أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد مهاجر - المشرد ..... قصة قصيرة















المزيد.....


المشرد ..... قصة قصيرة


محمد مهاجر

الحوار المتمدن-العدد: 5243 - 2016 / 8 / 3 - 03:44
المحور: الادب والفن
    


المشرد
-
كان يخطو بحذر وبطء شديدين حتى اقترب من احد المارة وحدثه. كان واضحا على هيئته انه مصمم على اكمال رسالته التى ما عبأ بها رجل ولا امرأة, ولو من باب المداهنة. ولما تاكد له ان الرجل لا يحمل اي بوادر اهتمام, توقف لبعض الوقت ثم استدار راجعا الى مكانه. وكنت حينها اخطو مسرعا لكن طريقة حديثه جعلتنى استدير راجعا اليه. ولما وصلت اخبرتى بان محطة البص خارج نطاق الخدمة واشار بيده الى المحطة البديلة. وكان يحدثنى بنفس الطريقة التى حدث بها كل الذين سبقونى. ولما اخبرته باننى اعلم بالتغيير الذى حدث, ضحك ضحكة عالية مجلجلة. ومددت يدى مصافحا فامسكها بكلتى يديه البدينتين المفلطحتين الخشنتين وعرفنى بنفسه

شعر الرجل بحيرتى فاعطانى جريدة قديمة من تلك الصحف التى توزع مجانا, فافردتها على الارض وجلست بجانبه. كان وجهه المتسخ المجعد يرسم ابتسامة ترحيب غير مفتعلة. وكان يلبس قبعة اعياد الميلاد ذات اللونين الاحمر والابيض على الرغم من اننا كنا فى منتصف نوفمبر. وقبل ان يثبت العود بين اسنانه عدل من وضع قبعته. وحمل ابريق ماء وتحرك حتى وضع ظهره على جذع شجرة دلب معمرة فاكمل عملية السواك فتمضمض ثم عاد الى مكانه

جلس بجانبى فتحدثنا كثيرا وضحكنا. واعجبتنى نكات العجوز وتعليقاته الطريفة التى كان يلقى بها على المارة وطريقة ضحكه التى كانت تظهر صفان من الاسنان النظيفة وثلاثة فتحات لانياب مفقودة. لكن الحديث توقف فجأة على اثر الحاح زميله الجالس على الكنبة الذى كان يلج فى الطلب ويكرر باستمرار
جاش , هلا اسديت لى خدمة, من فضلك؟

ولما استفحل الامر وضع جاش القبعة على الارض وانتصب واقفا وهو يظهر تململه ثم ادخل اصابعه بين ثنايا شعره الطويل الكث وجعل يحك فروة راسه. وعدل من وضع سترة ضابط الامن ذات الشريط اللاصف التى كان يرتديها طول الوقت, ثم تحرك متجها نحو صاحبه والتبرم ظاهر على وجهه. ولعل حرصه على عدم التعدى على القانون هو الذى جعله يثبت شريط قماش احمر اللون على ظهر البدلة لكى يخفى به كلمة امن. واعطاه صاحبه علبة مشروب غازى رخيص ففتحها فاعطاه اخرى فحملها الى ثم قال بصوت مرتفع

هذه هدية من بيت

ولوحت لبيت بالتحية فرد على بالمثل وظل جالسا على الكنبة ومسندا ظهره على الجدار. وعلى الرغم من حركة رجليه المستمرة فاننى قد تمكنت من التعرف على العلامة التجارية الراقية لجزمته الملطخة بالطين الغض. وعب جاش المشروب بسرعة ثم تفقد الشنط الكثيرة والاكياس والرزم المربوطة بالحبال. ولمل سالته عن حاله اخبرنى بان المقام قد طاب له فى هذه المحطة

وجلس جاش فزحزح نفسه حتى اقترب منى كثيرا ثم اعتدل فى جلسته فوجه سؤالا مباشرا الى

انت صحفى, اليس كذلك
لا
رددت عليه بحزم لكنه لم يقتنع فابتسم فاردف قائلا
كلهم يقولون هذا الكلام
وضحك ضحكة مجلجلة. لم اتفاعل مع ضحكته فصمت وبعد هنيهة اضاف
يمكن ان تجرى معى لقاء صحفيا واذا شئت انسبه الى شخص مغمور من وحى خيالك, ولا تقلق فانا لن احدث احدا بما جرى بيننا

استدرت ببطء شديد فلاحظت ان بيت كان يبدى استعدادا واضحا للتدخل ويتهيا للادلاء بدلوه فى الحديث. ونهضت فنفضت ثيابى وتحركت نحوه, وكنت فى تلك اللحظة افكر فى طريقة تمكننى من كسر حاجز الحذر والبرود بيننا. ولما اقتربت منه هاجمتنى العفونة المنبعثة من ملابسه كثيرة الدرن. وبادرنى بالحديث المرحب وثرثر كثيرا. كان يريد ان يتقمص دور الصديق الحميم. وكان من حين لاخر يسرد نكاتا بذيئة ويضحك قبل ضحك الاخرين. وحين كنت استفسر عن شئ كان يرد على بصوت عال ويواصل الضحك واحيانا يربت على كتفى. كنت ابدى تبرمى الواضح من سلوكه فانتبه لذلك فى وقت متاخر فقل حماسه. واخيرا هدأ فاشار بيده اليمنى الى صاحبه فريد. قال انه مشرد اخر انطوائى يجلس دوما على الجانب المقابل من الشارع ويتكئ على الحائط

لم يتحمس فريد ولم يرد على تلويحة بيت. واخبرنى بيت بعد ذلك انه شخص مريب. ولما لوحت له رد على التحية وابتسم لكنه ظل يراقبنا خلسة. وتدخل جاش فقال ان الرجل انعزالى لكنه طيب القلب وشهم. ورجعت الى مكانى فجلست متكا على الجدار مطرقا براسى والتزمت الصمت لكى اتمكن من استرجاع التفاصيل واعادة ترتيب افكارى

قام بيت من مكانه وتحرك بحذر ثم وضع قطع من كرتون وجلس عليها. واخرج علبة انيقة بها سيجار كوبى غليظ واعطانى واحدة ووهب جاش قطعتين. وقام الاخير بلف السيجارتين بمنديل ثم وضعهما على كيس ووضع الكيس فى شنطة. وضحك بيت وبدون مقدمات قال له
من المؤكد انك ستشربها حين يحل عيد الميلاد

صمتنا فشعر بيت بالحرج. وانتظر حتى فرع جاش من لف سجارته المصنوعة من تبغ رخيص, فاشعل له بقداحته الانيقة واصبحا يدخنان بشراهة. كانت الشمس فى تلك الاثتاء تخطو حثيثا نحو المغيب والطقس اصبح يميل الى البرودة. ولم يخفى جاش العجوز شعوره بالبرودة فاخرج زجاجة فودكا بولندية رخيصة الثمن وصب منها على كؤوس بلاستيكية صغيرة وناولنا. لم يشرب بيت كاسه بل اخرج علبة معدنية بيضاء صغيرة بها ويسكى اسكتلندى وعب منها ثلاث جرعات على التوالى. ورفع جاش كاسه واحتفلنا

كان بيت يحتسى الويسكى بسرعة كبيرة جدا ولا يتوقف الا لكى يلتقط انفاسه او ليملا العلبة من جديد او ليمضع حبات من الفول السودانى والفستق. وبعد نصف ساعة كان قد تمكن من وضع نصف لتر فى كرشه الواسعة, الامر الذى جعل ملامح السكر تبدو واضحة على وجهه واصبح كثير الثرثرة. وعند الضحك كان يضحك بصوت عال الذبذبة مظهرا اسنانه المتسخة ولسانه المستطيل المدبب. وكان لسانه السميك الاحرش يتحرك مثل سمكة تحاول السباحة عكس التيار. وبعد نصف ساعة اصبح حديثه متقطعا واصبحت عباراته تخرج بصعوبة وبطء شديدين. ولما انتبه جاش لحال رفيقه اخذ منه هاتفه الجوال وادار اغنية من موسيقى البوب الراقصة

وقف بيت بصعوبة وارتجل رقصة غريبة. فى تلك الاثتاء جاءت مجموعة تتكون من ثلاثة فتيات وشاب يشبههن فى هندامه ومشيته وطريقة حديثه. وكان الشاب يرتدى بنطالا نسائيا ضيقا من الساتان الابيض ويلبس قميصا وردى اللون. وكان يضع اكسسوارات نسائية ومكياجا يشبه مكياج رفيقانه وعطرا فواحا. والقت المجموعة التحية ثم شاركتنا الرقص. وقف جاش واقترب منهم فعانق الفتيات الواحدة تلو الاخرى ثم مد قبضة يده الى الشاب الذى قابله بالمثل. وبعد الانتهاء قدم الينا جاش افراد المجموعة واشار الى انيتا التى كانت كانت تضع اكليلا من الزهور على راسها ودعانا الى تهنئتها بعيد ميلادها. و كانت الفتاة تلبس فستانا حليبى اللون به زركشات ذهبية وتحمل بالونا ابيض اللون كتب عليه اسمها بحروف حمراء كبيرة لماعة. وقمت بمصافحة انيتا الفتاة الرشيقة متوسطة القامة وطاغية الجاذبية ثم قمت بمصافحة الثلاثة اجمعين. ولما جاء دور بيت لاحظت انه رفض ان يصافح الشاب الذى تقدم نحوه متحمسا

اخرجت احدى الفتيات كيسا به بسكويت وشيكولاتة ومكسرات وفرقتها على الجميع ثم فتحت زجاجة شمبانيا كبيرة. شربنا وادرنا جهاز الموسيقى من جديد وابتهجنا وهنأنا انيتا وقد حدثتنى فيما بعد بان تلك لم تك الا فقرة صغيرة من ليلة عيد ميلادها, وان المراسم ستتواصل فى مطعم ثم تختتم فى صالة ديسكو. وانضم الينا المشرد المريب فريد ورقص بحماس وصفق كثيرا وصرخ. وكان يحمل كرتونة صغيرة بها سندويشات جبنة فقام بتوزيعها على الجميع وحين قربت السندويتش من فمى شعرت بانه غير طازج وشاذ الرائحة فوضعته جانبا

جذب الرقص والموسيقى والصياح عددا كبيرا من السياح معظمهم اسيويين فصنعوا دائرة كبيرة. وكنا نصفق ونتمايل ونرقص مع بعض. وكان جاش يتوقف بين الحين والاخرين ويذهب الى السياح ليخبرهم بان المحطة قد الغيت. وبرغم الحاحه فانه لم يجد من يعير حديثه اهتماما يذكر. ولما شعر بالانهاك جلس فاخرج جيتارا من شنطة قديمة وعزف وغنى اغنية كلاسيكية. اوقفتا الجهاز وغنينا معه. ولم يستطع بيت ان يخفى تبرمه. ولما كثر الحاحه لبى طلبه فاديرت موسيقى البوب من جديد. ومن جديد اصبح الجو راقصا ومجنونا. وقام بعض السياح بمشاركتنا الرقص. واصبحت البنات يرقصهن مع جاش ويمسك كل بيد جاره. وطلبوا منا الانضمام الى مجموعتهم فاستجبنا. وشكلنا دائرة صغيرة مغلقة ترقص وتغنى وتصفق. وكان بيت يتجنب باستمرار مسك يد الشاب. وانضم فريق من السياح الى الدائرة لكن احدهم ولج الى داخل الدائرة واصبح يرتجل رقصا غريبا. وبرغم الغرابة فقد اعجبنا رقصه وصفقنا له كثيرا. وحين ظهرت عليه علامات التعب قدمت انيتا اقتراحا بان يكون الرقص على شكل منافسه فغير اقتراحها مجرى الامور

كان الاقتراح هو ان تبدا المنافسة فى الوقت الذى يقبل احدنا بلبس التاج فيختار رفيقا له فيدخلان الى وسط الدائرة ثم يرقصان الى ان يقتنع الجميع باجادتهما للرقص وفى ذلك الحين تعطى الفرصة لمنافس اخر, والفائز هو الاكثر ارتداء للتاج. وبدات المنافسة بصديق الفتيات ورفيقة له وعلى الرغم من صعوبة المهمة الا انهما نجحا فى اقناع الجميع فسمح لهما بافساح المجال لاخرين. وتبادلنا الادوار. وكان الشاب المتانق مقنعا فى الرقص وذو خفة ومهارة عالية خاصة بعد خلعه للحذاء ذى الكعب العالى الذى كان يضايقه. وفى المرة الوحيدة التى اقترب فيها الشاب من بيت, قفز الاخير مبتعدا عنه ثم رفع قبضة يده مهددا. ولما ظهر التعب عليها اوقفت انيتا الموسيقى وهمت المجموعة بالمغادرة

لما غادرت المجموعة تضجر بيت وظل محتارا جالسا على الكنبة لا يفعل اى شئ سوى شرب الويسكى. ومع مرور الوقت اصبح يشرب بشراهة مخيفة. ولما اقترب منه بعض السياح الاسيويين وجد ضالته واصبح يسرد لهم حكايات مليئة بالترهات والاكاذيب. وكان يحكى ويضحك باستمرار فتهيأ له ان الناس اصبحوا يجارونه فى الضحك لانهم اعجبوا بنوادره وحديثه المجاوز لحدود الادب والموغل فى التهتك

الضحك لا يلتزم بقانون محدد فاحيانا يبدا القوم من نكتة ما ويزيدون عليها اخر فتنتشر العدوى بسرعة وتعم المكان وقد يصل الامر الى حالة تشبه الوباء. وفى بعض الاحيان لا يكترث الناس للمبادئ والقيم. وفى حالة بيت اعتبره السياح مهرجا فمدحوه واوعبوا فى اطراءه فاعتقد الرجل ان له موهبة كوميدية فطرية فاصبح يرتجل النكات السمجة و يقهقه بصوت عالى واحيانا يسلك سلوكا غريبا ونثيرا للقلق. واصبح يحيى جمهورة عن طريق تلامس قبضة اليد. وسرت عدوى التلامس كما تسرى الحمى فى الجسد. وبعد حين شعرت بالملل فاقتربت من جاش فوجدت عنده نفس المشاعر. ولما شعر بيت بتناقص الاهتمام به تحرك بجسم متثاقل وجلس بالقرب من جاش

حاول جاش الابتعاد عن بيت لكنه وجد نفسه محاصرا فى اقصى ركن المحطة. وكان يحاول ابعاد الابخرة شديدة العفونة التى كانت تخرج من فم صاحبه. كان بيت يريد اشراك جاش فى امر ما لكنه عدل عن الامر فتراجع قليلا ثم اعتدل فى جلسته وظل يراقب الجميع وهو صامت. وبلا مقدمات سالته عما يدور فى رأسه. ابتسم فعدل من وضع قميصه وحرك قدميه فاعتدل فى جلسته ثم قال بصوت واضح تبدو عليه الثقة المفتعلة

ساحكى لك قصة حدثت لى فى مكان قريب من بيتنا. اعتدت ان اذهب الى ذلك المكان لاشاهد تمارين التدريب على التحليق بالمنطاد. وفى عصر احد الايام عمدت الى مخالفة القوانين والقفز فوق الحاجز ثم ركضت بسرعة حتى وصلت الى مدخل المنطاد. كان الناس فى تلك اللحظة على وشك الانطلاق. واخبرونى بالا مجال للدخول البتة لكنى عاندت وقفزت الى سطح المنطاد. وكان السطح املسا شديد الملوسة فتدحرجت بسرعه لكنى وجدت قضيبا حديديا بارزا فتشبثت به. ولما لاحظ الركاب لوجودى اعطونى حبلا لكى اربط به نفسى. وقالوا لى انهم ذاهبين الى مكان بعيد. ولما ابتعدوا نظرت الى المزارع البعيدة وسفوح الجبال من تحتى فازداد قلقى. وفى لحظة ما ابصرت عربات شرطة تقف على طريق المرور السريع. لم افكر كثيرا فتخلصت بسرعة من الحبل وهبطت الى الارض فى نفس المكان الذى كانوا يقف عليه رجال الشرطة. حدث ذلك بعيد غروب الشمس. واعطانى الرجال قهوة وسندويتشات وجاتوه. وحين انتهوا من عمليه تفتيش السيارات وفحص الاوراق حملونى الى اقرب محطة بص

انفجر جاش بالضحك. فعل ذلك مباشرة بعد سماعة لكلمة بص. وكانت ضحكته عالية جدا سمعها كل المارة. كان يضحك وجسمه يهتز كله وكان احيانا كان يرفس برجليه ويضرب بكعبيه على الارض. فى البدء كنت مندهشا فاكتفيت بالتبسم ولما اكثر العجوز من الضحك ضحكت معه ثم قهقهت كثيرا. ومن جديد انتشرت العدوى. كان بيت يضحك معنا لكنه يعود للهدوء وينتظر لكى يكرر جزء من عباراته. واخيرا اصبنا بما يشبه الهستيريا وشعر بيت بان انتظاره سيدوم طويلا فصاح ليبلغنا بان قصته حقيقية ثم اقسم على ذلك. وضحك جاش مرة اخرى لكننى شعرت بالحرج فجذبته من يده فنهضنا وابتعدنا من المكان

حين عدنا اخبرنا بيت انه لم يك ثملا على الاطلاق. وزاد على ذلك بانه لا يخاف من الشرطة وليس لديه ما يخبئه عنهم. وحدثنا عن اهله الذين ادعى انهم يضطهدونه لانه طالب بالاجر المناسب نظير الخدمات التى يقدمها لوالده رجل الاعمال الكبير. وحسب افادته فانه لم يكمل تعليمه الثانوى لكنه كان عبقريا استفادت من افكاره شركة الاسرة واستخدمت خططه فازدادت ارباحها. كذلك ادعى بانه خبير مميز فى العلاقات العامة والتسويق. وعلى العكس من الرجلين اظهرت اهتماما بحديثه. هذا شجعه على ان يمسك بيدى ويجذبنى لكى نبتعد عن رفيقيه. واقترب منى كثيرا واخبرنى بوضوح انه ينوى الانتقام من اسرته وانه سيعطينى كل الوثائق اللازمة والصور الخاصة وصورة من بطاقة هويته وموافقة مكتوبة بخط يده وممهورة بتوقيعه. واكدت له من جديد اننى لست صحفيا وليس لدى اى نية لمساعدته. وحين يئس منى سال عن مدى تاثير شبكات التواصل الاجتماعى وعن كيفية استخدامها

سادت فترة صمت نهض بيت بعدها واعتدل فى وقفته. كانت تبدو عليه ملامح الضجر والاحباط. وتحرك مبتعدا فقطع مسافة عشرون مترا ثم وقف لكى يتبول. كان مصرا ان يقوم بفعلته فى مكان مزدحم بالمارة. والواضح ان من يلاحظه سوف لن يبذل مجهودا كبيرا حتى يهتدى الى ان هذا الرجل شخص مستهتر غاية الاستهتار ولا يهتم بمبدا ولا قانون ولا عرف ولا تهمه الغرامة التى غالبا ما تفرضها الشرطة فى هذه الحالات. والناس يعرفون ان الحذر واجب مهما كانت الضغوط الطبيعية. وحين عاد بيت وجلس على الكنبة حدجه جاش بنظرة تحمل فى طياتها الاستنكار الشديد والامتعاض الشديد ثم قال

على اية حال ستجد لك عندهم سقفا يأويك. لكن اعلم ان الشرطة اصبحت ذكية جدا فهى لاترسل الى السجون سوى المجرمين الكبار. وجل ما يفعلون معك هو انهم سيفرغون جيوبك من النقود او يلزمونك بأداء خدمة اجتماعية. واذا عصيتهم فانهم سيضروبنك على اليتك

وحين اكمل حديثه انتظر لثوان معدودات ثم قهقه عاليا جدا. واصبح الجو متوترا لكن بيت لم يستسلم لصاحبه فاردف قائلا

ساخبر الصحافة وجمعيات حقوق الانسان. كل انسان فى هذا القطر له كامل الحقوق
ما عدا حقوق التبول فى الشارع العام. قلت لك انهم سيضربونك اذا نفذ صبرهم

ولم يشأ ان يستمر فى مجادلة جاش فاثر ان يتكئ على الجدار ففغر فمه واسعا ثم تمطى وتجشأ. كان نفسه حارا ونتنا جدا. وفى تلك الاثناء ذهب جاش فى اتجاه فريد فلحقت به فوجدته يوشوش له فى اذنه بحديث ما. وبدوره همس فريد فى اذن صاحبه الذى كان يستمع اليه باهتمام ويمسح ضفائر لحيته الطويلة والتى كان يربط اواخرها بسلاسل حديدية رفيعة

جاءت مسيرة صغيرة لجماعة دينية هندية. وكان يرافق المسيرة نفر من رجال الشرطة بهدف حفظ النظام والامن وتسهيل الحركة. وكانت الفرقة تحمل صورة كبيرة لزعيمها وشعارات تحث على الدخول فى دعوتها وكانت تعزف موسيقى راقصة ويضرب الرجال والنساء على الطبول ضربا قويا ويرقصون ويغنون. والتف حولهم السياح واصبح بعضهم يرقص على انغام الموسيقى ويهتف ويصفق. وذهبنا نحن الثلاثة اليهم وبعد لحظات انضم الينا بيت ثم انسل حتى اتخذ له موقعا داخل المسيرة. وكان يرقص بصورة هستيرية. وبعد دقائق قليلة اصبح يخلع ملابسه القطعة تلو الاخرى ولم يتبق له سوى السروال الداخلى ثم اصبح يرقص رقصا ماجنا. واشتد حماسه لما صفق له الجمهور وشجعه بعضهم

حاولت الفرقة ان تتفادى الرجل حتى تتمكن من مواصلة مسيرتها لكنه اصبح عائقا امامها خاصة بعد تزايد عدد المشاهدين. ولما اشتد الصخب والتصفير والتصفيق والصياح ذهب الى احد المتفرجات وانتزع منها شالها وربطه على وسطه واصبح يرقص رقصا اشد مجونا من ذى قبل. وحين صفق له بعض الناس وشجعوه وضع الشال بين فخذيه واصبح يتهتك. وتمادى فى غيه واعلن انه سيفعل بصورة زعيم الفرقة مثل ما فعل بالشال ثم توجه مباشرة نحو حامل الصورة. وتمكن الناس من ايقافه وصده لكنه عاد الى المحاولة من جديد. وفى كل مرة كان يصبح اكثر عنفا واشد مقاومة. واتضح للناس ان اخراجه من الساحة اصبح واجبا ملحا لكنهم كانوا يخشون العواقب القانونية. واخيرا اوقفته الشرطة ودفعته الى العربة. وحين تم زجه فى داخل العربة اصبح يتاوه ويصرخ بصوت عال ويستنجد بالاخرين. وحين اقتربت من المكان طلب منى ان اوثق للموقف بالكاميرا

اقتربت من جاش بعد تحرك الشرطة وسالته عن رايه فى الذى حدث. امسك بضفائر لحيته بيده اليسرى ثم اشار بالاخرى فى اتجاه عربة الشرطة وقال

جاسوس قذر, كنت اظن انه اكثر شجاعة. انه مجرد دعى رعديد

كان وجهه متوترا وعيناه ملتهبتان من فرط الغضب. وبعد لحظات قال

هل لديك سجارة
انا لا ادخن
وكذلك لا تسكر! كيف تستمتع بحياتك ايها الشاب؟

اطرقت مليا افكر وكذلك فعل جاش وفريد

غريب امر المشرد بيت. اراد ان يظهر تطرفه فى السلوك السمج والعجرفة وتحدى القوانين حتى يلفت اليه الانظار. لكن الناس لم يهتموا بحبه للشهرة ولم يتحرى معظمهم عن افكاره ورغباته الحقيقية. واستأسد لكنه وقع فى يد الشرطة فجعل يصرخ كالذئب. وخلع ملابسه فى مكان عام فاشمأز منع الناس. ولو كان المقام مختلفا والمتعرى شخص اخر لاستحسنت النساء ذلك على الارجح. الناس عاده يشد انتباههم الجسم العاري ولو كان المجسم تمثالا بلا حياة. لكن فى حالته نفر منه الناس وفروا كما يفر السليم من الاجرب. والذين صمدوا وتصدوا له, فعلوا ذلك لانهم كانوا يريدون حماية الفرقة الدينية منه

فى بداية لقائى بالمشرد قال لى انه ترك فى البيت بدلته المرصعة بالذهب وقال غير ذلك الكثير. استمعت له لكنى تجاهلت الكثير. والملابس التى كان يرتديها سميكة وساترة لكنها ملطخة بالطين وتئن من فرط العفونة. واحيانا لا يملك الناس خيارات كثيرة فيلبسون ما تجود به الايام وهم راضين بحالهم قانعين. وفى حالة بيت فانه كان عاريا قبل ان يتعرى. عاريا ولا شيئ جذاب فى جسمه ولا اثارة يشعر بها الاسوياء. كل الناس رفضوه, البنات المحتفلات بعيد الميلاد وصديقهن والسياح وكل من كان يمر بذلك المكان

اقترب منى جاش من جديد. لم يلاحظ انشغال ذهنى او ربما كان هو الاخر مشغول البال. وبدون مقدمات قال

هو ليس قبيحا لكنه منفر الى ابعد الحدود

كلت لنفسى
كان يريد ان ينتقم لنفسه وهو الظالم لها. وبغض النظر عن دوافعه فان العدالة ليست فى الانتقام. العدالة تكمن فى تسوية ميزان الحق حتى لا يميل الى احد الطرفين . ومهما ادعى فلن استطيع ولا يستطيع غيرى ان يؤكد بان اهله لم يحسنوا معاملته

فجأة ظهر بيت امامى وقطع حبل افكارى من جديد. سالته عن سبب عدم ابقاءه فى مخفر الشرطة فقال

وجدوا فى جيبى بطاقة الائتمان

وكانت ملامح خيبة الامل بادية على وجهه ومدللة على انه ضيع اخر فرصة للتشهير باسرته

بعد سنوات من تلك الامسية النادرة علمت ان بيت قد رجع الى بيت اهله. وقد تكون التجربة ساعدته على فهم الاشياء بصورة صحيحة حتى يعتبر. وهو كان يعلم سلفا ان اسرته اسرة مسيحية محافظة. وعلى الرغم من محافظتها فانها تترك لافرادها هامش حريات كبير لكن لكل شيئ حدود. وفى كل الاحوال فان مهمة بيت ستكون صعبة للغاية لان تلك الاسرة لن تتسامح مع شخص يقدم على زنى المحارم





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,422,651,140
- هل ستؤدى المفاوضات الى سلام دائم فى السودان؟
- فى السودان يخلى سبيل سارق الملايين وتجلد من تلبس البنطال
- رئيس افريقيا .... قصة قصيرة
- صباحي ..... قصة قصيرة
- ميت ....... قصة قصيرة
- التغيير ...... ... قصة قصيرة
- سلحفاة ... قصة قصيرة
- إجراءات جديدة للتضييق على الاقليات في السودان
- وعل وبجعة
- كشف القناع .... قصة قصيرة
- حروبات القبائل ..... مأساة أخرى للحرب الأهلية في السودان
- شهاب ..... قصة قصيرة
- ليس لدى البشير ما يفتخر به
- لمياء .... قصة قصيرة
- صداقة ..... قصة قصيرة
- لا إنتخابات ولا تفاوض يقوي النظام
- أم أيمن ... قصة قصيرة
- بعض مشاكل تطبيق البنائية
- كرسى
- ارهاب من يحارب الفساد


المزيد.....




- العثماني ووفد وزاري هام يحل بالداخلة الجمعة .. وهذا برنامج ا ...
- شاهد: كميات كبيرة من القمح في تونس لا تجد مكانا يحفظها
- فنان مصري مشهور يتعرض لانتقادات لاذعة بسبب إحراجه معجبا أمام ...
- شاهد: كميات كبيرة من القمح في تونس لا تجد مكانا يحفظها
- مهرجان جدة: بعد انسحاب نيكي ميناج، جانيت جاكسون تحل مكانها
- مصر.. وفاة أحد أفراد مسلسل -عائلة ونيس- الشهير
- غسّان مسعود: كل ما قدّمته من أفلام لم يخفني كما أخافني -الاع ...
- كليب جديد لمحمد رمضان وسعد لمجرد يتخطى حاجز المليون في ساعات ...
- غسّان مسعود: كل ما قدّمته من أفلام لم يخفني كما أخافني -الاع ...
- الروائية البريطانية جين أوستن


المزيد.....

- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- متر الوطن بكام ؟ سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كرباج ورا سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر 1 سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كانت وعاشت مصر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد مهاجر - المشرد ..... قصة قصيرة