أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فؤاده العراقيه - لحظات ما قبل الاحتضار















المزيد.....

لحظات ما قبل الاحتضار


فؤاده العراقيه
الحوار المتمدن-العدد: 5242 - 2016 / 8 / 2 - 23:43
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


كانت هي دقائقٌ معدودات تحولت تدريجيا الى لحظات, لكنها ليست كبقية اللحظات حيث لم يكن يتوقع بأن الموت سيباغته في غفلة من امره ,دقائق مرّت عليه مسرعة وبطيئة في آن واحد, تلك الدقائق ما قبل نهايته حملت له الكثير من المفاجئات , ومن ثم كانت لحظات احتضاره تعادل سنوات عمره جميعها بل كانت تعادل دهرا كاملا .
هو لم يكن مستعداً للموت حيث كشّر له عن انيابه من دون اي استئذان وفجأة قبض عليه بقوة وبات يلاحقه اينما هرب .
مرت برأسه تساؤلات كثيرة في طريق هروبه من الموت دون ان يصدّق ما يحدث له ودون أن يصدّق بأن نهايته باتت حتمية ,وبكل ما أوتي من قوة كان يحاول ان يبتعد او يجد منفذا للهروب .
سأل نفسه هل يُعقل أنها ستكون النهاية وهنا سأختفي من هذه الحياة وإلى الأبد ؟
تسارعت افكاره وتشعبت وأول ما تبادر الى ذهنه صورة والدته وما ستعانيه من آلام بعد ان تعرف مصيره بعد دقائق من الآن وكيف ستقول للمعزّين لها بأنه قد ذهب شهيدا وستحاول ان تخفف من قهرها بفكرة ان مثواه سيكون الجنة وستزول ذنوبه لكونه مات حريقا .
فكّر سريعا بمدى صحة هذه الأقوال ويا ويله لو كانت خاطئة , وأن كانت صحيحة فما المغزى من احتراقه وهو حياً , واستعداداً لمواجهة الله لم يبقى له الآن سوى الامل بالجنة التي سمع عنها وليطمئن قلبه بدخولها بعد أن ذاق الجحيم لأول مرّة وارتعب لاحتمالية ان يكون مصيره الأبدي هو النار , لكن النار من حوله الآن مشتعلة, فهل بُعقل بأنها ستكون له مصيرا ثانيةً ؟
تلفت يمينا وشمالا ومن حوله تدور النار وفي رأسه تدور الاسئلة ليستوعب ما يحدث الآن وكل تفكيره منصب حول نهايته وكيف أخذته الدنيا هكذا في غفلة من امره ؟
افكار وأفكار تزاحمت في رأسه وكأنها دهورا لا تتناسب مع تلك اللحظات حيث بدأ يختنق ويسأل نفسه كم ستطول به هذه الدقائق بعد أن بدأت تتقلص الى لحظات ,لحظات رهيبة بما تحمل الكلمة من معنى لم يشهد مثلها من قبل, يحاول للخلاص جاهدا ولكن هيهات له منه .
لا نهاية مثل نهاية الحياة عندما تباغت صاحبها, فكم سيبقى له من اللحظات قبل ان تنتهي وينتهي معها ,وكيف ستكون آخر لحظاته فلم يبقى له سوى تلك اللحظات الثمينة وبات فكره مشدودا حولها , فكّر بمصيره المؤلم وكيف هو سيودع الحياة بعد لحظات دون ان يتسنى له من عمل اي شيء بها ,ودون ان يتسنى له من وداع اصدقائه وأهله , سينتهي كل شيء بعد لحظات .
نظر هنا وهناك وهو يتخبط بين الاختناق والسنة النار الملتهبة وفتح عيونه ليشهد آخر لحظاته ونهايته بعيون مفتوحة ,هناك في زاوية من الزوايا رأى خيال صديقه محاطا بألسنة النار وكثافة الدخان تعيقه عن رؤية ملامحه لكنه سمع صراخ لم يسمع مثله من قبل يختلط مع صرخاته وصرخات الآخرين تأتيه من كل حدبٍ وصوب وفي امكنة اخرى هناك انينٌ موجع , يصرخ الصديق ويحاول جاهدا الخلاص كغيره ولكن هيهات له من الخلاص وسرعان ما تحول صراخه الى انين موجع قبل ان يسقط .
رأى بأم عينيه كيف يأخذ الموت ارواح من حوله واحدا اثر واحدا دون اي استئذان , توحّدوا وعرفوا اخطائهم ولكن بعد فوات الاوان , فكر رغم خوفه ورغم آلامه بهذه المتعة , متعة ان يتوحد الناس بالشعور وبالتفكير السريع وبكيفية الخلاص من شبح الموت,دقائق جعلتهم يفكرون بأهمية الحياة ويسألون عن الكيفية التي بها صارت ارواحهم رخيصة هكذا وستؤخذ منهم بلا سبب بعد أن وحّدها الموت وسوف لن يلحقوا على ان يجيبوا على تلك التساؤلات وسوف لن تدوم وحدتهم طويلا وسيأخذ منهم الموت تلك الفكرة التي وحدتهم وكل شيء سيأخذه منهم بسرعة فحياتهم كانت مزيفة , لن يتمكنوا بها من التفكير كما تمكنوا الآن , الموت جعلهم يفكرون اعمق من ما كانوا يفكرون به في حياتهم , ففكر .. كيف سأوصل افكاري لمن هم يعيشون الوهم بالخارج , وهل لا بد لهم من ان يدفعوا حياتهم ثمناً لهذه المعرفة كما سأدفعها أنا الآن ؟
صورٌ كثيرة مرّت عليه مسرعة شعر من خلالها كيف توحّد الجميع بمواجهة الموت ,وكيف وحّدتهم الآلام دون اي ذكر للطائفة وللجنس وللمذهب والخ ...من هذه المسميات التافهة والتي اوصلتهم لهذا المصير المشئوم , شاهد كيف حاول البعض منهم في ان يخلّص البعض الآخر وبكل ما اوتوا من قوة ولا يدري من اين جاءوا بمثل هذه القوة ,لم يسأل احدهم عن طائفة الآخر قبل ان يحاول خلاصه فللموت رهبة تضمحل امامها كل الفروقات, ما اجمل شعور القوة والوحدة التي لمسها بهم , ولكن للأسف سوف لن يدوم هذا الشعور وسينهي كل شيء بعد لحظات وسينساهم البقية في غمرة مشاكلهم وسيتكرر نفس المنوال .
من سيقول لهم بأن الموت قبيح ولكن الأقبح منه هو بأنكم تعيشون الحياة وأنتم أموات , بل إنكم أتعس من الأموات , فالأموات لا تشعر بالألم كما انتم تشعرون .
دام تفكيره هذا لدقائق , دقائق فقط عرف من خلالها ولأول مرّة مدى قيمة الحياة وكيف تكون غنية عندما تتحرك الأحداث بها سريعا ,وكيف يجهل الناس الكثير بها ,وكم تكلّفهم المعرفة الكثير وأحيانا تجعلهم يدفعون حياتهم ثمنا لتلك المعرفة ولكي يتوصلوا إلى معلومة بسيطة عليهم ان يدفعوا حياتهم ثمنا لها بالوقت الذي به يتوصل غيرنا لها بكل سهولة , دار تفكيره سريعا والسؤال في رأسه حول النهاية لا يكف عن الدوران ولا شيء سوى فكرة النهاية يحملها في رأسه وتدور هي بين اسوار وليس سور .
هل حقا سأنتهي هنا في هذا المكان وتنتهي معي آلامي وجميع احلامي وطموحاتي,
دارت الأفكار في رأسه وتسارعت وتزاحمت وتداخلت واللحظات صارت سنوات وأفكاره لم تعد تتناسب مع تلك اللحظات , تشوش فكره ومن ثم انقطع الزمن لديه ولم يعد قادرا على التفكير فتوقفت تلك الأفكار الى الأبد.

لم يبقى من جسده المحترق سوى قطعة صغيرة عثروا عليها بعد أيام معدودات من تلك الحادثة التي وقعت في بغداد /الكرادة , وبالرغم من مرور ما يقارب الشهر على ذلك التفجير اخبرتني صديقة لي بأنهم قد عثروا على قطعة من جسده المتفحم ,وبواسطة تحليل ال DNA لهذه القطعة التي انتشلوها مع مجموعة من القطع المتفحمة والمتكدسة فوق بعضها البعض, من نساء ورجال وشباب وأطفال , تبيّن من التحليل بأن الشخص المعنى موجود مع تلك ألأجساد, هذه القطعة كانت عزاء لهم بها اطمئنوا وسكنت نفوسهم لكونهم سيضعونها بصندوق وستُكرّم بدفنها لتكون شاهدا له وقبرا ترتاح فيه روحه ,وبدورهم سيرتاحون لراحته!!.
يحاولون بأفعالهم تلك ان يتجاوزوا صفعة الموت فيصفعون وجوههم بشدة ليتناسوا صدمته وألمه ,وبالرغم من ان الموت هو اسوء الامور التي تمر على الإنسان ولكن احيانا يحدث الأسوأ منه وهو عندما يموت إنسان دون أن يعثروا على قطعة من جسده , رغم انه مجرد جسدا سيأكله الدود .
فاحترت كيف بجوابي عليها , فهل عليّ أن أكرر عزائي لها لكون الأمل قد انقطع في إنه لا يزال حياً ؟
أم عليّ أن ابارك لها عثورهم على تلك القطعة المتفحمة من جسده ؟
فسألتها ما أقول .. أجابتني فورا والجواب جاهز لديها في مثل هذه الحالات بان ادعو لهم الله في ان يعينهم على بلواهم ويعطيهم الصبر !!.
فكرت بيني وبين نفسي, لو كان الله يريد عونهم فهل سيستمع لدعائي ويلتفت لهم , أم انها مجرد جملة من الكثير من الجمل التي اعتادوا على قولها وسماعها ليتناسوا بها آلامهم ويحتملون حياتهم ويكررون نفس منوالهم دون أي جديد ؟
ولكن هيهات لتلك الآلام في ان تخف بخداع الذات.
ثم ماذا بعد صبرهم ؟ وكيف لم يتوقفوا ليتساءلوا عن الخراب الذي هو صار في ازدياد بالرغم من انهم قضوا اعمارهم بالتمني وبالدعاء ؟
هل ستفهم لو قلت لها بأن الله قد تركهم وغادر ارضهم منذ ما يزيد عن اربعة عشرة قرن , اربعة عشرة قرن زمن لا يُستهان به انتهى بسكونهم بل برجوعهم المستمر لكون الزمن يتقدم وهم ساكنون على القديم فيكونوا في حالة رجوع والعالم من حولهم يتقدم .
كيف ستفهم بانعدام وجود أي مبرر على هذه الكوارث التي نعيشها سوى أن الله غادر اراضينا وذهب للشعوب التي عرفت قيمة الإنسان ومعنى الإنسانية ؟ .
الله قد تركنا في اقتتال مستمر ونحن عجزنا عن استيعاب هذه الحقيقة , قرون كانت كفيلة بمراجعة الأحداث والتاريخ الاسود لنستنبط منها الكثير من العبر لكننا غفلنا عنها ؟
تلك الشعوب التي عرفت قيمة الإنسان والحياة تستحق الحياة لأنها جاهدت وتعبت ولن تستكين للدعاء فقط .
كيف لم يتبادر الى ذهنها سؤال ,أو هي عدة اسئلة كان من المفترض بها وبهم ان يسألوا عنها , ولكني اراعي غبائهم وقلة حيلتهم واقتصر اسئلتي بسؤال واحد فقط وهو, ما السبب في موت هؤلاء الذين ماتوا ابشع الميتات ؟؟؟؟
عدة علامات من الاستفهام اضعها على هذا السؤال .
أما موت الأطفال فهذا بمفرده حكاية تستحق التأمل , أن يُحرق طفل برئ دون أي ذنب موقف يستحق الوقوف واللطم على العقول لا على الخدود , لكنهم استمرا في اللطم على الخدود وتركوا العقول غافية لا تسأل , لماذا ؟
اسئلة بديهية لأي إنسان عاقل قبل ان ينال قسطه من أفكار حُشرت في رأسه من قبل انظمة استحوذت على عقله وصيرته لمجرد آلة تعمل دون أي تفكير, ترى بعينها المصائب لكنها لا تراها لكونها قد تعوّدت عليها , تستمع للصحيح من الأقوال لكن آذانها اصابها الصمم من كثرة التكرار, يعترض طريقها الموت فتتنحى عنه جانبا دون ان تمتلك القدرة على التأمل , شعوب صارت مغلوب على امرها تعطلت عقولها وعجزت عن التفكير وتعوّدت على هذا القالب الذي أُعد لها , والعادة تصبح طبع من الصعوبة التخلي عنه, يتركون السؤال وتشغلهم قطعة من لحم متعفن لتكون شاغلهم الوحيد ليأخذوها في صندوق خشبي ويقطعون بها عدة كيلومترات لتُدفن في مقبرة بعيدة ,اعتبروها مقدسة ,لترتاح روحه هناك ويمر الحدث مرور الكرام ويُنسى بخضم كوارث جديدة .
لم يخطر ببال أحدهم كيف تلقّى هذا الشاب موته وكيف كان يفكر وعن ماهية الصور التي رآها قبل موته وكيف كان يحاول الهرب من الجحيم الذي عاش به في حياته وفي مماته معا .
هناك العديد من الأحداث اليومية والمشحونة بأنواع المرارة وهناك تمر علينا مرور الكرام بالرغم من انها كان من الممكن ان تصفع وبشدة تلك المنظومة الفكرية الجامدة التي صارت لنا منهج حياتي لا يمكن الخوض به لكوننا اعتقدنا بأنها مطلقة بصحتها .

ودمتم بوعيكم سالمين





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- رؤوسهم بلا عقول
- استحلفكم بالله
- هل هي جانية ام مجني عليها ؟
- إلى جميع المحجبات
- إلى اشباه الرجال
- وزارة التربية تبيح حرق النساء , ووزارة الثقافة تبيح ضربهنّ
- إرادة الموت
- عيد الام وسجن الأمومة , وعبودية المرأة العربية
- عيدنا حزين
- هل تضاهي خسارتنا أي خسارة ؟
- خرجت دون ان ترتدي حجابها
- لا أرغب بجنة موعودة
- ارفعي رأسك عالياً .. فأنتِ مجني عليها ولستِ جانية
- ولا زالوا يسألون عن حرية المرأة وما تكون !!
- صديقتي المؤمنة
- لماذا لا يرتدي الرجل الحجاب؟
- تعدّد الزوجات وفوبيا العلمانيين منها
- الخروج عن المألوف
- امرأة ضد النساء
- قانون الجعفري هو امتداد لداعش


المزيد.....




- ممثلون مسلمون وفلسطينيون يدينون الاعتداءات على يهود السويد
- السعودية.. دعوة للاستعانة بالنساء في الإفتاء!
- الجعفري والعثيمين يبحثان تحضيرات القمة الإسلامية
- المرجعيات الدينية بالقدس: لن نسمح بتمرير قرار ترمب
- البشير يرأس وفد السودان في القمة الإسلامية الطارئة في اسطنبو ...
- العبودية ومشكلة الإسلام مع العصر 
- مسجد يوتبوري الكبير: الاعتداء على الكنيس اليهودي حادث مؤسف و ...
- كلمة لبنان...صرخة ضمير من أجل عودة الروح إلى التضامن العربي ...
- مصادر: وزير الشؤون الإسلامية السعودي يرأس وفد بلاده إلى القم ...
- أستاذ فرنسي: علمانية اليوم مرادفة للعداء للإسلام


المزيد.....

- الأوهام التلمودية تقود السياسة الدولية! / جواد البشيتي
- ( نشأة الدين الوهابى فى نجد وانتشاره فى مصر ) الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- الإرهاب ....... الأسباب ........ المظاهر .......... سبل التج ... / محمد الحنفي
- هل يوجد في الإسلام أوصياء على دينه ...؟ !!! / محمد الحنفي
- التوظيف الأيديولوجي للدعوة إلى تطبيق -الشريعة الإسلامية- ينا ... / محمد الحنفي
- الاجتهاد ... الديمقراطية ... أية علاقة ؟ / محمد الحنفي
- الإسلام و دموية المسلمين / محمد الحنفي
- http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=20090 / محمد الحنفي
- الاقتصاد الإسلامي بين الواقع والادعاء / محمد الحنفي
- بين إسلام أمريكا و إسلام الطالبان… / محمد الحنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فؤاده العراقيه - لحظات ما قبل الاحتضار