أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - شخصية اليهودى المُتدين والنزعة العدوانية















المزيد.....


شخصية اليهودى المُتدين والنزعة العدوانية


طلعت رضوان

الحوار المتمدن-العدد: 5258 - 2016 / 8 / 18 - 22:47
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


شخصية اليهودي المُـتدين والنزعة العدوانية
طلعت رضوان
ساعدتْ بريطانيا ثم أميركا الصهيونية فى إحتلال فلسطين. ولم يكتف اليهود بذلك وإنما مارسوا أبشع أنواع العنف والقتل وتشريد الفلسطينيين. وشنوا الحروب ضد شعوب لبنان ومصر والأردن وسوريا. إزاء هذه الاستراتيجية الدموية ، كان لابد من دراسة الشخصية اليهودية، المُـتمسـّـكة بالديانة اليهودية، ولماذا تميل إلى العنف وترفض السلام ؟ للإجابة عن هذا السؤال كان كتاب د. رشاد عبدالله الشامى (سلسلة عالم المعرفة الكويتية- عدد 102- يونيبو1986)
بدأ المؤلف كتابه بتأصيل مرجعية اليهود العقلية والنفسية المستمدة من التوراة. ويضرب مثالا بموقف العبرانيين من المصريين القدماء ، وفقــًا لما جاء فى سفر التكوين 47 عندما جاء يوسف إلى مصر، حيث استقبله ملك مصر (الفرعون وفق التسمية العبرية) وقال له : أبوك وأخوتك جاءوا إليك . أرض مصر قدامك. فى أفضل الأرض أسكن أباك وأخوتك. ليسكنوا فى أرض جاسان (الشرقية حاليًا) ماذا حدث بعد أنْ حصل يوسف والعبرانيون على هذا الكرم ؟ كتب المؤلف إنّ الفرعون كلــّـفهم ((بالعمل كسائر المصريين فى الزراعة وصناعة البناء اللتيْن كانتا الصناعتيْن الرئيسيتيْن ، فاعتبروا هذا التكليف عبودية. وجعلوا يهوه إلههم يُنكــّـل بالمصريين فى صورة عمليات انتقامية بشعة ردًا على جميل الإقامة لخمسة قرون نعموا خلالها بخيرات مصر. وهى الخيرات التى ندموا على تركها عندما عانوا الأهوال والجوع والتشرد فى التيه)) (ص12)
إنّ هذا الندم جاء فى اعتراف اليهود الصريح ، حيث ورد فى العهد القديم ((فعاد بنو إسرائيل وبكوا وقالوا من يُطعمنا لحمًا. قد تذكرنا السمك الذى كنا نأكله فى مصر مجانـًا والقثاء والبطيخ والكرات والبصل والثوم)) بل إنّ بنى إسرائيل عاتبوا إلههم وقالوا له لماذا خرجنا من مصر؟ وقالوا أيضًا ((أليس خيرًا لنا أن نرجع الى مصر؟)) (عدد11 : 4-6 ،20 ، خروج 14)
أما الجرائم التى ارتكبها اليهود الصهاينة ضد الشعب الفلسطينى ، فهى مستمدة أيضًا من كتابهم الذى يُقدّسونه وأنّ ((رب اليهود لا يكتفى بالقرابين من الحيوانات. ويُـلزم اليهود بالقرابين البشرية لإرضائه. ومن هنا كانت العادة اليهودية بذبح الأطفال واستنزاف دمائهم لعجين فطائر عيد الفصح)) (150) ويضرب المؤلف مثالا بما ورد فى سفر الخروج 12 : 29 حيث جاء فيه ((فحدث فى نصف الليل أنّ الرب ضرب كل بكر فى أرض مصر. من بكر فرعون إلى بكر الأسير. وكل بكر بهيمة)) وقال المؤلف إنّ شهوة القتل (حتى قتل الأطفال) مستمدة من التوراة ، فكتب ((حينما انتصر جند موسى على المديانيين وجاءوا بالسبايا والغنائم قال لهم موسى ((فالآن أقتلوا كل ذكر من الأطفال)) (عدد31 :17) ويخلص المؤلف من قراءة العهد القديم إلى أنّ إله العبرانيين هو ((الذى كان يوحى إلى موسى بخطط الحرب والخديعة. فيأمره بالتجسس وجمع المعلومات قبل الهجوم على أرض كنعان. وهو الأمر الذى ورد فى سفر العدد 13 حيث نصّ على ((ثم كلــّم الرب موسى قائلا إرسل رجالا ليتجسسوا أرض كنعان التى أنا مُعطيها لبنى إسرائيل)) والتحريض على قتل الأطفال وسبى النساء وحرق المدن والسرقة والوعد بإحتلال أراضى الغير، مثل أراضى المصريين والكنعانيين ، كل ذلك ورد بالتفصيل فى معظم أسفار العهد القديم. وأضاف د. رشاد ((إنّ التوراة تطبع العقيدة الإسرائيلية برباط وثيق بين (حرب إسرائيل) و (رب إسرائيل) حيث يُصبح هذا الرب هو (رب الجنود) الذى يُمهّد لبنى إسرائيل السبيل لتحقيق مآربهم فى الغزو والإحتلال وطرد الشعوب)) (168 ، 169)
هذا الموقف العدائى من الشعوب المُـتحضرة المستقرة ، كان الدافع إلى نقد التراث العبرانى. فيرى توينبى أنّ ((اليهودية هى أقبح أمثلة عبادة الذات)) وبعد مذبحة دير ياسين وجّه نقدًا شديدًا ضد الإسرائيليين وقال ((إنّ الدرس الذى استخلصه اليهود من مواجهتهم مع النازى قادهم ، لا إلى تجنب الجرائم التى ارتكبها النازيون ضد اليهود ، بل إلى تقليدها)) (21 ، 188) أما العالم الكبير فرويد فقد وصف (رغم أنه موسوى الديانة) إدعاء اليهود بأنهم شعب الله المختار بأنه خرافة. وأنّ اليهود أخذوا عن المصريين عادتيْن كانوا يتميّزون بهما ونسبهما اليهود لأنفسهم وهما عادة الختان وتحريم تناول لحم الخنزير)) (37) أما فولتير، أحد رواد التنوير الكبار، فقال عنهم ((إنكَ لتجد فيهم مجرد شعب جاهل ومتوحش. زاول لمدة طويلة أبغض أنواع الخرافات. ويحمل كراهية لا تعادلها كراهية لكافة الشعوب التى تسامحتْ معه)) (40)
فى فصل شيق عرض د. رشاد حركة التنوير اليهودية (الهسكالاه) التى استهدف مؤسسوها القضاء على نظام الجيتو. أى القضاء على العزلة التى فرضها اليهود على أنفسهم فى المجتمعات التى عاشوا فيها. وأنّ الحل هو الاندماج ، بحيث يكون التركيز على صفة المواطنة وليس على أساس الانتماء الدينى. وبالفعل حققتْ هذه الحركة نجاحًا ملحوظــًا فى البداية لدرجة أنْ ((تفجّرتْ فى كل ناحية هتافات مثل ((لنخرج من الجيتو. لنقترب من الشعوب)) ورأوا أنّ النجاح الحقيقى لن يتحقق إلاّ(( اذا تمكــّن اليهود من اكتساب مُـقومات الحضارة الغربية العلمانية)) ولذلك ((وجّهوا سهام نقدهم إلى التراث الدينى اليهودى الغارق فى الغيبية واللاتاريخية. فهاجموا فكرة (المسيح المخلص) وأسطورة العودة. وهاجموا التلمود . وحذفوا كل الصلوات التى تدعو للعودة الى صهيون أو إحياء مملكة إسرائيل. ووصل كثيرون من دعاة الاستنارة اليهودية ، ليس إلى حد إنكار القومية اليهودية فحسب ، بل إلى حد إنكار الدين اليهودى ذاته)) (41 - 43)
وبكل أسف فإنّ حركة التنوير اليهودية التى حققتْ نجاحًا كبيرًا فى غرب أوروبا ، جوبهتْ بمقاومة شديدة فى شرق أوروبا. وانتهتْ الحركة بالفشل. وبالتالى فشل الحل الاندماجى. بمعنى أنْ يُصبح اليهودى الهولندى (مثلا) مواطنـًا هولنديًا يهودى الديانة ، مثله مثل المواطن مسيحى الديانة. ويكون الولاء للوطن قبل الولاء للدين. أى يندمج فى الوطن الذى يعيش فيه. وتكون له نفس الحقوق وعليه نفس الواجبات. وقد امتلأ أدب حركة التنوير اليهودية بالعبيرات التى تعاملتْ مع الدين اليهودى بصرامته وقيوده المتزمتة باعتباره حائلا دون سعادة الإنسان. وكتب الأديب (يهودا ليف) : ((كن يهوديًا فى بيتك وإنسانـًا خارج بيتك)) ورغم كل هذه الجهود فشلتْ حركة التنوير اليهودية ، بسبب يهود شرق أوروبا. بالاضافة إلى عوامل أخرى مثل ((ازدياد موجة معاداة السامية. وحادثة اغتيال القيصر الكسندر الثانى فى مارس 1881 وإتهام أحد اليهود بقتله. ونشوب موجة من الاضطهاد ضد اليهود فى روسيا)) (39 – 49) ثم جاءتْ الحركة الصهيونية التى وظــّـفتْ الدين من أجل العودة إلى أرض الميعاد. وقاومتْ فكرة الاندماج. وروّجتْ وموّلتْ تهجير اليهود من أوطانهم ، ليحتلوا أرض الشعب الفلسطينى .
رصد المؤلف هجرات اليهود إلى فلسطين. فذكر أنّ الهجرة الأولى بدأتْ واستمرتْ من عام 1882 – 1903 وأنّ الكاتب الصهيونى (آحاد ها عام) كتب فى عام 1891 ((نحن فى الخارج نظن أنّ فلسطين صحراء برية غير مزروعة. وأنّ أى شخص يستطيع أنْ يشترى من الأرض حسب رغبته)) وبعد عشرين عامًا قال (( إنّ كثيرين من أهالى فلسطين الذين أخذ وعيهم القومى فى النمو، ينظرون شزرًا إلى بيع الأراضى (للغرباء) ويعملون جهدهم لوقف هذا الإثم)) (179) وذكر د. رشاد أنّ ((الصهيونيين حاولوا مساندة الحكم البريطانى لمدة تكفى لزيادة عددهم ولشراء المزيد من الأرض)) (227) وأنّ ((أول إحتجاج فلسطينى رسمى ضد التدخل الصهيونى كان فى 24/6/1891 عندما بعث بعض وجهاء القدس عريضة إلى القسطنطينية يُطالبون فيها بمنع اليهود من دخول فلسطين وشراء الأراضى فيها. فما كان من الحكومة العثمانية إلاّ أنْ أصدرتْ قوانين تمنع الهجرة اليهودية. ولكن إحتجاجات الدول الأوروبية حدّتْ من تلك القوانين)) (258)
وعن الموازيك الذى يحكم الشخصية اليهودية ، وبالتالى الخريطة السكانية للمجتع الإسرائيلى تحدث المؤلف عن تقسيمات اليهود داخل إسرائيل : القسم الأول هم مجموعة اليهود (الاشكنازيم) التى هاجرتْ من أوروبا إلى فلسطين. وهذه المجموعة ((تحتل قمة الهرم الاقتصادى والاجتماعى. وتسيطرعلى كل مراكزالقوة السياسية والعسكرية. وترى ضرورة أنْ يرتبط تاريخ إسرائيل بتاريخ وثقافة وتراث اليهود فى أوروبا. بحيث يسود الطابع الحضارى الغربى ، باعتبار أنّ المؤسسين ينتمون إلى هذا الطابع الحضارى. ويحرصون على استمراره (89 ، 101)
المجموعة الثانية هم اليهود (السفارديم) الشرقيين من عرب ومغاربة إلخ وهم لم يُعانوا الاضطهاد كما حدث ليهود أوروبا. وهاجروا إلى فلسطين تحت تأثيرالحركة الصهيونية. وأملا فى مستوى معيشى أفضل من الذى كانوا يعيشون فيه فى بلادهم. والمُـلفت للانتباه كما يقول المؤلف أنّ هؤلاء اليهود (ومعظمهم عرب) تحوّلوا، نظرًا لثقلهم النسبى فى العملية الانتخابية منذ عام 1977 إلى التصويت لصالح اليمين المُـتطرف الذى يُمثله حزب (ليكود) وأتاحوا الفرصة لليمين الإسرائيلى أنْ يتولى الحكم لأول مرة فى تاريخ إسرائيل ولفترتيْن متتاليتيْن (77 ،1981) وأعطوا الليكود 73% من أصواتهم فى يوليو 1984. وعن شخصية اليهود العرب كتب د. رشاد ((لقد ترتــّبَ على الظروف التى غادر بها اليهود البلاد العربية ، فى إطارمن التضخيم الإعلامى الصهيونى للكراهية العربية لهؤلاء اليهود من ناحية، ولعدم وجود خطة استراتيجية عربية واضحة بشأن مستقبل اليهود فى المنطقة من ناحية أخرى، ترتــّبَ على هذه الظروف أنْ تولــّـد الإحساس لدى اليهود السفارديم بأنّ الاختيار المفروض عليهم هو بين الاندماج فى المجتمع الإسرائيلى وقبول قيمه ومفاهيمه كما هى ، أو الذبح والطرد على يد العرب فى حالة انتصارهم على إسرائيل. ولذلك فهم أكثر استعدادًا لقبول النظرة الفاشية التى تجعل من الفلسطينيين والعرب عمومًا كبش فداء. وقد أصبح من الشائع أنّ السلوك السفاردى يُجسّد الحقد العميق ضد العرب. وأنهم أكثر من كافة الإسرائيليين تزمتــًا وحبًا للحرب وأشرسهم مساندة لمبدأ ضم الأراضى العربية المحتلة. وردّدوا أكثر من مرة بأنهم أتوا بمناحم بيجين للسلطة فى مايو1977 لأنه هو وجيله يُجسّدون العداء للعرب بأشد ما يكون التصلب والعناد (90 ، 99)
ولأنّ د. رشاد عالم كبير ومتمكن من مادته عن الشخصية اليهودية (المُـتدينة) لذلك وجدته يربط ما سبق عن شخصية اليهود السفارديم بموقف اليهود الاشكناز منهم ، فى تطور دراماتيكى عن هذا المجتمع الموازيكى ، فكتب أنّ الاشكناز ينظرون إلى اليهود العرب ((باعتبارهم إسفين الحضارة العربية المتخلفة المزروع داخل المجتمع الإسرائيلى. وأنهم سيكونون ، فى حالة حدوث سلام مع العرب ، أقدر الفئات الإسرائيلية قدرة على فهم العرب والتعايش معهم. وأنّ هذا الأمر يُهدّد أساس الوجود الإسرائيلى كدولة تـُعتبر إمتدادًا طبيعيًا للحضارة الغربية)) (ص99)
المجموعة الثالثة هى اليهود (الصباريم) أى الذين وُلدوا على أرض فلسطين. ولا يعرفون لهم وطن آخر سوى إسرائيل بعد قيامها. وأنّ ارتباطهم بإسرائيل ليس نتيجة اعتقاد أيديولوجى أو إيمان بالصهيونية ، ولكن ببساطة لأنهم وُلدوا على هذه الأرض. وليس لديهم عقدة اضطهاد مثل آبائهم. وأنهم يضعون إسرائيل قبل يهوديتهم. حيث يعتقدون أنهم وُجدوا ، ليس على أرض يهودية وإنما إسرائيلية. وهذه الشخصية العبرية الجديدة تحتقر يهود الجيتو، كوصمة عار ليهود أوروبا ((الذين ساروا كالشاة إلى المذبحة)) أما أدب الأطفال فهو يمتلىء بأوصاف كل من (الصبار) و (اليهودى الجيتوى) حيث صورة الصبار(الراقى) والجيتوى (المنحط) وأنّ الصبار يعتبر نفسه (ابن البلد) وأنه عبرى وليس يهوديًا. والشخصية الصبارية تضيق ذرعًا بتدخل الحاخامات فى حياة الناس الخاصة . لذلك يأكلون لحم الخنزير علانية (91 ، 105 ، 109 ، 121)
وعن الفرق بين اليهود الشرقيين والغربيين كتب د. رشاد ((لقد كانت هناك تناقضات هامة بين الإثنين. فاليهود الشرقيون كانت حياتهم الجديدة فى إسرائيل تــُمثل إنجازًا لتراثهم اليهودى . لكنها بالنسبة لمعظم اليهود الغربيين تــُمثل نبذا لماضيهم اليهودى)) (198) ولعلّ ذلك ما جعل المهتمين بدراسة الشخصية اليهودية داخل إسرائيل ، أنْ يُفرّقوا بين اليهودى المتمسك بالدين ، واليهودى المتمسك بإسرائيل. وهو ما عبّر عنه المؤلف قائلا (( اليهود يريدون العيش وفقــًا للتوراة. أما الإسرائيليون فهم يؤمنون بالتراث اليهودى اسمًا. ولكنهم فى داخل أعماقهم يريدون أنْ يُصبحوا شعبًا جديدًا مختلفـًا. أنْ يكونوا تابعين للحضارة الغربية. وتـُـصبح (أرض الميعاد) مجرد صدفة تاريخية. وعن اليهودى الغربى المؤمن بإسرائيل الرافض للديانة العبرية ، كتب يسرائيل هارل ((لقد أصبحتْ مشكلة الإسرائيليين أنهم لا يؤمنون بأية حقيقة مطلقة. والأيديولوجية التى لا تحتوى على الإيمان بالمطلق سيكون مصيرها الزوال. والإسرائيلى المتأثر بالحضارة الغربية ، يؤمن بنسبية الحقيقة. وأنّ لكل عملة وجهيْن (122 ، 123)
فى داخل هذا الموازيك الذى يُشكــّـل الشخصية اليهودية فى إسرائيل نشأتْ جماعة (الكنعانيين) الذين يرون أنّ الجنسية الإسرائيلية ليست مرتبطة بالتصور الصهيونى. ويُطابقون بين الجنسية والمواطنة. ويرون ضرورة تحرير العبرانيين من يهوديتهم والعرب من إسلامهم. وإقامة دولة علمانية واحدة فى كافة منطقة الهلال الخصيب دون فرق بين اليهود والعرب. بالعودة إلى الأصل الثقافى العبرى القديم. استنادًا الى أنّ العرب سكان البلاد هم أحفاد اليهود القدماء. وأعضاء هذه الجماعة لا يشعرون أنهم يهود. وأنّ الجيل السابق عليهم جعل الدين مكروهًا لديهم. وأنّ التاريخ اليهودى عبر 2500 سنة غير مُلزم لهم. ويرون أنّ اليهود ليسوا شعبًا متجانسًا. إذْ فيهم الآسيوى والإفريقى وما بينهما من اختلاف عن اليهودى الأوروبى. وإذا كانوا يرفضون الدين العبرى ، فإنهم يرفضون أيضًا أنْ يكونوا صهاينة (93 ، 115 ، 116)
فى فصل ممتع تحدث المؤلف عن افتقاد الشخصية اليهودية للجذور. لذلك حدث ولع لديهم بالآثار. والسبب أنّ ((علماء الآثار فى إسرائيل (محترفون وهواة) لا يحفرون من أجل الخبرة الفنية والاكتشافات. بل ليقروا من جديد جذورهم التى يرونها فى المخلفات العتيقة. ولا غرابة فى أنْ يكون أشهر الهواة هو موشيه ديان . وقال يجال يادين رئيس الأركان الإسرائيلى الأسبق ((لقد أصبح الإيمان بالتاريخ لدى الشباب الإسرائيلى بديلا عن الدين . إنّ علم الآثار الوطنى يُـكرّس جهوده لتحقيق الماضى العبرى للبلاد)) وذكر د. رشاد أنّ الإهتمام بعلم الآثار بدأ عام 1920. وفى عام 1947 كان علم الآثار قد نما تمامًا. إذْ بفضل راعى شاب كان يبحث عن معزة شاردة ، تمّ اكتشاف برديات بحر الميت. وأنّ هذه البرديات تـمّ شراؤها من تجار عرب. وهى تشتمل على كتابات خطية لسفر أشعيا. وفى الفترة من 63- 1965 قام البروفيسور يجال يادين بحفائر شاملة فى (متسادا) وقام بمعاونته آلاف المتطوعين من إسرائيل ومن خارجها. وكان هؤلاء يحسّون أنهم يقومون بعمل مقدس . وكتب يادين ((إننا لم ننجح فى تنفيذ هذه المهمة الصعبة إلاّ عندما تقدّمتْ جموع المتطوعين من البلاد)) وقامتْ إسرائيل بترميم المكان وإعادة بناء (المتسادا) جزئيًا. وأصبح من السهل الوصول إلى المكان بالقطار المُعلق (التلفريك) وتزوره جموع السائحين كل سنة. وتقام حفلات دائمة تــُمثل الترابط بين السياسة وعلم الآثار فى التاريخ الإسرائيلى الحديث. ويصل الأمر لدرجة أنْ يستعير يادين عبارة نابليون عندما وقف أمام الأهرام فى مصر وقال يُخاطب جنوده ((إنّ أربعين قرنـًا من التاريخ تتطلع إليكم)) يستعير يادين هذه العبارة وهو يتمنى لو أنّ نابليون قالها عن تاريخ إسرائيل ( من 126- 132 ، 160)
ولكن هذا الولع بالآثار الذى وحّد الإسرائيليين ، لم يمنع التمزق داخل الشخصية اليهودية ، خاصة وأنّ الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لم تتمكن من تحقيق السلام. لا مع الفلسطينيين ولا مع الدول المجاورة. لذلك يشعر المواطن الإسرائيلى أنه فى حالة حرب دائمة. وأنّ نظام التجنيد تسبّب فى (عسكرة المجتمع الإسرائيلى) بل إنّ التوراة بصفتها المرجعية الدينية للإحتلال وتبرير شريعة العنف ، تــُـدرّس فى المدارس بوصفها مادة تاريخ قومى (199) كما أنّ الكثيرين تأثروا بمقولات الزعماء أمثال بن جوريون الذى قال ((لا يهم ما تقوله الشعوب الأخرى. بل المهم هو ما يفعله اليهود)) (144) وقال أيضًا ((بالدم والنار سقطت يهودا. وبالدم والنار ستقوم يهودا)) (206) أما زائيف جابوتنسكى فقال ((السيف والتوراة قد نزلا علينا من السماء)) (182)
وقد عبّرتْ عالمة النفس الإسرائيلية (عاميا ليبليخ) عن هذا الواقع بقولها ((إنّ الحرب فى إسرائيل جزء من الماضى ومن الحاضر ومن المستقبل. ويسأل الإسرائيلى نفسه : هل يُسعدنى الحظ فى الحرب القادمة وأنجو كما نجوتُ فى الحروب السابقة ؟)) أما الأديب الإسرائيلى ساميخ يزهار فقال (( كان الإحساس التراجيدى لأبناء هذه الأجيال ، هو أنّ الحروب قد فــُـرضتْ عليهم دون أن يُعطى لهم خيار أو سيُعطى لهم)) وعن هذا الكابوس الوجودى الذى حوّل المجتمع الإسرائيلى إلى ثكنة عسكرية ، كتب الشاعر الإسرائيلى يعقوب باسار((الحرب المقبلة.. نــُـنشئها.. نُربيها.. ما بين حجرات النوم.. وحجرات الأولاد)) أما الأغنية التى شاعتْ بعد حرب1967فهى التى كتبها الشاعر الإسرائيلى حانوخ لفين ((حين نتنزه نكون ثلاثة : أنا وأنت والحرب القادمة. . وحينما ننام نكون ثلاثة : أنا وأنت والحرب القادمة)) (من 242 – 246)
وسط هذا المناخ المؤسّس على شريعة القتال والطمع فى أراضى الشعوب المستقرة منذ آلاف السنين ، تبرز أصوات إسرائيلية راغبة فى تحقيق سلام يضمن الاستقرار. وأنّ هذا الاستقرار لن يتم إلاّ بعد الاعتراف بالشعب الفلسطينى. وتمكينه من إقامة دولته المستقلة بعيدًا عن أى تحرش إسرائيلى. من بين هؤلاء من يمتلك ضميرًا حيًا فيكتب مؤكدًا أنّ ((الوطن الإسرائيلى لم يقم لا بالحق ولا بالتاريخ ولا بالهرب من الاضطهاد ، بل بالعنف وحده. نعم بالعنف والدم)) وكتب آخر عن جرائم الجيش الإسرائيلى ضد المدنيين أثناء الاعتداء على لبنان عام 1982 فقال إنّ التركيب النفسى للشخصية اليهودية غير عادى. وما حدث فى لبنان أبعد ما يكون عن البطولة. هل البطولة العسكرية هى صورة هذا الرجل الذى يبحث فى الأنقاض عن حفيده ؟ أو هذا الرجل الذى يفر هاربًا من الجحيم حاملا بين ذراعيه ابنته ذات العشر سنوات ؟ حرام علينا أنْ نعقد المقارنات بين ما يحدث لهؤلاء العرب وبين ما حدث لنا فى الماضى. لأننا لو عقدنا هذه المقارنات لاتضح أنّ الجرائم التى أُرتكبتْ فى حقنا بالأمس هى نفس الجرائم التى نرتكبها اليوم)) (154)
وبعد حرب 67 صدر كتاب (أحاديث المقاتلين) ورد فيه اعترافات الجنود الإسرائليين وانطباعاتهم عن الحرب. وقال أحد الجنود ((إذا كنتُ فى هذه الحرب قد تذكــّرتُ نكبة اليهود فى أوروبا ، فلقد حدث هذا الأمر فى لحظة معينة حينما كنتُ فى طريق القدس. كان اللاجئون يتدفقون أمامنا فى إتجاه الأردن. لقد شعرتُ على الفور بالتعاطف معهم. حينما رأيتُ الأطفال على أذرع آبائهم. رأيتُ فيهم نفسى محمولا بين ذراعىْ والدى)) وذكر جندى آخر أنه حينما دخل معسكر اللاجئين كى يقوم بعملية تفتيش شعر بأنه ((رجل جستابو)) وعلّق د. رشاد قائلا ((وهذا يُذكــّرنا بقول الفيلسوف الألمانى هيجل ((أنْ تقتل (غيرك) فإنما تقتل نفسك)) ففِعل القتل ، بقدر ما هو حماية للذات من خطر، لا مفر للقاتل من أنْ يرى نفسه مقتولا فى ذات القتيل (155) وينقل المؤلف عن أحد اليهود قوله ((إنّ القومية اليهودية فى فلسطين مبنية على أنانية عسكرية من العنف وبعيدة كل البعد عن الإنسانية)) (157)
وإذا كان تاريخ قيام الدولة الإسرائيلية عام 1948 ، فإنّ اليهود استعدوا لذلك اليوم بزمن طويل. حيث يتبيّن من مصادر المؤلف الاعتماد على عدد من صحيفة (ها آرتس) الصادر فى 8/9/1922 ورد فيه خطاب مفتوح بعث به (آحاد ها عام) إحتجاجًا على مقتل طفل عربى على يد أحد الصهاينة (181) وعلى الإهتمام بعلم الآثار منذ عام 1920. بل إنّ اليهود وصل بهم الأمر لدرجة تأسيس (إتحاد للعمال العبريين) قبل إنشاء إسرائيل بثمانية وعشرين عامًا ، حيث تأسّس إتحاد العمال (الهستدروت) فى ديسمبر 1920 (ص 208)
رغم كل هذه الاستعدادات. ورغم المستوى المعيشى المرتفع. ورغم جهود العلمانيين ودعاة السلام الإسرائيليين للاعتراف بحق الشعب الفلسطينى فى إقامة دولته ، حتى يتحقق الاستقرار لكل سكان المنطقة ، رغم كل هذا فإنّ الإسرائليين ((يعيشون تناقضًا حادًا بين فرضيات العقيدة الصهيونية الدينية وبين إفرازات المجتمع الإسرائيلى فى صراعه مع الواقع العربى الرافض لوجوده)) (236) وأشار المؤلف إلى عامل آخر يزيد من حدة التناقضات ، وهو أنّ الإسرائيليين يُشكــّـلون مجتمعًا غير متجانس ، حيث أتوا من بلاد عديدة ويتحدثون سبعين لغة. ولهم خلفيات حضارية مختلفة (247) ولكن هذا التعدد فى اللغات جعل الإسرائيليين يتخلون عن التحية العبرية التى كانت سائدة بينهم (شالوم عليخم) وأصبحوا يُـفضلون استخدام تحيات حضارية مثل (بوكر طوف) أى صباح الخير، (عيرف طوف) أى مساء الخير. وغيرها من التحيات المتعددة (117) فهل التخلى عن التحية الأحادية الشمولية (شالوم عليخم) ستجعلهم متحضرين وبالتالى ينبذون العنف؟
وإذا كان اليهود قد تجرّعوا الذل على يد النازى ، فإنهم أعادوا إنتاج الذل ومارسوه على غيرهم. وهو الأمر الذى أكــّده المؤلف قائلا ((إذا جاز لنا القول بأنّ أولئك الذين كانوا عبيدًا فى أرض مصر، وفق رواية التوراة ، قد تحوّلوا إلى غزاة محتلين لأرض كنعان ، بعد فترة التيه أو الاختيار الطبيعى ، فإنّ أولئك الذين كانوا عبيدًا فى الجيتو فى العصرالحديث ، قد تحوّلوا هم الآخرون إلى غزاة محتلين لأرض فلسطين ، بعد أنْ تعرّضوا لسلسلة من الاضطهاد بلغتْ ذروتها فى اللاسامية النازية ، التى تركتْ أثرًا واضحًا على السمات السلوكية للنمط الصهيونى ، ثـمّ على الشخصية اليهودية الإسرائيلية)) وأنّ اليهود (بعد تجربتهم مع النازى) نراهم ((عندما يجدون الأشخاص الآخرين أضعف منهم ، يُمارسون معهم نفس القسوة التى احتملوها فيما مضى. وهذه الظاهرة معروفة فى علم النفس ب ((التوحد فى المعتدى)) (141)
***





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,386,946,877
- هل يوجد فرق بين لفظ العرب ولفظ (الأعراب)؟
- تضامن ناهض حتر
- الملياردير فى منظومة الفساد إبداعيًا
- بخصوص الحملة ضد الإسلاميين المجرمين
- الدولة الاستبدادية والمؤسسات الكهنوتية
- التطبيق العملى للإيمان بالحضارلة المصرية
- هل عرفت مصر القديمة ألعاب القوى؟
- هل سيدخل غير المسلمين الجنة ؟
- هل كان زويل سيحقق طموحه العلمى لو بقى فى مصر؟
- ما هدف عودة الخلافة الاسلامية ؟
- لماذا يرتدى رئيس الدولة عباءة شيخ الأزهر؟
- علم السعودية والدونية القومية
- الحلم بمسرح مصرى عالمى
- هل عرفت الحضارة المصرية المسرح؟
- أبناء الجالية المصرية فى مصر
- العروبيون ومزاعمهم الباطلة
- رخصة فى القرآن يرفضها المسلمون
- ما الحكمة من تشويه النبى إبراهيم ؟
- لماذا يرفض العرب أنْ تحكمهم امرأة ؟
- ما سر الخلاف بين السنة والشيعة حول زواج المتعة؟


المزيد.....




- تجدد مأزق الديمقراطية البرجوازية  بين مغالطات التصور الحداثو ...
- مفكر مصري يثير ضجة بـ-إساءة للخلفاء الراشدين-.. القناة تعتذر ...
- -محمد المسيحي- مرفوض بفريق إسرائيلي شعاره -الموت للعرب-
- مسلمو فرنسا.. إغلاق المساجد -عقاب جماعي-
- مماحكة بين تركيا والقوى الشيعية العراقية
- بعد شهرين على الحريق.. إحياء أول قداس في كاتدرائية نوتردام ...
- أول قداس في كاتدرائية نوتردام بعد الحريق المدمر
- بعد شهرين على الحريق.. إحياء أول قداس في كاتدرائية نوتردام ...
- فرنسا: إصرار على إقامة القداس السنوي لكاتدرائية نوتردام بحضو ...
- حكاية الطائفة الدينية التي أسستها معلمة يوغا لخلق جنس متفوق ...


المزيد.....

- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - شخصية اليهودى المُتدين والنزعة العدوانية