أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فارس حميد أمانة - أنا .. ارهابي .. الجزء الثاني















المزيد.....

أنا .. ارهابي .. الجزء الثاني


فارس حميد أمانة

الحوار المتمدن-العدد: 5236 - 2016 / 7 / 27 - 15:40
المحور: الادب والفن
    


أنا .. إرهابي

الجزء الثاني

موعد إقلاع الطائرة هو تمام الساعة الثالثة فجرا .. اقتربت الساعة من الخامسة صباح ذلك اليوم الربيعي الرائع من عام 2002 وبعد بضعة شهور من حادثة الحادي عشر من سبتمبر .. لم أسمع أي مناداة على ركاب الطائرة المتوجهة إلى موسكو من دمشق رغم مضي وقت طويل على موعد الإقلاع .. كنت أحصل دائما على نفس الجواب عند سؤالي لأحد الموظفين بأن هناك تأخيرا وستتم المناداة خلال دقائق .. حاولت قتل الوقت بالتسلي بمراقبة حركات المسافرين المتثاقلة .. ثم وقبل السابعة صباحا وقد استنفذ التعب والسهر كل قواي هرولنا مسرعين نحو البوابة حال سماعنا المناداة لركوب متن الطائرة .

درجت بنا الطائرة الروسية على مدرج مطار دمشق وأنا أودع بنظري من خلال نافذتها منظر بصيلات أطلت للتو من التربة الرطبة الملاصقة للمدرج مبرزة براعم ورد صغيرة جميلة .. تسارعت الصور بازدياد سرعة محركات الطائرة لترتفع بعد دقيقة أو أكثر .. ثم سرعان ما غرقت أجنحة الطائرة بهلام شفاف من غيوم بيضاء كندف الثلج .. أطلت الشمس من خلال زجاج نوافذ الطائرة التي اهتزت برفق مرتين قبل أن تستقر في وضعها وقبل أن أغرق في النوم من شدة التعب .

حطت الطائرة على أرض مطار موسكو بعد ما يقرب من أربع ساعات .. فتح بابها وما إن خرجت حتى صفعني هواء بارد جدا .. أحسست كمن يخرج من حمام دافئ ليغطس في نهر ثلجي .. ارتعش جسدي قليلا ثم سرعان ما كنا نحن الأربعة ننتظر في الدور .. أنا في المقدمة أقف على خط أسود والعجل السمين خلفي مباشرة وهو يقف نصف نائم واثنان من المهندسين وهم كل الوفد الفني الموفد إلى سلوفينيا .. أمامي على بعد مترين كابينة تجلس فيها ضابطة روسية حيث قدمت لها جواز سفري لتتفحصه وأنا بدوري كنت أيضا أتفحصها من خلا فتحة الشباك .. امرأة في بداية الثلاثينيات .. تنعكس الأضواء من وجهها تماما كما ينعكس ضوء الشمس الساطع من ثلوج سيبيريا .. صدر يتفجر من جسدها ليضيق به قميصها الكاكي اللون وكأنه يستنجد بالمسافرين لفك أسره .. شعر بلون الشمس وقد تهدل من خلال عقصة في أعلى الرأس .. سرحت قليلا لأجد نفسي وأنا أجلس قبالتها على طاولة نحتسي القهوة اللذيذة .. أحدثها عن بغداد ودفئها .. وتحدثني عن صقيع موسكو .. لم تستطيل الأحلام لأكثر من ذلك إذ إنها صرخت : " ماذا ؟ " .. فنزلت بسرعة من عرش التخيلات لأسقط واقفا أمامها ومتسائلا : " ماذا هناك سيدتي ؟ " ..

تقدمت نحو الضابطة لألحظ رتبتها العسكرية .. نقيب في وزارة الداخلية الروسية .. يا ويلي أغضبت نقيبا روسيا ولا أعرف لماذا .. لم تدعني أقترب إذ صرخت بوجهي : " ارجع فورا إلى الخط الأسود وكلمني من هناك " .. هتفت بها : " هل توجد مشكلة بالجواز ؟ " .. أجابتني بعصبية وبغضب : " مستحيل أن تكون هناك فيزا لكم لدخول روسيا " .. فرددت : " ومعي ثلاثة زملاء في وفد واحد " .. ردت باندهاش : " وأيضا ؟ .. مستحيل .. اجمع كل الجوازات وسلمني إياها ثم ارجع فورا إلى الخط الأسود ولا يتحرك أحد منكم مطلقا " .. جمعت الجوازات ومددت يدي من النافذة لأضعها أمامها دون أن تمد يدها وأنا أستفسر عن السبب فأجابتني بأن سمات الدخول قد منعت لبلداننا بعد الهجوم على مركز التجارة العالمي منذ بضعة شهور بما يسمى حادث الحادي عشر من سبتمبر وإنها تعتبر إن جوازاتنا وسمات الدخول مزورة وسنتحمل المسؤولية عن ذلك .. عبثا حاولت إفهامها إننا مهندسون موفدون من قبل الحكومة العراقية إلى سلوفينيا بمهمة فنية بحتة وقد حصلنا على سمات الدخول من السفير الروسي ببغداد والسبب هو انه لا توجد سفارة سلوفينية قريبة من بلدنا لأخذ سمة الدخول سوى من موسكو ..

يبدو إنني كنت أحدث المنضدة أو الشباك فقد كانت " السيد النقيب " تضع جوازي في كاشف الكتروني لتتفحص صحة الفيزا وكانت النتيجة في كل مرة تظهر سلامة الفيزا وصحتها أما هي ففي كل مرة تفحص بها تردد نفس العبارة : " مستحيل .. مستحيل " .. اقتربت منها نصف متر إذ لم تكن تجيبني وهتفت بها : " سيدتي .. دعيني أشرح لك ال .. " ولم استطع أن أكمل العبارة إذ زمجرت تلك اللبؤة آمرة إياي بالرجوع للخط وإلا .. سحقا للخط الأسود .. وسحقا لك أيتها الجميلة .. وسحقا لكل نقيب في وزارتك .. بل سحقا لكل لبؤة غاضبة مثلك .. ما ذنبي إن قررت إرجاعي إلى بغداد بسبب تسعة عشر مأفونا قرروا تدمير مركز التجارة العالمي ؟

فجأة تذكرت أن العجل السمين قد قدم لي نفسه عند تعارفنا بصفة " فلان الفلاني .. نقيب في الأمن العامة " .. غمرني فيض الأمل .. هاهو النقيب " الأمل " يقف خلفي مباشرة فالتفت إليه قائلا : " تقدم نحوها وعرف عن نفسك كنقيب عراقي .. توسط للوفد لحل المشكلة .. فأنتما بنفس الرتبة ولن ترد لك طلبا " .. عرفت ان التجهم المفاجئ لوجه العجل السمين سببه عباراتي تلك .. شيء رائع أن يقف خلفك وأمامك شخصان غاضبان منك وبشدة .. رد العجل السمين : " همممممممممم" .. اعتبرت الهمهمة ردا بالنفي .. فوقفت خائبا من الحل ونظري يتابع اللبؤة الشرسة التي رفعت سماعة الهاتف لتتحدث إلى شخص ما .. خلال أقل من دقيقة حضرت سيدة أخرى .. بتنورة قصيرة تبرز التفاف فخذيها البضين على عظام قوية .. وصدرها يتحرك يمينا ويسارا عند كل خطوة كأنه يوزع المتعة والفرح على الجميع بكرم لا مثيل له .. عيناها مؤطرتان بأجفان ليلية اللون وأهدابها طويلة .. وجهها الأبيض ذكرني برواية " ثلوج كليمنجارو " ولا أعرف لماذا ..

مرت بقربي وهي تنظر شزرا لألحظ حينها رتبتها .. ضابط برتبة مقدم .. كبرت الحكاية إذن .. نحن إرهابيون مشتبه بهم .. من سيأتي ليعتقلنا لاحقا ؟ وزير الداخلية ؟ .. دخلت " السيد المقدم " ووضعت الجوازات واحدا بعد الآخر في جهاز الكشف وهي لا تريد أن تصدق بصحة سمات الدخول كما يظهر الفحص المتكرر.. رددت نفس العبارة : " مستحيل .. مستحييييييييل " .. خرجت وتوجهت نحوي وهي تسأل : " من أين حصلتم على سمات الدخول هذه ؟ ".. خطر ببالي أن أجيبها إننا حصلنا عليها من " سوق مريدي " إلا إن الهزل في هذه المواقف سيؤدي إلى نتائج سلبية ووخيمة .. أجبتها : " من سفيركم في بغداد .. سيدتي " .. أجابت : " لدى سفراءنا في الدول الممنوعة ومنها العراق بعد حادث الحادي عشر من سبتمبر تعليمات مشددة بعدم منح الفيزا لأي سبب كان " .. لم أستطع أن أخبرها أن سفيرهم اللعين استلم من الشركة الراعية للإيفاد مئتي دولار عن كل شخص وإلا لتعقدت الأمور أكثر من ذلك ..

احتفظت " السيد المقدم " بالجوازات في يدها ثم اتصلت باللاسلكي لتحضر بعد هنيهة شرطية عجوز أمرتنا بحمل حقائبنا والتوجه معها .. سرنا مرغمين وهي تسير خلفنا وأمامنا دليل .. وصلنا غرفة بها بعض المقاعد وطاولة واحدة .. هنا كانت المفاجأة .. ما إن دخلنا حتى سارعت الشرطية إلى غلق الباب بالمفتاح .. احتجزنا تماما كالمجرمين .. مرت بضع ساعات ليخبرني جهازي البولي بأسوأ الأخبار .. انه يعمل وعلى ما يرام .. تساقطت قطرات البول عبر الحالب إلى مثانتي التي أحسست أنها ستنفجر لتلوث سروالي .. قاومت الرغبة بالتبول لبعض الوقت عسى أن تمر أزمة الشبهة سريعا .. إلا إنني شعرت بالانهيار تحت وطأة تضخم المثانة بالسوائل الحقيرة .. طرقت الباب من داخل الغرفة بلطف مرتين دون جواب .. ازدادت حدة طرقي بشكل متناسب طرديا مع ضغط البول الذي يكاد يتفجر من مثانتي .. دون جدوى أيضا .. ما العمل ؟ .. ضربت الباب بقدمي هذه المرة لتطل الشرطية العجوز التي كانت تقف خلف الباب .. بالإشارات وبعد جهد أفهمتها حالتي .. أخرجتني من الغرفة ثم أقفلتها لتقتادني شبه مقيد بوضع يدها تحت إبطي إلى دورة المياه الرجالية وتدفعني إلى داخل المرحاض وبقيت واقفة تسد الباب .. رأيت قدميها من أسفل فتحة الباب .. أيتها الشرطية العجوز التي تساقطت أسنانها من كثرة شرب الفودكا هل تظنين أنني سأخرج من الحائط ؟

للمرة الأولى أحس بأن للتبول لذة جميلة .. كلذة مضغ الطعام بين الأسنان بعد جوع طويل .. تشعر أول مرة بانفجار صغير يخرج من فتحة عضوك التناسلي .. انفجار لذيذ لكنه مؤلم قليلا .. يتدفق البول بعدها وأنت تسيطر على اتجاهه كأنك ربان طائرة تدير مقودها إلى أية جهة تريد .. تشعر بعدها كأن الآلام تنسلت من بطنك تدريجيا .. ليأتي بعدها شعورك بالخدر .. بالطمأنينة .. بالاسترخاء اللذيذ .. رغبت بعدها بأن أغط في نوم عميق وأنا جالس كملك فوق تلة صغيرة ينظر من فوق لرعيته ..
طرقت الشرطية العجوز الباب بقوة تحثني فيها على الخروج فحطمت أحلام الملك الجديد .. اقتادتني بعد ذلك بنفس الطريقة وكأنها تقتاد مجرما ألقت القبض عليه .. فتحت لي الباب ودفعتني إلى داخل الغرفة لتصافح نظراتي وجوه زملائي .. كان الخوف باديا عليهم إلا العجل السمين .. كان الخوف يبدوا على وجهه بشكل مختلف .. هناك شعور آخر يمتزج مع شعور الخوف .. استقبلني المسكين بعبارة : " أنا جائع جدا " .. فأجبته بتهكم : " كلني إذن " ..

كنت أخشى من رفض سمات الدخول وإرجاعنا بأول طائرة إلى دمشق لنعود بعدها إلى بغداد بدون فردة من خفي حنين حتى .. طال الاحتجاز ست ساعات لنسمع بعدها صوت المفتاح يدور في قفل الباب ولتقتادنا الشرطية مرة أخرى إلى مكتب " السيد المقدم " .. سلمتنا الجوازات فقلت بصوت مختنق هل سنرجع إلى دمشق ؟ " .. فأجابتني : " كلا " .. شرحت لي باختصار أنها اتصلت بوزارة الخارجية الروسية التي اتصلت بدورها بالسفير الروسي في بغداد شخصيا وأرسلت له صور الجوازات وأرقام سمات الدخول فأجابهم السفير بأنه شخصيا من قام بمنح سمات الدخول لوجود دعوة من شركة اسكرا في السفارة السلوفينية بموسكو وخلال ثلاثة أيام سيغادر الجميع إلى ليوبليانا .. وضعت الجواز في جيبي .. إلا إنني لم أصدق بأن الطائرة التالية ستتوجه بنا إلى ليوبليانا وليس إلى دمشق ..

نكمل معكم الجزء الثالث والأخير بعد بضعة أيام ..





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,362,943,528
- أنا .. ارهابي
- الرحيل بعد صعود الجلجلة
- احتراق
- تحليق
- ندم مجدلية
- ندم المجدلية
- لا تندمي .. لا
- من دونك يا بغداد
- البحث عن عبد اللطيف علو
- بدونك
- ارتديني معطفا عند العناق
- ﺇ-;-متطاء صهوة الجنون
- أوجاع البجعة البيضاء
- هدى جرجيس سعيد .. أيقونة المحبة
- عانقيني .. راقصيني
- طيور .. مهاجرة
- وحدة
- الوهم .. والحقيقة
- نهاية امرأة ميتة
- من العراق حتى المانيا .. افراغ واملاء


المزيد.....




- الفنان الأردني عمر العبداللات يوضح حقيقة رفض السيسي لقاءه
- جورج وسوف يطالب أصالة بالاعتذار من الشعب السوري
- فنان أردني يكشف ماذا حدث عندما غنى للمرة الأولى أمام العاهل ...
- نساء كردستان يطالبن بتحصيل حقوقهن في التمثيل الحكومي
- تكريم جندي مغربي قضى خلال عمليات حفظ السلام بميدالية -داغ هم ...
- إصابة -جيمس بوند- أثناء تصوير أحدث أفلامه... والشركة المنتجة ...
- بفضل كلبة... أحدث أفلام براد بيت وليوناردو دي كابريو يفوز بج ...
- فيلم اجواء للفلسطيني وسام جعفر يفوز بالجائزة الثالثة في مساب ...
- ستة مرشحين بلجيكيين من أصل مغربي يخوضون الانتخابات
- شاهد: لوحة جديدة للفنان بانسكي تعرض في إحدى شوارع في البندقي ...


المزيد.....

- النقابات المهنية على ضوء اليوم الوطني للمسرح !! / نجيب طلال
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج1 / محمد علي محيي الدين
- بلادٌ ليست كالبلاد / عبد الباقي يوسف
- أثر الوسائط المتعددة في تعليم الفنون / عبدالله احمد التميمي
- مقاربة بين مسرحيات سترندبيرغ وأبسن / صباح هرمز الشاني
- سِيامَند وخَجـي / عبد الباقي يوسف
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فارس حميد أمانة - أنا .. ارهابي .. الجزء الثاني