أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - ماهر الشريف - قضية القدس بين بعديها الديني والسياسي















المزيد.....


قضية القدس بين بعديها الديني والسياسي


ماهر الشريف
الحوار المتمدن-العدد: 5238 - 2016 / 7 / 30 - 09:53
المحور: القضية الفلسطينية
    



جبل الزيتون في القدس بصورة من عشرينيات القرن الماضي


*التمسك الحازم بمبدأ السيادة العربية الفلسطينية على القدس الشرقية بكاملها هو موقف لا يمكن التنازل عنه مطلقاً. فقضية القدس الشرقية هي قضية سياسية في المقام الأول، ينبغي على إسرائيل أن تنسحب منها بالكامل وأن تزيل كل الوقائع التي خلقتها على أرضها، وبخاصة الوقائع الاستيطانية، وذلك وفقاً لقرارات الشرعية الدولية. وقد يكون من المناسب للفلسطينيين، وكما كان قد ذكر القائد المقدسي الراحل فيصل الحسيني، أن يعودوا إلى طرح مستقبل مدينة القدس بكاملها وليس قسمها الشرقي فقط، إذ إن 70 في المئة من الأراضي والبيوت في القسم الغربي منها هي ملك للفلسطينيين*



كان من مفارقات قمة كمب ديفيد الفلسطينية - الإسرائيلية، التي انعقدت في تموز 2000 بين الرئيس الراحل ياسر عرفات ورئيس وزراء إسرائيل السابق إيهود باراك، أن هذا الأخير قد سعى، بتركيزه على مسألة "جبل الهيكل"، إلى إبراز البعد الرمزي الديني في الصراع على القدس على حساب بعده السياسي، وذلك في محاولة لتبرير احتفاظ المحتل الإسرائيلي بالسيادة على القدس الشرقية، التي تعتبرها قرارات الشرعية الدولية جزءاً من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وتدعو إسرائيل إلى الانسحاب منها.
ومنذ تلك القمة، راح خطاب مسؤولي الأحزاب الصهيونية "العلمانية" يسوّغ، بصورة لا سابق لها، ضرورة احتفاظ إسرائيل بالسيطرة على الحرم القدسي بحجة وجود أنقاض الهيكل الثاني تحته، علماً بأن هذا الزعم لم تؤكده الحفريات وأعمال التنقيب التي شرعت فيها الحكومة الإسرائيلية تحت أسوار الحرم، بعد احتلالها القدس الشرقية مباشرة في عام 1967، إذ لم يكتشف علماء الآثار الإسرائيليون بنتيجتها، وإلى اليوم، سوى آثار رومانية وبيزنطية وإسلامية.
ومع أنني من الذين يعتقدون – من دون الانتقاص أبداً من أهمية البعد الرمزي الديني لمدينة القدس بالنسبة إلى المسلمين والمسيحيين- أن موضوع هذه المدينة ومستقبلها هو موضوع سياسي في المقام الأول، ينبغي حله على أساس قرارات الأمم المتحدة، وبخاصة قرار مجلس الأمن رقم 242 الذي يدعو إسرائيل إلى الانسحاب من جميع الأراضي الفلسطينية والعربية التي احتلتها بعد عدوان الخامس من حزيران 1967، إلا أن هذا الإصرار الإسرائيلي على إبراز البعد الرمزي الديني للقدس قد دفعني إلى العودة إلى التاريخ لأتبيّن مدى تماسك المزاعم الإسرائيلية، في هذا الخصوص، من الناحية العلمية.




**عودة إلى التاريخ


ينطلق الباحث كيث وايتلام في كتابه: اختلاق إسرائيل القديمة، إسكات التاريخ الفلسطيني (عالم المعرفة، الكويت، العدد 249، أيلول 1999)، من فكرة مهمة مفادها أن الصراع الدائر حول فلسطين قد ترك أثره على فهم التاريخ القديم. فخطاب المدرسة التاريخية التوراتية، الذي ظهر في القرن التاسع عشر وترك بصماته على التاريخ الرسمي الإسرائيلي، اختلق لإسرائيل – كما يرى وايتلام- تاريخاً قديماً كثيراً ما يعكس حاضرها، معتبراً أن الزعم بأن لإسرائيل حقاً لا ينكر في القدس، كعاصمة لدولة إسرائيل، تعود جذوره إلى تلك الفترة المتخيلة من عصر مملكة داود. وفي هذا السياق، يؤكد وايتلام أن إسرائيل القديمة لم تكن "إلا خيطاً رفيعاً في نسيج التاريخ الفلسطيني الغني"، الذي ينبغي أن يكون "موضوعاً قائماً بذاته ومحرراً من قبضة الدراسات التوراتية".
والواقع، أن الدراسات التاريخية الحديثة، بما فيها دراسات بعض الباحثين الإسرائيليين، بيّنت أن التاريخ اليهودي القديم محاط بالأساطير. فشلومو زاند، أستاذ التاريخ في جامعة تل أبيب، فسّر في كتابه: كيف اختُرع الشعب اليهودي. من التوراة إلى الصهيونية (باريس، فايار، 2008)، كيف أن الصهيونية، التي طرحت على نفسها مهمة شبه مستحيلة عندما أرادت أن تخلق اثنية واحدة وموحدة من جماعات ثقافية ولغوية تعود إلى أصول مختلفة، قد لجأت إلى العامل الديني، واستعارت من الديانة التقليدية ومن مدونتها معظم تمثّلاتها ورموزها، وبقيت أسيرة لهذه التمثّلات والرموز.
وبعد أن يشير زاند إلى أن "كل إسرائيلي من أصل يهودي متيقن من أن الشعب اليهودي قد وجد منذ أن تلقّى التوراة في سيناء، وأنه هو شخصياً متحدر بصورة مباشرة وحصرية من هذا الشعب "، يتوقف عند بعض الأساطير التأسيسية للصهيونية، ومنها أسطورة قيام اليهود بغزو"أرض كنعان"؛ فيذكر أن علم الآثار الجديد دحض تماماً هذه الأسطورة، إذ لم تُكتشف أي وثيقة مصرية تشير إلى غزو أرض كنعان، التي كانت خاضعة في ذلك التاريخ للسيطرة المصرية.
كما أن التوراة نفسها لا تشير إلى هذه السيطرة المصرية، علماً بأن التنقيبات الأثرية في غزة وبئر السبع دلّت، منذ وقت طويل، على ذلك الوجود المصري في مرحلة الغزو المفترض، وحتى بعد ذلك.
أما الأسطورة الثانية، التي يتوقف عندها زاند، فهي أسطورة "النفي"، التي تستند إليها ترسانة الهوية "الاثنية" لليهود الحديثين. فالواقع، أنه لا يوجد أي أثر يدل على أن الرومانيين قاموا بعمليات طرد جماعية للسكان اليهود بعد استيلائهم على القدس، وتدميرهم للهيكل سنة 70 ميلادي. وهذا ما أثبته –كما يتابع زاند- الأستاذ الجامعي حاييم ميليكوسكي، عندما بيّن أن مصطلح "النفي" كان يعني في القرنين الثاني والثالث الميلاديين الخضوع السياسي وليس الطرد من البلد. أما زميله جاكوب يوفال، فقد أظهر أن الأسطورة اليهودية المتجددة عن النفي تمت صياغتها في مرحلة متأخرة نسبياً، وذلك إثر شيوع الفكرة المسيحية عن طرد اليهود عقاباً لهم على قيامهم بصلب المسيح ورفضهم الإنجيل.
ولكن لندع جانباً هذه الأساطير التأسيسية للصهيونية، ولنرجع إلى التاريخ الواقعي، الذي تزكيه الحقائق العلمية، والذي يؤكد أنه لم يكن هناك أي أثر للهيكل عندما فتح العرب المسلمون القدس، وأن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان هو الذي قام ببناء قبة الصخرة في عام 691، ثم استكمل خليفته، الوليد بن عبد الملك، عمارة المسجد الأقصى.
وفي عهد صلاح الدين الأيوبي، الذي حرر القدس من الفرنجة في عام 1187، رُفعت القيود المفروضة على سكنى اليهود في المدينة، التي استقبلت في نهاية القرن الثاني عشر الميلادي أعداداً من يهود المغرب وفرنسا وجنوب انكلترا. وبعد خضوع القدس، اعتباراً من منتصف القرن الثالث عشر الميلادي، لدولة سلاطين المماليك، صار يتعايش فيها أتباع الديانات السماوية الثلاث، إذ شكّل المسيحيون، بطوائفهم المتعددة، غالبية سكانها، وتمتعوا بالحرية الدينية التامة وسُمح لهم بإصلاح مؤسساتهم الدينية وترميمها، بينما شهدت أحوال اليهود تحسناً كبيراً – حتى أن عدداً منهم اعتنق الإسلام في تلك الفترة نظراً لتسامح المسلمين وحسن معاملتهم لأتباع الديانات الأخرى- وبات لهم، في ذلك الوقت، حي في المدينة، سُمّي بحارة اليهود، وإليه نُسب أحد أبواب القدس، حيث عاشوا في ذلك الحي، عموماً، على الصدقات الخارجية، وكان من بينهم تراجمة ومرشدون سياحيون (انظر: مقدمة د. زياد العسلي لكتاب فوشي الشارتري، تاريخ الحملة إلى القدس 1095-1127، عمان، دار الشروق، 1990؛ وكتاب د. علي السيد علي، القدس في العصر المملوكي، القاهرة، دار الفكر للدراسات والنشر، 1986).
ومنذ عام 1517، خضعت القدس، أو بيت المقدس، لحكم السلاطين العثمانيين، واتّخذت المدينة داخل السور شكلها الراهن إبان حكمهم الذي استمر زهاء أربعة قرون. ويُستفاد من الموسوعة اليهودية نفسها أن اليهود اتّخذوا حائط البُراق، الذي يشكّل جزءاً من الحائط الغربي للحرم القدسي، موقعاً للصلاة منذ القرن السادس عشر فقط، ثم صاروا يبكون أمامه وبات يُعرف باسم "حائط المبكى" (انظر: رائف يوسف نجم، "استمرار تهويد مدينة القدس أرضاً وسكاناً وعمراناً وإدارة"؛ في: القدس، نقطة قطيعة أم مكان التقاء؟، الرباط، أكاديمية المملكة المغربية، 1998، الجزء الأول، ص 109-157).
وقد وصف الرحالة الفرنسي بيير لوتي، الذي زار القدس في نيسان 1894، بإسهاب "مسجد عمر الأزرق" والمسجد الأقصى، فذكر أن السلطات العثمانية كانت تمنع في الماضي غير المسلمين من زيارة هذا الموقع، وأنها لم تسمح بزيارته إلا من سنوات قليلة، ولكن شرط أن يرافق الزائر الغريب جندي من الإنكشارية يحمل تصريحاً من والي القدس. ثم وصف لوتي زيارته إلى "حائط المبكى"، فأشار إلى أن الأتراك قد تنازلوا لليهود عن هذا الموقع بعد أن وعد هؤلاء الأخيرون بعدم التفكير مطلقاً بإعادة بناء هيكلهم فيه، وذكر أنه شاهد أمام الحائط رجالاً مسنين كانوا كلهم تقريباً من اليهود البيض القادمين من بولونيا، الذين يأتون عادة إلى القدس لدى شعورهم بدنو أجلهم على أمل أن يُدفنوا فيها، إضافة إلى عدد قليل من الشبان (بيير لوتي: رحلات 1872-1913، باريس، روبير لافون، 1991).
وبدخول القوات البريطانية، بقيادة الجنرال اللنبي، القدس في كانون الأول 1917، انتقلت السيطرة على الحرم الشريف إلى سلطات الاحتلال البريطاني، إذ جاء في المادة 13 من صك الانتداب، الذي وافق عليه مجلس عصبة الأمم في 24 تموز 1922، ووضع موضع التنفيذ في 29 أيلول من العام نفسه، ما يلي: "تضطلع الدولة المنتدبة بجميع المسؤوليات المتعلقة بالأماكن المقدسة والمباني أو المواقع الدينية في فلسطين، بما في ذلك مسؤولية المحافظة على الحقوق الموجودة، وضمان الوصول إلى الأماكن المقدسة والمباني والمواقع الدينية وحرية العبادة، [على] ألا يُفسّر شيء من هذا الصك تفسيراً يُخوّل الدولة المنتدبة سلطة التعرض أو التدخل في نظام إدارة المقامات الإسلامية المقدسة الصرفة المصونة حصانتها" (وثائق فلسطين، بيروت، دائرة الثقافة في منظمة التحرير الفلسطينية، 1987، ص 108).
وبعد اندلاع هبة البراق في آب 1929، أكدت السلطات البريطانية، بناء على تقرير لجنة البراق الدولية، أن للمسلمين "وحدهم تعود ملكية الحائط الغربي [للحرم]، ولهم وحدهم الحق العيني فيه، لأنه يؤلّف جزءاً لا يتجزأ من ساحة الحرم الشريف، التي هي من أملاك الوقف. وللمسلمين أيضاً تعود ملكية الرصيف الكائن أمام الحائط وأمام المحلة المعروفة بحارة المغاربة المقابلة للحائط، لكونه موقوفاً حسب أحكام الشرع الإسلامي لجهات البر والخير"، مع السماح لليهود "بالوصول إلى الحائط الغربي بهدف التعبد" (بيان نويض الحوت، القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917-1948، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1981، ص 231-233).




**القدس في القبضة الإسرائيلية


نص القرار رقم 181 الخاص بتقسيم فلسطين، الذي اتّخذته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني 1947، على إنشاء كيان منفصل في منطقة القدس، يخضع لنظام مرتبط إدارياً بالأمم المتحدة. ومع ان إسرائيل احتلت، خلال الحرب، القسم الغربي من المدينة، إلا أن تعهد حكومتها، لدى انضمامها إلى الأمم المتحدة في أيار 1949، باحترام القرار 181، كان يعني إقرارها بأن القدس لا تدخل ضمن النطاق الإقليمي لدولة إسرائيل. وبعد توقيع اتفاقية الهدنة بين إسرائيل والأردن، باتت القدس منقسمة إلى قسمين: قسم غربي جعله الإسرائيليون عاصمة لدولتهم، ثم أقدموا، عام 1952، على توسيع حدوده البلدية بنسبة الضعف في اتجاه الغرب على حساب أراضي قرى فلسطينية عديدة، وقسم شرقي خضع للأردن وانحصر في البلدة القديمة وما حولها من أحياء.
وقد قامت الحكومة الإسرائيلية، إثر عدوان حزيران 1967، باحتلال هذا القسم الشرقي وفرضت التشريعات الإسرائيلية عليه، وباشرت إجراءاتها الرامية إلى توحيد المدينة وتهويدها. وصدر عن الكنيست، في 30 تموز 1980، قرار يجعل من القدس الموحدة "عاصمة أبدية" لإسرائيل. ومن خلال قضم الأراضي الفلسطينية، قامت السلطات الإسرائيلية بتوسيع حدود بلدية القدس الشرقية من 6 إلى 73 كيلومتراً مربعاً، وأحاطت القدس الموسعة بطوقي استيطان ، شمل الطوق الأول، المعروف بالقدس الكبرى، 330 كيلومتراً مربعاً من أراضي الضفة الغربية، بينما شمل الطوق الثاني، المعروف بالقدس المتروبوليتانية، 660 كيلومتراً مربعاً من الأراضي العربية المصادرة. وبفضل هذين الطوقين، ضمنت إسرائيل لنفسها الهيمنة على القطاع الأوسط من الضفة الغربية، وفصلت شمال الضفة عن جنوبها، الأمر الذي أفقد الدولة الفلسطينية العتيدة تواصلها الإقليمي. أما العرب الفلسطينيون، الذين بقوا في القدس الشرقية، فقد تعاملت الحكومة الإسرائيلية معهم بصفتهم أجانب مقيمين في إسرائيل، ومنحتهم تصاريح إقامة دائمة (انظر: مقال وليد الخالدي في الملف الذي نشرته مجلة الدراسات الفلسطينية عن القدس، بيروت، العدد 43، صيف 2000، ص 9-37).
وبعد التوقيع على اتفاقية أوسلو، في أيلول1993، تكثّفت الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى إحكام السيطرة الإسرائيلية على القدس، وذلك عن طريق توسيع دائرة الاستيطان اليهودي فيها، وتقييد حركة البناء العربي وسحب هويات كل من غادرها، لمدة سبع سنوات، أو أقام خارجها من مواطنيها الفلسطينيين، وكذلك عن طريق تضييق الخناق على المؤسسات الفلسطينية العاملة فيها، إذ أقدمت سلطات الاحتلال على إغلاق أبرز المؤسسات العربية في القدس، التي تمثّل عنوان السيادة الفلسطينية في المدينة وتقدم خدمات اجتماعية مهمة للمواطنين المقدسيين، مثل "بيت الشرق" و"جمعية الدراسات العربية" و"الغرفة التجارية" و"لجنة إحياء التراث"، و"مجلس الإسكان الفلسطيني".
من جهة أخرى، كثّفت الحكومات الإسرائيلية، في السنوات الأخيرة، عمليات الاستيطان اليهودي في قلب البلدة القديمة والأحياء المحيطة بها، كما واصلت، تحت حجة تلبية حاجات النمو الطبيعي، عمليات بناء عشرات الآلاف من الوحدات الاستيطانية في مشارف الأحياء الاستيطانية اليهودية، ووضعت خططاً لتوسيع حدود المدينة إلى البحر الميت ووادي الأردن، بحيث يتم الاتصال بين وسط الضفة الغربية وجنوبها عبر أنفاق أو طرق التفافية. وفي الوقت نفسه، استمرت في عمليات عزل مناطق سكنية فلسطينية عديدة خلف جدار الفصل ومصادرة بطاقات الهوية من العرب المقدسيين المقيمين فيها، وهدم آلاف المنازل الفلسطينية بحجة أنها بنيت من دون ترخيص إسرائيلي، ولكونها تقع ضمن ما يسمى "الحوض المقدس" و "المناطق الخضراء".
ومنذ سنوات، يواجه المسجد الأقصى مخاطر الانهيار، إذ أثبتت الدراسات الميدانية أن التصدعات والشقوق في المباني والمساكن الموجودة في الجهة الجنوبية من الأقصى، إضافة إلى عدد من البيوت التاريخية الملاصقة للسور الغربي للمسجد، تزداد وتتسع، نتيجة أعمال الحفر الإسرائيلية التي تتواصل في مناطق عدة من البلدة القديمة. كما يزداد الخطر على الأقصى من جراء تصاعد محاولات المتطرفين اليهود لاقتحامه وإقامة شعائرهم الدينية فيه، تحت حماية شرطة الاحتلال.




**المجتمع الدولي يرفض الاعتراف بشرعية كل الإجراءات الإسرائيلية


ومن المعروف أن المجتمع الدولي رفض الاعتراف بكل التغييرات التي أدخلتها إسرائيل على وضع القدس الشرقية، إذ صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، منذ الرابع من تموز 1967، قرار حمل الرقم 2253 يعتبر إجراءات إسرائيل الرامية إلى تغيير وضع القدس الشرقية باطلة. وفي 21 أيار 1968، أقر مجلس الأمن القرار رقم 252 الذي جاء فيه: "إن مجلس الأمن يعتبر كل الإجراءات والتدابير التشريعية والإدارية التي اتّخذتها إسرائيل، بما في ذلك مصادرة الأراضي والعقارات، والرامية إلى تغيير الوضع القانوني للقدس، يعتبرها إجراءات وتدابير باطلة ولا يمكنها تغيير هذا الوضع". كما طالب القرار إسرائيل "بالتراجع الفوري عن كل تلك الإجراءات والتدابير المتخذة والامتناع عن القيام بأفعال جديدة ترمي إلى تغيير وضع القدس". ثم أصدر المجلس نفسه، في 25 أيلول 1971، القرار رقم 298، الذي أبدى فيه أسفه لعدم احترام إسرائيل القرارات الدولية الخاصة بوضع القدس.
وقد جدد مجلس الأمن في مناسبات عديدة تأكيده على هذا الموقف. فعندما اتّخذت إسرائيل إجراءات بهدف جعل القدس الموحدة عاصمة لها، تبنّى مجلس الأمن، في 30 حزيران 1980، القرار رقم 476 الذي يدعو إسرائيل، بصفتها الدولة المحتلة، "إلى الاستجابة لهذا القرار ولكل القرارات السابقة التي اعتمدها مجلس الأمن، وإلى التوقف فوراً عن تطبيق سياستها الرامية إلى تغيير طابع مدينة القدس ووضعها". وفي 20 آب 1980، أصدر مجلس الأمن قراراً جديداً حمل الرقم 478، أكد فيه عدم شرعية كل الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل لتغيير وضع القدس، وطالب الدول التي نقلت بعثاتها الدبلوماسية إلى المدينة بسحبها منها.
وفي 9 شباط 1999، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً تؤكد فيه مواقفها السابقة فيما يتعلق بعدم شرعية كل الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل لتغيير معالم القدس ووضعها. وأكد قرار دولي جديد، صدر في 1 كانون الأول 2000، بعد اندلاع الانتفاضة الثانية، أن "قرار إسرائيل بفرض قوانينها، وتشريعاتها وإدارتها، على مدينة القدس تعتبر غير شرعية، وباطلة". كما عبرت الجمعية العامة عن أسفها لقيام بعض الدول بنقل بعثاتها الدبلوماسية إلى القدس.




**مستقبل القدس: لا بديل عن السيادة الفلسطينية الكاملة


كانت اتفاقية أوسلو قد أبقت قضية القدس معلّقة حتى مفاوضات الحل النهائي. وبهدف استباق هذه المفاوضات، حاولت الحكومة الإسرائيلية المناورة مع الأردن، إذ أشير في البند الثاني من المادة التاسعة من معاهدة السلام التي أبرمت بين الأردن وإسرائيل، في 26 تشرين الأول 1994، إلى أن إسرائيل "تحترم الدور الحالي الخاص للمملكة الأردنية الهاشمية في الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس، وعند انعقاد مفاوضات الوضع النهائي مع الفلسطينيين ستولي إسرائيل أولوية كبرى للدور الأردني التاريخي في هذه الأماكن" (انظر: مجلة الدراسات الفلسطينية، بيروت، العدد 20، خريف 1994، ص 188). بيد أن الحكومة الأردنية لم تمرر تلك المناورة الإسرائيلية، وأكدت، بعد توقيع اتفاقية وادي عربة، دعمها منظمة التحرير الفلسطينية في نضالها من أجل ضمان السيادة الفلسطينية على جميع الأراضي التي احتلت في عام 1967، بما فيها القدس الشرقية.
وفي قمة كمب ديفيد المذكورة، طرحت قضية القدس للمرة الأولى على طاولة المفاوضات بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، وانحكم الموقف الإسرائيلي إزاءها بالموقف العام الذي تبنّته إسرائيل، والذي قام على أساس مبدأ "التنازل المتبادل" بين شريكين على أراضٍ متنازع عليها، وليس على أساس تطبيق القرار الدولي رقم 242، الذي لا يمثّل، في نظر الإسرائيليين، أكثر من قاعدة للتفاوض، ولا ينطبق على الضفة الغربية وقطاع غزة لأنه معني بالدول، كما يُزعم. وعلى هذا الأساس، رفض إيهود باراك، خلال المفاوضات، التخلي عن السيادة الإسرائيلية على "جبل الهيكل"، ووافق على منح الفلسطينيين إدارة بلدية في القرى الواقعة على أطراف القدس الكبرى، على أن تبقى تحت السيادة الإسرائيلية، أو على منحهم السيادة الكاملة على هذه القرى في مقابل عملية تبادل للأراضي تسمح بإدماج مستعمرات كبرى، مثل معاليه أدوميم وغيفات زيف، في نطاق القدس الكبرى.
وعندما رفض الرئيس الراحل ياسر عرفات هذين المقترحين الإسرائيليين، تقدم الرئيس كلينتون بمقترح جديد يقضي بتقاسم السيادة على الحرم القدسي، بحيث تكون للفلسطينيين سيادة على الحرم فوق الأرض، وتكون للإسرائيليين سيادة عليه تحت الأرض. وعندما رفض الفلسطينيون هذا المقترح الأمريكي، وأخفقت قمة كمب ديفيد في الوصول إلى نتيجة، أدخل الرئيس كلينتون، في اللقاء الذي جمعه في 23 كانون الأول 2000 مع عدد من المفاوضين الفلسطينيين والإسرائيليين في واشنطن، تعديلات بسيطة على مقترحه الأول على أساس مقايضة تفرض على الفلسطينيين التنازل عن حق العودة في مقابل حصولهم على سيادة محدودة على القدس الشرقية.
ومنذ انعقاد قمة كمب ديفيد الفاشلة، شهد الموقف الإسرائيلي من قضية القدس تشدداً واضحاً، إذ باتت الحكومات الإسرائيلية، ولا سيما اليوم في ظل رئاسة بنيامين نتنياهو، ترفض مبدأ التفاوض حول هذه القضية وتعتبر أن مصير المدينة قد حسم وباتت القدس الموحدة "عاصمة أبدية" لدولة إسرائيل، وتلجأ، أكثر فأكثر، إلى إجراءات الإغلاق والحصار لمنع المسلمين من الوصول إلى الحرم القدسي، وتتغاضى عن المحاولات التي يقوم بها غلاة المتطرفين اليهود والتي قد تؤدي إلى تدميره .
وختاماً، فإن التمسك الحازم بمبدأ السيادة العربية الفلسطينية على القدس الشرقية بكاملها هو موقف لا يمكن التنازل عنه مطلقاً. فقضية القدس الشرقية هي قضية سياسية في المقام الأول، ينبغي على إسرائيل أن تنسحب منها بالكامل وأن تزيل كل الوقائع التي خلقتها على أرضها، وبخاصة الوقائع الاستيطانية، وذلك وفقاً لقرارات الشرعية الدولية. وقد يكون من المناسب للفلسطينيين، وكما كان قد ذكر القائد المقدسي الراحل فيصل الحسيني، أن يعودوا إلى طرح مستقبل مدينة القدس بكاملها وليس قسمها الشرقي فقط، إذ إن 70 في المئة من الأراضي والبيوت في القسم الغربي منها هي ملك للفلسطينيين.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- كلمات لكن من دون التزامات
- اتفاقية سايكس - بيكو وعلاقتها بوعد بلفور
- يوم وطني يحييه الشعب الفلسطيني في أماكن تجمعه كافة
- يسار أميركا اللاتينية.. حتى تبقى نافذة الأمل مفتوحة
- قرار التقسيم والخيارات الفلسطينية
- الغاز في شرق المتوسط: التحديات والإمكانيات
- انتصرت فلسطين لأن إسرائيل عجزت عن كسر إرادتها
- إضاءات على فكر -المثقف الشغيل-
- عندما يتحرر القائد الشيوعي ويبقى ملتزماً
- انطفاء نجم مضيء في سماء الثقافة التنويرية والتقدمية العربية
- تاريخ فلسطين العثماني - الحلقة الثانية - فلسطين في العهد الع ...
- تاريخ فلسطين العثماني - الحلقة الأولى - فلسطين في العهد العث ...
- الشيوعيون العرب والنضال ضد الفاشية والنازية
- من تاريخ الصحافة الشيوعية العربية في فلسطين
- قرن على الصراع العربي - الصهيوني: هل هناك أفق للسلام؟
- عصبة التحرر الوطني في فلسطين (1943-1948): تجربة تنظيم شيوعي ...
- مساهمة في النقاش حول اليسار ومستقبله
- لا تزال فلسطين همّاً فكرياً عربياً؟
- تحرر المرأة في خطاب عصر النهضة
- صادق جلال العظم- فيلسوف ماركسي منفتح على العلم وتطوّره


المزيد.....




- الحرس الثوري يتحدى ترامب "خفيف العقل": تطوير الصوا ...
- بوتين: نعمل في سوريا بالتوافق مع القانون الدولي
- إسرائيل تقصف موقعا للجيش السوري في القنيطرة
- بالفيديو.. السيسي يمنع إفشاء سر عسكري
- لافروف: العملية ضد إرهابيي -داعش- في سوريا ستنتهي قريبا
- إحراق كتب تفسير القرآن الكريم بصناديق القمامة في تركيا (بالص ...
- العراق أصبح إيران تقريبا
- بماذا أعجب ضيوف المهرجان العالمي للشباب والطلبة في سوتشي؟
- طائرات سعودية تصل الإمارات للمشاركة في تمرين مركز الحرب الجو ...
- السعودية... بدء أعمال بناء مسجد باسم -شهداء عاصفة الحزم- في ...


المزيد.....

- ملامح التحول والتغير في البنية الاجتماعية في الضفة الغربية و ... / غازي الصوراني
- كتاب التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في المجتمع الفلس ... / غازي الصوراني
- التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في المجتمع الفلسطيني / غازي الصوراني
- مخيم شاتيلا : الجراح والكفاح / محمود عبدالله كلّم
- الصديقان العزيزان أ.د ناجي صادق شراب و أ.د أسامة محمد أبو نح ... / غازي الصوراني
- نقد الصهيونية / عبد الرحمان النوضة
- هزيمة حزيران 1967 وتطوّر حركة المقاومة الفلسطينية / ماهر الشريف
- لا… إسرائيل ليست ديمقراطية / إيلان بابيه
- في الذكرى الخامسة والثلاثين لتأسيس حزب الشعب الفلسطيني / نعيم ناصر
- لماذا كان الفشل حصيلة صراعنا، على مدى خمسين عام، مع الاحتلال ... / نعيم الأشهب


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - ماهر الشريف - قضية القدس بين بعديها الديني والسياسي