أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - عبدالحميد برتو - موجعة ذكرى الشهداء















المزيد.....

موجعة ذكرى الشهداء


عبدالحميد برتو
الحوار المتمدن-العدد: 5256 - 2016 / 8 / 16 - 23:27
المحور: الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية
    


باتت الكتابة عن الشهداء موجعة للغاية، خاصة في هذه الأيام المحزنة من تاريخ العراق. نعم إنها أيام محزنة لفرط إسترخاص الروح العراقية، وإنتشار عمليات نهب أرواح وحياة الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ بالجملة. إنه زمان تمر به عمليات إبادة الناس، الغامضة في بعض الأحيان والمعلنة في الغالب، دون إثارة إستنكار يناسب الغبار الذي يعصف بالضحايا، ولا يسلم من المحنة مَنْ هم في بيوتهم أو في الشوارع أو حتى في المستشفيات.

تجري عمليات تعميم الجريمة في ظل الأوضاع الراهنة للتقليل من شأن تلك الدروس العظيمة والملهمة التي تركها الشهداء، لمن يريد حقاً أن يتعلم شيئاً منها على طريق التضحية. إمتلك المتاجرون بآلام الناس وفقرهم وتعففهم خبرة قاهرة وضخمة في القدرة على تبشيع كل شيء، وتسوق النموذج المنتفع الأناني، وإحاطته بمصادر القوة والبأس، ليس لأغراض الدفاع، بل لشن الهجمات المحمومة على أمن الناس وأرزاقهم. إن العتاة على ثقة بأن كل نموذج نزيه يُشكل تهديداً لهم بسيرته الحسنة حسب، حتى ولو كان ذلك التهديد في المرحلة الحالية بدرجاته الأولية أو حتى كامناً، وهم على حق في ذلك التصور.

صعبة الكتابة أيضاً لسوء إستخدام البعض لذكرى الشهداء، وتحويلها الى مجرد هتاف سياسي، خاصة حين يتجاهلون حقيقة أن نهاية أية حياة صعبة بطبيعتها، وحتى في الأحوال التي لا مُرد لها ـ الموت الطبيعي. وصعبة كذلك لأن حصيلة التضحيات الكبيرة والجليلة لم تؤدي الى نتيجة تناسبها، ولو في الحدود الدنيا، وفي إطار الأمل.

هذا الى جانب أن الكتابة عن الشهداء موجعة بطبيعتها، لإنها تُعيد الحالة بكل حرارة يوم وقوعها. ولكن لا مناص من الإعتراف بإن الوجع الصميمي يعني من جانب آخر إعترافاً بالمأئرة، وإدانة عميقة وإنسانية واعية للجلاد، وإن ذلك الوجع أساس متين للعطاء من أجل الغد.

تسعى الشعوب المتحضرة اليوم في مواجهة الموت المتعمد الى تعميم تجربة دول الإتحاد الأوروبي، وتطالب بإلغاء عقوبة الإعدام، وهذا يعني التحريم المطلق لإزهاق حياة حتى المدانين. وفي بلادنا المجرمون يقتلون الأبرياء في الشوارع، وفي الأسر عند داعش وبقية المليشيات، وحتى في سجون دولة اللادولة بمختلف الوسائل التي توصلت إليها عقول مرضية وقلوب فقدت مقومات إنسانيتها.

إن موضوع التضحية ـ الشهادة دقيق الى أبعد الحدود، ويضع بطبيعته شروطاً حاسمة لحسن إستخدامه، بما ينسجم مع تصور المضحين ـ الشهداء أنفسهم. يتطلب عدم المبالغة، والعمل على وصف الحقيقة كما هي، لأن التضحية نفسها أبلغ من تطويع الكلام. وينبغي أن تستخدم الشهادة كعبرة تاريخية ودرس يشد الهمم. والحديث عن التضحيات يتطلب لحظة دقيقة تناسبها، وقد يصل الأمر الى ضرورة العدل في إنصاف كل الشهداء، ودون تجاهل التفاصيل الخاصة بكل شهيد.

بديهي أن يكون إحترام الشهادة والإشادة بذكرى الشهداء والحزن عليهم حالة عامة تشمل كثيرين. ولكن تظل عائلة كل شهيد تتحمل العبء الأكبر من الحزن والآلام والمتطلبات الأخرى، وحتى داخل عائلة الشهيد الواحد يكون الإحساس بالمصاب متفاوتاً، فحالة الأب غير حالة الإخ، وحال الأم يختلف عن الإثنين معاً، وهكذا. وإن الشهيد الذي تعرفه مباشرة، وتربطك به علاقات مديدة، تمنحه ما تمنح كل شهيد من حقوق الإحترام ومحاولة الإقتراب من تجربته وهضمها وإستخلاص العبر منها، ولكن بالنسبة للذين تعرفهم يضاف إلى ما تقدم تذكر لحظات العيش المشترك بكل حلوها ومرها.

يقوم بعض الأصدقاء بين فترة وأخرى بنشر صور شهداء، إجلالاً وتقديراً لتضحياتهم، وهذا فعل حسن للغاية، وشكل من أشكال الوفاء للشهداء. وحين أشاهد صورهم أقف أمام صورة أشخاص أعرفهم، وتحتفظ ذاكرتي بالكثير عن قصص بطولاتهم والظروف التي أحاطت بإستشهادهم. وفي مثل هذه اللحظات أعود الى الماضي، وكأني أعيش لحظة وحالة ذلك اليوم الذي غادرنا فيه الشهيد، وبعبارة أدق يوم سلبوا الشهيد منا عنوة.

قبل أيام نشر الصديق رشاد أبو ثامر صور الشهيد البطل عامر سلطان هندي باني. بديهي أني لا أستطيع أن أمر بسرعة، وأكتفي بتأمل صورته. أرى أن من الواجب قول كلمة بما ينصف الشهيد بعضاً من حقه علينا. علقت قائلاً: إنه شهيد الإخلاص لمبادئه، وهو كتب تجربة نادرة في الشجاعة والمجابهة، وكان من النوع الذي لا يعرف التنازل ولو خطوة أو شعرة واحدة أمام جلاديه. كم هم مثلك اليوم يا عامر، بل وفي كل يوم. سيتعلم منك الكبار والصغار، وفي مثل تلك التجربة التي عشتها تكون الحياة الدائمة.

وأضفت: تابعت حينها في بغداد أخبار ما كان يتعرض له الملازم أول الشهيد عامر في سجنه بأبي غريب، وكل القضية التي أدت الى الحكم عليه بالإعدام، وتنفيذ الحكم به فعلاً، مع 30 آخرين من زملائه الأبرياء، مدنيين وعسكريين. إن أسباب التي إتخذت ذريعة لإعدام الأبرياء لا تستحق حتى المسائلة بالنسبة الى معظمهم. وأشرت الى أن السبب الحقيقي للبدء بتلك العملية الكبيرة، التي تمثلت بحملة الإعدامات الواسعة، هو فض التحالف مع الحزب الشيوعي العراقي، والسير في طريق تصفيته.

وذكرت بأن القوانين الخاصة بالجيش عجزت في عزل الشهيد عامر عن الفكر الذي تربى عليه، وآمن به بقوة وحرص. إن عامر لم يتحمل عملية إندساس خائن، كان ذلك الخائن عضواً في الحزب الشيوعي العراقي، وتم تجنيده من قبل مخابرات النظام ضد الحزب، بعد تعرضه لتعذيب بشع. أوصل الشهيد عامر المعطيات المتوفرة لديه عن تلك الحالة الى قيادة الحزب.

شاءت الصدفة المعلونة أن تتعرض سيارة عضو قيادة الحزب الرفيق سليمان بوكا (ابوعامل)، الذي عمل في فترات سابقة في الخط العسكري قبل حل التنظيمات الحزبية في هذا المجال الحيوي، لحادث مروري غير مقصود أو متعمد. وقامت الأجهزة الأمنية التي حققت في الحادث المروري بأخذ الحقيبة العائدة للرفيق أبي عامل، وفيها وجدوا رسالة الشهيد عامر التي كان يحذر فيها من الشخص الذي تم تجنيده ضد الحزب، وفي الحال أودع عامر السجن، وتعرض لتحقيق مروع.

وكنت أتابع جهود العم سلطان لإنقاذ ولده عامر من رصاص الغدر والتسلط والإستبداد، وذات مرة كنت في مكتب الراحل عامر عبدالله ممثل الحزب في الحكومة بصفة وزير عند مدير مكتبه، ودخل عليه العم سلطان لمتابعة الأمر. وفي زيارة للرفيق آرا خاجادور في مقر ل. م. وكان معه في نفس الغرفة الرفيق صادق جعفر الفلاحي، ويبدو أن الملازم خضر عرف بوجودي عند الرفيقين، وجاء لتدوين ما أعرف عن الشهيد عامر، وقلت له ما عندي عنه، وهو كثير ودقيق ويمتد لسنوات. هاتان الحادثتان عكست لي وجود إهتمام عند الحزب لإنقاذ حياة الرفاق والأصدقاء المهددين بالإعدام. ولكن كنت على قناعة تامة من أن تلك الجهود ستذهب أدراج الرياح، لأن القرار كان متجهاً نحو تصفية الحزب، ووضعه في موقف بالغ الحرج من خلال أعدام عشرات المناضلين الأبرياء دفعة واحدة.

لا أقول هنا قصائد مدح ورثاء أمام مقام شهيد كريم، تربطني به علاقات قوية ومديدة، إنما أعرض بعض جوانب المثل الذي سجله بشجاعة وإقدام وبقناعة تامة. إن الشهيد عامر قدم مثالاً كبيراً، أعجز عن نقله كاملاً، وبما يستحق، لقناعتي بإن مقام التضحية أكبر بكثير، كما أعتقد، من الكلام عنها. سأحاول هنا الإشارة الى الى حادثتين مهمتين إثنتين خلال الأسطر التالية، تعطيان صورة عن التكوين والسلوك الشخصي للشهيد عامر.

كانت الأولى أثناء جهود الوساطات لإنقاذ حياة الشهيد، حيث طلب الوسطاء من عائلته حثه على أن يكتب عريضة إسترحام الى الرئيس أحمد حسن البكر، هذا الإقتراح شدد الضغوط على الشهيد لكتابة ذلك الطلب من جانب محبيه بإعتباره أمراً شكلياً. أرسل لي خبراً عن ذلك بحكم الثقة العالية بيننا، عارضاً موقفه من قضية الإسترحام، والضغوط التي يتعرض لها من قبل المحبين والأقارب والأصدقاء. ومشيراً الى أنه إتخذ القرار بلا أي تردد، ولن يقدم على أي تنازل يحط من الكرامة. وطرح السؤال بطريقة لا تنتظر إلا كلمة: لا. لو كنت مكاني هل تطلب عفواً؟ أنه سعى الى التخلص بلباقة من ضغوط من يعتقدون أن الإسترحام أمر بسيط بمثل تلك المواقف، لأنه كان يعرف بأنهم يضغطون عليه بدافع الحرص والمحبة. كان عامر مصمماً على ألا يقع في موقف يخدش شموخه أبداً.

والثانية تتعلق بشكل مواجهته لعقوبة الإعدام، حيث تتواضع البطولة أمام تلك المواجهة التي إجترحها الشهيد عامر. قال لي محاميه، الشخصية الوطنية الأستاذ رؤوف سالم الهيتي، عضو لجنة الدفاع عن السجناء السياسيين قبل ثورة 14/تموز/ 1958. قال: عندما توجه عامر الى ساحة الإعدام كان يهدف بحياة الحزب، ويؤكد على إنتصاره في نهاية المطاف. مما أثار غضب وهلع جلاديه الذين طعنوه بالحراب قبل إطلاق النار لإسكات هتافاته. إنهم حين وضعوا نهاية لعامر، أتاحوا له الفرصة ليسجل قصة من أروع قصص البطولة والتضحية.

وصف الأستاذ المحامي رؤوف سالم الهيتي موقف عامر، وعامر نفسه بأنه كان ديمتروف العراق في قلب بغداد. ومن المعلوم أن قصة دفاع جورجي ديمتروف الشيوعي البلغاري البارز أثناء محاكمته في ألمانيا النازية بتهمة المشاركة في حرق الرايخستاغ مبنى البرلمان الألماني عام 1933 في ألمانيا النازية بتهمة باطلة، وسعى أدولف هتلر لإستغلالها من أجل تعزيز سلطاته، حيث وصف حريق الرايخستاغ، بأنه مخطط شيوعي ضد الحكومة، واستغل النازيون الحدث لتبرير التضييق على الحريات المدنية، وتعزيز قبضة هتلر شخصياً على السلطة في ألمانيا. وبات دفاع ديمتروف أحد التجارب الملهمة على طريق البطولة.

كان دفاع عامر عن موقفه دفاعاً بطولياً، مؤكداً على أنه لم يرتكب جرماً، بل كان من واجبه حماية حزب مشهود له بالوطنية، وقام بما قام به من أجل العراق.

ثم نشر رشاد نفسه صورة للشهيد البطل سبع خميس سلطان باني، وهنا أيضاً لابد من كلمة، فكتبت: سار الشهيد البطل سبع على خطى الشهيد عامر، وحتى الشجاعة تحتاج الى قدوة الى جانب القناعة. ولكم أيها الشهداء جميعاً المجد، ويظل هدفكم النبيل والأسمى قائماً، ويسعى الى تقدم العراق، وتحقيق العدل والسلام.

ولم يمهلني رشاد الكثير من الوقت فنشر صورة الشهيد البطل عامل البناء اسماعيل يوسف زايد العبيدي، وهو مناضل عمالي إستشهد في ساحة القتال بكردستان. علمت بالتحاقه من الرفيق المناضل ثابت حبيب العاني، الذي لا يجود الزمن بالكثيرين من طرازه بسالة وتواضعاً وأدباً.

إنتقل الشهيد إسماعيل الى كردستان لخوض تجربة جديدة من خلال فصائل أنصار الحزب الشيوعي العراقي، وذلك بعد إنتقال الحزب الى المعارضة، وهذا موقف متوقع من الشهيد إسماعيل. أظهر الشهيد اسماعيل شجاعة أثارت إعجاب رفاقه.

وبعد مرور سنوات على تجربته الجديدة نقل لي رفيقه النصير طه صفوك ـ أبو ناصر خبر إستشهاده. وكان أبو ناصر معه في المنطقة التي وقعت فيها تلك المعركة التي إستشهد فيها إسماعيل، بعد أن أبلى فيها بلاءً يليق به. كان الشهيد اسماعيل في تلك المعركة يحمل رشاشاً ثقيلاً، في الغالب يتكفل إثنان من المقاتلين بحمله، وحسب أبي ناصر كان الشهيد يتكفل بسلاحه لوحده. كان الشهيد إنساناً حقيقياً في العمل الحزبي، وفي العمل الأنصاري أيضاً. ضحى اسماعيل من أجل المبادئ التي تربى عليها بين مناضلين منشغلين حقاً بالنضال وبشرف من أجل القضايا العادلة لشعبهم. لك المجد والذكر الطيب أنت ونواياك الأصيلة.

ربما إستكمالاً للأسطر السابقة كتب رشاد: "الشهيد اسماعيل يوسف زايد عامل كادح يعمل في معامل الحجر في معامل هيت، وعندما ينتهي وقت العمل تراه متابع بعمله الحزبي، وكانت له شعبيه بين العمال محبوب ومتابع للقراءه وللعمل الحزبي، وعندما بدأت الحمله على الشيوعيين إختار أن يغادر المدينه، ويذهب الى كردستان ... ".

ثم نشرت صفحة "ولد گرية هيت العذية" صور للشهداء أبناء عمي عبد السلام الكحاح، وأحدهم أعدم إنتقاماً مني شخصياً على حد رواية أخي الأكبر أحمد، وأترك أمر الحديث عنهم لغيري. ولكن من المهم أن أذكر أن عملية الإعدام جرت داخل المدينة نكاية بعائلته والمدينة في وقت واحد، والجزء الأبشع في جريمة الإعدام، كان دعوة طلاب المدارس بالإكراه بما فيهم أحد اخوته في المرحلة الإبتدائية لمشاهدة عملية الإعدام.

علقت في مناسبات أخرى على صور شهداء آخرين، منهم الشهيد نافع بديوي، قلت: كان الشهيد نافع بديوي عندما إنتزعوه من بيننا في ريعان شبابه، وبعبارة أدق كان في العتبة الأولى من شبابه، ولكنه كان شاباً يُبهر من يتعرف عليه عن قرب، حيث الهدوء والثقة بالنفس وبالناس. حمل نافع هم شعبه مبكراً، ولم يمهله العتاة الوقت لإكمال مسيرته المبدعة في النضال الجاد. كان العدو على مدى الزمان، وفي كل المراحل يعرف المناضلين الذين يشكلون خطراً عليه بوعيهم وبنفوذهم بين الناس، وبالهيبة النابعة من أصالتهم، ومن مساهمة وعيهم في صقل تجاربهم وإغنائها، وعليه يستعجلون وضع نهاية لمن تصل إليهم أيديهم.

قلما تجد شخصاً بسن نافع يمتلك ميزاته وميزانه الخاص في النظر ووزن المهمات التي تواجهه في الحياة العامة والخاصة. كان وجهه باسماً ينطق بطيبته حتى قبل الكلام، لاحظت كيف كان يُعامل رفاقه بود ودون رتوش، إنه كيس دون تصنع، وخلوق في ذاته لا يعرف المحاباة. ولاحظت أنه يحيط رفاقه بالرعاية حتى الذين هم أكبر منه سناً. ومعلوم أن مثل تلك الصفات تمنح الإنسان ثقة الآخرين به، ولكنها من جانب آخر تجعل صاحبها هدفاً للعتاة المتصيدين، ومثل هؤلاء لا يتركون أحياء إن لم تساهم الصدفة في حمايتهم.

كان الشهيد نافع يملك كل صفات القائد الوطني، وليس المحلي على نطاق مدينة أو محافظة معينة. ولا أظلم أحداً حين أقول عايشت أبطالاً وقادة كثيرين، ورأيت فيه وفي بعضهم كل مواصفات من يستحق أن يكون ويكونوا في الصفوف الأولى وطنياً، إن لم يكن ويكونوا الأوائل. كان نافع صنو البطل الشهيد عامر سلطان، الذي كتب إسطورة في الشجاعة والمواجهة، حين فضل مواجهة الموت على أن يكتب عريضة إسترحام. عامر مزقت وجهه الحراب، وهو يتوجه الى ساحة الإعدام لإيقاف هتافاته المدوية باسم العراق، وكان بحق رمزاً للعسكرية التي تخدم الشعب، ولا تتسلط عليه. ونافع سحقت عظامه دهساً سيارة خلف مقودها يد غادرة.

أنتم أيها الأصدقاء وأنا في هذه اللحظة نتذكر شهداء أبرار كثيرين، لابد أن نجد المساحة المناسبة ليس لإنصافهم، لأنهم أكبر من ذلك، ولكن لنتعلم من بطولاتهم في هذه الظروف القاهرة التي تمر بها البلاد، حيث بات الإنتهازيون والعدوانيون يتكاثرون بالإنشطار، وليس بالولادة الطبيعية.

في قلبي وذاكرتي يتفجر الكثير مما ينبغي قوله عن الشهيد نافع وبقية أترابه، ولكن لابد من أن أختم كلامي في هذا المقام، لأعود في وقت لاحق الى تناول سيرة أبطال آخرين، وإخيراً، أقول لكل من يعنيهم مستقبل العراق، وبصفة خاصة الفقراء والكادحين: لا ينبغي التعتيم على صور البطولة والتضحية لصالح الإستكانة المذلة.

هؤلاء الشهداء كلهم من مدينة واحدة، هي مدينة هيت الكريمة، وقد سبقهم شهداء ولحق بهم شهداء آخرون من المدينة نفسها، وهم موضع إحترام وتقدير المدينة كلها، بكل إتجاهاتها الفكرية والسياسية الوطنية النظيفة، ومثل هذه الرؤية النبيلة ما كان لها أن تتحقق، ولولا أن المدينة تنتج رزقها بنفسها، وتفخر بذلك وبتضحيات أبنائها، ولي ثقة وعزاء بأن مدينتنا ولادة، وتقدم أمثلة أخرى رائعة في العلم والثقافة وحب القيم الإنسانية النبيلة والتضحية في سبيلها أيضاً، والوقوف ضد كل الصفات الطالحة. لي قناعة كاملة وراسخة بأن نبتة الوطنية تسقى في البيت والمدينة أولاً، ولا غرابة أن في الكثير من لغات العالم تستخدم كلمة واحدة للتعبير عن البيت والوطن.

وتظل ذكرى شهداء آخرين كثر من المدينة نفسها وغيرها تقف على جبهة الذاكرة. وإن الأيام التي سبقت إستشهادهم تحمل الكثير من الدروس الثمينة على درب التضحية لإعادة بناء الوطن المخرب والمنتهك. ولابد من القول أن كل تفصيل في حياة أي شهيد يحمل مضامين عميقة. ولكي يربط الإنسان ما بين ما قبل الشهادة والشهادة نفسها، يتطلب الأمر معرفة ظروف الإستشهاد أيضاً، وكلما كانت التفاصيل وافرة كان مضمونها وتأثيرها أعمق. وعلى سبيل المثال لا الحصر تحضرني في هذه اللحظات أسماءً طيبة، مثل: الشهيد صبحي منصور يعقوب المولى الذي فقد أثره لبعض الوقت ثم تبين بعد ذلك إستشهاده، والشهيد المحامي قيس الحافظ الذي قتله داعش قبل إحتلال المدينة، وربما كان ذلك تمهيداً لغزوها وقهر إرادة أبنائها. وهذا الأمر لا يقف عند الشهيدين صبحي وقيس، حيث سفر المدينة يحتوي الكثيرين غيرهما. لله درك يا عراق، إذا كان هذا حال وتضحيات مدينة واحدة فكيف هو حال الوطن كله.

لا أرى، ولا ينبغي أن ينطوي إنصاف الشهداء وإحياء ذكراهم على أفعال تؤدي الى إغراق البلاد بدماء جديدة، أو السعي بالإنتقام خارج القوانين المعترف بها في العالم. إن روح الإنتقام والعقوبات الجماعية، خليقة بضعاف النفوس والإرادة والتكوين، والسعي وراء الإمتيازات الزائفة. إن أعظم تكريم وإجلال للشهداء يتمثل بالعمل الجاد من أجل بناء ثقافة التسامح التي هي بمثابة طوق نجاة للجميع، وإن الدم لا يجلب إلا الدماء، وخير وفاء لشهدائنا يقوم على النضال من أجل تحقيق ما ضحى الشهداء من أجله، وهو بالنسبة للشهداء الذين أشرت إليهم يتجسد بوطن حر كريم ومهاب الجانب وشعب سعيد ينعم بحقوقه في أرض الآباء والأجداد.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- ثورة 14 تموز
- الفقراء يتضامون ... ويتبرعون أيضاً
- 31 آذار يوم مجيد لكل كادحي العراق
- وداعاً أبا نصير؛ المناضل عبد السلام الناصري ...
- ألف مبروك لكل من يهمه الأمر!
- الوطنية الحقة وحروب التدخل (5)
- الوطنية الحقة وحروب التدخل (4)
- الوطنية الحقة وحروب التدخل (3)
- الوطنية الحقة وحروب التدخل (2)
- الوطنية الحقة وحروب التدخل (1)
- حملة التضامن مع إبراهيم البهرزي
- التصدي للفكر الظلامي المتعدد الأقطاب (3)
- التصدي للفكر الظلامي المتعدد الأقطاب (2)
- التصدي للفكر الظلامي المتعدد الأقطاب (1)
- نظرة الى دراسة إستطلاعية
- بين القرم ودمشق الشام
- التظاهرات نشاط سياسي حقق منجزاً
- ملاحظات موجزة حول كتاب آرا خاجادور
- بوتين و نيمتسوف
- أعداد النازحين واللاجئين أكبر مما نتوقع


المزيد.....




- شبكة “تقاطع” تشخص الواقع المزري للحقوق الشغلية
- المجلس التنسيقي- بالنمسا ينظم الملتقى السنوي ال 28 لدعم فلسط ...
- خالد: -صفقة العصر- تعيسة هدفها الوحيد التطبيع مع اسرائيل
- أحمد بيان// لنمارس السياسة بقوة..
- اللقاء الحواري السياسي مع الرفيق الأمين العام والمنظمات الشب ...
- مظاهرة ببرلين ضد وصول اليمين المتطرف للبرلمان
- تصريح الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية على إثر التصريحات ...
- التعليم يدرس مطالب المتظاهرين بإجراء دور ثالث للمكملين
- ترامب يقرّر إعادة فتح قضيّة السفارة الأمريكية في تونس
- رائد فهمي يستقبل وفد قيادة حزب نداء الرافدين


المزيد.....

- تشي غيفارا: الشرارة التي لا تنطفأ / ميكائيل لووي
- وداعاً...ايتها الشيوعية العزيزة ... في وداع فاطمة أحمد إبراه ... / صديق عبد الهادي
- الوفاء للشهداء مصل مضاد للانتهازية..... / محمد الحنفي
- الشهيد محمد بوكرين، أو الثلاثية المقدسة: الامتداد التاريخي – ... / محمد الحنفي
- مداخلات عشية الذكرى الخامسة والأربعين لاستشهاد رفيقنا القائد ... / غازي الصوراني
- أبراهام السرفاتي:في ذكرى مناضل صلب فقدناه يوم تخلى عن النهج ... / شكيب البشير
- فلنتذكّرْ مهدي عامل... / ناهض حتر
- رجال في ذاكرة الوطن / محمد علي محيي الدين
- كراس المنحرفون من الحرس القومي (النسخة الالكترونية الثانية ذ ... / الصوت الشيوعي
- تحت اعواد المشنقة / يوليوس فوتشيك


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - عبدالحميد برتو - موجعة ذكرى الشهداء