أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فواد الكنجي - الملك فيصل الأول أول من كرس الطائفية في العراق ونفذ الإبادة الجماعية بحق الأشوريين عام 1933















المزيد.....



الملك فيصل الأول أول من كرس الطائفية في العراق ونفذ الإبادة الجماعية بحق الأشوريين عام 1933


فواد الكنجي
الحوار المتمدن-العدد: 5245 - 2016 / 8 / 5 - 07:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


المقدمة

.. جاء تنصيب الملك (فيصل الأول بن حسين بن علي الهاشمي 1883 -1933) ملكا للعراق بناءا عن رغبة بريطانيا بإقامة ملكية عراقية، فشكلت مجلس تأسيسي من شخصيات سياسية الموالين لها من نوري سعيد و ياسين الهاشمي و رشيد عالي الكيلاني و جعفر العسكري وعبد الوهاب النعيمي وأنتخب عبد الرحمن الكيلاني النقيب رئيسا لوزراء العراق الذي أعلن بتنصيب الأمير (فيصل) ملكا على عرش العراق وتم تتويجه في 23 اب 1921, في ساحة ساعة القشلة ببغداد.
والملك المعين والمنتخب بهذا الشكل لم يكن من مواليد العراق، فهو ينتمي إلى أسرة آل عون الهاشمية، ومن مواليد مدينة الطائف (السعودية)، وقصة هذه الأسرة تبدأ على المسرح السياسي في حزيران من عام 1916, حيث أعلن الشريف الحسين شريف مكة المكرمة ملكا على الحجاز, وقاد ثورة لتحرر من حكم العثمانيين بدعم وتأيد من بريطانيا, وأراد إن يوحد المشرق العربي بتكوين حكومات عربية برئاسة أولاده الأربع, وهم (فيصل الأول) ملك سوريا (1918-1920) ومن ثم ملك العراق (1921-1933), وأخوه الأكبر(علي) ملك الحجاز (1924-1926), وملك الأردن (عبد الله الأول) (1921-1951), وأخوهم غير الشقيق الأمير( زيد)، وفي البداية أقرت بريطانيا إن يتوج الملك (عبد الله) على العراق, وان يتولى الملك (فيصل) عرش سوريا الكبرى (سوريا ولبنان), والملك (علي) يخلف والده على عرش الحجاز، وكان الملك (فيصل الأول ) قد توج وخلع من حكمه الملكي على سوريا بسبب احتلال الفرنسيين لها,عندها قامت بريطانيا بتعويضه بعرش العراق بدلا عن عرش سوريا, الذي تقرر ان يعتليه الملك (عبد الله), لكنه لم يعتل عرش سوريا بسبب رفض الفرنسيين وجود ملك عربي, بالتالي أقنعته بريطانيا بتخطيط دولة جديدة على الخارطة تقع على الضفة الشرقية لنهر الأردن تحت اسم إمارة شرق الأردن ليتولى إمارتها العام 1921, والتي استقلت في العام 1946 تحت اسم المملكة الأردنية الهاشمية.

العراق في ظل الملكية

.. وبالصيغة التي أخرجته بريطانيا للعراقيين، فان الملك (فيصل الأول) اعتلى عرش المملكة العراقية في 23 اب 1921, وانتهى حكم الملكية من العراق بمقتل ملك العراق (فيصل الثاني) وإفراد عائلته في قصر الرحاب رميا بالرصاص, على يد ضباط جيش العراق الأحرار الذين اسقطوا حكم الملكية في العراق، حكم العمالة للاستعمار البريطاني، وذلك بانقلاب عسكري وأعلنوا النظام الجمهوري بثورة مجيدة صبيحة 14 تموز 1958 بقيادة الزعيم الخالد(عبد الكريم قاسم)، لينهي بذلك على أخر أعوان البريطانيين من العراق .
حيث امتازت فترة حكم الملكية في العراق بتسلط الأسرة الحاكمة على رقاب الشعب وتفشي الفساد والفقر في المجتمع وصودرت الحريات الفردية وغابت الديمقراطية التي مثلت بشكل تسويفي استفزازي قذر وذلك عبر نظام البرلماني رسم لدولة العراقية يأتي عبر الانتخابات الحرة ولكن بشكل صوري، وسمح بتشكيل أحزاب السياسية ولكن في الجوهر كانت مجرد أوكار لشلة من الإقطاعيين ولتجار وسماسرة الشيوخ والأغوات الذين يشرف عليها السفير البريطاني ومخابراتها، وهم من كانوا يديرون العملية السياسة وإعمال البرلمان وإدارة الحكم الفعلي في العراق، لينتشر في عموم البلاد انحلال سياسي واقتصادي وأخلاقي واجتماعي، وهذا ما أدى إلى تدهور الأوضاع الداخلية في عموم العراق وحدوث إعمال عنف في اغلب مدن العراق، ولكون الملك ليس من أبناء الشعب العراقية فلم تكن لدية أية فكرة عن فسيفساء الشعب العراقي وطبيعة المجتمع فلم يوفق في حل أزمات الدولة و في إيجاد مناخ مشترك للملمة مشاكل الشعب وحلها بشكل سليم، بقدر ما همه في رسم البعد العربي في الدولة، ولم تكن لديه مشاعر عراقية حريصة لبناء دولة قوية حرة متآخية يسود فيها العدل والأمن والأمان بين مكونات الشعب العرقي، بقدر ما كان همومه تتجه نحو إقامة نظام عربي موحد في عموم المنطقة- كما قلنا- فانشغاله بهذا الاتجاه أبعده عن الغوص في أعماق هموم وتطلعات الشعب العراقي الذي كان ومنذ البدا يسعى في بناء دولة فيدرالية موحدة يستبد فيها الأمن والسام والاستقرار وينهض بالاقتصاد الدولة، الصناعية والزراعية والتجارية ليتم توزيع ثروته على أبناء الشعب بالعدالة والإنصاف دون تهميش لأي من مكونات الشعب العراقي، ولكن للأسف، ولكون شخصية الملك اضعف من شخصيات طاقم العمل الذي اعتمد عليهم من نوري السعيد و جعفر العسكري و ورشيد عالي الكيلاني و ياسين الهاشمي وساطع الحصري وناجي شوكت و رستم حيدر وعبد المحسن السعدون وتوفيق السويدي و حنا خياط و ساسون حسقيل و محمود صبحي الدفتري و أرشد العمري وعلي جودت الايوبي وجميل المدفعي وعبد الله الدملوجي، فقد سيطروا هؤلاء على رسم سياسته ولم يكن العمل بين الملك (فيصل الأول) ورجاله قائما على الانسجام، فكثيرا ما كانت الخلافات تحتدم بينه و بين هذه الأطرف لأمور تتعلق بالبلد ، وبوجهات النظر المختلفة حول حل مشاكله التي اتسمت بالضعف والتهور، رغم إن هؤلاء عملوا في مفاصل مهمة في الدولة فمنهم من عمل في المؤسسة التعليمية ، والمؤسسة الأمنية ، والمؤسسة القضائية ، والمؤسسة المالية ، والمؤسسة الاقتصادية والمؤسسة الإدارية والمؤسسة المالية و..الخ، وقد تسلم عدد من هؤلاء الذين عملوا ضمن طاقمه رئاسة الوزراء في عهده، أو أصبحوا وزراء.
وهكذا احتدمت الأوضاع الداخلية في البلد بشكل ملفت حيث تفاقمت انتفاضة الأكراد في الشمال بقيادة الشيخ (محمود البرزنجي) واحتدام إحداث العنف في المدن العراقية وخاصة في البصرة والديوانية وسوق الشيخ والموصل والسماوه وتحديدا في ايار عام 1931 بسبب إجراءات وزارة (نوري السعيد) في إقرار قانون رسوم البلديات، وقد عمت البلاد نتيجة ذلك، إضرابات عامة وأغلقت المحلات التجارية فأصبح الشعب على يقين بان الملك(فيصل الأول) أصبح يكيل الشعب بمكيالين وبأنه يمارس التفرقة وسياسة عنصرية حيث تردد في عموم العراق، واشبع عنه- رغم انه منذ اليوم الأول من توليه منصبه الملكي في العراق قال وبالحرف الواحد: ((العراق دولة سنية))- بان الملك يوزع المناصب للسنة ، والضرائب على الشيعة، ولكون هناك إطراف لا تريد لشعب العراقي خيرا فقد اخذوا هؤلاء المندسين وعملاء البريطانيين، يعظم هذه الأمور إلى درجة إثارة الحساسيات بين إطراف الطوائف الإسلامية والضرب على الوتيرة الطائفية والمذهبية والديانة والقومية لتصل تدهور الأوضاع الأمنية إلى قمتها في عام 1933 ، حينما لم يكلف الملك جهدا لحل قضية (الأشوريين) في الموصل – المعروفة آنذاك باسم قضية الاثوريين - بل أمر طاقمه من الوزراء وقادة الجيش بمواجهة (الأشوريين) بكل قوة وحسم مؤكدا بان ما حدث في العراق بـ(الإضراب العام ) سنة 1930 ينبغي كما قال :
(( ..ان يجعلنا نغير حساباتنا ونضع بالاعتبار كيفية إخماد مثل هذا الإضراب وكذلك لابد من أخذ العبرة من إحداث ثورة الشيخ محمود البرزنجي.. ومعرفة قدراتنا في مواجهتها وما عانته الدولة بكل حزم ودون تهاون..)).
وبذلك أمر الملك (الفيصل الأول) بسحق (الأشوريين) وإسكاتهم بكل ما أتى من قوة ليكونوا عبرة للآخرين إذ ما فكروا بالإضرابات مجددا كما فعلوا (الشيعة) في الجنوب او العصيان والتمرد كما فعلى( الشيخ محمود البرزنجي) في الشمال، ويجب حسم قضيتهم بإبادتهم من ارض العراق- ونسى هذا الملك (فيصل الأول)، ومن حقه إن ينسى لأنه ليس من أصول عراقية، ومطلعا عن تاريخ وحضارة العراق واصل (الأشوريين) الذين هم من جذور واصل هذا الوطن - لينفذ الجيش أبشع جريمة مروعة بحق الأبرياء من العراقيين (الأشوريين)، حيث تم إبادة أكثر من خمسة ألاف إنسان أشوري في واحدة من أبشع جرائم الإبادة الجماعية حدثت في تاريخ العراق الحديث في موقع (سميل ) الأشورية شمال مدينة موصل، حيث أعلن (فرمن) بحق الأشوريين، وفي بيان ملكي رسمي ونشرته كل الصحف الصادرة آنذاك، فتم على الفور في ((السابع من اب عام 1933 ))تنفيذ قرار (فرمن)، فتم فقتل الأطفال والنساء والرجال وسحلوا في الشوارع والطرقات وأحرقت جثثهم وصودرت ممتلكاتهم وأحرقت منازلهم ولم يسلم من بطش الملك لا الإنسان ولا الحجر، في كل المناطق التي كان (الأشوريين) يسكتونها في شمال الوطن .
وفي هذه القضية صرح الملك المقبور( فيصل الأول) مؤكدا بإصداره إعلان (الإبادة الجماعية) بحق أشوريي العراق- لان هناك والى يومنا هذا من يحاول تبرئة ساحة الملك (فيصل الأول) من هذه الجريمة الشنعاء بحق المكون (الأشوري) الذي هو واحد من مكونات الشعب العراقي، ونشر كلامه في جريدة ( ديلي ميل ) في بداية أيلول 1933 حيث يذكر المذابح التي أمر بتنفيذها وبكل وقاحة وصلافه، يقول:
(( أقلية أشورية تريد الاستقلال السياسي وهذا يعني خراب البلد والإطاحة بالنظام )).
ومن هنا فان الملك (فيصل الاول ) سعى مع سلطة الانتداب البريطاني إلى تصعيد مواقفها وإصرارها لافتعال المذابح في منطقة (سميل) بحق (الآشوريين) لتحقيق عدة أهداف تدعم مركزه في العراق بعد ان وجد بان الكثير لم يعد يحترم قراراته فاستخدم أبشع وسائل القمع ضد (الأشوريين) لتوجيه رسالة إلى كل العراقيين والى كل المطالبين بحقوقهم المشروعة في البلاد، وهذا واضح من تصريح الوزير (رستم حيدر) لإحدى الصحف المحلية نهاية عام 1932 حيث قال:
(( يجب التضحية بهذه - كما سماهم - (الأقليات) على مذبح العروبة وإيجاد وسيلة لتحقيق ذلك )).
فكان قرار الملك المقبور(فيصل الأول) بقتل (الأشوريين) وسحقهم بكل وسائل المتاحة هي لكي يوصل من خلال عمله الإجرامي هذا رسالة تهديد واضحة وتحديدا للمناطق العراق الوسطى والجنوبية التي شهدت إحداث ساخنة وأخذت تتمرد على نظام الملك وسلطته الغاشمة خلال فترة 1931 و عام 1933 بحيث خرجت بعض ألويتها (محافظاتها ) من تحت سيطرة الدولة ولم يعد بالإمكان إدارتها، ولهذا اتخذ الملك قراره، بعد إن وجهة أعلامة المسيس لخدمة نظامه الملكي لتضخيم قضية مطالب (الأشوريين) بكون مطالبهم تشكل خطرا على المملكة ونظامه ويودي إلى تفتيت البلاد وتمزيقها، وفعلا خرجت صحافة الملك بشن اكبر حمل إعلامية ضد (الأشوريين) و بشكل مبالغ فيه وكله مفبرك من قبل حكومة الملك من اجل التعبئة المحمومة للرأي العام باتجاه خطر (الأشوريين) على الملكة العراقية وان تصفيتهم من العراق ما هو إلا واجب عربي وديني للخلاص من (الآشوريين)المختلفين قوميا ودينيا، ونظرا لحجم تكبير مسألة مطالبة (الأشوريين) بحقوقهم المشروعة في العراق وبكون القضية تهدد كيان الدولة، فأن صحافة الملك قامت بتغطية هذه الأحداث بشكل مبالغ، وانتشرت أخبار عن قيام (الآشوريين) بثورة مسلحة بدعم من بريطانيا من أجل تفكيك العراق وإعادته تحت السيطرة البريطانية مرة أخرى. ويعتقد أن الحكومة العراقية الملكية قامت بدعم هذه الآراء من أجل تشتيت الانتباه عن العصيان (الشيعي) الجاري في منطقة الفرات الأوسط ولتوحيد موقف العراقيين إلى خطر موحد يهددهم، وهكذا أمكن الملك و حكومته من تهدئة الأوضاع في المناطق الساخنة في الوسط والجنوب وكذلك مناطق (الأكراد) في الشمال، واستطاعوا من استمالتهم للمشاركة في إسناد الملكية في توجهاتها لمواجهة (الآشوريين)، ومما شجع هذه الإطراف أي (الشيعية والكردية) الوقوف بجانب الملك في قضية (الأشوريين) هو بكون صحافة الملك كما وجه لها أثارت ضد (الأشوريين) ملفات قديمه بكون (الأشوريين) يشكلون تهديدا للعراقيين وتحديدا لـ(شيعة ولأكراد) بعد إن فتحو ملفات مشاركة (الأشوريين) مع جيش البريطانيين لقمع ثورة العشرين في الجنوب - في وقت الذي كان جيش البريطاني متكون من أغلبية مجندين من الهنود(هند) وإعداد قليلة من (الأشوريين) ومن مجتمعات أخرى- وكذلك توجهاتهم في إقامة حكم ذاتي فيدرالي في شمال سهل نينوى ودهوك والعمادية، وهكذا ضخم توجهات (الأشورية) في العراق ليبادر الملك لاتخاذ إجراء يقضي على الخطر (الآشوري) المزعوم كوسيلة لإخماد مخاطر التمرد (الشيعي) في الوسط وجنوب العراق وبهذا الشأن فقد صرح وبنفس المعنى (الملك فيصل)اذ يقول:
((.. من ان سبب وراء اتخاذ قراره بإبادة الأشوريين هو لإسكات أصوات الشيعة بعد إن ارتفع سخطهم ضد الحكومة وسياساتها وفي إهمال مشاركتهم في الحكم بالشكل المنصف وإقصائهم من المناصب وعدم اهتمام بمناطقهم ..)) .
وتأكيدا لما ورد فقد صرح السيد (ناجي شوكت ) رئيس وزراء سابق يقول:
(( ..بان أحداث (سميل) هي لا شيء وإنما الخطر يكمن في الغليان الشيعي..)) .
وقد نشر المبشر الأمريكي( باديو) في تقريره عن المذبحة سميل 1933حيث قال :
((..وبحسب ما قيل لنا بأنه لولا حادثة الأشوريين لكانت نشبت حرب طائفية سنية – شيعية في العراق..)) .
ومن هذه الحقائق فان الملك( فيصل الأول ) سعى لتجنيد كل ما يمكن تجنيده للقضاء على (الأشوريين) ولإعادة هيبة سلطته بعد ان اخفق قادة الجيش الموالين له في إخضاع التمرد (الشيعي) في الجنوب وإخماد ثورة (محمود البرزنجي) في الشمال، ليعزم هذه المرة من إخماد حركة (الأشوريين) بقوة السلاح دون السعي إلى الحوار ولإيجاد الحلول الدبلوماسية المناسبة لإنهاء قضية (الأشوريين) سلميا، بل أراد الملك (فيصل الأول) إنهاءها بقوة السلاح وعن حشد العراقيين لنيل من (الأشوريين)، وقد بني الملك تصوره على الشعب العراقي والذي هو غريب عنه قائلا:-
((..لا يوجد في العراق شعب عراقـي بعد, بل توجد كتل بشرية خيالية, خالية من أي فكرة وطنيـة, متـشبعة بتقاليـد وأباطيل دينية, لا تجمع بينهم جامعة..)) .
فهذه الرؤية المقزمة لشعب العراقي الذي عمقه التاريخي يعود لأكثر من سبعمائة إلف سنه هي رؤية قاصرة يراد منها إخضاع إرادة العراقيين ليكون طوع إرادة البريطانيين والكيان الصهيوني الذي عرف عن الملك عقده الكثير من الصفقات مع إسرائيل وحلقات المكوكية التي كان يجريها معهم، فإن التوجه نحو استنفار الجميع للقضاء المبرم على (الأشوريين) بوضع عوامل التميز قوميا ودينينا سببا مقنعا لقضاء عليهم، ليتخذ فيما بعد خطوات لإخضاع (الشيعة والأكراد) وباقي المكونات العراقية. ومن هنا أعلنت الحكومـة بـإعلان (الجهـاد الإسلامي) ضد (الأشوريين)، فالجهاد جاء لغاية قومية أكثر منه دينية ليس لان المسألة دينية, فالقضية (الآشورية) أصلا هي قـضية قومية . وفعلا أعلن الجهاد رسميا ضد (الأشوريين) في أوائل آب 1933, وقامت الحكومة العراقية عبر الصحف المحلية بتحريض رجال القبائل العربية ومختلف طبقات السكان للتطوع في مقاتلة الأشوريين. وقام الملك بإنتخاء العشائر العربية في موصل وتكريت والانبار وإثارتهما ضـد الآشـوريين وتجنيد شرطة غير نظامية من (الأكراد) في الغالب لمعاونـة الجـيش، وتم اتصال مع رؤساء العشائر ووجهاء المسلمين استعداد بإعلان (فرمن) ضد الأشوريين قوميا ودينيا، مؤكدين بان الحكومـة العراقية لن تأخذ أي إجراء مهما كان نوعه حيال أي مواطن يقوم بالاعتداء علـى (الأشوريين) من قتل وسلب ونهب ممتلكاتهم.
وبهذا الإجراء فان الملك المقبور (فيصل الأول) هو أيضا أول كرس قيم أخلاقية متفسخة منحطة في المجتمع العراقي فقد شجعهم على النهب والسلب - بما يسميه العراقيين (فرهود)- والقتل الأبرياء والاغتصاب لكي تلوث أياديهم بمال الحرام وبدماء الأبرياء لترسخ في عقليتهم هذه القيم المنحلة باعتبارها حلال وهي قيم للأسف ارتسمت في ذهن العراقي اثر أي عملية تغير في العراق إلى يومنا هذا،فكل إجرام و خطا يرتكبه المجتمع يعود سببه إلى هذا الملك المقبور، فبدل إن يوعظ الشعب بالأخلاق الفاضلة والمحبة والتآخي والعيش المشترك، نراه يوعظ بسلوكيات منحرفة لكي ينجرفوا إلى خناق الشر والرذيلة لا تقوم عليهم ألقائمه، وهذا دليل لكونه ليس عراقي يحرس على عدم إراقة الدماء والعيش بشرف ولقمة حلال وتجنب ارتكاب المعاصي، للأسف انه قدر العراقيين إن يكون الحاكم وصيا عليهم من خارجه ليمزق وحدة الشعب والتآخي وينشر الفساد في ربوعه .
وهكذا بدأت المذبحة بحق الأشوريين منذ أواخر تموز 1933, فهرب من هرب وقتل من قتل وشرد من شرد وبما تجاوز عدد القتلى عن (خمسة ألاف إنسان أشوري) دون تميز بين النساء والأطفال والشيوخ والرجال .
حيث قامت حكومة) رشيد عالي الكيلاني( في عمليات تصفية منظمة ازدادت حدتها بين 7-11 آب 1933 لترتقي إلى مستوى جرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبت بحق (الأشوريين) و بالإضافة إلى ذلك تم إحراق وتجريف ( 63) قرية آشورية في لواء الموصل آنذاك (محافظتي دهوك ونينوى حاليا)، والتي أدت إلى موت حوالي خمسة ألاف شخص بحسب مصادر بريطانية التي كنت تصور الحدث لحظة بلحظة وتعرض تلك الوثائق ليشاهدها الملك الذي كان في منتجع خارج العراق، والذي أوكل مهام معاقبة (الأشوريين) والقضاء عليهم إلى وليِّ العهد العراقي الأمير (غازي) ورئيس الوزراء (رشيد عالي الكيلاني) ووزير الداخلية (حكمت سليمان) وقام بتنفيذ حملة الإبادة ضد (الأشوريين) المجرم (بكر صدقي) باعتباره قائد الجيش العراقي الذي أساء التصرف مع (الأشوريين) رغم إن الكثير منهم استسلموا وسلموا أسلحتهم ولكن الجيش والقبائل أخذت تفتك بهؤلاء دون أي مراعاة للقيم الإنسانية، و راحوا يسفكون دماء هؤلاء الأبرياء العزل ويذبحون الأطفال ويقتلون النسوة ويهتكون بإعراضهم بشكل وقح وبعيدا إن أية قيم أخلاقية،وينهبون ممتلكاتهم . واخذ هذا الفريق المكلف بالعمل الذي اعتمد علية الملك يتصرفون كل حسب مزاجه ويصدر قراراته دون مراجعة، وقد أصاب الملك المقبور- كما قالت عنه الصحف البريطانية- بهول بما كان يشاهد من أفلام توثيقه لمجازر التي كان يرتكبها أزلامه في العراق والموغلة في الجريمة والمبالغة وتهويل لتنفيذ المذابح، كما صدرت أوامر إليهم من قبل أزلام الملك بغية إرسال رسالة إلى شعب العراق لإرعابهم اذ ما فكروا بالعصيان او تمرد كما يحاول (الأكراد) في الشمال و(الشيعة) في الجنوب، وعدم إطاعة قوانيين واحترام سلطة الملك، وكان الملك يتابع كل ما كان تنشره الصحافة الغربية والتنديد الذي كان يتلقاه من دول العالم بما يرتكب من جرائم الإبادة في العراق بحق (الأشوريين) احد مكونات الشعب العراق لمجرد اختلافهم دينيا وقوميا ولمطالبتهم بما أوعدتهم بريطانيا مقابل اصطفافهم معهم في الحرب العالمية الأولى ضد الدولة العثمانية.
فبعد إنهاء الانتداب البريطاني على العراق فان بريطانيا نقضت وعودها مع (الأشوريين) الأمر الذي ترك لديهم شعور وإحساس بالغبن وبالاستياء و بالخيانة البريطانيين لهم، إذ كان يجب على أي معاهدة مع العراقيين حسب الوعود البريطانيين لهم أن يأخذوا بنظر الاعتبار وعود التي قطعوها مع (الأشوريين) بحجم التضحيات التي قدموها في الحرب العالمية الأولى وهم في خندق البريطانيين، حيث نفذ الجيش التركي (العثماني ) مذابح الإبادة جماعية بحقهم وبحق (الأرمن) في تركيا وبما تجاوز عدد الشهداء على (ثلاثة ملاين شهيد)من (الأرمن) (الأشوريين) و(اليونانيين) ويقد عدد (الأشوريين) الذين قتلوا في تلك المذابح بحوالي ( ثمانمائة إلف نسمه)، نتيجة اصطفافهم مع بريطانيا وروسيا، في حكم شبه ذاتي مشابه لنظام الملل في عهد الدولة العثمانية، ومن جهة أخرى رأى العراقيين، أن مطالب (الأشوريين)، إلى جانب الاضطرابات (الكردية) في الشمال و(الشيعة) في الجنوب، ما هي إلا مؤامرة بريطانية لتقسيم العراق عن طريق تهييج المكونات العرقية والدينية والطائفية والقومية في العراق، بالمقابل لم يكن لدى (الأشوريين) ثقة بقدرة الحكومة العراقية على حفظ الأمن، واعتقدوا أن غياب بريطانيا سيمنح الفرصة للمحيط المحلي والإقليمي لتنفيذ مذابح بحقهم كما حدث خلال الحرب العالمية الأولى .

أسباب وتفاصيل مذبحة سميل عام 1933

.. حينما قررت بريطانيا إنهاء الانتداب البريطاني في العراق، قرر بطريرك (الأشوريين) ولكنيسة المشرق الأشورية (مار ايشا شمعون ( المطالبة بحكم ذاتي للآشوريين في شمال العراق وسعى لحشد الدعم البريطاني لتنفيذ وعود التي قطعوها لهم إثناء الحرب الكونية الأولى من أجل مساعدتهم بهذا الشأن، فعرض البطريرك هذه القضية على عصبة الأمم عام 1932، واستلمت عصبة الأمم في الفترة بين 1931 و 1932 خمس وثائق من (الآشوريين) في العراق حددوا فيها مطالبهم قبيل إنهاء الانتداب البريطاني في العراق، وجاءت الوثيقتين في 20 و23 تشرين الأول 1931 من مجموعة زعماء (الأشوريين) و من ضمنهم (مار ايشا شمعون) ، حيث طالبوا فيها بنقل اللاجئين إلى دولة تحت سيطرة قوات من أوربا، وفضلوا بذلك سوريا التي كانت لا تزال تحت الانتداب الفرنسي، ولم تعترض بريطانيا أو العراق على هذا الطلب غير أنه لم يتطوع أي طرف لتحقيق هذه المطالب، وجاء الطلب الثالث في 16 حزيران 1932 حيث التقى البطريرك مع قادة (الآشوريين) في مدينة( العمادية( ورفع المجتمعون وثيقة إلى الحكومة العراقية وعصبة الأمم تدعو إلى الاعتراف بالآشوريين كملة وطائفة ضمن ملل وطوائف العراق وتطالب بإعادة ترسيم الحدود مع تركيا بحيث تضم منطقة (حكاري( بالإضافة إلى (العمادية ) وبعض أطراف أقضية زاخو ودهوك والعمادية، و حثت الوثيقة على إنشاء منطقة (حكم ذاتي) لهم أما في مناطق حكاري الواقعة تحت السيادة التركية حينئذ أو في المناطق الجنوبية المتاخمة لها في زاخو والعمادية ودهوك، كما طالبت هذه العريضة بالاعتراف بـ(مار ايشا شمعون) زعيما روحيا ودنيويا عليهم، وإعطاءه صلاحية لتعيين عضو يمثلهم في البرلمان المملكة العراقية، غير أن الحكومة العراقية سرعان ما رفضت هذه المطالب خشية تلقي دعوات مماثلة من قبل مجموعات عرقية ودينية أخرى كـ(الأكراد والعرب الشيعة)، وتحجج) نوري السعيد) بأن (الآشوريين) بعض حصرهم بأتباع )كنيسة المشرق الآشورية (لا يشكلون سوى ربع مسيحيي لواء الموصل ولذا لا يحق لهم المطالبة بمقعد في البرلمان، كما رفضت تركيا إعادة ترسيم الحدود أو السماح للاجئين بالعودة إلى قراهم، وهذا ما أثار حفيظة (الأشوريين) المسلحين، فقرر أتباع البطريرك(مار ايشا شمعون) تقديم استقالتهم الجماعية من اللواء الآشوري (الذي كان تحت السيطرة البريطانية ويخدم المصالح البريطانية والمعروف باسم جيش ليفي )، وتحولوا إلى ميليشيا يتمركزون في منطقة العمادية بشمال العراق، كما شرع (مار ايشا شمعون) بإعداد خطة تمركز في المنطقة الواقعة ما بين مدينتي دهوك والعمادية كي يتسنى للأشوريين المتواجدون في مختلف المناطق الانضمام إليهم، وقد اجتمع المعتمد البريطاني في العراق بالمجندين الذين قدموا استقالاتهم في حزيران في نفس السنة وأنذرهم بان إقدامهم على هذه الحركة سيحرمهم من أي عطف في المستقبل ونصحهم بإعادة النظر في إنذارهم ووعدهم بالعفو مقابل تخليهم عن هذا الأمر ولكن المجندين (الآشوريين) في قوات (الليفي) أجابوا المعتمد البريطاني بأنهم لا يستطيعون مخالفة رئيسهم الروحي، فاضطرت السلطات البريطانية إلى جلب الفوج الأول من دولة ( مصر) ليحل محل المستقيلين من قوات الليفي وقد أربك وصول الفوج البريطاني الأفراد الذين استقالوا من الخدمة فعدلوا هؤلاء المتواجدين في كل من الموصل وديانا والسليمانية وكان يبلغ عددهم حوالي( 1300 ) أشوري مسلح، بينما أصر العاملون في قوات (الليفي) في بغداد على استقالاتهم وكان يبلغ عددهم أكثر من( 200 ) شخص وقد ارجع الفوج البريطاني الذي تم استقدامه جوا من مصر إلى مقره وذلك لانتفاء الحاجة إليه.
وخلال هذه الفترة نلاحظ بان بريطانيا أخذت تلعب بالأوراق حسب مزاجية وازدواجية بحته، فتارة تهمس في أذان الملك وحاشيته بضرورة معاقبة (الأشوريين) وعدم إصغاء إلى مطالبهم التي كانت حكومة الملك في بغداد تحاور البطريك ( مار ايشا شمعون )عن مطالب التي رفعها لهم، لكي لا يخرجوا الأشوريين المجندين في جيش (ليفي) والمدربين تدريبا جيدا، من تحت إمرتهم ليبقوا في خدمة مصالحهم يوجهونهم حسب ما تشاء بريطانيا في المنطقة، ومن جهة أخرى فان البريطانيين كانوا يجتمعون مع زعماء الأشوريين وتحديدا مع البطلة (سورما خاتون) التي كانت تجيد الدبلوماسية واللغة الانكليزية وتقوم بزيارات مكوكية بين لندن و العراق، فكانوا البريطانيين يرسلون لها رسائل بأنهم سيقفون بجانب (الأشوريين) في مطالبهم وإنهم مازالوا على عهدهم بالوعود التي قطعوها للأشوريين إثناء الحرب العالمية الأولى اثر وقوفهم إلى جانبهم، ولكن الوقائع اثبت بان بريطانيا تنصلت من حماية (الأشوريين) ومن تنفيذ وعودهم لهم، بل شاركت بشكل مباشر وغير مباشر في إبادة الأشوريين عام 1933 كونهم كانوا يرسلون كل التقارير المتعلقة بحشد الأشوريين عبر طائراتهم لجيش العراقي ليتم قصفهم بالمدفعية وبالطائرات، بل أنهم عبر سلك الدبلوماسي بينهم وبين فرنسا المتواجدة على ارض سوريا جرى تبادل المعلومات حول عدد المقاتلين الأشوريين الذين توجهوا إلى سوريا والتي طالبت فرنسا بتجريدهم من سلاحهم ومن ثم إرجاعه إليهم إثناء قرار هؤلاء المقاتلون بالعودة إلى العراق مجددا، فأرسلت فرنسا كل المعلومات إلى بريطانيا وهي أعلمت الجانب العراقي وأعلمتهم عن الجهة التي سيدخلون المقاتلون (الأشوريين) إلى العراق لشن هجوم مباغت عليهم و ليتم احتوائهم وهذا ما حدث .
ففي ربيع عام 1933، قرر (الأشوريين) المسلحين بقيادة أحد ضباط اللواء الآشوري وهو الزعيم(مالك ياقو)، الذين قدموا استقالتهم من جيش (الليفي) على قيادة حملة دعائية لصالح (مار ايشا شمعون) حيث قام بإقناع الآشوريين المسلحين الذين مازالوا في قوات (ليفي) الى الاستقالة والانضمام إلى قواتهم والاصطفاف إلى جانب (مار ايشا شمعون)، مما اعتبرت الحكومة المركزية هذا التصرف تحديا لسلطتها، فاجتمع كل من المعتمد السامي (همفري) ووكيل رئيس الوزراء (جعفر العسكري) ووزير الداخلية( ناجي شوكت)، وبعد أن اطلعوا على مطالب (مار ايشا شمعون) فقرروا إصدار تعليمات إلى متصرفية لواء الموصل ولواء أربيل بإنذار قوات (الأشورية) المنظمين إلى قوات ( مالك ياقو) وإعادة تشكيل مخافر الشرطة في لواء الموصل بحيث لا يبقى مخفر يؤلف من (الأشوريين) فقط، وتم إرسال مفتش إلى معسكر(الهنيدي) لضبط البنادق التي هي في حوزة قوات (الليفي ) الآشورية وأن تكون لديهم إجازة رسمية بحملها، ونتيجة تطور الإحداث دعي (مار ايشا شمعون) بعد ذلك إلى بغداد للتفاوض مع حكومة) حكمت سليمان ( في حزيران 1933،وعندما لم يصل الطرفين الى حلول ايجابية قامت الحكومة بتصرف غير مسؤول وذلك بإلقاء القبض على البطريرك (مار ايشا شمعون) و احتجازه في بغداد بعد أن رفض أن يتخلى عن مطالبه.
وحينما علم (الأشوريين) باحتجاز البطريرك (مار ايشا شمعون) اثأر في نفوسهم مشاعر غضب عارمة فتهافتوا بالانضمام مع قوات (مالك ياقو) وبتنديد هذا التصرف، مما اضطر(مالك ياقو) إلى دخول سوريا لكي لا يتم اعتقاله هو الأخر فطلب مساعدة الفرنسيين له ولقواته، ولكن الفرنسيين نقضوا بوعودهم بعد أن وافقوا في البداية بحمايتهم رافضين السماح للأشوريين بالبقاء في سوريا وقاموا بمصادرة أسلحتهم فقرر هؤلاء العودة مجددا إلى العراق بعد أن اكتشفوا استحالة تقديم مطالبهم في سوريا فأبلغ الفرنسيون السلطات العراقية أن حوالي 800 آشوري سيعبر الحدود عائدا إلى العراق من معبر( ديربون) في) الرابع من شهر آب)، ولهذا صدرت أوامر إلى الجيش العراقي بالمرابطة على الحدود وفتح نار حال دخول (الأشوريين) إلى الأراضي العراقية- وهذا ما حدث فعلا- فحين عبروا الأشوريين نهر (الخابور) فتح الجيش نيرانه الثقيلة بكثافة وبقوة نارية هائلة و بدأت الاشتباكات تدور رحاها بين الطرفين فحدثت اشتباكات عنيفة بين الجيش العراقي المدعوم بأسلحة الثقيلة من المدفعية والطائرات الحربية، إما مقاتلين الأشوريين الذين نزحوا إلى سوريا فقد استعادوا بنادقهم من الفرنسيين وظلوا يقاتلون بالبنادق فقط، واخذوا يفتحون النار مما اضطر الجيش العراقي بالانسحاب بعد أن تكبد عدة خسائر إلى بلدة) ديربون( الحدودية، واخذ (الأشوريين) بإطلاق نار كثيف فهاجموا إحدى ثكناته في (ديربون)، غير أن الهجوم لم يسفر سوى عن احتلال أحد المخافر الحدودية الذي تم استعادته بعد أن هاجم الجيش العراقي بطائرات حربية، فعبر هؤلاء الآشوريين إلى )سوريا ) مجددا معللين سبب عدم استمرارهم في الهجوم بان الجيش قد احتمى داخل البلدات الأشورية المتاخمة للحدود العراقية السورية واتخذ من العوائل الأشورية دروعا بشرية للاحتماء بهم، وحين علم الجيش العراقي بأمر انسحاب المقاتلين إلى الأراضي (السورية)، اخذ يمشط كل القرى (الأشورية) في محيط المنطقة ويقتل ويبيد كل من يراه حيا من (الأشوريين)، وبالرغم من توقف إطلاق النار بشكل تام في) الخامس من آب ) وبعد عبور أغلبية المهاجمين الأشوريين إلى سوريا فقد حاول بعضهم العودة إلى عائلاتهم في العراق وتم القبض عليهم من قبل الجيش وإعدامهم بإطلاق النار عليهم وبإيعاز من المجرم الفريق) بكر صدقي (الذي أمر فرق من الجيش العراقي بتمشيط المنطقة بشكل تام وإعدام كل من يقبض عليهم من (الآشوريين) ودون أي تميز وشفقة ابتداء من )السابع من شهر آب)، وبالرغم من محاولة وزير الدفاع آنذاك (جلال بابان) السيطرة على القوات العراقية المتواجدة في الشمال ووقف إطلاق النار، إلا أنها كانت قد أصبحت فعليا خارجة عن سلطة الحكومة وأخذت تمارس شتى وسائل القمع والإرهاب بحق العوائل الأشورية، وقد شهدت مدن زاخو ودهوك والعمادية عمليات قتل استهدفت الآشوريين بمساعدة من السلطات المحلية، ففي دهوك تم إلقاء القبض على عوائل الأشوريين ونقلهم بشاحنات عسكرية إلى خارج المدينة حيث تمت تصفيتهم بإطلاق النار عليهم ومن ثم دهسهم بالشاحنات للتأكد من موتهم، وحدثت عمليات سلب ونهب أثناء المجازر استهدفت قرى( تخوما) الآشورية في الوقت ذاته من قبل عشائر (غلي وسندي وسليفاني) الكردية بتحريض من قائمقام زاخو فهربت النسوة والأطفال إلى مدينتي (سميل ودهوك)، كما تم نهب القرى الواقعة في أعالي الجبال من قبل أتباع الشيخ( نوري البريفكاني)، بالرغم وعود الأخير بعدم المساس بهم، وشارك كذلك بعض (اليزيديون) في أعمال النهب وخصوصا في قرى )شيخان)، كما تم نهب قرى أخرى في محيط مدينة( العمادية) وقامت الحكومة بتحريض عشائر (العربية (في الموصل فشارك هؤلاء في نهب القرى (الآشورية( وقد حثهم في ذلك الجفاف الذي أدى لنفوق أعداد كبيرة من ماشيتهم في أوائل الثلاثينات، فقاموا بالإغارة على القرى الواقعة على سفوح الجبال شمال شرق (سميل) ونهب ممتلكاتهم بالكامل، وقد اختلفت مستويات النهب من سلب محتويات البيوت والماشية في بعض القرى إلى حرق قرى بأكملها في مناطق أخرى، وبشكل عام لم تتم أي عمليات قتل أثناء النهب بل عادة ما سمح للأطفال والنساء بالهرب إلى قرى أخرى بينما سلم الرجال للجيش حيث كان يتم إعدامهم، وقد نهب خلال شهر (آب)من عام 1933 أكثر من ستون قرية، معظمها استوطنت من قبل (الأكراد) لاحقا بعد أن أفرغت من ساكنيها .
ومما يذكر في إعقاب هذه المرحلة بان أسوأ المجازر حدثت وارتكبت في بلدة) سميل( التي تبعد حوالي 12كم عن) دهوك(، ففي) السابع من شهرآب1933) والأيام التي تلت ذلك التاريخ المشؤوم، دخلت قوة عسكرية بقيادة قائمقام (زاخو) إلى البلدة وطلبت من الأهالي تسليم أسلحتهم، و أعلمهم بأن يحتموا بمخفر الشرطة وأنهم سيكونون بأمان ما دام هم متواجدون تحت (العلم العراقي) الذي كان يرفرف فوق البناية، وفي الأيام التالية شهدت البلدة وصول الآلاف من (الآشوريين) الذين نزحوا إليها بعد استهداف قراهم، بينما قامت عشائر (العربية والكردية) بالاستيلاء على القمح والشعير والأغنام بالبلدة وقطع المياه عنها، و قام سكان البلدة من (العرب) بسلب بيوت جيرانهم من (الآشوريين) بحماية الشرطة المحلية و طلب من الذين قدموا للاحتماء بمخفر الشرطة العودة إلى قراهم التي سلبت، وعندما رفضوا أمر القائمقام بمغادرة المخفر دخل احد الضابط من الجيش العراقي و برفقة جنود الفرقة المدرعة في البلدة وأمر بأن يتم فصل النساء والأطفال، قبل أن تبدأ المجزرة في البلدة، وهنا نقتطف فقرة مما روي العقيد البريطاني (ستافورد) الذي كان ملحقا عسكريا في الجيش العراقي في الموصل بما حدث:
((..استمرت المجزرة فترة من الوقت، فلم يكن هناك داع للاستعجال، فاليوم بطوله أمامهم، كما كان ضحاياهم في وضع عاجز ولم تكن هناك أي فرصة لتدخل طرف ثالث في الأمر. تم نصب الرشاشات المدفعية في شبابيك الغرف التي احتمى في داخلها الرجال، وبعد جمع أكبر عدد ممكن منهم في غرفة واحدة تم إطلاق النار حتى لم يبق أحد واقفا، وفي حالات أخرى ظهر التعطش الدموي للجنود بشكل فعال، فقاموا بسحل الرجال وإطلاق النار عليهم وضربهم حتى الموت، ومن ثم ألقي بهم في كومة الجثث المتزايدة..)).
وبعد انتهاء حملة (الإبادة الجماعية) بحق (الأشوريين) العزل من السلاح في (سميل) عادت فرق الجيش التي شاركت في المجازر إلى الموصل حيث تم استقبالها استقبال الأبطال، فتم نصب أقواس نصر في الشوارع وزينت بأعلام وشعارات تهيب و تشيد بالجيش وحضر ولي العهد) غازي) شخصيا وقام بتقليد كبار الضباط وقادة العشائر المشاركة بعمليات النهب أنواط شجاعة، ويعتبر المراقبين بان حضور ولي العهد شخصيا واستقبال الجيش المتورط بمذابح الأبرياء من الشعب (الأشوري) في شمال العراق إنما هو تأكيد بتورط الأسرة الملكية وفي مقدمتهم الملك (فيصل الأول ) بجرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبت ضد أشوريي العراق، كما إن تكرر الأمر في بغداد باستقبال الفرق العسكرية لدى عودتها بحفاوة وقام الجيش باستعراض عسكري في شوارع المدينة إلا تأكيد أخر بتلوث يد الملك وأسرته بدماء الأبرياء من الشعب (الأشوري) والذي أبيد وبما يقدر إعدادهم بنحو خمسة ألاف إنسان في منطقة (سميل)، وإضافة إلى ذلك فقد تم ترقية المجرم (بكر صدقي (وكل الذين شارك بحملة (الإبادة ضد الأشوريين) في العراق، ولنرى فيما بعد بان المجرم (بكر صدقي ) هو ذاته يعود ويتمرد على الملك حيث قاد لاحقا أول انقلاب عسكري في تاريخ العراق عام 1936 ولكنه فشل ليتم تصفيته بإطلاق نار على رأسه واردوه قتيلا على الفور وذلك في مدينة موصل في نادي ضباط السرب الأول يوم 11/8/1937).
وبالرغم من مقتل أكثر من (خمسة ألاف أشوري) خلال المجازر إلا أن أثرها الأعمق كان نفسيا، ويروي العقيد البريطاني (رونالد ستافورد ) لدى زيارته لمدينة (القوش) بعد المجزرة بأنه اندهش لرؤية الآشوريين مكسوري الروح وهم أهل الجبال المعروفين بالصلابة كما اقتنع الآلاف منهم باستحالة العيش في العراق بعد ان تم تدمير قراهم فنزحوا إلى سوريا حيث لم تمانع السلطات الفرنسية توطينهم في سوريا، فاستوطن عدة عشرات آلاف من أشوريين النازحين من العراق ضفاف نهر الخابور في محافظة (الحسكة) ملتحقين بذلك بأقرانهم من (أشوريي تركيا ) الذين استوطنوا هناك عقب نزوحهم من مذابح (سيفو( التي نفذها الأتراك العثمانيين بحقهم وبحق الأرمن عام 1915- 1918 ، وأسسوا واستوطنوا على ضفاف نهر الخابور أكثر من 30 قرية أشورية .
وإعقاب ذلك نفي البطريك ( مار ايشا شمعون) الذي كان محتجزا من قبل سلطات الملكية في بغداد منذ حزيران 1933 قسرا إلى قبرص مع أسرته، حيث نقل جوا بطائرة تابعة للقوات الجوية الملكية البريطانية إلى قبرص في 18 آب 1933، وانتقل لاحقا إلى الولايات المتحدة في عام 1940، وأدى ذلك إلى نقل مركز بطريركية كنيسة المشرق الآشورية من العراق إلى أمريكا، وفي عام 1948 اجتمع البطريك ( مار ايشا شمعون) مع ممثلي العراق وسوريا وإيران في واشنطن وخرج بنداء يدعو إتباعه إلى ((العيش كمواطنين مخلصين أينما أقاموا في الشرق الأوسط))، فتخلى بذلك عن دورة كزعيم قومي للأشوريين وترك الساحة السياسية الآشورية ليشغلها (لاتحاد العالمي الآشوري) في عام 1968، والذي اقر إن يكون يوم (السابع من أب ) يوم ((الشهيد الأشوري)) استذكارا لشهداء الأشوريين في مذابح تركيا عام 1915-1918 ومذابح العراق عام 1933 .

نهاية الملك واستبداده

.. تثبت الإحداث الدموية التي ارتكبت ضد الأشوريين بان الملك (فيصل الأول) لم يمسك العصي من منتصفه وظل التميز الطائفي العنصري يطغي على تصرفاته وفي تعييناته وقراراته لم يستطع معالجة أوضاع الدولة الداخلية سياسيا بل لجئ إلى استخدام القوة لتركيع الشعب تحت هيمنة سلطته الغاشمة، وشاء القدر الذي لم يمهله طويل ليتمتع بدنياه فتدهورت حالته الصحية نتيجة تصعيد الحملة الإعلامية الدولية وإدانة قراراته التي فتحت سجلات خطيرة في حقوق الإنسان والحريات، بكونه هو من إعلان حرب الإبادة الجماعية ضد (الأشوريين) احد مكونات الشعب العراقي، وهو يشاهد ما ألت الأوضاع في مملكته و الذي وافق ان يتول الحكم ويحكم بالعدل والإنصاف، ولكن لم يكن جدير بها فتوالى على مسمعه وهو يقرأ ويشاهد ويسمع، إلى أين تسير أوضاع مملكته ...!
فبأقل من شهر واحد عن مذابح (الأشوريين) في العراق توفي في جنيف عام 1933.
ومن هنا فان الملك (فيصل الأول) وأعوانه في الحكومة ظلوا طوال حقبة حكمه الغاشم في العراق يتعاونون مع سلطة الانتداب ويتخذون من شعار الدفاع عن امن وسلامة الوطن وحفظ استقلاله شماعة لتصعيد مواقفها وإصرارها لافتعال المذابح في (سميل) بحق (الآشوريين) لتحقيق مأرب الملك وأعوانه في السلطة للحفاظ على بقائهم في الحكم واستمرار تمتعهم بمنافع شخصية لحين ان ثار العراقيين بزعامة الرئيس (عبد الكريم قاسم) على هذه الزمر العميلة وأعلنوا ثورتهم ضد الاستبداد والعنصرية وحكم الطغاة للملكية الجائرة الذين جوعوا الشعب العراقي وقتلوا ألاف الأسر الأبرياء من مختلف مكونات الشعب وبالأخص من المكون (الأشوري) احد مكونات الشعب العراقي الذي راح ضحية سياسة الملك القمعية، وحرموا أطفالهم الرضع ونسائهم ورجالهم من حقهم في الحياة، وبما تجاوز إعدادهم عن خمسة ألاف إنسان، فما كان من الشعب العراقي الثار بزعامة الزعيم الخالد (عبد الكريم قاسم) إلا إن ينزلوا أقصى العقاب بحق الأسرة الملكية وأعوانهم بقتلهم جميعا رميا بالرصاص في قصر الرحاب، ليسدلوا الستار عن حكم هذا الأسرة التي حلت الفساد والدمار في كل مفاصل الحياة العراقية ويقبروا الملكية ويعلنوا الجمهورية ليخرج الشعب العراقي من شماله إلى جنوبه يهتفون بحياة الزعيم (عبد الكريم قاسم) الذي أنقذ العراقيين من حكم الطغاة الذين خونوا وجرموا وحرموا كل من يطالب بحقوقه القومية والدينية وكل من يقف في وجهها وتعتبره مساسا بقدسية الوطن وسيادته، بينما الاختلاس والسرقات ونهب ميزانية الدولة وتخريب اقتصاده والجرائم القتل وتشريد أبناء الشعب وتجريف أراضيهم وممتلكاتهم وتفشي سلطات الإقطاعيين واعتداء على إعراضهم لا يعتبرونه مساسا بقدسية الوطن ......!
فالذي يبني قيمه في حكم الدولة بهذا الشكل وبهذا التسويف قط لن .. ولن يستطيعوا فهم الواقع فهما صحيحا قائما على الحرية والديمقراطية والعدالة وحق التقرير المصير بما يجمع المكونات في نظام فيدرالي موحد لكيان الدولة الجامعة لتكون قادرة ومقتدرة على الحياة والاستمرارية، دون تهميش وإقصاء وشن حروب الإبادة الجماعية بحقهم، وبما تكفل لكل المكونات تمتعهم بالحرية والديمقراطية والمساواة والعدل الاجتماعي وتؤمن لكل شرائح الشعب ومكوناته الدفاع عنهم وعن حرياتهم وأمنهم والعيش الكريمة المستقرة المعززة بالأمن والأمان، ولكن حكم الملكية كان ابعد من هذا بعد الأرض عن السماء، ولهذا تم قبرهم في ثورة الشعب المجيدة في 14 تموز عام 1958 .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,821,159,030
- انا المتغير في اللامكان
- فشل الانقلاب في تركيا لا يعني نهاية للازمة التركية
- هذا هو ابن الشارع العراقي الزعيم عبد الكريم قاسم
- بريطانيا بين الخروج والأزمة الداخلية
- انفجار الكرادة، أثبتت بان العملية السياسية في العراق أعلنت م ...
- انا السماء والمد المفتوح
- بابل ستبقى بابل حضارة العراق الشامخة
- أنتِ من يسكرني وليس الخمر
- قلبي .. لا ينبض إلا بالشمس
- اللوبي ألأرمني ونجاحه نموذجا مطلوب من الأشوريين مواكبته
- هيا معي يا أيها الرجل ......!
- حوار في الذاكرة بين الفنان التشكيلي إسماعيل الشيخلي و فواد ا ...
- هل ما يعلن أمريكيا ببرنامج تسليح الأشوريين هو مجرد فرقة بالو ...
- مواقف لا تنسى مع الفنان حقي الشبلي
- هل ينتظرون تحويل المنطقة الخضراء إلى منطقة حمراء ......؟
- امرأة من فلبين
- قلبي في دمشق وعقلي في بغداد .. لنطير في كل الاتجاهات ....... ...
- سنبقى مربوطين بخارطة واحدة
- أكثر من كلام يمكن ان يقال عن تظاهرة التي أسقطت هيبة السلطة ا ...
- التعصب الديني والمذهبي والجنسي وأثاره على دور ومكانة المرأة ...


المزيد.....




- شاهد.. أردوغان يوزع الألعاب أثناء حملته الانتخابية
- تونس: توقيف منظم رحلة غرق مركب مهاجرين نحو أوروبا
- نتنياهو يبحث مع كوشنر آفاق السلام مع الفلسطينيين
- زيارة كوشنر.. هل حان إعلان -صفقة القرن-؟
- طالبان تقتل 16 شرطيا أفغانيا وتخطف مدنيين
- تعديل قانون أمريكي قد يمنع تركيا من الحصول على -إف 35-
- لاعبو منتخب مصر يؤدون الصلاة في -قلب الشيشان-
- الأسد: الحوار مع الولايات المتحدة مضيعة للوقت
- بوتين: نرحب بالحوار لحل الأزمة الكورية
- مفوض أممي يدعو الاتحاد الأوروبي إلى موقف موحد حول الهجرة


المزيد.....

- نقد مسألة التحالفات من منظور حزب العمال الشيوعى المصرى / سعيد العليمى
- العوامل المؤثرة في الرأي العام / جاسم محمد دايش
- ليون تروتسكي حول المشاكل التنظيمية / فريد زيلر
- اليسار والتغيير الاجتماعي / مصطفى مجدي الجمال
- شروط الثورة الديمقراطية بين ماركس وبن خلدون / رابح لونيسي
- القضية الكردية في الخطاب العربي / بير رستم
- النزاعات في الوطن العربي..بين الجذور الهيكلية والعجز المؤسسي / مجدى عبد الهادى
- مجلة الحرية المغربية العدد 3 / محمد الهلالي وآخرون
- مفهوم مقاطعة الإنتخابات وأبعادها / رياض السندي
- نظرية ماركس للأزمات الاقتصادية / ستيوارت إيسترلينغ


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فواد الكنجي - الملك فيصل الأول أول من كرس الطائفية في العراق ونفذ الإبادة الجماعية بحق الأشوريين عام 1933