيين والأشوريين والأزيديين والتركمان وغيرهم، فضلا عن الإحتكام الى الحقائق التأريخية والجغرافية والديمغرافية في أصل الوجود العراقي المتنوع. فالعراق اليوم اصبح مسرحا لدرامة إنسانية مأساوية، وخصوصا بعد الأطاحة بالنظام الديكتاتوري الصدامي السابق الذي على مكث على على أنفاس الشعب العراقي لأكثر من ثلاثين عاما، وضع خلالها أسس كل هذه الإضطهادات والظلم الذي لم يستثن طائفة أو ديانة أو اثنية، فهل ثمة طريق واضحة للخلاص، وما هي المناهج المناسبة ؟؟
أ‌. تخلف التنمية، البطالة، الفقر، الإدقاع، تآكل البنى الإرتكازية، الإرهاب الدمار، الحرب ضد داعش، فشل التخطيط وتضائل الإستثمار وزيادة الأمية، وتهاوي الثقافة، وإشاعة الطقوس الدينية المظهرية والمغالية، والمستهلكة للتكاليف والوقت والمسببة للزحمة والمسببة لقلق راحة الناس ومثيرة للإستعراضية الطائفية والمنافية لمعنى الحزن المزايد الذي لا ترضاه أخلاق وورع قبل الأئمة الشهداء الأبرار انفسهم.
ب‌. تفشي الجهل والأمية وتهالك الثقافة والوعي الوطني وغياب رقابة الشعب على الحكومة، وفقدان الوعي المطلوب لدى عامة الشعب لإنتخاب ممثليهم من النواب، ممن يمتلكون الصدقية والثقافة والتكريس لخدمة العراق والشعب العراقي.*
4. الفعل السياسي المتاح أمام القوى الديمقراطية والعلمانية لتحقيق الإصلاح بوسائل ديمقراطية حقيقية، بعيدا عن المحاصصة من أجل النهوض بالبلاد.؛
نحاول في هذا القسم أن نقدم بتركيز أهم ما نراه مهما من سياسيات وتشريعات مطلوبة ومعالجات عقلانية لحل كل الآثار السيئة والتخريبية والعنفية والفسادية، فضلا عن عدم إغفال أهمية التحرك السياسي الديمقراطي المدني لوقف ظاهرة هيمنة الأحزاب الدينية الطائفية بإجراءآت تشريعية وتنظيمية جماهرية وبإشاعة الوعي لرفض ظاهرة تسخير الدين والمذهب في الشأن السياسي الدنيوي، فالدين لله والوطن للجميع. ونطرح المقترحات أدناه، كتصورات للمخارج من الواقع الفاسد الذي صنعته الأحزاب الدينية المتخلفة في العراق منذ ثلاثة عشر عاما. وهي، على أية حال، تصورات لإدراك السبل المفضية الى إعادة بناء العراق ولإنتشاله من مخاطر التدمير والتقسيم وضياع المستقبل. نعرض هذه التصورات أو المقترحات بنقاط موجزة ومركزة، كمداخل للتفكير والإجتهاد للسعي من أجل خلاص العراق من واقعه المر اليوم. كما نحاول في هذا القسم أيضا أن نقدم بتركيز أهم ما ينبغي أن ينطوي عليه الفعل السياسي المناسب للإستجابة للتشخيصات التي أفرزتها التحليلات الوصفية للواقع السياسي والإجتماعي والثقافي في العراق منذ اكثر من عقد من الزمن بصورة مركزة. ونقصد بالفعل السياسي هو الفعاليات والحراكات والإجراءآت المختلفة وبوسائل متعددة لوضع الحلول من أجل الخلاص والنهوض لتحقيق الإصلاح، بعيدا عن المحاصصة الطائفية والفساد وعدم الكفاءة، وهي تتدرج من النشاط السياسي بين الجماهير وليس فقط في الصحف والصالونات، لإثارة الوعي والثقافة والتعبئة السياسية الى تحريك الجماهير للإحتجاج والمطالبة بالإصلاح، فضلا عن التحرك التنظيمي السياسي للقوى الديمقراطية العلمانية.
أ‌- تجاوز المنهج الطائفي والتعصب المذهبي، وديمقراطية المحاصصة الإنتهازية، والمضي لتبني الديمقراطية القائمة على أساس المواطنة العراقية وليس غيرها. وعلى عقلاء الشيعة والسنة إنهاء، بل إجتثات الطائفية على كل مستوياته، كما كتب الأستاذ ضياء الشكرجي في أحد مقالاته الوطنية الرصينة*. ونؤكد هنا أن للتعليم ومراكز الثقافة والوعظ أدوارا هامة في وأد الثقافة أوالجهالة المشيّعة للطائفية المذهبية، وما أنتجته من إصطراعات طائفية مذهبية، سخرت، لتأجيجها، الدين. ولكن حتى الدين منها براء، لأن كل الأديان وفي مقدمتها الإسلام يدعو الى التآخي والمودة والتعاون والإلفة، بما يعزز التكاتف من أجل الوحدة والتعاون والمصالحة للتوجه بعزم لإعادة بناء الوطن العراقي المهشم اليوم.
ب‌- بسبب فشل التنمية وتشوّهها والإصطراعات والإرهاب وتهالك القدرات الإدارية والتنظيمية، إنحدر مستوى العيش وزاد الفقر، وبنسبة كبيرة الى حد الإدقاع، وبما جعل إعادة الإستقرار والسلام أولوية، ومعالجة البطالة والفقر المنتشر، وبوقع أشد على بعض الشرائح الشعبية، يتطلب العمل على توفير التشغيل وتقديم الدعم والإعانة، إضافة لإبقاء وتحسين توزيع البطاقات التموينية وخصوصا الى الفقراء والعاطلين من الذين صاروا يشكلون %40 كثر من السكان؛ وهي نسبة كارثية، على وفق أية مقارنات دولية !!
ت‌- وضع حد للفساد المدمر ولإختلاس المال العام، الناجم عن فساد الأخلاق والقيم الإجتماعية، بل والقيم الدينية التي يتبجح بها، المتحاصصون السياسيون، بما يًثير الإستغراب !! كما يتوجب على السلطات المعنية والمسؤولين التحري عن الفاسدين وكشفهم وإحالتهم للسلطة القضائية. وحال إحالتهم، بعد ثبات تهم الفساد الموجّهه إليهم، فلا يكفي أن يدانون فقط بالعقوبات القانونية، بموجب القانون، إنما ايضا، يجب إستعادة الأموال التي سرقوها أو تواطأوا لسرقتها. كما يجب طردهم من مناصبهم ووقف إمتيازاتهم، ومن ثم، من أجل الإتعاض، نشر صحائفهم السوداء لتصبح عبر ودروس لمن يتفكرون !
ث‌- الحرص على مواصلة إعداد الخطط الإقتصادية من قبل وزارة التخطيط بفنية ودقة عاليتين للمديات القصيرة والمتوسطة والبعيدة المدى، ومتابعة تنفيذها وتحليل وتفسير نسب التنفيذ المتدنية، اول بأول، وتشديد الرقابة على سير مراحل تنفيذ المشاريع التي تقترحها الخطط التنموية الوطنية، وتقصي معيقات التنفيذ وبذل الجهد الفني والإداري والمالي لإزالتها. كما يجب الإهتمام بإعداد البيانات والمؤشرات الإحصائية بدوريات متقاربة وحديثة، ليس من أجل إعداد الخطط فقط، بل أيضا لتوفيرها للباحثين لإعداد البحوث والدراسات والمقالات النقدية لإشاعة المعرفة الهادفة، خدمة ايضا لرفع مستوى الثقافة والتحري العلمي لدعم مشاريع الإنماء ولتشجيع الشركات واصحابها لزيادة إستثماراتهم في المشاريع الإنمائية الخاصة والعامة والمختلطة. وبهذا تصبح البيئة الإستثمارية مناسبة تماما لتحقيق تنمية إقتصادية وإجتماعية، قد تصبح مستدامة في ما لو خطط لها بمشاريع توّلد تراكم رأسمالي يُستخدم، ليس فقط لزيادة الأصول، إنما أيضا لإستدامه الإنتاج، من خلال خطط وتمويل إستثماري، ضمن إستراتيجية بعيدة الأمد وذات طبيعة تكاملية من الناحيتين، الزمانية والمكانية الجغرافية.
ج‌- وضع سياسات أجرية ومالية ومصرفية تتوازى وتنسجم مع أهداف الخطط الإقتصادية، مما يقتضي أيضا أن تكون السياسات الحكومية الإجرائية منسجمة هي الأخرى مع تلك السياسات المالية والمصرفية.
ح‌- الحفاظ على وحدة البلاد والتصدي لدعوات تقسيمها، لأن في ذلك، ليس فقط إضعاف لوجستي، إنما أيضا تهشيم للطبيعة التكاملية للإقتصاد العراقي، وتشتيت للموارد، ذلك لأن التقسيم سيعيق تكاملية الموارد وطرق النفاذ البحري والبري والجوي التي يوفرها البلد المتحد والمتكامل. وهذا فضلا عما يمكن أن ينجم عنه من تناحر سياسي ونزاعات تؤدي لإستنزاف الموارد وتضييّع فرص النمو في حالة تقسيم العراق الى دويلات قد تصبح متناحرة بسبب الإنسددات لحركة الموارد والإستثمارات والجغرافية والمنافذ، ناهيك عن الإصطراعات المحتملة حول النفط أو خزينه الذي سيكون غير متناسب مع أحجام الدويلات المنقسمة. اضف الى ذلك، كيف ستكون التحالفات عند حصول صراع أو حرب لدى إحدى الدويلات ؟ لاشك، سيغدو الأمر فادحا حين تثور النزاعات بين الدويلات المنقسمة، فالوحدة هي مصدر للقوة والأمن والسلام والتعاون والتنمية ؟ ولكن أي شكل من أشكال اللامركزية سيعوض وسيقدم درجة من المرونة للمحافظات والإقليم لتولي شوؤونهم ويسهل مرونة الإدارة وسرعة إتخاذ القرارات، دون أن يتناقض مع الإستراتيجية العامة للحكومة الإتحادية ؟ من هنا يتوجب دراسة مزايا اللامركزية ومقدار الصلاحيات اللازمة لتحقيق أهدافها، كي يمكن الإنتفاع منها عند تطبيقها، حسب الظروف المحيطة بكل محافظة، وكذلك في الإقليم، إن وجد في ذلك مصلحته !
خ‌- في ضؤ إفرازات التخبط بالتشريعات التي تُقترح أو يصدرها مجلس النواب، فثمة حاجة عاجلة، اولا لتعديل الدستور الأساسي والذي أُعد على عجل في عام 2005 على أن يراجع ويعدل بعد مضي سنة على إصداره، وها قد مر عقد من الزمن و هذا الدستور المضلل وغير المحكم لا يزال هو نفسه مصدر لتشريع القوانين ولتحكيم التصرفات حسب دستوريتها. وليس هنا المجال لتأشير مكامن الخلل في الدستور الحالي، فهذا امر يتطلب دراسة متخصصة. وهناك حاجة ماسة لتعديل قوانين مقترحة في مجلس النواب أو قوانين جديدة أو متطورة. ثم هناك عدد من القوانين المهمة، هي أما تحت التشريع أو مقترحة، نرى أنه لابد من إنجازها لأهميتها، وذلك بعد تعديلها وتصويبها على وفق الملاحظات والإعتراضات التي تناولتها الصحف والراي العام والكّتاب، ليس هنا مجال تفصيلها. ومن هذه القوانين المقترحة؛ قانون الأحزاب، وقانون حرية التعبير وقانون المسائلة والعدالة وقانون النفط والغاز الذي وضعت مسودته جانبا من قبل مجلس النواب منذ سنوات، كما هناك قوانين أخرى هي في مرحلة الإقتراح والتداول.
د‌- لابد من التاكيد على أهمية بلورة إستراتيجية عليا للنمو للخلاص من الحالة الريعية المشوّهه للإقتصاد العراقي. وأنه لابد من إعادة التوازن لنمو القطاعات السلعية الإنتاجية، كالزراعة والصناعة، والعمل على تنويع النمو لكافة النشاطات الإقتصادية والخدمية وبوتائر تتناسب مع الأهداف التنموية المحددة.
ذ‌- وثمة مسألة لابد من الإشارة إليها وهي تتعلق بعلاقة إقليم كردستان مع الحكومة العراقية، فهي غالبا ما تكون متوترة، وأن حكومة الإقليم تهيمن اليوم على إنتاج وتصدير النفط من الحقول النفطية الواقعة ضمن حدود الإقليم. وحكومة الإقليم تستلم سنويا %17 من تخصيصات الموزنانت المالية للحكومة الإتحادية، ولكنها لاتخضع للرقابة ولاتقدم كشفا بإنفاقاتها لهذه الحكومة. وحكومة الإقليم تسيطر على فرض وتحصيل الرسوم الجمركية والضرائب المحلية المجباة ضمن حدوده، ولكنها لا تسلم حصائلها للحكومة الإتحادية ولا تنسق معها، بل تتجاهلها ! ومن المنطقي، أن يُصار الى حل هذه الإشكالات عن طريق التفاهم أو التفاوض المباشر مع السلطات الإتحادية، ذلك لأن الإقليم، بموجب الدستور، هو جزء من العراق. أما إذا كانت حكومة الإقليم تطرح مشروعها الأن للإستقلال، تحت شعار تقرير المصير، فمن الناحية الإنسانية، تحق لهم هذه الدعوة للإستقلال. ولكننا اشرنا بأن الإقليم بإستقلاله سيخسر الإفادة من موارد العراق الأوسع ومن العمق الجغرافي والبشري للعراق لتنمية الإقتصاد الكردستاني, وعلى اية حال، الأمر يبقى متروكا للشعب الكردي ليقرر مستقبله ومصيره، ولكن على وفق معايير جغرافية وديمغرافية/ سكانية، ووفقا للمعايير الدولية بشأن تحديد الحدود لدولة مستحدثة كانت أصلا جزءا من دولة عريقة، كما هي حالة الإقليم مع بقية العراق.
ر‌- العلاقات الخارجية مع دول الإقليم المجاورة وبقية دول العالم؛ منذ سقوط النظام السابق وتشكل النظام السياسي الإسلاموي، عموما، وبغض النظر عن مثالبه، فهذا امر يهم الشعب العراق، ولايجوز لدول مجاورة ان تتدخل فيه، فتقدم الدعم والإسناد لقوى عراقية معارضة على اساس كونها سنية، أي هي تسعى لتعميق الصراعات الطائفية في العراق بهدف تقسيمه طائفيا وإضعافه وتعويق نموه، والشواهد والبينات كثيرة. وهناك بينّات لتدخل الحكومة السعودية في الشان العراقي لتسعير الصراعات الطائفية. وهذا امر مرفوض ويتناقض مع القواعد والقوانين الدولية بهذا الخصوص. كما، لوحظ من قبل المراقبين بان إيران الدولة الجارة الشرقية، تستثمر الهوية الشيعية لحكام العراق منذ التغيير للتدخل بشؤون العراق بكل الوسائل، بما فيها العسكرية، بهدف تحقيق نفوذ ووصاية على بعض الفئات الشيعية، وبالأخص فصائل المليشيات القديم، كبدر التي ترعرت في إيران خلال سنوات الحرب العراقية الإيرانية. وهناك العديد من المليشيات الداخلة الان ضمن الحشد الشعبي تعلن ولاءها لولاية الفقية الإيراني وليس العراقي، وهذا أمر خطير، فهل الهدف جعل العراق العربي تابعا للنفوذ الإيراني ؟؟!! ولكن، لحسن الحظ أن مرجعية السيد السيستاني العراقية لا تقر بولاية الفقية الإيراني، كما ان الشيعة، عموما، من خارج الأحزاب الشيعية الإسلاموية لايقرونها، ولكن حزب الدعوة والمجلس الاعلى الإسلام يُقرانها. ومعظم الأحزاب الإسلاموية الشيعية، حسب سلوكها وتعاملها مع الحكومة الإيرانية، تبدو وكأنها تدين بالولاء لها وليس للعراق، مما سيؤدي بالنتيجة الى ان يلفظها الشعب العراقي، حالما تنجلي الإختلاطات.
ز‌- وربما نشير في الختام الى أن العراق اليوم يواجه الإرهاب الداعشي، وقد وقفت القوات العراقية الوطنية، مع دعم من الحشد الشعبي الذي إمتثل لدعوة السيد السيستاني للجهاد ضد الإرهاب والإحتلال الداعشي في اكثر من ثلاث محافظات سنية؛ هي الموصل والأنبار، بما فيها الفلوجة وجزء من محافظة صلاح الدين. وفعلا، كانت ولا تزال جهود الحشد الشعبي، كرديف للجيش العراقي المقدام، متميزة، عدا ما نسمعه من إقتراف ذلك الحشد بعض التجاوزات والإعتداءت وحتى النهب ضد المواطنيين خصوصا في الفلوجة، ربما هي كانت مجرد تهويشات إعلامية مضادة. لابد، في كل الأحوال، من دحر الإرهاب لصون الوحدة العراقية ولتطوير اساليب الإدارات المحلية لكل المحافظات العراقية على اساس اللامركزية المرنة لنظام الدولة العراقية الأكثر تطورا. لتجسيد الفعل السياسي المطلوب للقوى الديمقراطية العلمانية، المنظمة وغير المنظمة نشير بالختام الى توجهين أساسيين؛

أ‌- يتوجب السعي الفاعل الى ما تراه القوى الديمقراطية العلمانية الفاعلة سواء من خلال التعبئة والتنظيم، أو حتى بحراكات فردية منسقة للمطالبة بإصدار تشريعات وقوانين لازمة جدا لتفعيل معالجة الأضرار السيئة التي حددتها التشخيصات في مجالات متعددة، كما اشرنا، مثل تعميق الوعي لرفض المنهج الطائفي والتحاصصي، والسعي الدائب لرفع الوعي الى درجة اليقظة لدى الجماهير بأهداف التحرك القيادي للقوى الديمقراطية العلمانية، والسعي لدحض الدعوات الطائفية لتقسيم العراق، بحجة إقامة فدراليات على غرار فدرالية إقليم كردستان شبة المستقل حاليا فضلا عن ذلك، فقد عرض القسم السابق عروضا وصفية لتشخيص ظواهر مدمرة ليس لوحدة العراق ومستقبلة، إنما أيضا مفضية الى فشل التنمية ولضياع الموراد، بل ولضياع العراق ومستقبل أبناء الشعب العراقي، إينما كانوا ولأية طائفة أو مذهب أو دين أو اثنية إنتموا. بيد اننا مع ذلك، وجدنا، لتعزيز الفعل السياسي الديمقراطي الوطني العراقي أن نتطرق هنا الى أهمية تفعيل العمل الديمقراطي على الساحة العراقية، من أجل التغيير، بالسعي للتعاون و العمل مع، بل وضمن التيار الديمقراطي في العراق والذي ينتسب له، ايضا، العديد من أعضاء مجموعتنا صاحبة الورشة والمؤتمر اللاحق المقترح في بغداد. و نحن إذ نطرح بعض المقترحات التي تخص التفعيل السياسي للتحالف مع أو ضمن التيار الديمقراطي في العراق أدناه، كتصورات لفعل سياسي يمكن أن يُساهم بفعالية في تحقيق مخارج من الواقع الفاسد الذي صنعته الأحزاب الدينية المتخلفة في العراق منذ ثلاثة عشر عاما. فهي، على أية حال، تصورات لإدراك السبل المفضية إلى إعادة بناء العراق ولانتشاله من مخاطر التدمير والتقسيم وضياع المستقبل.
ب‌- التحالف ضمن التيار الديمقراطي المدني لتقديم البديل السياسي للقوى الإسلاموية الطائفية: ونختم في تأمل المخرج السياسي من حالة الواقع السياسي الطائفي، الشيعي/ السني، مستبعدين الواقع الأثني الكردي الذي يروم الانفصال. نشير إلى أن القوى الديمقراطية المدنية والعلمانية لا تزال خفيفة الوزن على المسرح العراقي اليوم، وليس لها في مجلس نواب الذي تم انتخابه في عام 2014، سوى ثلاث نواب يتصرفون حسب أجنداتهم الخاصة، ولا يربطهم بالتيار الذي تبنى ترشيحهم وسعى ميدانيا لإنتخابهم روابط تنسيقية أو تنظيمية قوية. ولتجاوز هذه الحالة، ونظرا لتوسع الوعي الشعبي، نسبيا، بمخاطر المنهج الطائفي للأحزاب الشيعية والسنية. ونظرا للتتطور النسبي في الوعي لوقف التهييج الطائفي وبروز دعوات من بعض المجموعات والشخصيات الداعية للخلاص من الطائفية والمحاصصة، اضحت فرص التعاون مع تنامي الرفض للمنهج الطائفي من قبل قوى سياسية جديدة أكثر يسرا، مما يدعو الى تفعيل تحرك هذا التيار، لتطوير نقاط الإلتقاء ونقاط الإفتراق في فرص التعاون والتنسيق مع كل القوى الداعية الآن لمعارضة الحالة الطائفية وتسيّد الأحزاب الدينية الإسلاموية الشيعية والسنية التي تزج وتوظف الدين في العملية السياسية، ولعلها فرص تتوسع الآن في هذا المنعطف من تفاقم التحديات في العراق. وبطبيعة حال، بسبب كون التيار الديمقراطي يضم أحزابا يسارية عريقة، كالحزب الشيوعي والحزب الوطني الديمقراطي وجماعات يسارية وديمقراطية علمانية لها وضوح رؤية وطنية لبناء العراق، ولتخليصه من هيمنة قوى تحاصصية قادت وتقود العراق منذ أكثر من عقد إلى مهاوي التخلف وربما التقسيم، مما يؤهله، أي التيار الديمقراطي، ليصبح حاضنة رحبة لجميع القوى والشخصيات الديمقراطية المدنية، لتشكل جبهة عريضة، متسلحة برؤيا واضحة وبرامج مدروسة لإعادة بناء العراق، ولتعزيز وتعميق الديمقراطية الحقة، ولخوض العمل السياسي، ولفك إسار الوطن العراقي من هيمنة القوى الإسلاموية المتخلفة، وسيكون طريق الكفاح الوطني المتحالف مع القوى والمجموعات الديمقراطية الوطنية الواعية غير معبد بالورود، طبعا، ولكن لا مناص من السير به نحو الأهداف السامية.
5. خلاصة وبعض التوصيات: نخلص مما تقدم بأن محنة العراق تحت هيمنة القوى الطائفية كبيرة وتستدعي عزما ونضالا مريرا. ولرسم صورة كلية شاملة عرضت هذه الدراسة المركزة موضوعاتها، بدءاً من الربط بين طبيعة بنية الإقتصاد العراقي وخلفيته وتأثيره وتأثره بواقع الإطار السياسي، وخصوصا الذي شكلته العملية السياسية التي فُرضت بعد احتلال العراق في عام 2003، حيث هيمنت الأحزاب الإسلاموية الشيعية، وبمشاركة الإسلامويين السنة الطائفيين الذي إدعوا تمثيل المكون السني العراقي، وكذلك بمشاركة واعية من شخصيات سنية غير إسلاموية. وبعد وصف وتحليل هيكلية الإقتصاد العراقي التي ازدادت تشوّها ليس فقط في مجال العمالة، وإنما أيضا في مسيرة النمو وإختلالات التوازن في النشاطات الإقتصادية والخدمية، المتأثرة بنوعية الإطار التنظيمي السياسي والإداري خلال المدة من 2003 حتى الآن، ولو أن مؤشراتنا الإقتصادية تقف عند عام 2014، حسبما أملتها علينا المصادر الرسمية المتاحة. في ضوء هذا العرض الوصفي التحليلي، تم بناء تصور لمسارات ممكنة للخلاص ولإعادة بنا ونهوض الوطن العراقي.
والدراسة هنا تكتفي بتوصيتين رئيستين:
أ‌- أن يتم إطلاع أكبر قدر من المسؤولين والفاعلين السياسيين على مضامين هذه الدراسة، من أجل النظر بتشخيصاتها، عل في ذلك بعض النفع لمن يهمهم مستقبل، بل ومصير العراق.
ب- تحث الدراسة كافة القوى الوطنية، وخصوصا الديمقراطية العلمانية على مواجهة ومعالجة هذا الواقع السياسي المتردي، بأدوات ديمقراطية، وذلك من خلال خلق شروط التعاون، أو حتى التوحد الجبهوي، والأفضل أن يكون ذلك من خلال التيار الديمقراطي في العراق وفي الخارج، لرسم استراتيجية نضالية سلمية، تقوم على برامج ورؤى مدروسة وسياسات تنموية وإصلاحية واقعية، لخوض النضال السياسي بزخم جماهيري وتنظيم ديمقراطي مرن يضم كافة القوى والمجموعات التي تطرح نفسها معارضة للطائفية وحريصة على إنضاج نظام ديمقراطي حقيقي، يقوم على أساس أهداف وبرامج واستراتيجيات تنموية ليست فقط إقتصادية، بل أيضا إجتماعية وثقافية وحضارية، فذلك متروك لرأي الشعب والفاعلين الوطنيين العراقيين.
*د. كامل كاظم العضاض
مستشار إقليمي سابق في الأمم المتحدة.
16.8.2016
(الكاتب خريج جامعة ويلز في بريطانية في جميع مراحل دراسته، فحصل على البكلوريويس بدرجة شرف والماجستير والدكتوراه في الاقتصاد القياسي، فضلا عن حصوله على الدبلوم العالي في الإحصاء والحسابات القومية في معهد الدراسات الاجتماعية في لاهاي- هولندة.)
بعض المصادر:
1. انظر، الجهاز المركزي للإحصاء في العراق؛ http://www.cosit.gov.iq/en/national-accounts-e.
2. المصدر السابق، ibid.
3. د.كامل العضاض، " دور الدولة ومشاريع الخصخصة في إعادة هيكلة الإقتصاد العراقي"، منشور في عدة مواقع، منها الناس، 2013.
4 . د. كامل العضاض- "خطة التنمية الوطنية في العراق، 2013-2017، ثانيةً- ملاحظات محددة: المنهجية والاتساق التنفيذ والمتابعة"، نشر في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين، بتاريخ 13/5/2013.
5. د. كامل العضاض، "الموازنة المالية الاتحادية لجمهورية العراق للسنة المالية 2015، مالها وعليها، نقد تحليلي". نشر في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين في 8/1/2015.
6. انظر، الوقائع العراقية، 2005، االدستور العراقي.
7.انظر منشورات منظمة الطاقة الدولية من خلال الكوكل.







رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,097,927,894
- تهويمات بين الأمس واليوم
- الإصلاح، يتحقق، كما يتصوره السيد رئيس وزراء العراق بتشكيل مج ...
- تقسيم العراق تحت الإنجاز أم ماذا!؟
- بيان المثقفين الوطنيين الموجّه للشعب ولرئيس مجلس الوزراء وال ...
- الفسادُ عامل فاعل في هدم التنمية في العراق
- تعقيب وتقويم لمقال الأستاذ فؤاد الأمير؛ -ملاحظات حول الخسائر ...
- الوعي والنضج من أهم ركائز نجاح النظام الديمقراطي
- الآن، الآن قد يبدأ تقسيم العراق! تبصّروا في الأمر يا أولي ال ...
- تأملات ودروس من الهجمة الداعشية في شمال العراق
- صراعات جمة لمرحلة ما بعد الإنتخابات الفائتة؛ هل من رؤية للخر ...
- حول مدى تكافؤ وديمقراطية التنافس الإنتخابي في الحملة الإنتخا ...
- يقولون كلمتهم ويمضون
- خطة التنمية الوطنية، 2013-2017، ثانيةً، ملاحظات محدد؛ المنهج ...
- الطائفية في العراق هي سلوك لاعقلاني مدمّر، لماذا؟
- لماذا يكون الإقتتال خيارك الوحيد، يا جواد السعيد؟
- ستقاتل من، ياجواد السعيد، تحت رايات المالكي والصدر والحكيم؟
- نعم، من المستفيد من إفشال العملية السياسية في العراق، ولكن!
- العقل والحضارة والتكنلوجية والإنسان
- حول إلغاء البطاقة التموينية؟
- السياسات النفطية التي يجب أن يطالب بها التيار الديمقراطي في ...


المزيد.....




- السلطات الصومالية تعتقل متشددا سابقا رشح نفسه لرئاسة إقليم
- مصر.. إيقاف شخصين في واقعة -تسلق الهرم-
- مقتل شريف شيخات المشتبه به الرئيسي في هجوم ستراسبورغ وداعش ...
- مجلس الشيوخ صوت بالإجماع على تحميل بن سلمان مقتل خاشقجي
- مجلس الشيوخ الأمريكي يؤيد قانونا بإنهاء الدعم العسكري لحرب ا ...
- مقتل شريف شيخات المشتبه به الرئيسي في هجوم ستراسبورغ وداعش ...
- مجلس الشيوخ صوت بالإجماع على تحميل بن سلمان مقتل خاشقجي
- مجلس الشيوخ الأمريكي يؤيد قانونا بإنهاء الدعم العسكري لحرب ا ...
- الخارجية الأردنية: الأردن وتونس توقعان مذكرة تفاهم لتوسيع ال ...
- متحدث قوات صنعاء: التحالف يشن 18 غارة بالتزامن مع تصعيد ميدا ...


المزيد.....

- 14 تموز والتشكيلة الاجتماعية العراقية / لطفي حاتم
- المعوقات الاقتصادية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية / بسمة كاظم
- الدين، الدولة المدنية، والديمقراطية / ثامر الصفار
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب
- مبادرة «التغيير نحو الإصلاح الشامل» في العراق / اللجنة التحضيرية للمبادرة
- القبائل العربية وتطور العراق / عصمت موجد الشعلان
- تحليل الواقع السياسي والإجتماعي والثقافي في العراق ضمن إطار ... / كامل كاظم العضاض
- الأزمة العراقية الراهنة: الطائفية، الأقاليم، الدولة / عبد الحسين شعبان


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - كامل كاظم العضاض - تحليل الواقع السياسي والإجتماعي والثقافي في العراق ضمن إطار إقتصاد ريعي، لابد من تصويبه