أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - التيار الماركسي الأممي - الأزمة والصراع الطبقي: منظورات عالمية 2016 - الجزء الثاني















المزيد.....



الأزمة والصراع الطبقي: منظورات عالمية 2016 - الجزء الثاني


التيار الماركسي الأممي

الحوار المتمدن-العدد: 5253 - 2016 / 8 / 13 - 10:48
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    




ننشر، في ما يلي، الجزء الثاني من وثيقة منظورات عالمية، التي تمت مناقشتها والمصادقة عليها في المؤتمر العالمي للتيار الماركسي الأممي هذا الصيف. الهدف الرئيسي من هذه الوثيقة هو تحديد التوجهات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الرئيسية في عالم اليوم، ووضع منظور للصراع الطبقي في الفترة المقبلة. وقد كتبت هذه الوثيقة في أكتوبر 2015




الآثار السياسية للأزمة

نواجه هنا ما يبدو لأول وهلة وكأنه مفارقة لا يمكن تفسيرها. إذ أنه حتى وقت قريب كان الرأسماليون يتباهون بأنهم تمكنوا من اجتياز أعمق أزمة في التاريخ دون حدوث ثورة. هذه النتيجة المثيرة للدهشة ملأت نفوسهم بإحساس متعجرف بالرضا الذاتي، خاطئ وغبي في نفس الوقت.

إن المشكلة الرئيسية لهؤلاء الناس هي أنهم يفتقرون لأبسط فهم للديالكتيك الذي يفسر أن كل شيء لا بد أن يتحول، عاجلا أو آجلا، إلى نقيضه. تحت سطح الهدوء الظاهري، هناك غضب متزايد ضد النخب السياسية: ضد الأغنياء والأقوياء وأصحاب الامتيازات. تحبل ردة الفعل هاته ضد الوضع الراهن ببذور جنينية لتطورات ثورية.

تؤكد المادية الجدلية بأن الوعي البشري يتخلف دائما وراء الأحداث، لكنه عاجلا أم آجلا يلحق بها بطفرة. وهذا هو بالضبط ما تعنيه الثورة. إن ما نشهده اليوم في العديد من البلدان هو بداية تغيير ثوري في الوعي السياسي، يهز مؤسسات النظام القائم وأحزابه من الأساس. صحيح أن الوعي يتشكل إلى حد كبير بذكريات الماضي، وسوف يمر وقت قبل أن يتخلص وعي الجماهير من الأوهام القديمة في الإصلاحية، لكن تحت ضربات مطرقة الأحداث، ستحدث تغييرات مفاجئة وحادة في الوعي. الويل لمن يحاول أن يستند على وعي يعود للماضي الذي بدأ بالفعل يختفي! يجب على الماركسيين أن يستندوا على السيرورة الحية وعلى منظورات المرحلة المقبلة، التي لن يكون لها أي تشابه مع ما شهدناها حتى الآن.

إن الجماهير، وفي سياق بحثها عن وسيلة للخروج من الأزمة، تضع على المحك الأحزاب الواحد منها تلو الآخر. تضع القادة القدامى والبرامج القديمة موضع الاختبار وتعمل على التخلص منهم. وتلك الأحزاب التي انتخبت وخانت آمال الشعب، وقامت بتنفيذ سياسة الاقتطاعات في انتهاك لوعودها الانتخابية، تفقد مصداقيتها بسرعة. والإيديولوجيات التي كانت تعتبر سائدة صارت هدفا للاحتقار. والقادة الذين كانوا يتمتعون بالشعبية أصبحوا ممقوتين. لقد صارت التغيرات الحادة والمفاجئة على رأس جدول الأعمال.

هناك غضب متزايد ضد النظام القائم، غضب يتجاوز الوضع الاقتصادي المباشر. لم يعد الناس يصدقون ما يقوله لهم السياسيون أو يعدونهم به. هناك خيبة أمل متزايدة في النظام السياسي والأحزاب السياسية بشكل عام. هناك شعور عام وعميق بالسخط في المجتمع، لكنه ما زال يفتقر إلى وسيلة قادرة على إعطائه تعبيرا منظما.

في فرنسا، حيث فاز الحزب الاشتراكي بالانتخابات البرلمانية الأخيرة، صار لفرانسوا هولاند الآن أدنى معدل شعبية سبق لأي رئيس أن وصل إليها منذ عام 1958، وعانى الاشتراكيون من هزيمة قاسية في الانتخابات الإقليمية الأخيرة. وفي اليونان شهدنا انهيار حزب باسوك وصعود حزب سيريزا. أما في إسبانيا فلدينا ظاهرة حزب بوديموس. وشهدنا في اسكتلندا صعود الحزب الوطني الاسكتلندي (SNP). أما في بريطانيا ككل فقد شهدنا بروز جيريمي كوربين. كل هذا هو تعبير عن الاستياء العميق الموجود في المجتمع، والذي يسعى للحصول على تعبير سياسي عنه. هناك خوف في جميع أنحاء أوروبا من أن سياسات التقشف لن تكون مجرد إجراءات مؤقتة، بل هجوما دائما على مستويات المعيشة. وفي بلدان مثل اليونان والبرتغال وأيرلندا أدت هذه السياسات بالفعل إلى تخفيضات كبيرة في الأجور الإسمية[1] والمعاشات التقاعدية دون أن تحل مشكلة العجز. وهكذا فقد كانت بدون جدوى كل المعاناة والحرمان التي فرضت على الشعوب.

شهدنا نفس السيرورة تجري في ايرلندا خلال الاستفتاء الأخير. استمرت ايرلندا لعدة قرون واحدة من أكثر بلدان أوروبا تشبثا بالكاثوليكية. فإلى حدود وقت ليس ببعيد كانت الكنيسة تمارس سيطرة مطلقة على كل جوانب الحياة هناك. لكن نتيجة الاستفتاء على زواج المثليين، حيث صوت 62% بالموافقة، كانت صفعة للكنيسة الكاثوليكية الرومانية. كانت النتيجة احتجاجا واسع النطاق ضد سلطة الكنيسة وتدخلها في السياسة وفي حياة الناس. وهذا يمثل تغييرا جوهريا في المجتمع الأيرلندي.

الولايات المتحدة الأمريكية

الولايات المتحدة هي البلد الرأسمالي الرئيسي الوحيد الذي شهد انتعاشا، على الرغم من أنه كان انتعاشا ضعيفا وهزيلا. كان معظم النمو الذي تم تسجيله في العام الماضي يرجع إلى تراكم المخزون (السلع غير المباعة). في الواقع النمو يتباطأ في الولايات المتحدة وقد تباطأ بالفعل في اليابان والاتحاد الأوروبي. منذ يوليوز 2015 وزع صندوق النقد الدولي علامات ناقص على جميع توقعاته. وبالتالي لا شيء تبقى من ذلك الانتعاش الذي تبجحوا به كثيرا.

أدى ضعف الاقتصاد العالمي، وخاصة ما يسمى بالاقتصادات الصاعدة، إلى التدافع على اقتناء الدولار، الذي ما زال ينظر إليه باعتباره ملاذا آمنا في أوقات الأزمات. لكن قوة الدولار هي في حد ذاتها مشكلة بالنسبة للولايات المتحدة، مما يعطي ميزة تنافسية لخصومها ويضر بالصادرات الأمريكية. في العام الماضي انخفضت الصادرات والواردات في الولايات المتحدة، مما يعكس الضعف العام للاقتصاد العالمي.

تقسم الأزمة المجتمع الأمريكي. وينظر إلى إدارة أوباما بأنها فاشلة. وحقيقة أن الخطاب المضاد للإدارة عند دونالد ترامب وبيرني ساندرز قد وجد صدى له عند الكثير من الأميركيين هو دليل على تغير الوعي عند الملايين من الناس. هناك استقطاب إلى اليسار وإلى اليمين، وهي السيرورة التي تجري على الصعيد الأممي.

يضرب خطاب ترامب الرجعي على وتر حساس لدى الناس الذين يشعرون بالغضب تجاه النخبة السياسية في واشنطن. وقد شكل ارتفاع شعبيته صدمة لقيادة الحزب الجمهوري الذي صار يواجه الأزمات والانقسامات.

تمثل الانتخابات الرئاسية الأمريكية الحالية تطورا مثيرا جدا للاهتمام. من المستحيل، بطبيعة الحال، التنبؤ بشكل يقيني بنتيجة الانتخابات، بالنظر إلى المرحلة غير المستقرة للغاية والمتقلبة التي تمر منها السياسة الأميركية. لقد ركزت وسائل الإعلام، بشكل حصري تقريبا، على شخص الجمهوري دونالد ترامب. لكن يبدو من غير المحتمل أن تعهد الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة بشؤونها لمهرج رجعي وجاهل، على الرغم من أنها قد فعلت ذلك في مناسبتين على الأقل في الماضي القريب مع رونالد ريغان وجورج. و. بوش. بينما تعتبر هيلاري كلينتون بالتأكيد خيارا أكثر أمنا، من وجهة نظر الطبقة الحاكمة.

لكن الأكثر أهمية من ترامب وكلينتون هو الدعم الهائل لبيرني ساندرز الذي يدافع علنا عن الاشتراكية. إن بروز بيرني ساندرز باعتباره منافسا قويا للفوز بترشيح الحزب الديمقراطي لانتخابات الرئاسة هو دليل على الاستياء العميق والغليان الموجودين في المجتمع. لقد وجدت هجماته ضد طبقة أصحاب الملايير ودعوته لـ "ثورة سياسية" صدى لها عند ملايين الناس، حيث يحضر لقاءاته الانتخابية عشرات الآلاف من الأنصار.

كثيرا ما يتم استخدام كلمة "اشتراكية" الآن في وسائل الإعلام. وأظهر استطلاع للرأي أنجز سنة 2011 أن 49% من الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 سنة لديهم فكرة ايجابية عن الاشتراكية، مقابل 47% فقط لديهم فكرة ايجابية عن الرأسمالية. بينما أظهر استطلاع للرأي أكثر حداثة، ابتداء من يونيو عام 2014، أن 47% من الأمريكيين سيصوتون لصالح مرشح اشتراكي، وسيصوت 69% من الذين تقل أعمارهم عن 30 سنة لصالحه.

أعداد كبيرة من الناس، أغلبهم من الشباب وكذلك العديد من قواعد النقابات، حريصون على سماع خطاب بيرني ساندرز. صحيح أن مقترحاته هي أقرب إلى النموذج الديمقراطي الاجتماعي الاسكندينافي، وليس الاشتراكية الحقيقية، لكن ومع ذلك فإن هذا مظهر من المظاهر الأكثر أهمية على أن شيئا ما يتغير في الولايات المتحدة الأمريكية.

ضرب بيرني ساندرز على وتر الكراهية الشعبية ضد النظام وضد حكومة مالكي الأبناك وأصحاب المليارات في وول ستريت. لقد هز الركود العالمي أمريكا من أساسها. ويعيش اليوم واحد من كل خمسة أمريكيين بالغين إما في أسر فقيرة أو على حافة الفقر. ومنذ اندلاع الأزمة العالمية سقط حوالي 5,7 مليون شخص إلى مستوى الحد الأدنى للدخل.

تفاخر الإدارة الأمريكية بأن مستوى البطالة انخفض إلى 5%. لكن السبب في ذلك ليس النمو الاقتصادي، بل تراجع مشاركة القوى العاملة. إذا كانت نسبة الذين يعملون أو يبحثون بنشاط عن عمل هي نفسها كما كانت في عام 2008، فإن معدل البطالة سيكون أكثر من 10%. وقد اضطر العمال إلى القبول بوظائف هشة ومنخفضة الأجر.

مع ركود النمو وارتفاع معدلات البطالة في منطقة اليورو، وغرق اليابان في الركود، وتسجيل الولايات المتحدة "لانتعاش" يتراوح بين 2% و2,5%، لا يوجد أي بلد يمكنه أن يلعب دور المحرك لازدهار جديد، وبالتالي فإن البلدان الصناعية المتقدمة بقيت في الفترة الأخيرة معتمدة على "الأسواق الصاعدة" لدعم الاقتصاد العالمي. لكن هذا الخيار لم يعد متاحا.

أوروبا

يستيقظ الناس في جميع أنحاء أوروبا اليوم على حقيقة أن سياسات التقشف ليست مجرد إجراءات مؤقتة، بل هي هجوم دائم على مستويات المعيشة. وبالفعل لقد أدت هذه السياسات في بلدان مثل اليونان والبرتغال وأيرلندا إلى تخفيضات كبيرة في الأجور الاسمية والمعاشات التقاعدية دون أن تحل مشكلة العجز. وهكذا كانت كل المعاناة وأشكال الحرمان التي فرضت على الشعوب بدون جدوى.

تواجه أوروبا فترة طويلة من تباطؤ النمو والانكماش. وستكون محاولة التقليص من حجم الديون في ظل هذه الوضع مهمة "أكثر صعوبة وأكثر قسوة" مما شهدناه في السابق. إذا نظرنا إلى اقتصاد منطقة اليورو ككل، نرى أنه لم يتعاف بعد إلى مستوى ما قبل الأزمة، عام 2007. وهذا على الرغم من سلسلة من العوامل التي من شأنها تعزيز النمو، أي: انخفاض أسعار النفط وبرنامج التسهيل الكمي الذي يطبقه البنك المركزي الأوروبي (والذي يصل إلى 60 مليار يورو شهريا) وضعف قيمة اليورو الذي من المفترض أن يحفز الصادرات.

لكن الانخفاض الكبير لنسبة التضخم ليس انعكاسا لصحة الاقتصاد، بل هو دليل على مرض مزمن؛ إنه يعكس عدم وجود الطلب على السلع الاستهلاكية، والذي هو بدوره نتيجة الديون الضخمة المتراكمة وانخفاض الدخل. يمكن لهذا أن يؤدي إلى دوامة هابطة قد تنتهي بفترة ركود طويلة. ونتيجة لذلك يتحدثون عن مزيد من التخفيضات في سعر الفائدة على الودائع المصرفية قصيرة المدى والزيادة في برنامج التيسير الكمي.

وفي معرض تعليقه على الوضع، كتب رئيس البنك المركزي الأوروبي، ماريو دراجي: «بعد دورات الركود التي شهدتها البلدان التي تشكل الآن منطقة اليورو خلال السبعينات والثمانينات والتسعينات استغرق الأمر منها آنذاك ما بين خمسة فصول وثمانية فصول[2] لكي تستعيد مستوى الناتج الحقيقي الذي كان لديها في مرحلة ما قبل الركود. لكن خلال الركود الأخير، الذي من المسلم به أنه الأسوأ منذ الثلاثينات، سيستغرق الأمر 14 فصلا بالنسبة لاقتصاد الولايات المتحدة لكي يصل إلى ذروته قبل الأزمة. وإذا كان تقييمنا الحالي صحيحا فسوف تستغرق منطقة اليورو 31 فصلا للعودة إلى مستوى الناتج الذي كان لها ما قبل الأزمة، أي في عام 2016».

يعتبر حتى هذا القول تقييما مفرطا في التفاؤل. الاتحاد الأوروبي في حالة ضعفه الراهنة حساس للصدمات. إن التباطؤ الذي يعرفه الاقتصاد الصيني وأزمة "الأسواق الصاعدة" لهما تأثير كبير بالخصوص على ألمانيا، التي هي بلد مصدر للتجهيزات إلى الصين. وبما أن الصادرات شكلت 45,6% من الناتج المحلي الإجمالي لألمانيا عام 2014، فإن البلد الوحيد الذي يمكنه أن يكون بمثابة القوة المحركة للانتعاش الاقتصادي في أوروبا لم يعد في وضع يمكن له أداء هذا الدور.

كلما انخفض معدل النمو كلما تضخم عبء الديون، هذا هو الدرس المستفاد من اليونان. وفي ظل هذه الظروف يأتي التخلف عن سداد القروض والخسائر المالية مثلما يأتي الليل بعد النهار، ويرافقه موجة من حالات الإفلاس وانهيار اقتصاديات البلدان الواحد منها تلو الآخر.

تسبب المأزق الاقتصادي في تعميق كل التناقضات وإثارة توترات حادة بين الدول الوطنية في أوروبا. جاءت أزمة اللاجئين، ومسألة من الذي سيدفع ثمنها، بمثابة المحفز الذي دفع بكل تلك التناقضات إلى السطح. لقد أدت إلى اندلاع مواجهات غاضبة بين ألمانيا وبين دول أوروبا الشرقية (بولندا وهنغاريا)، التي كانت إلى وقت قريب قد تحولت تقريبا إلى مستعمرات ألمانية.

تخوض فرنسا وألمانيا صراعا بينهما حول مسألة الاتحاد المصرفي، الذي تضغط فرنسا من أجل تحقيقه، بينما تنهج ألمانيا سياسة التسويف حياله. ليست برلين متحمسة بطبيعة الحال لفكرة ضمان بنوك البلدان الأخرى، والتي ترى فيها وكأنها قيام شخص لديه حساب بنكي سليم بإعطاء بطاقته الائتمانية لجاره الذي سبق وأن حكمت عليه المحكمة بالإفلاس عدة مرات.

خطة إنقاذ اليونان لم تتحقق بعد على الرغم من انبطاح تسيبراس. لن يكون من السهل عليه تنفيذ الاقتطاعات الكبيرة التي طالبته بها ميركل وشركاؤها. سوف يكون هناك تكثيف للصراع الطبقي حيث أن العمال اليونانيين سيقاومون الاقتطاعات والخصخصة. وفي مرحلة معينة سوف يثير هذا أزمة داخل الحكومة وصداما جديدا مع الترويكا، مما سيبعث مرة أخرى شبح خروج اليونان من الاتحاد الأوربي والأزمة في منطقة اليورو.

ثم هناك مسألة الاستفتاء المقبل في بريطانيا بخصوص الاتحاد الأوروبي. يمثل كاميرون حزب المحافظين الذي يعارض بشكل حازم تعزيز الاندماج في الاتحاد الأوروبي. وستكون المفاوضات صعبة. سيكون على كاميرون أن يظهر أنه حصل على بعض التنازلات الكبيرة وسيكون على ميركل أن تبين أنها لم تعطه شيئا.

لقد وصل توسع الاتحاد الأوروبي إلى نهايته. لم يعد في موقف يسمح له بدمج أعضاء جدد من أوروبا الشرقية. وبعد أن وعد الاتحاد الأوروبي أوكرانيا بإقامة علاقات أوثق، سيترك هذا البلد البائس ليواجه خطر الغرق لوحده، وقد بدأ يغرق بالفعل. وعلاوة على ذلك فإن سيرورة الاندماج الأوروبي (التي ذهبت أبعد مما كنا نظن) قد بدأت تسير الآن في الاتجاه المعاكس، حيث عادت الرقابة على الحدود.

تؤدي الأزمة في أوروبا إلى إحداث تغيرات حادة في الوعي. وقد أظهرت الانتخابات الإقليمية الفرنسية، خلال دجنبر 2015، السيرورة التي تجري. احتلت الجبهة الوطنية المرتبة الأولى في الجولة الأولى، بينما جاء الحزب الاشتراكي في المركز الثالث وراء حزب الجمهوريون [Les Republicans] المحافظ بزعامة ساركوزي، لكن اكبر حزب كان هو حزب أولئك الذين لم يصوتوا (أكثر من 50%)، مما يعبر عن السخط العام السائد بين جزء كبير من السكان ضد جميع الأحزاب الرئيسية.

في إسبانيا، عام 2011، فاز الحزب الشعبي اليميني في الانتخابات. وتفسير ذلك يكمن في حقيقة أن حكومة الحزب الاشتراكي "اليسارية" طبقت سياسة الاقتطاعات التي تسبب في خيبة أمل الجماهير وأدت بشكل حتمي إلى فوز الحزب الشعبي. لكننا نرى الآن سيرورة معاكسة تحدث مع صعود حزب PODEMOS، الذي تطور، في غضون 18 شهرا، من الصفر إلى حركة تضم مئات الآلاف.






قادة بوديموس في نشاط جماهيري

تعرف إسبانيا حالة من الغليان وسيرورة تجذر ما تزال في تصاعد. الانتخابات الإسبانية العامة التي جرت شهر دجنبر الماضي لم تحل أي شيء. فقد الحزب الشعبي الأغلبية التي كانت له، والنتيجة هي أزمة حكومية ستؤدي بالتأكيد إلى انتخابات جديدة. والدعم الواسع النطاق الذي يتمتع به حزب PODEMOS، الذي رفع عدد مقاعده من صفر إلى 69 مقعدا، يثير مخاوف الطبقة الحاكمة.

النمو السريع لحزب PODEMOS انعكاس للاستياء العميق ضد النظام السياسي القائم بأكمله. يمكن للمرء في الوقت الحالي أن يقول إن الجماهير لا تعرف بالضبط ماذا تريد، لكنها تعرف جيدا ما لا تريد. إن الانتقادات الصريحة التي يوجهها بابلو اغليسياس لأصحاب الأبناك والأغنياء وتنديده بالمؤسسة السياسية، التي يصفها بـ "الطغمة" (La Casta)، هي انتقادات تعكس بدقة غضب الجماهير.

صحيح أن أفكار قادة حزب PODEMOS مشوشة وغير واضحة. لكنها تتوافق مع الحالة الراهنة لوعي الجماهير، التي نهضت للتو إلى الحياة السياسية، وبالتالي فإن تلك الأفكار لن تمنع الحزب من النمو، على الأقل في المرحلة الأولى. لكن إذا لم يتم تصحيح تلك الأفكار فإن عدم الوضوح هذا يمكنه أن يؤدي في نهاية المطاف إلى تدمير حزب PODEMOS. قريبا جدا سيكون على الحزب أن يقرر أين يقف وفي أي اتجاه ينوي أن يسير.

ستتسارع جميع هذه السيرورات في حالة حدوث ركود عميق. ستواجه أوروبا وضعا أكثر شبها بذلك الذي شهدته خلال العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، من ذلك الذي شهدته خلال العقود التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية، أي مرحلة طويلة من الاضطرابات الاجتماعية والسياسية مع تقلبات عنيفة نحو اليسار ونحو اليمين. لكن وفضلا عن وجود أوجه تشابه مع فترة ما بين الحربين، فهناك أيضا اختلافات عميقة، فموازين القوى بين الطبقات مختلفة تماما.

هذا يعني أن البرجوازية الأوروبية تواجه معضلة غير قابلة للحل. إنها مضطرة إلى محاولة إلغاء الإصلاحات التي حققتها الطبقة العاملة على مدى نصف القرن الماضي، لكنها تواجه مقاومة عنيدة من طرف الطبقة العاملة. ولهذا السبب بالضبط فإن الأزمة سوف تستمر لسنوات مع موجات صعود وهبوط.

توقعات دونالد توسك

تخفي الأرقام العامة للبطالة في منطقة اليورو الانقسامات العميقة بين البلدان الغنية والبلدان الفقيرة. قبل الأزمة كانت معدلات البطالة في كبريات اقتصادات المنطقة متماثلة على نطاق واسع.

سيحاول الاتحاد الأوروبي، في عام 2016، تسريع سياسة الاقتطاعات والتقشف المشؤومة تحت شعار "ضبط المالية العامة". يمكن للمنظرين الاستراتيجيين الرأسماليين الجديين أن يروا المخاطر التي ينطوي عليها هذا الوضع. لقد وصلوا إلى نفس الخلاصات التي وصل إليها الماركسيون. في مقال نشره في صحيفة فاينانشال تايمز، يوم: 14 يونيو 2015، حذر فولفجانج مونشاو من أن أوروبا توجد تحت «التهديد المستمر للعجز والاضطراب السياسي... وخلاصة القول إن إجمالي تقويم ما بعد الأزمة سيكون أقسى بكثير مما كان عليه الحال في اليابان قبل 20 عاما. في ظل هذ الوضع أتوقع أن تصير الصدامات السياسية أكثر خطورة... وحتى لو كانت سياسة تخفيض الديون ناجعة اقتصاديا - وهو الشيء غير المؤكد - فإنها قد لا تكون ناجعة سياسيا... وعن طريق ضرب الاستقرار السياسي، سيتسببون في نهاية المطاف بضرب الاستقرار المالي».

في الآونة الأخيرة، قال دونالد توسك، رئيس الوزراء البولندي السابق الذي يرأس حاليا المجلس الأوروبي، إنه يخشى "العدوى السياسية"، التي يمكن أن تنتج عن الأزمة اليونانية، أكثر بكثير من خشيته من تداعياتها المالية:

قال: «إن ما أخشاه حقا هو العدوى الأيديولوجية أو السياسية لهذه الأزمة اليونانية وليس العدوى المالية». وأضاف: « كانت نفس اللعبة، أي هذا التحالف التكتيكي بين المتطرفين من جميع الجهات، تحدث دائما قبل وقوع أكبر المآسي في تاريخنا الأوروبي. واليوم يمكننا بالتأكيد أن نلاحظ هذه الظاهرة السياسية نفسها».

توسك هذا هو نفس الشخص الذي لعب دورا مركزيا (إلى جانب أنجيلا ميركل) في إجبار ألكسيس تسيبراس على الموافقة على شروط قاسية تتضمن إجراءات تقشف واسعة، بما في ذلك خصخصة ما قيمته 50 مليار دولار من الأصول العمومية اليونانية وتخفيض معاشات التقاعد وزيادة الضرائب، وغيرها من الاقتطاعات العميقة. وهو نفس الشخص الذي احتج، في وقت لاحق، قائلا إنه لا يمكن قبول الحجة القائلة بأن «أحدا ما قد تعرض للعقاب، خصوصا تسيبراس أو اليونان. لقد كانت العملية برمتها تتعلق بمساعدة اليونان».

لكن توسك قال أيضا إنه يشعر بالقلق من اليسار المتطرف، الذي يدعو إلى «ذلك الوهم اليساري الراديكالي القائل بأنه في الإمكان بناء بديل ما للنموذج الاقتصادي الحالي للاتحاد الأوروبي». وقال إن هؤلاء القادة اليساريين المتطرفين يدفعون إلى نبذ القيم الأوروبية التقليدية، مثل "التدبير" والمبادئ الليبرالية القائمة على السوق التي خدمت الاتحاد الأوروبي بشكل جيد.

في أوربا، وكما هو الحال في أجزاء أخرى من العالم، تعرض الشباب بشكل خاص لأقسى الضربات، مع استمرار ارتفاع معدلات البطالة. في الوقت الحاضر وصلت بطالة الشباب في ألمانيا، التي تعتبر أكبر اقتصاد في المنطقة، إلى نسبة 7,1%. وفي إيطاليا أكثر من 40% من البالغين أقل من 25 سنة ويبحثون عن عمل، هم عاطلون. يبلغ هذا الرقم بالنسبة لفرنسا 24% وفي بريطانيا 17%. لكنه أكثر من 45% بالنسبة لكل من اليونان واسبانيا.

الطبقة الحاكمة تعي جيدا الخطر الذي يمثله هذا على نظامها. قالت السيدة ريشلين من مدرسة لندن للأعمال: «هناك مخزون كبير من الشباب في إيطاليا يواجه خطر الضياع إلى الأبد، وهو ما من شأنه أن يخلق ضغوطا سياسية مع مرور الوقت. المعارضة الايطالية منقسمة في الوقت الحالي، لكن هذا لن يكون بالضرورة هو الحال دائما».

قال دونالد توسك، في إشارة إلى تسيبراس، يمكن للخطاب الحماسي لقادة اليسار المتطرف إلى جانب ارتفاع البطالة بين الشباب في العديد من البلدان، أن يشكل خليطا متفجرا: «بالنسبة لي يشبه الوضع الحالي، إلى حد ما، ذلك الذي شهدناه بعد عام 1968 في أوروبا». وأضاف: «أستطيع أن أشعر، ربما ليس بمزاج ثوري، لكن بشيء يشبه نفاد الصبر على نطاق واسع. وعندما لا يبقى نفاد الصبر شعورا فرديا، بل يصير شعورا اجتماعيا، يكون ذلك بداية الثورات».

لقد وصل تأثير الأزمة اليونانية إلى أبعد من حدود اليونان. لقد تحطمت فكرة الاندماج الأوروبي. كانت ألمانيا خلال المفاوضات مثل قائد أوركسترا دكتاتوري. ولم تخف ميركل حقيقة أنها كانت المسؤولة عن إدارة الحدث بأكمله. البرجوازية الفرنسية، التي كان لديها في الماضي الوهم بأنها تشارك في حكم أوروبا، حرصت على عدم التعبير عن مخاوفها. وسوف تنمو هذه التوترات أكثر فأكثر مع تفاقم الأزمة.

لقد انفضحت طبيعة الديمقراطية البرجوازية أمام أنظار الملايين باعتبارها مجرد خداع. قالت ميركل بلغة واضحة جدا إن: الاستفتاءات الشعبية والانتخابات هي أشياء لا قيمة لها على الإطلاق، القوى الكبرى والحكام الفعليون لأوروبا، أي الأبناك والرأسماليون، هم من يتخذون جميع القرارات، بغض النظر عن آراء الأغلبية. وبالمثل فإن الاستسلام المهين الذي قام به تسيبراس فضح حدود الإصلاحية والديمقراطية الاجتماعية.

هذه المرحلة هي مرحلة الحروب والثورات والثورات المضادة، لكن هذا لا يعني أن الفاشية أو البونابرتية خطران وشيكان، مثلما يظن العصبويون الجهلة. على المدى الطويل، وإذا لم تقدم الطبقة العاملة أي مخرج من الوضع الحالي، ستحاول الطبقة الحاكمة، بطبيعة الحال، التحرك في اتجاه الردة الرجعية. لكن ونظرا لتغير موازين القوى بين الطبقات، لا يمكن لتلك الردة الرجعية أن تتخذ شكل الفاشية، كما كان الحال في الماضي، بل ستتخذ شكل نوع من الأنظمة البونابرتية. ومع ذلك لن تتمكن من تثبيت ديكتاتورية عسكرية على الفور دون التعرض لخطر الحرب الأهلية، التي لن يكون انتصارها فيها مضمونا.

عاجلا أم آجلا ستقرر الطبقة الحاكمة أن الديمقراطية مجرد ترف لم تعد تستطيع تحمله. لكنها ستتحرك بحذر، خطوة خطوة، لتضرب تدريجيا الحقوق الديمقراطية وتتجه في البداية نحو البونابرتية البرلمانية. لكن، في ظل ظروف الأزمة الرأسمالية، سيكون النظام البونابرتي الرجعي نظاما غير مستقر. لن يتمكن من حل أي مشكل وربما لن يستمر طويلا. لن يعمل سوى على التحضير لاضطرابات ثورية أكبر، مثلما انتهى المجلس العسكري اليوناني ما بين 1967 و1974 بثورة. يجب أن نكون مستعدين لمثل هذا النوع من التطورات وألا نسمح لأنفسنا بأن تدوخنا الأحداث.

بريطانيا

انتخاب كوربين زعيما لحزب العمال، بأغلبية كبيرة، حوّل الوضع برمته في بريطانيا عمليا بين عشية وضحاها. وجاء هذا التطور مسبوقا بالأحداث في اسكتلندا، حيث انعكس السخط ضد النظام من خلال النمو السريع للحزب الوطني الاسكتلندي. لم يكن ذلك النمو انعطافة نحو اليمين بل نحو اليسار. لم يكن تعبيرا عن تصاعد المشاعر القومية، بل عن الكراهية الشديدة ضد الطغمة التي تحكم في وستمنستر. صار حزب العمال، ونتيجة لسياسة التعاون الطبقي الجبانة التي يتبناها قادته، يظهر على أنه مجرد قطعة من ذلك النظام.

كان انتخاب كوربين في حد ذاته نتاج سلسلة من المصادفات، لكن وكما أشار هيغل تعبر الضرورة عن نفسها من خلال الصدفة. كون أن كوربين تمكن من وضع اسمه على قائمة الترشح للقيادة يندرج ضمن مفهوم الصدفة وفق التحديد الفلسفي، أي الشيء الذي يمكن أن يحدث أو لا يحدث. لكن ما أن يحدث فإنه يغير الوضع برمته.

منذ أول ظهور له في مناظرة تلفزيونية، تميز كوربين بشكل واضح عن بقية المرشحين الآخرين. لقد دافع عن أفكار مختلفة وجديدة وأكثر صدقا وأكثر جذرية وأكثر انسجاما مع التطلعات الحقيقية لملايين الناس الذين ضاقوا ذرعا من الوضع الراهن ويريدون التعبير عن رفضهم للنظام.

قبل الانتخابات العامة كانت الحياة داخل حزب العمال ضعيفة أو معدومة. لكن حملة كوربين غيرت الوضع. كانت حملته، على وجه التحديد، نقطة تجميع لكل الاستياء المتراكم في المجتمع والذي لم يكن قد وجد حتى ذلك الحين أية نقطة مرجعية، وخاصة في حزب العمال الذي يسيطر عليه الجناح اليميني.

وفّر انتخاب جيريمي كوربين الشيء الوحيد الذي كان مطلوبا في بريطانيا، ألا وهو نقطة مرجعية لتجميع الاستياء والإحباط المتراكمين بين صفوف الجماهير. شكل بداية لتجديد حزب العمال ودفعه نحو اليسار. وهذا يمثل خطرا قاتلا على الطبقة الحاكمة، التي لن توفر أي جهد في سبيل تدميره.

استمر حزب العمال، على مدى عقود، تحت سيطرة قيادة يمينية شكلت ركيزة لدعم النظام القائم. ولن تتخل الطبقة الحاكمة عنه دون مقاومة شرسة. إن خط الدفاع الأول عن النظام الرأسمالي هو الفريق البرلماني لحزب العمال نفسه. يمثل البرلمانيون البليريون[3] لحزب العمال عملاء مباشرين واعين لأصحاب الأبناك والرأسماليين في هذا الصراع. وهذا ما يفسر إصرارهم المتعصب للتخلص من جيريمي كوربين مهما كلف الأمر. يجري الآن التحضير لانشقاق داخل حزب العمال والذي من شأنه خلق وضع جديد تماما في بريطانيا.

ليس حزب العمال وحده من يعرف الانقسام داخل صفوفه، بل أيضا حزب المحافظين، وخاصة فيما يتعلق بمسألة الاتحاد الأوروبي. من الصعب التنبؤ بنتيجة الاستفتاء البريطاني، لكن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيكون له آثار هائلة على كل من أوروبا وبريطانيا معا. سوف يزيد من سرعة التفكك التي يمكن أن تنتهي بانهيار الاتحاد الأوروبي. ومن ناحية أخرى إذا خرجت المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، سيطالب القوميون الاسكتلنديون، الذين هم مؤيدون للاتحاد الأوروبي، بإجراء استفتاء آخر على الاستقلال، الأمر الذي قد يؤدي إلى تفكك الدولة البريطانية المتحدة.

سوف تتعمق التصدعات الموجودة داخل حزب المحافظين، وربما ستؤدي إلى انشقاق اليمين المعادي لأوروبا، والذي يمكن أن يندمج مع حزب استقلال المملكة المتحدة (UKIP) المناهض لأوروبا والمناهض للهجرة، لتشكيل حزب بونابرتي ملكي على يمين حزب المحافظين. وعلى الطرف الآخر، من الواضح أن البليريين يتحركون في اتجاه الانشقاق عن حزب العمال. وعلى الرغم من أنهم هم والبرجوازية يخشون من عواقب مثل هذه الخطوة، فمن المرجح أنه في مرحلة معينة سيضطر الجناح اليميني لحزب العمال إلى الانشقاق والتلاقي مع "يسار" حزب المحافظين والليبراليين الديمقراطيين لتشكيل حكومة وطنية.

يبدو أن هذا هو السبيل الوحيد أمام الطبقة الحاكمة البريطانية لمنع صعود حكومة بزعامة جناح كوربين. لكنها إستراتيجية محفوفة بالمخاطر، إذ يمكنها أن تتسبب في حدوث استقطاب شديد، ودفع حزب العمال أبعد نحو اليسار. في وقت الأزمة العميقة من شأن وجود حزب العمال في المعارضة أن يمكنه من استعادة شعبيته، مما سيمهد الطريق لتشكيل حكومة عمالية يسارية. لقد هدد الجنرالات بالفعل بالقيام بانقلاب في حالة ما إذا وصل كوربين إلى السلطة وهو ما سيفتح على الفور الباب أمام احتداد الصراع الطبقي واندلاع أزمة ثورية في بريطانيا.

إن المنظور الآن هو حدوث أزمة وانقسام في حزب العمال، وهو ما سوف يتيح إمكانات أكبر للتيار الماركسي. لكن أولويتنا ما زالت هي كسب الشباب وتثقيفهم. سوف يوفر لنا ذلك الكوادر التي سنحتاجها إذا أردنا الاستفادة من الإمكانيات المتاحة. هذه ليست أزمة عادية، فالوضع يحبل بانعطافات حادة ومفاجئة، لذلك يجب علينا أن نتوقع ما هو غير متوقع، ونمتلك القدرة على تغيير التكتيكات في غضون أربع وعشرين ساعة.

كل هذه الأحداث هي انعكاس للتغيير العميق الذي يجري في أعماق المجتمع. وقد عبر تروتسكي عن ذلك بشكل جيد بحديثه عن السيرورة الجزيئية للثورة الاشتراكية، أي السيرورة التي تتراكم خلالها تدريجيا سلسلة من التغيرات الصغيرة حتى تصل إلى تلك النقطة الحرجة حيث يتغير الكم إلى كيف.

أوهام البرجوازية

مع انهيار الاتحاد السوفياتي ونهاية الحرب الباردة ظهرت أوهام كبيرة عند البرجوازية الأوروبية حول إمكانية تحقيق الازدهار الاقتصادي الدائم والمزيد من التكامل الأوروبي الذي من شأنه أن يمكن أوروبا (تحت الهيمنة الألمانية) من توسيع حدودها حتى منطقة الأورال. قامت البرجوازية الأوروبية، المخمورة بأحلام العظمة تلك، بالتخلي عن جزء كبير من السيادة الوطنية في بعض المناطق الحساسة جدا. وربما كان إنشاء منطقة اليورو أبرز مثال على ذلك.

سبق لنا نحن الماركسيون أن أوضحنا أنه من المستحيل أن يكون هناك اتحاد نقدي دون اتحاد سياسي. وقد توقعنا أنه سيكون من الممكن الاحتفاظ باليورو طالما بقيت الظروف الاقتصادية مواتية، لكن في حالة الركود ستعود كل التناقضات الوطنية إلى الظهور وسينهار اليورو "وسط الاتهامات المتبادلة". وبعد خمسة وعشرين عاما ما زال هذا التنبؤ يحتفظ بكل مصداقيته.

يدافع الماركسيون بشكل لا لبس فيه عن إلغاء كل الحدود وتوحيد أوروبا. لكن في ظل الرأسمالية يبقى هذا المنظور مجرد يوتوبيا رجعية. وقد تبين الجانب الرجعي في المعاملة الوحشية التي عوملت بها اليونان من طرف بروكسل وبرلين. يدافع الاتحاد الأوروبي، في ظل هيمنة أصحاب الأبناك والرأسماليين، عن سياسة التقشف الدائم. ويمكن لزمرة غير منتخبة وغير مسؤولة من البيروقراطيين أن تملي السياسات وتبطل قرارات الحكومات المنتخبة، مثلما حدث مع حكومة سيريزا في اليونان.

وفي إطار التحالف مع الناتو والإمبريالية الأمريكية يلعب الاتحاد الأوروبي دورا رجعيا على الصعيد العالمي أيضا. لقد تدخل في البلقان، حيث كان له دور أساسي في جريمة تقطيع أوصال يوغوسلافيا. وشارك في مؤامرة تفكيك تشيكوسلوفاكيا - وهو ما لم يستشر فيه أبدا لا التشيك ولا السلوفاك. وقد تسبب تدخله في أوكرانيا، إلى جانب الإمبريالية الأمريكية، في الفوضى الكارثية الحالية. كل هذا كان في الأساس لمصلحة الإمبريالية الألمانية، التي هي السيدة الحقيقية للاتحاد الأوروبي، وتسعى جاهدة لتأكيد سيطرتها على أوروبا الشرقية والبلقان.

تجد القوى الامبريالية الأوروبية الأخرى، وفي المقام الأول بريطانيا وفرنسا، نفسها الآن في دور الشريك الصغير التابع لألمانيا. لكنها، هي أيضا، لديها مصالحها الامبريالية الخاصة في أفريقيا والشرق الأوسط ومنطقة البحر الكاريبي، والتي تواصل الدفاع عنها تحت لواء الاتحاد الأوروبي. قاد الفرنسيون والبريطانيون حملة قصف ليبيا، وكان البريطانيون الحلفاء الأكثر حماسا للولايات المتحدة الأمريكية في غزوها الإجرامي للعراق. والآن تلعب فرنسا دورا مماثلا في سوريا. جميعهم يسعون لتحقيق مصالحهم الكلبية الخاصة بهم، وذلك تحت راية "المهام الإنسانية"، بطبيعة الحال.

تمثل اتفاقية شنغن، إلى جانب اليورو، واحدة من الركائز الأساسية للاتحاد الأوروبي. لقد خفضت وقت وتكلفة نقل البضائع في جميع أنحاء أوروبا لأن الشاحنات لم تعد مضطرة للانتظار ساعات طويلة لعبور الحدود الدولية. واستفاد السياح والناس الذين يعيشون في المدن الحدودية، لأنه لم تعد هناك حاجة لجوازات السفر والتأشيرات. لقد تم التخلص من التبذير السخيف للمال على مراقبة الحدود التي عفا عليها الزمن. كان من المفترض أن تكون هذه المعاهدة خطوة أساسية في اتجاه خلق أوروبا فيدرالية.

عام 1995 ألغت اتفاقية شنغن الرقابة على الحدود بين البلدان الموقعة عليها، وخلقت سياسة تأشيرات مشتركة بين 26 بلدا. ولكن الآن بدأت السيرورة نحو مزيد من التكامل الأوروبي تمشي في الاتجاه المعاكس. وقد انفضحت أزمة الاتحاد الأوروبي بشدة بسبب قضية اللاجئين.

أوروبا وأزمة اللاجئين

شكلت مجزرة نوفمبر 2015 في باريس، وصول الشرق الأوسط أخيرا إلى أوروبا. وفي نفس الوقت وضع وصول الآلاف من الناس، اليائسين الفارين من ويلات الحرب والجوع والقهر، حكومات أوروبا أمام معضلة عويصة. في الواقع هناك أزمة لاجئين عالمية وليست مجرد أزمة شرق أوسطية. فعلى الصعيد العالمي بلغ عدد النازحين بسبب الحروب واضطهاد الأقليات وانتهاك حقوق الإنسان ما يقرب من 60 مليون نسمة في نهاية عام 2014. هذا انعكاس واضح للأزمة العالمية للنظام الرأسمالي وعدم قدرته على أن يوفر للناس أبسط حقوق الإنسان، أي الحق في الحياة. وقد أدى تدفق اللاجئين من سوريا وأفغانستان وغيرهما من البلدان التي مزقتها الحرب والتي تعاني من الفقر في العالم، إلى تزايد المطالب بتشديد الرقابة على الحدود.

كانت أنجيلا ميركل سريعة في فتح ذراعيها للاجئين الفقراء الذين كانوا يطرقون بابها. أحد الأسباب بدون شك هو محاولة الاستفادة من مشاعر التعاطف الحقيقية الذي أبداها، بشكل طبيعي، كثير من الناس في ألمانيا وجميع البلدان الأوروبية الأخرى، لأن الناس العاديين، الذين ليست أفكارهم وأفعالهم مدفوعة بالحسابات الباردة التي تحرك أصحاب الأبناك والرأسماليين، دائما ما يبدون التعاطف والتضامن مع الفقراء والمضطهدين. والسبب الآخر كان هو مصلحة الشركات الكبرى في سياسة الباب المفتوح، ليس من منطلق التعاطف مع معاناة الآخرين، بل كوسيلة لتأمين كميات كبيرة من اليد العاملة البشرية بأسعار زهيدة.

لكن مشاعر ميركل الرقيقة لم تدم طويلا. كانت ألمانيا تتوقع استقبال أكثر من مليون طالب لجوء عام 2015. لكن الهجمات ضد ملاجئ مهاجرين في ألمانيا تتزايد مع ارتفاع أصوات أحزاب اليمين المناهضة للهجرة مثل حزب "البديل من أجل ألمانيا" (Alternativ für Deutschland). والآن ها هي ميركل تتوسل لتركيا ليس فقط لوقف تدفق اللاجئين بل لإعادتهم. تطالب برلين بشكل عاجل بالتوزيع النسبي للمهاجرين بين مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي – وهو الاقتراح الذي لم يلاق حماسة كبيرة في لندن وباريس، ولاقى الرفض الصريح في وارسو وبودابست.

ظهرت تناقضات حادة بين أعضاء الاتحاد الأوروبي. اتهمت السلطات الفرنسية والنمساوية روما بالسماح لطالبي اللجوء (بل وحتى تشجيعهم) لمغادرة إيطاليا وهددت بإغلاق حدودها مع إيطاليا؛ في الواقع نفذت فرنسا تهديدها وقامت لفترة وجيزة بإغلاق الحدود في أواخر يونيو. توجد ألمانيا، التي تعتبر أغنى بلد في أوروبا، في وضع يمكنها من استيعاب عدد كبير من اللاجئين. لكن البلدان الأخرى ليس لها نفس الحظ. لقد استقبلت إيطاليا واليونان اللاجئين أكثر نسبيا من معظم البلدان الأخرى. وتطالبان مرارا بالمزيد من الموارد وتطبيق حصص الهجرة في الاتحاد الأوروبي. لكن هذه النداءات سقطت على آذان صماء، فقد رفضت بلدان وسط وشرق أوروبا على الفور فكرة الحصص.

والآن يطرح المشكل التالي: ما الذي يجب القيام به بالضبط تجاه اتفاقية شنغن، التي تجعل من الممكن للمهاجرين التحرك بحرية بين الدول الأعضاء. وحتى قبل أحداث باريس قال الرئيس البولندي للمجلس الأوروبي، دونالد توسك: «دعونا نكون واضحين، إن مستقبل شنغن على المحك والوقت آخذ في النفاد... يجب علينا استعادة السيطرة على حدودنا الخارجية». وقد قدمت هجمات باريس للحكومات المبرر الملائم من أجل فرض مراقبة "مؤقتة" على الحدود، ليس فقط من طرف فرنسا، بل كذلك من طرف بلدان أخرى، بما في ذلك ألمانيا والسويد.

في جميع أنحاء أوروبا هناك شعور بالضيق المتزايد وعدم الثقة والعداء تجاه الاتحاد الأوروبي. وبعد المعاملة الوحشية التي تعرضت لها اليونان، هناك تزايد للمعارضة ضد سياسية بروكسل من طرف العمال والشباب في البلدان الأوروبية الجنوبية التي تعارض التقشف. وعلى الطرف الآخر هناك معارضة من الأحزاب اليمينية الشعبوية والمعادية للمهاجرين في ألمانيا وفرنسا وفنلندا والدنمارك وبلدان أخرى في شمال أوروبا.

كلما طالت مدة فرض تلك البلدان للرقابة على حدودها أو إغلاقها، كلما زاد ذلك في ضرب مبدأ أوروبا المفتوحة. صعود الأحزاب القومية والمناهضة للهجرة في ألمانيا وفرنسا وفنلندا والدنمارك والسويد والمجر يضع مزيدا من الضغوط على الحكومات الأوروبية لإغلاق الحدود. من الواضح أن أيام اتفاق شنغن صارت معدودة. وحتى إذا لم يتم إلغاؤها تماما، فمن المؤكد أنه ستتم مراجعتها إلى درجة أنه لن يبق الكثير من مبدأ حرية الحركة "المقدس" في أوروبا.

تسعى الدول الأعضاء لأن يتم إعطاؤها المزيد من السلطة التقديرية فيما يتعلق بمسألة إعادة فرض الرقابة على الحدود. وسواء أدخلت الإصلاحات على اتفاقية شنغن أم لا، فإنه سوف تكون هناك رقابة بوليسية أكثر صرامة في محطات القطارات والحافلات وفي المطارات. وهذا ما بدأ يحدث بالفعل منذ الآن. سيتم تشديد قوانين الهجرة لتجعل من الصعب على المهاجرين الحصول على مزايا الرعاية الاجتماعية. البلدان التي لم تنضم بعد إلى اتفاقية شنغن، مثل رومانيا وبلغاريا، سوف تطالب برقابة أكبر. بولندا والمجر، اللتان كانتا تابعتان للإمبريالية الألمانية، دخلتا الآن في صراع مباشر مع برلين حول قضية اللاجئين.

سوف يؤدي تقويض اتفاقية شنغن بالضرورة إلى تقييد حرية الحركة للشعوب، والتي هي واحدة من الركائز الرئيسية للاتحاد الأوروبي. وبمجرد إضعاف أساس واحد، سيفتح الباب أمام ضرب أساسات أخرى على نحو مماثل. إن إزالة أو إضعاف حرية تنقل الأشخاص يمكن أن يشكل خطوة نحو إضعاف الحركة الحرة للسلع، وهذا ما سوف يشكل، إلى جانب انهيار اليورو -وهو الأمر الممكن جدا-، نهاية الاتحاد الأوروبي كما نعرفه. لن يتبق شيء من حلم الوحدة الأوروبية سوى قشرة فارغة.

في ظل الرأسمالية، سوف تبقى فكرة قارة بدون حدود مجرد حلم بعيد المنال. إن مهمة توحيد أوروبا -وهي المهمة التقدمية والضرورية تاريخيا- لا يمكن تحقيقها إلا عندما سيتحرك عمال أوروبا للإطاحة بديكتاتورية البنوك والاحتكارات ووضع الأسس لاتحاد حر وطوعي للشعوب على أساس فدرالية الدول الاشتراكية الأوروبية.

هوامش:

1]: الفصل (quarter) أو ربع السنة ويساوي ثلاثة أشهر.

2]: أتباع توني بلير - الجناح اليميني لحزب العمال.

3]: الأجور الإسمية (Nominal wages) : أجور تقاس بالنقود التي يتم الحصول عليها وليس بقدرتها الفعلية على اقتناء السلع والخدمات، مقابل الأجر الحقيقي الذي هو مقدار السلع والخدمات التي يستطيع الأجر شراءها بواسطة الأجر النقدي الذي يحصل عليه العامل. - المترجم -





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,599,139,736
- الأزمة والصراع الطبقي: منظورات عالمية 2016 - الجزء الأول
- كتالونيا واستفتاء التاسع من نوفمبر
- منظورات للثورة العالمية 2014 - الجزء الخامس
- منظورات للثورة العالمية 2014 - الجزء الرابع
- منظورات للثورة العالمية 2014 - الجزء الثالث
- منظورات للثورة العالمية 2014 - الجزء الثاني
- منظورات للثورة العالمية 2014 - الجزء الأول
- نحو الأممية الخامسة
- بيان التيار الماركسي الأممي حول الأزمة الاقتصادية:


المزيد.....




- الاحتجاجات الشعبية في لبنان والحملة الاعلامية الممنهجة على ا ...
- تسجيل حالات اختناق بين المتظاهرين والدفاع المدني في ساحة الخ ...
- إصابة 48 فلسطينيا بجروح خلال مواجهات مع الجيش الإسرائيلي شما ...
- اتحاد الشبيبة في هولندا يسلم ملف حول انتفاضة تشرين الى البر ...
- تاريخ الثورة الروسية: الاستيلاء على قصر الشتاء ج 3
- زعيمة هونغ كونغ تصف المتظاهرين بأعداء الشعب
- مداخل نضال عمالي وشعبي ضد التعذيب في أماكن الاعتقال والسجون ...
- الاشتراكي اليمني ينعي القاضي إسحاق صلاح
- من بيروت إلى بغداد -وجع واحد- يجمع المتظاهرين ضد فساد السلطة ...
- العدد الجديد “333” من جريدة النهج الديمقراطي بالأكشاك


المزيد.....

- إختراقات - الإختراق التاريخي لماركس و مزيد الإختراق بفضل الش ... / بوب افاكيان
- الديمقراطية في التاريخ / محمد المثلوثي
- أولرايك ماينهوف المناضلة الثائرة و القائدة المنظرة و الشهيدة ... / 8 مارس الثورية
- الخطاب الافتتاحي للحزب الشيوعي التركي في اللقاء الأممي ال21 ... / الحزب الشيوعي التركي
- راهنية التروتسكية / إرنست ماندل
- المادية التاريخية هي المقاربة العلمية لدراسة التاريخ / خليل اندراوس
- الشيوعية ليست من خيارات الإنسان بل من قوانين الطبيعة / فؤاد النمري
- دروس أكتوبر [1] (4 نوفمبر 1935) / ليون تروتسكي
- التشكيلة الاجتماعية العراقية وتغيرات بنيتها الطبقية / لطفي حاتم
- ما هي البرجوازية الصغيرة؟ / محمود حسين


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - التيار الماركسي الأممي - الأزمة والصراع الطبقي: منظورات عالمية 2016 - الجزء الثاني