أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ادريس الواغيش - قصة قصيرة : استوديو أبو شنب















المزيد.....

قصة قصيرة : استوديو أبو شنب


ادريس الواغيش

الحوار المتمدن-العدد: 5232 - 2016 / 7 / 23 - 18:32
المحور: الادب والفن
    


قصة قصيرة : استوديو أبو شنب

فترةُ فراغ دفعتني إلى النبش في بعض الأرشيفات ومقتنيات الكتب القديمة، فتحتُ أجندات ودفاتر ذكريات كدت أنسى ما فيها بفعل التقادم، تفحّصت أوراق كراسة في غفلة من الزّوجة والأولاد، وإذا بي أمام صورة بدأت تفقد ملامحها، ووردةً تنام هادئة في غياهب أوراق فقدت نصاعة البياض. كان صمتُ الصورة باهتٌ كلون الإدمان، لم أتذكر مناسبة ترجعني إلى تاريخها أو مكان أخذها، فلمتُ ذاكرتي وانزويتُ.
كل ما أذكره منها، هو أن حروفها الأولى مكتوبة بخط غير واضح فوق ظهرها، مع وريقات نالت منها الأرَضَة، تذكرت بعد إلحاح شديد مني على الذاكرة، أنها تعود لصديقة قديمة، عشقتها عن قصد وعشت معها حبًّا جارفاً، بدأ سريعا وانتهى في غياهب الذاكرة نسيا منسيًّا. كانت هي قد تزوجت، فيما أتذكر، من شاب يشتغل بوظيفة تناسب طموحات أسرتها، و كنتُ أنا أيضا قد تزوَّجتُ من فتاة تناسب بعض أفكاري اليسارية القديمة!.
كان يؤلمني أحيانا ما يصلني من أخبارها:
- نضجت، نجَحَت، تزوجت، ثم أخيرا وهذا ما آلمني أكثر،أنجب منه أطفالا يشبهونها‼.
هو أقصى طموح كان يراودني حينها ويعشش في دواخلي، أن أنجب منها أطفالا يشبهونها، كنت ألتقي في مناسبات متقطعة بصديقاتها فيذكرنني بماضينا المشترك، هو الذي سعيتُ مرارًا لأن أهدم الهوة بيني وبينه أو بينه وبين الحاضر، وأعمقها أحيانا عن قصد، لأن طريقنا كان قد رسم منذ البداية بشكل مختلف!.
كل ما كنت أتمناه في تلك الصبيحة ونحن على انفراد، وقد خرجت لتوديعي بلباس نومها الأبيض الناعم الشفاف، وشعرها الكستنائي المترامي بشكل فوضوي فوق كتفيها، هو أن ألمس بشرة يديها الناعمتين للمرة الأخيرة، أصافحها مُصافحة مُختلفة عمّا ألفناه في السّابق وأنا أغادر مدينتها، ومن يدري قد لا أراها ثانية؟!. أسترجع بعض الجزئيات الصغيرة من لقاءاتنا، أتذكر جيدا أنني سلمت عليها من خلال يديها البضتين، ولامست لأول مرة، عن قصد، نهديها النافرتين، وكدتُ أقارب شفيتها وأقبلها في الزُّقاق الضيق من كثرة أغصان الأشجار المتدلية أمام بيت أهلها، لولا هَمْهمَة كيْديّة من أحد جيرانهم العائد لتوِّه من صلاة فجر صيفي حار، انسحبتُ حينها مرتبكا أجرّ خيبتي، فيما ارتمت هي، في خفة هِرّة، إلى ما وراء الباب الخارجي.
هي معركتي الأخيرة، وقد كانت مختلفة عن معاركي السابقة في تلك الصبيحة الصيفية الباكرة، وكان عليَّ أن أربَحَها بكل ما أملك من أسلحة، حتى وإن بدت بشائر خسارتي فيها واضحة منذ البداية، توقفت طويلا أمام منزلهم علي أفوز منها بنظرة أخيرة. ترددت، ثم قلت:
- من أدراني؟ قد تطل علي ثانية وثالثة ورابعة، وحتى المرة الأخيرة من الشرفة لأحييها على الأقل تحيّة الوداع، لكنها لم تفعل‼
انصرفت وقد يئست، أصبح الأمر قاسيا وأكثر تعقيدا، لم يعد بإمكاني أن أرسم لها وداعي الأخير، أن أصيح بكلمة أو أشير لها بتلويحَة بويهميّ قد نجد لها تفسيرا فيما بعد، وهذا ما آلمني، كنت قد خسرت دون إرادة مني، معركة من معاركي الصغيرة‼.
تذكرت في غفلة مني وعجلة من أمري، يوم رتبنا ميعادنا الأول على عجل، قالت لي في آخر جلسة سريعة جمعتنا معا:
- خلي هذه الذكرى معك، وأعطتني صورة (كنت قد أضعتها) ووردَة، مادامت هذه الصورة معك، لا يمكنك أن تنساني أبدًا...!
أودَعتُ ذكراها في قلبي إلى الأبد، و كتبتها في كرّاسة كسطر انتهى بنقطة في الأخير، ولن تكتمل الأحداث الباقية إلا بمداد أكثر قتامَة، فانتهى المشوار سريعا كما بدأ في أول مرة، لكن نسينا معا أننا لم ننتهي منه، و ظلت الخاتمة مُعلقة.
- أكاد أنساها أحيانا، فتراودني صورتها المرسومة في ذهني من حين لآخر، وفجأة تُفجِّر في داخلي ما يشبه البكاء أو براكين تهزني، فكيف لي أن أنساها، وإن حصل غصبا عني، من حين لآخر؟.
أتذكره الآن جيدا، كان قد هَزمَنا منذ البداية وهو يُدخلنا إلى الغرفة المُظلمة وبيده آلة تصوير، يبحث عن شيء كنا نراه ولا نعرفه، حتى يطول انتظارنا أحيانا.
- لا تتكلما...!.
بقي نظري مشدودا إلى صُوَر استوائية مُعلقة على حيطان الأستوديو، كنا لا نراها إلا في الأفلام الهندية، وعندما عاد أمرنا بصوت جهوري، خرج من شفتيه الغليظتين الداكنتي اللون كقطعة كبد وفوقهما شنب مخيف، يحملهما وجه أكثر صرامة:
- لا تحركا رأسيكما، انظرا إلى الضوء و انتبها جيدا، لا تبتسما قبل أن أبدأ في العَدّ...!.
هل كنا على خطأ وتسرعنا منذ البداية، حين استبقنا الأمور وسارعنا إلى رسم ابتسامة عريضة، وأظهرنا عن رضَا بدت من خلاله سعادتنا أكثر وضوحا قبل الأوان؟. لم تكن المرة الأولى أو الوحيدة التي أخذنا فيها صورًا في ”أستوديو أبو شنب” بالتقسيط، لأنه الأقرب إلى الجامعة والأرخص في حي ”الليدو” الشعبي، بعيدا عن أضواء مركز المدينة.
في إحدى المرات كاد يصفعني، لولا دخول زبون آخر إلى المحل، انتبه إلى أنني حاولت أن أستغفله من خلال سلوك إيحائي، حاولت من خلاله قطف قبلة من خدها الأيمن، الأمر الذي كان يزعجه أكثر من أي شيء آخر. قال لي في استخفاف:
- أنا فنان ماشي قوّاد هنا؟ وهادا راه أستوديو ماشي دارالقحَاب...!!
كان هناك بيت آخر ملتصق بالأستوديو، يعلق فيه صاحبنا صور من لم يؤدون ثمنها بشكل تعسفي، فيضع المسامير في أعين الجميلات من الطالبات!
”أبو شنب” هو اللقب الذي كان يحمله الرجل الخمسيني الأعزب، إضافة إلى ألقاب أخرى أقل حدة مثل ”السوايعي” و”العسكري” إضافة إلى ألقاب أخرى أكثر إيلامًا. كل طلبة الحي الجامعي بفاس والأحياء الشعبية المجاورة له يعرفونه، خريج قاعدة عسكرية دون رتبة، لم يلتزم بقواعدها فسرحوه إلى حال سبيله. بدأ يصلح أعطاب الساعات السويسرية القديمة في محل صغير مجاور للجامعة، ولما ظهرت الساعات الإلكترونية بارت مهنته، فكان عليه أن يجد بديلا، فحَوّل المحل الصغير إلى أستوديو تصوير الطلبة والطالبات في الجامعة، مع تسهيلات في الأداء، وأضاف له فيما بعد دكانا آخر. التقط ”السوايعي” الصورة بخفة المحترفين، تساهل معي في حركات إيحائية كثيرة، وأعطاني مهلة دون وصل.
بعد ذلك بيومين كانت الصور جاهزة كما اتفقنا، لكنه تحايل عليّ، وأصرّ على أن أدفع له ثمن صورتين معًا بدل واحدة، مقابل تغافله على ما قمت به فيما ظننت، وهدّدني بدق المَسامير في عينيّ حبيبتي، مشيرا إلى بعض نماذج من صور يتصدع لها القلب، إن أنا لم أفعل!!.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,637,246,105
- مدارات: أنياب أردوغان بعد الانقلاب ‼
- قصة قصيرة: سَمَاءٌ دَاكِنَة
- فاس عاصمة الكتاب تعيش على إيقاعات معرضها الأول للكتاب الجامع ...
- أقصوصتان قصيران جدا: المُمَثل- دُنيَا ثانية
- نَذرْتُ دَمي للعَذارى
- خصوصيّة الأنثى المَهزومَة في ”لاعبة النرد” للكاتبة خديجة عَم ...
- العلاقات التواصلية بين القراءة الداخلية والخارجية في” بُرتقا ...
- الانْفِلاتُ من شَرنَقة الزّمن في“ طاح الميزان“ للزجال أنس لح ...
- حلقة الفكر المغربي بفاس تفتتح موسمها الثقافي بتقديم إصدار ال ...
- “الموسوعة الكبرى للشعراء العرب“ في الصحافة المغربية والعربية ...
- رُكوحٌٌ مُتعَبَة
- العدد 25 من مجلة روافد - ثقافية المغربية في محور خاص:“ما جدو ...
- قصيدة “ البحيرة-: للشاعر الفرنسي“لامارتين“
- فاطمة بوهراكة تقدِّم بفاس-المَوسوعة الكُبرى للشعراء العرب- ف ...
- لم يعد للميكروفون قداسته
- غدًا مع طلوع الفجر
- وحيدٌ كسَحابَة
- تكريم الأستاذة عائشة حيداس بمدرسة البحتري(1) بفاس
- ريحٌ تُشبهني
- الشاعر العميد محمد السرغيني: الشعر ليس عملا عاطفيًّا، الشعر ...


المزيد.....




- السفير المصري يفتتح أيام الثقافة المصرية في موسكو...صور
- الأحرار يسخرون من ابن كيران: واش يقدر -غيتيريس- يدعو - رونار ...
- كيف يتجنب الصحفيون التمييز والكراهية؟ إصدار جديد لمعهد الجزي ...
- المنتج محمد حفظي يكشف سبب رفضه مشاركة فيلمه -ليلة رأس السنة- ...
- لماذا يجب أن نخاف من تحقق أفلام الخيال العلمي؟
- فنانة لبنانية تغني -طلع البدر علينا- داخل كنيسة...فيديو
- أمزازي : شجاعة من المغرب أن يشارك في التقييمات الدولية الخاص ...
- فنانة مصرية تعلن بناء مسجد باسم هيثم أحمد زكي
- دينيس روس لقناة ميدي 1 تيفي : الأنظمة الملكية تملك شرعية الح ...
- بيع موزة بـ120 ألف دولار (صورة)


المزيد.....

- الفصول الأربعة / صلاح الدين محسن
- عرائش الياسمين / ليندا احمد سليمان
- ديوان الشيطان الصوفي / السعيد عبدالغني
- ديوان الذى حوى / السعيد عبدالغني
- مناجاة الاقلام / نجوة علي حسيني
- المراسيم الملكية إعلان الاستقلال البيان الملكي / أفنان القاسم
- في الأرض المسرة / آرام كربيت
- الخطاب الأيديولوجي في رواية سيرة بني بلوط / رياض كامل
- كيفما كنا فنحن ألوف المشاكل... / محمد الحنفي
- ديوان وجدانيات الكفر / السعيد عبدالغني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ادريس الواغيش - قصة قصيرة : استوديو أبو شنب