أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فاضل عبود التميمي - (النقد الأدبي القديم في تقويم النقاد المحدثين) وجهة نظر في تسلسل متواصل الحلقات















المزيد.....

(النقد الأدبي القديم في تقويم النقاد المحدثين) وجهة نظر في تسلسل متواصل الحلقات


فاضل عبود التميمي

الحوار المتمدن-العدد: 5273 - 2016 / 9 / 2 - 15:39
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


كان النقد العربي القديم وليد مرحلة مهمّة في تاريخ الثقافة العربيّة الإسلاميّة ، أعني مرحلة الخروج من الحيّز الصحراوي ، والوصول إلى حافّات الأنهار: دجلة والفرات، وما وراء النيل فيما بعد، ومغرب الأرض التي فُتنت بجمال الكلام العربي، ولو استثنينا بواكيره الحجازيّة فإن جلّ خطابه في القرنين الثالث، والرابع الهجريين كان بسبب اجتماع عوامل لعلّ من أهمّها: الانفتاح على الحركة الفكريّة التي دارت حول القرآن الكريم، والحديث الشريف، والتأليف في اللغة والنحو، والتفسير، والشرح، والبحث في الأصول التي جعلت العقل العربي المسلم منفتحا على قضايا جديدة لم يألف القول فيها بدأت بقضايا اللفظ والمعنى، ولم تنته بقضايا الصدق الفني والسرقات، وقد قادها رجالُ الفكر ممن تنوّرت عقولهم بمقولات المعتزلة ، أو الأشعريّة، أو الفلسفة، أو التصوّف ،وغيرها من ثقافات تلك الأزمنة.
لقد أثمر النقد الأدبي القديم جملة من المدوّنات التي مثّلت عصرها، وذوق رجالها، وقد شهد خطابه الذي عاش قرونا من النضج، والتكرار، والالتماع اتجاهات مختلفة بقي منها ما بقي إلى يوم الناس هذا، ونكص منها الساذج، والمتحامل على قول الحقيقة، والمعاد انتاجه على وفق مثال معلوم، وهذا شأن كلّ تراث امتلك مقوّمات الخلود، وأسباب الاضمحلال.
والحق أنّ التراث الأدبي والنقدي عند العرب بحمولته الفكريّة، والجماليّة لم تنقطع سبل التأليف فيه مع أحلك الظروف التاريخيّة التي مرّت بها بغداد، أو القاهرة، أو الأندلس ،أو القيروان ، أو مرّاكش، فقد ظلّ التأليف فيه، وعنه حلقات تكمّل بعضها بعضا ، وإن اختلف المقال فيها، وهذا ما نستطيع تلمسه في مؤلّفات المعاصرين التي كانت امتدادا لكتب السابقين فيما تحمل من روح النقد ابتداء بكتاب مصطفى صادق الرافعي (تاريخ آداب العرب) القاهرة 1893م،وكتاب جرجي زيدان (تاريخ آداب اللغة العربية) القاهرة 1911م، ومرورا فيما بعد بكتب: طه أحمد إبراهيم (1939م)، ود. محمد مندور(1965م)، ود. محمد غنيمي هلال (1968م)، ود. إحسان عباس (2003م)، ومحمد زغلول سلام(2013) الراصدة لطبيعة الخطاب النقدي القديم، وتاريخه.
ثمّ جاء في سنواتنا القريبة من رَصَدَ النقد الأدبي القديم لا في مظانّه المعروفة، وتجلّياته الشهيرة، بل في مظان المحدثين الذين شكّلت متونهم مقاربات على متون القدماء أعني ما كتبته أ.د. بشرى عبد المجيد تاكفراست الأستاذة في كليّة اللغة العربيّة جامعة القاضي عياض في مرّاكش في كتابها الموسوم بـ(النقد الأدبي القديم في تقويم النقاد المحدثين) الصادر في طبعتين: الأولى عن المطبعة والوراقة الوطنيّة بمرّاكش 2005،والأخرى عن مؤسسة آفاق للدراسات والنشر والاتصال مراكش: المغرب 2013م، الذي سيكون مجال قراءتنا هذه.
بُني الكتاب على وفق التشكيل الهيكلي العام الآتي:
1- العنوان: وقد تمثّل في الكتاب عنوان واضح ودقيق:(النقد الأدبيّ القديم في تقويم النقاد المحدثين)، منفتحا على وظائف أدركها النقد الحديث أوّلها الوظيفة التعيينيّة التي أسهمت في الإشارة إليه بوصفه متنا يحمل اسما بدلالة ثابتة تعين على إدراك شكله لكي يكون متداولا بين الناس، وثانيها الوظيفة الوصفيّة التي من خلالها يستطيع المتلقي أن يمسك بوصف واضح لمضمون الكتاب، ثمّ الوظيفة الاغرائيّة التي من خلالها يمارس العنوان إغراء موجّها صوب المتلقي لكي يكون الكتاب في ضمن اهتمامات تلقيه، فالعنوان كان واضحا، وموجزا ،و وتامّ الدلالة، فضلا عن تضمّنه الدلالتين الزمنيّة والمكانيّة.
2- مقدّمتان: الأولى خاصّة بالطبعة الثانية وقد بدأتها المؤلّفة بالسؤال، وسؤال السؤال بوصفهما وسيلة كلّ ناقد إلى التعرف، والتعريف بالنقد العربي القديم مكتشفة أنّ النقاد المحدثين في كتاباتهم يحيلون على ثلاثة قرّاء للتراث: قارئ ذي نزعة علميّة معياريّة معني بالقواعد، وقارئ ذي نزعة علميّة لا يبحث عن القواعد يشتغل في تعميمات تشبه تعميمات التاريخ الطبيعي، وقارئ ذي نزعة فنيّة ذوقيّة لا يعنى بالأحكام العامّة وكأنّ المؤلّفة وضعت نتائج البحث في المقدمة لتعمل في الفصول على كشف إجراءاتها من دون أن تنسى أنّ قراءتها للكتاب تقع خارج القراءات الثلاث السابقة ،فهي تقوم على تجسيم عيوب الخطاب النقدي الحديث القارئ للنقد القديم، وتشخيصه في مهمّة لا تفارق- كما أرى- الوصف والتحليل.
أمّا المقدمّة الأخرى فهي المعنيّة بالطبعة الأولى 2005، ولها أهميّة مائزة في الكتاب فقد جاءت بعنوان:(تقديم الكتاب)، وفيها أعلنت المؤلّفة عن هويّة الكتاب، وخصوصيّة موضوعه، فضلا عن هيكليّته، وقد رأت من باب الاحتراز أن تشير إلى صعوبة الخوض في الموضوع الذي هي فيه، وقد تغلّبت عليها نظريّا ،وعمليّا بتحقيق شرطين: الأول المعرفة الموسوعيّة، والآخر التكوين المنهجي، ومن عجز عنهما بحسب رأيها يتحول حديثه إلى لغو وفوضى، فهما كفيلان بقراءة التراث، وفهمه، فيما جعلت المنهج، وخطة التأليف وسيلتها العمليّة لبلوغ ما تريد.
لقد تحدّثت المؤلفة عن معالجة التراث عند المحدثين الذين ينتمون إلى ثلاث ذهنيات، كلّ ذهنيّة تقرأ بحسب ثقافتها، والإيديولوجيا التي تتحكم في عقلها أوّلها: ذهنيّة السلفيين، والمحافظين التي على رأسها أ. طه أحمد إبراهيم، و أ. محمد زغلول سلام، والأستاذ أحمد أمين التي امتازت بحسّها العربي المنتمي إلى وقائع معروفة، وذهنيّة المثقفين ثقافة غربيّة التي أتاحت لهم تلك الثقافة الاطلاع على أحدث النظريات والمناهج والرؤى يومذاك، ويمثلها عقل د. محمد مندور، ود. محمد غنيمي هلال، وذهنية الحياد والإنصاف التي نظرت إلى التراث نظرة علميّة اكاديمية بعيدة عن التعصب فحكمت عليه بما فيه، مثّلها د. إحسان عباس، ولعلّ ذهنيّة رابعة لم تلتفت إليها المؤلفة هي ذهنية المثقفين اليساريين، والعلمانيين التي كان لها موقف واضح من التراث يختلف عن المواقف السابقة يتّسم بالتحليل والنقد والرفض.
وكنت أتمنى لو أنّ المؤلفة أشارت بوضوح في هذه المقدمة إلى المنهج المتّبع في تأليف الكتاب الذي قاد عمليّة التأليف حتى السطور الأخيرة، فكان بوصلة الأمان التي أخذت الكتاب إلى ما هو عليه من نضج ،واتّساق، وغنى فكريّ، وأرى أنّ المؤلّفة في الكتاب كانت قريبة من حقل (نقد النقد) ، وإنْ لم تبح به، فقد وقفت عند النصوص الشعريّة العربيّة بوصفها إبداعا ، ثم قرأت ما كتبه النقاد القدماء عن تلك النصوص إبان القرنين الهجريين الثالث، و الرابع أيضا، ثم تعاملت بدقّة متناهية مع ما قاله النقاد المحدثون عن نقد القدماء ، لتخوض بمعونة المصادر والمراجع في مسألة تقويم المحدثين للقدماء في خطاب متّسم بالدقّة، وهو موضوعها الأساسي.
إنّ وقفة المؤلّفة الثلاثيّة الأبعاد أمام النصوص الشعريّة، وما كتبه النقاد القدماء عنها، وما قاله النقاد المحدثون عن مقولات القدماء إجراء ليس باليسير كانت المؤلّفة من خلاله تسير على خطى نقد النقد المتّسمة بالموضوعيّة، وهي تحاول تقديم جوهر خطاب يجمع بين أطراف معروفة: المبدع، والناقد، وناقد النقد.
3- ( نشأة النقد العربي القديم في تقويم النقاد المحدثين) وكانت بمنزلة (التمهيد) الذي لم تنصّ المؤلّفة على اسمه، وقد وقفت فيه عند اتجاهات الباحثين المحدثين الراصدة لبدايات النقد القديم فوجدتها ثلاثة : الأول رأى أنّ العرب عرفت النقد في العصر الجاهلي انطلاقا من التلازم المفترض بين الشعر والنقد ، وهذا رأي الأستاذين طه أحمد إبراهيم ،و محمد زغلول سلام، والثاني رأى أنّ النقد ظهر في القرن الرابع الهجري منظورا إليه من خلال مفاهيم نقديّة مستعارة من الثقافة الغربيّة، وقد مثّله د. محمد مندور، والثالث رأى أنّ النقد العربي القديم ظهر بظهور الفلسفة، وهذا رأي د. محمد غنيمي هلال ، أمّا الرأي الرابع فمؤداه أنّ النقد القديم ظهر من خلال تاريخه، وقد مثّله د. إحسان عباس، لكنّ المؤلفة رأت من باب التخلّص من مأزق منهجي أنّ الإطالة في سرد ظاهرة الاختلاف والتقارب بين الآراء السابقة يخرج الكتاب من إطار البحث الفني عن النشأة إلى إطار البحث التاريخي، وكانت محقّة في ذلك.
وللمؤلفة أن تقف في إطار هذا التمهيد المفترض عند آراء النقاد المحدثين: أ.طه أحمد إبراهيم، ود. محمد مندور، ود. محمد غنيمي هلال، ود. إحسان عباس في تفصيل مقولاتهم التي أوجزت القول فيها حين أشارت إلى اتجاهاتهم الراصدة لبدايات النقد، ولم تكتف بالعرض فقد سوّغت لنفسها أن تقوّم أطروحاتهم تقويما نقديّا خالصا لولاه لكان كلامها تاريخا محضا ليس غير، فتقويم المؤلّفة لم يأت اعتباطا في جملة فرضيّاته، ومقولاته، ونتائجه، إنّما كان على درجة واضحة من النباهة، والدقّة، وحسن التصوّر، والتصرّف، والربط بين الأسباب، والنتائج.
لقد استوقفني كلام المؤلّفة في ص27، هامش المتن(4) الذي اعتمدت فيه كلام د. محمد غنيمي هلال الراصد لاتجاه قدامة بن جعفر وهو يدرس الأجناس الأدبيّة، دون أنْ توضّح أنّ قدامة لم يدرس الأجناس الادبيّة وإنما تحدّث عن الأغراض الشعريّة، وبَيْنَ الاثنين بون شاسع، وكبير، وفي صفحة أخرى من الكتاب أكّد هلال أنّ النقد العربي لم يُعن بأجناس الأدب الموضوعيّة في النثر، كما لم يعرفها الشعر.
4- فصول الكتاب: وأعني بها الفصول الثلاثة التي شكّلت عمود الكتاب، ومتنه الإجرائي الأول منها :(قضية اللفظ والمعنى لدى ابن قتيبة الدينوري في تقويم النقاد المحدثين، وقضية القديم والمحدث لدى عبد الله بن المعتز في تقويم النقاد المحدثين)،والثاني:(قضية الموازنة بين الشاعرين لدى الآمدي في تقويم النقاد المحدثين، وقضية السرقات الشعريّة لدى عبد العزيز الجرجاني في تقويم النقاد المحدثين)،والثالث: (قضية الوحدة العضويّة للقصيدة العربيّة في تقويم النقاد المحدثين، وثنائيّة الصدق والكذب قدامة بن جعفر كمثال في تقويم المحدثين)،فهي فصول معزّزة بأدلّة نقديّة ،ومعرفيّة همّها الإجابة عن كثير من السؤالات التي وفّرتها المؤلفة في المقدمتين السابقتين والتمهيد.
وإذا كانت المؤلفة في التمهيد الذي سبق الفصل الأول قد اعتمدت خطة تأليف قامت على التقديم، والعرض، والتحليل، والتقويم في الخاتمة، وهذا الإجراء ذو الخاصيّة التشكيليّة أسهم في بسط المادة، وتحديد أبرز خصائصها، ونقدها أيضا، فقد وجدتُها قد اعتمدت الخطة ذاتها في الفصل الثاني، وهو اعتماد موفّق بلا شكّ افتقدتُه في الفصل الثالث حين غابت تماما خاتمة الفصل التي كانت ظاهرة للقارئ في التمهيد والفصل السابق، وفيها أدّت المؤلفة شكلا واضحا من أشكال النقد والتقويم.
إنّ فصول الكتاب الثلاثة بما فيها من جهد أظهر براعة المؤلفة في التقصّي، والتحليل، والتأويل من خلال رؤيتها للمحاور، والوقوف عند عتبة العصر والإنسان التي من خلالها اسقطت عنصر الزمن على المجال المعرفي للنقد والاختتام التقويمي إلا في الفصلين الأخيرين اللذين خليا من عتبة الختام.
كانت المؤلفة في منهجها، وخطة بحثها وصفحات متنها قد وقفت على حراك سنوات ليست بالقليلة من النضح الفكري الذي حوّله النقاد إلى معطيات نقديّة شهدت لرجالها بالبحث الدؤوب الذي اقترن بقدرات نقديّة كانت في يومها إنجازا نقديّا متقدما لمّا تزل قسم من أطروحاته تحمل قيما نقديّة فاعلة في حياتنا الثقافيّة اليوم، وهذا إن دلّ على شيء إنّما يدل على حيويّة ذلك النقد وتمكّنه من قراءة أدب تلك السنوات.
اعتمدت المؤلفة على آراء ستة من النقاد القدماء الذين عرضت أفكارهم وهم: ابن قتيبة (276هـ) ،وابن المعتز(299هـ)،و الآمدي (370هـ)، وعبد العزيز الجرجاني (392هـ)، وابن طباطبا العلوي (322هـ)، و قدامة بن جعفر(337هـ)، منتقية إياهم من مساحة زمنية حيّزها زمن تفجّر الإبداع النقديّ القديم، من دون أن تستعرضهم على وفق رؤية تاريخيّة ، لأسباب فنيّة لم تأت على ذكرها ، ثمّ استعانت بآراء نقديّة رابطة لأفكارها لكلّ من الجاحظ (255هـ)، ومحمد بن سلّام الجمحي (232هـ)، والصولي(335هـ)، وأبي الفرج الأصفهاني (356هـ)، و المرزباني (384هـ) ، وضياء الدين ابن الاثير(637هـ)،وغيرهم مختزلة الخطاب النقدي بوصفه أفكارا وممارسات في النقاد الستة، ولها الحق فذ ذلك فمساحة النقد العربي القديم تتّسع للمزيد، وعلى الباحث النبه أن يختزل أمام ظاهرة الامتداد التاريخي الطويل.
ثم وقفت عند تقويم المحدثين من النقاد: طه أحمد إبراهيم و د. محمد مندور، و د. محمد غنيمي هلال، و د. إحسان عباس، وكان لها أن استعانت بآراء لكلّ من د. زكي مبارك (1952م)، و د. شوقي ضيف (2005م)، وهي تربط القديم بالمعاصر من الأفكار سائحة بين المتون غير آبهة بما يمكن أن يقال لها وهي تشذّب الآراء، وتأخذ بقسم منها إلى جادّة النقد.
5-(الخاتمة)، وأعني بها خاتمة الكتاب التي جاءت بعنوان: (تقويم عام لكلّ الطروحات) التي امتازت بمزيّتين: الأولى بعدها عن الهمّ التلخيصي الذي يسم الكثير من خواتيم الكتب النقديّة وغيرها، والأخرى: قربها من روح الاستنتاج الذي وسم خطابها، فهي في صفحاتها غير القليلة قدّمت نتائج مهمّة عُنِيَتْ بطبيعة تقويم النقاد المحدثين للخطاب النقدي القديم من دون أن تسهب بإخلال، أو توجز بإقلال واقفة عند سلطتي النقد والناقد؛ ولهذا وجدت المؤلفة في نقد أ.طه أحمد إبراهيم ود. محمد مندور، ود. محمد غنيمي هلال تأويلا يتجاوز التلقي المباشر والعرض والتلخيص ليقف عند إنتاج وجهة النظر التي تربط النقد القديم بالمعاصر، في حين وَجَدَتْ في نقد د. إحسان عباس قراءة تقف عند حدود التلقي المباشر الذي يجتهد لأن يكون أمينا وهو يمنح نفسه للنص.
لقد قدّر للمؤلفة أن تكون ناقدة قراءات النقاد المحدثين فوَجَدَتْها وقد طغت عليها الصنعة الانتقائيّة مصحوبة بزيادة، أو نقصان، أو قلب يمارسه الناقد بوعي، أو بدونه، وهو يفارق الضبط العلمي الدقيق للنصوص، فضلا عن وقوفه عند العموميات متجاوزا الجزئيّات التي تتحكم في دلالة النصوص، ناهيك عن أنّ أغلب كتابات المحدثين -بحسب رأيها-تنطلق من هاجس تاريخ النقد لا النقد نفسه، وإنْ اختلفت نوايا النقاد في القصد بسبب اختلاف ثقافاتهم مع أنّ الجميع كانوا مأخوذين بالدفاع عن الذات العربيّة.
وإذ أثبت إعجابي الكبير بهذه الخاتمة التي بذلت فيها المؤلّفة جهدا واضحا في الاستقصاء، والتحليل، والاستنتاج فإنّي لا أستطيع كبح جماح رغبتي في نقدها في مسألة تتعلق بالإحالات القليلة التي وجدتُ المؤلّفة تحيل فيها على هوامش في الحاشية لنقاد معاصرين، وهذا ما لا يقرّه منهج البحث الأدبي الذي يرى أنّ مقدمات الكتب، وخواتيمها هي من نضح أفكار المؤلف، وخطابه الخاص حامل بصمة إبداعه ،وعلامته الفارقة، وإذا كانت للخاتمة من علاقة بفصول الكتاب فهي علاقة الربط بين المختلفات، والإشارة إلى المؤتلفات، والاستنتاج، والتأويل من دون الاتكاء على آراء الآخرين تلك التي مظانها الفصول والمباحث لا مقدماتها والخواتيم، ولكي لا أظلم المؤلّفة الكريمة في هذه المسألة أقول : لعلّ منهج البحث عند إخوتنا المغاربة يبيح الإحالة في المقدمة والخاتمة ؛ ولهذا ظهرتا في الكتاب بالشكل الذي نوهت عنه.
6- (لائحة المصادر والمراجع) لقد وُفّقت أ.د بشرى عبد المجيد تاكفراست في اختيار مصادرها ومراجعها أحسن توفيق ، فهي لم تبالغ في حشد ما هبّ ودبّ منها، وإنّما كانت ملتزمة بمعيار الجودة الذي انتقت من خلاله جملة من المتون التي لها علاقة مباشرة بموضوعها ، وهذا دليل اطلاعها السابق الذي بدأته طالبة ، ثمّ باحثة ، لتكون ناقدة وأستاذة مبرّزة في تخصّصها الدقيق، فضلا عن تعاملها الدقيق مع فكرة التأليف واعتمادها منهجا علميّا تعوّل فيه على كشف الحقائق للوصول إلى عتبة النتائج، ولعلّي لا أجانب الصواب حين أقول إنّ الفرصة لم تسعف المؤلفة الكريمة للحصول على بعض المراجع المعاصرة التي كانت الأقرب إلى خطّة الكتاب ومنهجه، ربّما بسبب البعد المكاني الذي حال دون أن تكون قريبة من المؤلفات العراقيّة ولاسيّما كتاب:(الصراع بين القديم والجديد في الشعر) للدكتور محمد حسين الأعرجي -رحمه الله- الصادر عن وزارة الثقافة والفنون العراقية في 1978الذي يناسب محتواه النقدي الفصل الأول من الكتاب، وكتاب (النظريّة النقدية عند العرب) للدكتورة هند حسين طه -رحمها الله- الذي صدر عند منشورات وزارة الثقافة والإعلام العراقيّة في 1981الذي تتّصل مادّته النقدية بالهيكل العام للفصل الأول أيضا، فهذا الكتابان فيهما من الفائدة للمؤلّفة ما لا يمكن إنكاره.
وإذ أنهي قراءتي لهذا الكتاب المهم لا يسعني إلا أن أقول بتميّز المؤلّفة وهي تلمّ شتات نقدين متباينين زمنا ورؤية لتقف ناقدة الحديث في متن جامع يستند إلى ذاكرة خصبة بوعيها النقدي، ولغتها المشرقة التي تمور في سياقاتها جماليات الالفاظـ، والمعاني وهي تقدّم الكتاب على طبق بهيّ يحفز المتلقي لأن يتلقاه، وهو مأخوذ بما فيه.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,468,726,140
- قراءة في استهلال مؤيد سامي النقدي
- التناص في شعر وديع العبيدي


المزيد.....




- نظام الأسد بعد دخول قواته خان شيخون: تركيا في طريقها لنجدة ا ...
- نظام الأسد بعد دخول قواته خان شيخون: تركيا في طريقها لنجدة ا ...
- انعقاد أولى جلسات محاكمة البشير وسط إجراءات أمنية مشددة
- بعد الجنائز والمساجد.. يدُ داعش تمتد لحفلات الزفاف في أفغانس ...
- -حريم السلطان- في لندن.. هنا يمنع دخول الرجال
- تحدث عن كنز.. هنية: حماس مستعدة لمفاوضات غير مباشرة
- الولايات المتحدة تدعو لإنشاء نظير -اليد الميتة- الروسية
- صلاح يقترب من -أعلى أجر- في الدوري الإنجليزي
- إلغاء 41 رحلة في مطار فرانكفورت
- كيف سترى الكائنات الفضائية كوكبنا لو وجدت؟


المزيد.....

- التربية والمجتمع / إميل دوركهايم - ترجمة علي أسعد وطفة
- اللاشعور بحث في خفايا النفس الإنسانية / جان كلود فيلو - ترجمة علي أسعد وطفة
- رأسمالية المدرسة في عالم متغير :الوظيفة الاستلابية للعنف الر ... / علي أسعد وطفة
- الجمود والتجديد في العقلية العربية : مكاشفات نقدية / د. علي أسعد وطفة
- علم الاجتماع المدرسي : بنيوية الظاهرة الاجتماعية ووظيفتها ال ... / علي أسعد وطفة
- فلسفة الحب والجنس / بيير بورني - ترجمة علي أسعد وطفة
- من صدمة المستقبل إلى الموجة الثالثة : التربية في المجتمع ما ... / علي أسعد وطفة
- : محددات السلوك النيابي الانتخابي ودينامياته في دولة الكويت ... / علي أسعد وطفة
- التعصب ماهية وانتشارا في الوطن العربي / علي أسعد وطفة وعبد الرحمن الأحمد
- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فاضل عبود التميمي - (النقد الأدبي القديم في تقويم النقاد المحدثين) وجهة نظر في تسلسل متواصل الحلقات