أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - موريس صليبا - - الكافر سعيد- رسول المغاربة (6)















المزيد.....

- الكافر سعيد- رسول المغاربة (6)


موريس صليبا

الحوار المتمدن-العدد: 5225 - 2016 / 7 / 16 - 01:00
المحور: مقابلات و حوارات
    


التجسّس على شقيقتي في الكنيسة

نتايع اليوم الحلقة السادسة من الحوار مع الأخ سعيد الذي يسمّي نفسه "الكافر سعيد". بعد أن حدّثنا في حوار سابق عن اعتناق شقيقته للمسيحيّة، واضطهاد أهلها وكامل أفراد الأسرة لها، نتطر!ق معه اليوم إلى محاولاة والدته تكليفه بالتجسّس عليها في مكان عملها وفي الكنيسةةالتي تتردّد إليها.

س – هل تجاوزت شقيقتك فاطمة كل المحن وتوقفّت العائلة عن ملاحقتها بعد اعتناقها المسيحيّة؟
ج – العياذ بالله! بعد فشل كلّ المحاولات، ظنّ أبي وأمّي أنّ شقيقتي تعاشر أناسا فاسدين أخلاقيّا، وأنّها عندما تذهب إلى الكنيسة، تستغلّ الظرف للقاء بشباب فرنسيّين تمارس معهم الجنس وأمورا لا أخلاقيّة فاحشة تدنّسها وتسئ لشرف عائلتنا وسمعتها كفتاة عربيّة من أصول إسلاميّة. كثرت الظنون والشبهات حولها، لربّما استُنبطت أو لُفّقت من لا شيء بغرض مواصلة اضطهادها وتعذيبها والتخلّص منها. وهنا حصل أمر لم أكن أتوقّعه إطلاقا.

س – ماذا حصل؟
ج – في أحد الأيام، أرادت والدتي أن أمارس مهمة "الجاسوس"، فطلبت منّي أن أتجسّس على شقيقتي، نعم أن أتجسّس عليها، وكانّها مجرمة، أي أن ألحق بها إلى الكنيسة التي تذهب إليها يوم الأحد في "شارم"، وذلك عندما تأتي إلى البيت في نهاية الأسبوع، ولكنّي رفضت ذلك. لا أعلم ما السبب. لربّما لأنّي كنت أحبّ شقيقتي واحترمها وأقدّر مواقفها وطريقة تعاملها معنا. ولكن عندما أفكّر بذلك اليوم أعتقد أنّ شقيقتي قد كسبت آنذاك المعركة بالألم والدموع على مضطهديها بعد مرور سنة ونصف تقريبا على اعتنافها المسيحيّة. كذلك أسهم دخولها في حقل العمل في إنقاذها وتنمية شخصيّتها، وأخمد غضب أبي وأمّي اللذين وجدا في كسبها المال مصدرا إضافيّا جديدا لزيادة دخل العائلة، وتحسين مستوى حياتها، وبناء منزل جديد للأسرة في المغرب كدليل على نجاحها إجتماعيّا في الغربة.
هكذا ابتعدت شقيقتي عن البيت وتحرّرت من سلطة العائلة. غير أنّ والدتي اضطربت كثيرا بسبب ذلك، وأصبحت شبه عاجزة عن التدخّل في شؤونها ومراقبتها. فأخذت الهواجس تراودها، وخافت كثيرا من تعرّض شقيقتي فاطمة للإنحراف الأخلاقي وفقدان عذريتها. فقانون الشرف الساري المفعول في تراثنا الإسلامي والمغربي يقضي ببقاء الفتاة عذراء حتى تزويجها. وإذا ما فقدت عذريّتها، خاصّة بعد اعتناقها المسيحيّة وتركها الإسلام، ستحدث مأساة كبرى داخل الأسرة، أيّ نهاية العالم.

س – هل وجدَت والدتك طريقة جديدة لمراقبتها؟
ج - نعم، لجأت إلى حيلة أخرى. بعد مرور فترة من الزمن، استغلّت أسبوع العطلة المدرسيّة المعروفة في فرنسا بعطلة عيد جميع القديسين، وهي عطلة تدوم أسبوعا كاملا في بداية شهر نوفمبر من كلّ سنة. فعرضت عليّ قضاء تلك العطلة مع شقيقتي في "سان ديا دا فوج" (Saint-Dié-des-Vosges)، أيّ في المنطقة التي تعمل فيها على بعد سبعين كلم عن مكان سكننا، وتقيم هناك في إحدى المباني المخصّصة للعمّال المهاجرين المعروفة بـ"السوناكوترا"، شرط أن أراقب ما تفعله شقيقتي هناك وأقدّم تقريرا عنها بعد عودتي. هلّلت بهذا العرض وقبلته بسرور واندفاع، إذ وجدت الفرصة متاحة لي كي أتعرّف على نمط حياتها والأمكنة التي ترتادها، كما أغوتني كثيرا إمكانية السكن عندها بعيدا عن البيت مدّة اسبوع، وزيارة منطقة جديدة والتعرّف على معالمها. وهكذا ذهبت معها إلى ذلك المكان بالقطار. كانت الرحلة ممتعة جدّا بعيدا عن مراقبة الوالدين. دامت ساعة من الوقت، ولكنّها كانت بالنسبة لي طويلة، حرّرتني من "سجن الحيّ" الذي نسكن فيه، وسمحت لي بمشاهدة مناظر طبيعيّة جميلة للغاية، وأكل أطباق مختلفة، وتذوّق حلويات جديدة غير تلك التي آلفتُ عليها في البيت.

س - ما هي الأمكنة التي زرتها برفقة شقيقتك؟
ج – طلبت منّي شقيقتي أن أرافقها إلى الكنيسة التي تتردّد إليها. ولكنّي كنت مرتابا كثيرا لعدم علمي بما يجري في ذلك المكان. كنت متخوّفا من كلّ ما علق في ذهني من اتّهامات المسلمين للمسيحيّين. تذكّرت ما كانوا يقولوه لنا: "المسيحيّون يحرقون أشياء غريبة في كنائسهم، ويشربون دم المسيح وجسده..." كنت أتوقّع أن ارى في الكنيسة أصناما، ومزاريب، وشياطين بشكل تنّين... وإزاء كلّ هذه الأمور كنت شديد الحساسيّة. ومع ذلك رافقتها إلى تلك الكنيسة، وقرّرت الجلوس على مقعد وراء كلّ الناس. فأخذت كتاب ترتيل مسيحي وأختبأت وراءه، كي لا يقال عنّي: "أنظروا، ماذا يفعل هذا الولد العربيّ في الكنيسة". وهناك دفعتني حشريّتي المتطرّفة إلى مراقبة كلّ شيء، ومشاهدة ما يفعله هؤلاء الناس المجتمعون في ذلك المكان، والإستماع إلى ما يقولوه والتنصّت عليهم.

س – وماذا شاهدت فيها؟
رأيت المؤمنين يختلطون مع بعضهم بعض مثل الماء بالماء. يشكّلون جسدا واحدا. يرنّمون بصوت واحد وبانسجام وخشوع. فارتعشت بعد أن اقشعرّ بدني. كانت صلواتهم طبيعيّة، تخرج من صميم قلوبهم ومن عمق أحشائهم. لم تكن تلك الصلوات روتينيّة طقوسيّة ميكانيكيّة. كان هناك حضور روحانيّ لا أعرف كيف أصفه، ولكنّهم يصفونه، هم، بالروح القدس، جعلني أهتزّ فرحا في داخلي. رأيت المصلّين يعبّرون عن محبّتهم ومشاعرهم ومشاكلهم أمام الله بشكل مباشر. وهنا تكوّن لديّ نوع من الأسى عندما رأيت هؤلاء الناس من العرق الأبيض يمتلكون سرّ العلاقة الحميميّة الورعة مع الخالق، الأمر الذي لا نعرفه أبدا في الإسلام. غير أنّني في النهاية، أدركت مدى التصحّر والجفاف في قلبي، بالرغم من تمسّكي الشديد وممارستي لفرائض "أكبر وأعظم الديانات على الأرض". في الحقيقة، وجدت نفسي عاريا، وكائنا وحيدا غريبا في وسط أكثر من مئتي إنسان يحيطون به. أخذت أتساءل عن معتقدهم وإيمانهم. هل هم يمثّلون فيلما سينمائيّا، ويتصنّعون فيما يعيشوه ويقولوه ويرتّلوه؟ ومع ذلك، تعمّدت أن لا أتأثّر كثيرا بما سمعته ولا بما شاهدته.

س – لماذا اتخذت هذا الجانب من الحذر رغم تأثّرك بما عشته في الكنيسة؟
ج- قرّرت البقاء حذرا، لاقتناعي من أنّ الحذر هيمن باستمرار على كلّ شعب تعرّض للإستعمار أو للحماية الأجنبيّة. والحذر أمر طبيعي لدى كل إنسان يتعرّض للرفض، للإقصاء، تألّم من التميّيز العنصري، أو اعتُبر مواطنا من الدرجة الثانية. لم يكن بوسعي أن أثق تماما من الوهلة الأولى، وأمحو سريعا كلّ قناعاتي السابقة من تفكيري. فلم أرغب إطلاقا في خيانة بلدي وعائلتي وإيماني مثل شقيقتي. قاومت بشدّة حضور الله الذي كان يؤرقني. لذلك لم أتردّد في تلاوة شهادة الإيمان الإسلامية، وتكرارها مرارا في الكنيسة: "أشهد أن لا إله إلاّ الله ومحمّدا رسول الله".قلتها أكثر من خمسين مرّة. نعم، قاومت، وصلّيت، وناضلت كي لا تمسّني عدوى الروح القدس الحاضر بين المسيحيّين. ولكنّي اكتشفت في ذلك اليوم خطر الدخول إلى الكنيسة، حيث مكثت حوالي ساعتين دون أن ألاحظ أيّة إشكالية في تصرّف الحاضرين أو أعثر على أيّ ثغرة سلبيّة تدعو إلى الخوف والقلق.

س – ولكن هل تغيّر شيء بعد ذلك في حياتك؟
ج – نعم، أخذت تساؤلات عديدة تدور وتتكاثر في ذهني عن هذه الديانة التي تسمّى المسيحيّة، ودخلت في حالة من الإضطراب النفسي. بدأت أفكّر وأبحث دون التحرّر من الشكّ. قلت في نفسي: إن كنت أنا على خطأ وكلّ هؤلاء الناس في الكنيسة على صواب، فذلك يعود إلى صدقهم في الأعمال والمعتقدات. ومع ذلك بقيت الشكوك حاضرة في بحثي وتساؤلاتي.

س – هل بدأت حالا بالبحث أم انتظرت فترة من الزمن؟
ج – بدأت البحث في فترة لاحقة عندما توفّر لديّ الكتاب المقدّس. فتحته بكل بساطة، رغم خوفي وتخوّفي منه بسبب تحريم قراءته واقتنائه على المسلمين. تذكّرت ما يقال لنا كما يقال حتّى اليوم للمسلمين بأنّه كتاب محرّف وموؤّل ومزوّر، هدفه فقط جذب الناس إلى الدين المسيحي. كذلك قيل لنا دائما إنّ القرآن هو آخر كتاب أنزل من السماء السابعة ولا يَعلو عليه أي كتاب آخر. فحول هذا الأمر، طرحت على نفسي السؤال التالي: "هل الله الذي نَصِفُه بكليّ القدرة، ليس قادرا كفاية على حفظ كتاب استخدمه وضمّنه تعاليمه وإبعاده عن كلّ تحريف؟ كذلك يقول القرآن إن يسوع المسيح هو كلمة الله. ألم يكن هذا الإله قادرا كفاية ليحفظ هذا التعليم الذي أتى به كلمته؟" وتساؤلات كثيرة من هذا الطراز كانت تراودني ولا تغيب عن ذهني.

س – في الكنيسة التي ذهبت إليها مع شقيقتك، أي إنطباع تكوّن لديك عن المؤمنين المسيحيّين الذين كانوا يجتمعون فيها للصلاة؟
ج – عندما شاهدت هؤلاء المسيحيّين،وجدت لديهم سلوكا ونوعيّة في التصرّف لم آلفها من قبل إطلاقا. تأثّرت كثيرا ببساطتهم وكيفيّة التعامل مع بعضهم بعض ومع الآخرين. فكيفيّة نظرتهم كانت تختلف تماما عن نظرة الآخرين إليّ في الخارج. كانت المرّة الأولى التي التقيت فيها فرنسيّين مسيحيّين تشعّ منهم الروحانيّة والحب والإنسانيّة. وهذا ما ولّد في نفسي حالة من الضياع وعدم الاستقرار. كانوا ينظرون إليّ نظرة رفق وتودّد، ببساطة كليّة وبأسلوب طبيعي، رغم الاختلافات الثقافية والحضارية. في تلك الكنيسة، استطعت التميّيز سريعا إذا كان أحد يحبّني أم لا. وقد لاحظت عندما عدت مجدّدا إلى تلك الكنيسة، أنّ التراتيل التي كانوا يرنّموها والصلوات التي كانوا يتلوها، تركت أثرا كبيرا في نفسي. وهذا ما جعلني أقول: من غير الممكن أن يكونوا مختلفين عنّا إلى هذا الحدّ.

س – هل تسنّى لك اللقاء بهؤلاء المسيحيّين خارج الكنيسة؟
خارج الكنيسة، كانت شقيقتي سعيدة جدّا بتقديمي إلى أصدقائها المسيحيّين. فحيّيتهم بخجل وتهذيب قائلا: "بونجور". تأثّرت كثيرا عندما رأيتهم يأتون نحوي بابتسامة بريئة ويطبعون قبلة على وجهي. فكانت المرّة الأولى التي أرى فيها فرنسيّين سعداء بلقاء ولد عربيّ.
أذكر كذلك أن شقيقتي عادت، بعد ظهر ذلك اليوم، إلى الكنيسة للمشاركة بما يسمّى "مدرسة الأحد". أمّا أنا فذهبت للعب مع الأولاد الذين هم من سنّي. لعبنا وتسلّينا معا، دون أن أشعر أنّني في فرنسا أو مع فرنسيّين أعرفهم ويرفضوني. في الحقيقة، كان يسود في ذلك المكان جوّ من الحبّ والفرح والإحترام.

س –العطلة لم تكن طويلة عند شقيقتك. كان عليك أن تعود إلى البيت وإلى المدرسة. بعد عودتك، ماذا قلت للوالدين عن نتيجة عمليّة "التجسّس" على شقيقتك التي كلّفت بها؟ هل قدّمت لهما تقريرا عن تلك العطلة وعن سلوك شقيقتك؟
ج – نعم، مرّت العطلة بسرعة، وعدت إلى البيت وقدّمت تقريرا إيجابيّا عن شقيقتي. فقلت لأبي وأمّي إنّ سلوك شقيقتي جيّد للغاية، لا تعاشر الشباب، ولا تتردّد إطلاقا إلى المقاهي أو إلى البارات الليليّة. ولكنّ أمّي لم تكتف بذلك، بل ارادت أن تعرف ماذا يفعل الناس في الكنيسة التي تذهب إليها شقيقتي. فأجبتها بكل بساطة: الناس هناك يصلّون فقط. فسألتني حالا: "ألا يشربون الكحول داخل الكنيسة؟ ألا يعربدون؟ ألا يرقصون؟ ألا يمارسون الفواحش؟". فـأجبتها: "كلاّ، وشقيقتي تتصرّف بكل انضباط، تذهب صباحا إلى عملها، وتعود في المساء إلى مسكنها، وهذا كلّ شيء. فهي أشرف من كلّ البنات اللواتي يمارسن الفرائض الدينيّة ولا يعرفن الله. لا تضع شقيقتي أيّ حجاب أو غطاء على رأسها وليست بحاجة لذلك، إذ ليس لديها شيئا تخفيه. حياتها مثاليّة للغاية".

س – يبدو أنّك في تلك السنّ تعمّدت التحفّظ والتكتّم. هل كنت تخفي شيئا وراء ذلك؟
ج - إكتفيت بهذا التقرير الإيجابي المقتضب، آملا بأن يُسمح لي بقضاء عطلة الميلاد القادمة وعطل أخرى لدى شقيقتي. وهذا ما تسنّى لي مراّت عديدة لاحقا. وبالفعل كنت سعيدا جدّا خلال تلك العطلة، ولم أبح لهما بأمور أخرى، خاصّة عن تأثّري بحياة المسيحيّين هناك، كما لم أذكر لهم شيئا عن تساؤلاتي وزعزعة إيماني بالإسلام.

س – ما الذي أثّر في تفكيرك بعد ذلك الإختبار؟
ج - في الحقيقة، تبيّن لي أنّ الناس يتسابقون متلهفين وراء الكسب الماديّ والحصول على أمور تافهة، بينما وجدت المسيحيّين الذين التقيتهم غير مبالين إطلاقا بالأمور المادّية والدنيويّة. يركّزون مجمل اهتمامهم على الحياة الروحيّة. وهذا ما أقلقني كثيرا، أنا المسلم،الذي يريد العيش والتنعّم بالحياة وبكلّ الأمور الظاهريّة. حتّى عندما كنت أذهب إلى الجامع، كنت أتلو الصلوات التقليديّة هناك أمام والديّ وإرضاء لهما. بينما يعيش المسيحيّون في الكنيسة إيمانهم عن قناعة ذاتيّة فقط. لم أكن أفهم شيئا من الإنجيل، ولكن سمعت آيتَين بقيتا عالقتين في ذهني: الأولى،"إذا آمنت، سترى مجد الربّ"، والثانية، "تعالوا إليّ يا جميع المتعبين وثقيلي الأحمال، وأنا اريحكم".

س – هل كنت تشعر فعلا آنذاك بهذه الحاجة إلى الراحة؟
ج – نعم، كنت أشعر بتعب أو بالأحرى بقلق نفسيّ. طوال حياتي كنت أفكّر بأنّني أنا شخصيّا من يسبّب المشاجرات والخلافات والإضطرابات والمشاكل والمسبّات بين أبي وأمّي. لذلك لجأت إلى الإسلام وحاولت ممارسة ما أمكن من الفرائض والواجبات المطلوبة من كلّ مسلم. ولكن لم أصل إلى نتيجة. فبينما كنت أحثّ عبثا والدَيّ على إعطاء جواب مقنع على تساؤلاتي، كان المسيحيّون الذين إلتقيتهم يوضّحون لي الأمور ببساطة وهدوء. عندما كنت أسأل والديّ ماذا يوجد بعد الموت، كانا يصفان لي فقط جهنّم والرعب الذي ينتظرنا هناك. وعندما كنت أسألهما، هل أستطيع مخاطبة الله وأقول له "أنا أحبّك"، كان جوابهما "لا". بالمقابل، رأيت المسيحيّين في الكنيسة يتوجّهون مباشرة إلى الربّ، فشعرت بوجود علاقة حميمة بينهم. وهذا لم يرق لي كثيرا، خاصّة عندما سمعتهم يخاطبون الربّ ويقولون له: "يا أبانا!"

س – هل كان لهذا الإختبار تأثير على كيفيّة تفكيرك وطريقة المقارنة بين المسيحيّين والمسلمين؟
ج – في الحقيقة، خفت كثيرا من هذا الإختلاف، أو بالأحرى من هذا الفرق بين المسيحيّين وبيننا نحن المسلمين، لأنّهم دفعوني إلى التساؤل عن كبرياء ديننا وتعاليه. كنت دائما أقول: إنّهم على خطأ، ويتصرّفون هكذا لإغرائي وجذبي إليهم وإيقاعي في شباكهم. كنت أستهزئ بهم ولا أكترث لهم، وأقول في قرارة نفسي: ليفعلوا ما يشاؤون، فلن يحرّكوا فيّ ساكنا، ولن يبدّلوا قناعاتي إطلاقا، أو كما يُقال باللبنانيّة: "يا جبل ما يهزّك ريح". غير أنّني وفي هذه الحالة من الإستهزاء والإزدراء بهم، كنت أقول: "لديهم شيء لا أعرفه ولا أتمتّع به، أودّ اكتشافه". في تلك اللحظة بالذات، عادت بي الذاكرة فجأة إلى حادثة قديمة عشتها في سنّ السادسة. في حينها، حصل شجار عنيف وعراك وضرب وشتائم بين أبي وأمّي، فهربت إلى غرفتي، وأخذت أتضرّع إلى الله بشكل رهيب لم أعرفه من قبل. حينها سمعت كلاما يهمس في أذنيّ ويقول: "ستلتقي يوما بشعب سعيد يعرف الحقّ". وقد غمرني وقتئذ أمل كبير باكتشاف ذلك. وهكذا، بعد مرور سنوات، عدت إلى تلك الكنيسة، وتذكّرت ذلك الحدث، وكأنّ ما سمعته وعشته آنذاك، قد حصل فعلا في تلك الكنيسة.

س – هل تبدّد الخوف من ذهنك أم أنّك بقيت ممزّقا وغارقا في الريب؟
ج – في الواقع، تزعزع إيماني بالإسلام كثيرا. وما زاد في الطين بلّة هي الفرصة التي سنحت لي في تلك الفترة للإحتكاك بالناس والتعرّف على هؤلاء المسيحيّين. فحياتهم كانت شهادة حيّة عن إيمانهم. ذهبت مرّة مع شقيقتي لزيارة بعض العائلات. كان استقبالهم لنا مفعما بالمحبّة والإحترام. أكلنا على مائدتهم، فجمعتنا الأخوّة. كانت صلاتهم قبل البدء بالطعام تشكّرا للعناية التي جمعتهم بنا وللبركة التي حلّت على بيوتهم بفضل وجود الغريب بينهم. أدركت أنّ كلّ ذلك لم يكن تصنّعا ولا تزلّفا، بل حقيقة ملموسة. وهنا طرحت السؤال على نفسي: "وإذا كان يسوع هو الحقّ؟"

س – هل كنت فعلا في ذلك السنّ راشدا إلى هذا الحدّ لإدراك كلّ هذه الأمور أم أنّك اليوم تحاول النظر إليها بعين الرشد وبعد عبورك إلى المسيحيّة؟
ج – يومها كنت في الرابعة عشر من العمر. ولا أدري كيف أدركت أنّ هؤلاء الناس كانوا صادقين مع أنفسهم، يجسّدون حياة روحيّة وعلاقة قويّة مع الربّ. يحترمون تعاليمه ويطبّقونها في حياتهم. لم أسمع أحدا ينتقد الآخر أو يقول عنه كلمة سوء، لا في الكنيسة ولا في الخارج. وقد أدهشتني وأثّرت فيّ كثيرا العلاقات العائلية وطريقة التعامل الإنسانيّة بين الأهل والأولاد والإحترام المتبادل بينهم. كلّ ذلك صدمني وزعزع قناعاتي السابقة، فانهار في ذهني كلّ ما كان ما يقال لي عن المسيحيّة والمسيحيّين.

س – ماذا كنت تعرف سابقا عن المسيحيّة؟
ج – إضافة إلى ما ذكرته سابقا، كانت المسيحيّة بالنسبة لي تجسيدا للفساد والفجور الذي نشاهده في أفلام السينما وعلى شاشات التلفزيون. كنت أصف المسيحيّين بعبدة أوثان، وآكلي خنازير، ومتعددي الآلهة، وكفّار، ومشركين، وما شابه... ثمّ، من خلال دراستي لاحقا للدين الإسلامي وتعمّقي به وبتراثه، تبيّن لي أنّ الإسلام يركّز دائما على تحريف الإنجيل من قبل المسيحيّين وعلى تنكّرهم للنبيّ محمّد وعلى كراهيتهم للتعاليم الإسلاميّة.

نتابع هذا الحوار في حلقة قادمة





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,562,069,897
- - الكافر سعيد- رسول المغاربة (5) -شقيقتي الكبيرة تعتنق المسي ...
- - الكافر سعيد - رسول المغاربة (4)
- -الكافر سعيد- رسول المغاربة (3)
- -الكافر سعيد- رسول المغاربة (2)
- سعيد الكافر، رسول المغاربة
- هوبار لومار : -المسلمون يكذبون علينا وعلى أنفسهم-
- القرآن في مشرحة -اللوغاريتم-
- حول كتاب حامد عبد الصمد - انهيار العالم الإسلامي -
- ألإسلام بحاجة إلى ثورة جنسية - الحلقة الثالثة والأخيرة
- ألإسلام بحاجة إلى ثورة جنسية - الحلقة الثانية
- ألإسلام بحاجة إلى ثورة جنسية


المزيد.....




- مظاهرات الجمعة تتواصل في لبنان احتجاجاً على الضرائب
- 3 رؤساء حكومة سابقين في لبنان يصدرون بيانا مشتركا بـ3 إعلانا ...
- جثة ضخمة في المحيط تذعر العلماء.. ما سرها؟
- موفد فرانس24 إلى الحدود التركية السورية: وقف إطلاق النار هش ...
- مراسلنا: مقتل أكثر من 20 شخص بانفجار في مسجد شرقي أفغانستان ...
- أردوغان: المنطقة الآمنة في سوريا ستمتد على طول الحدود لمسافة ...
- ماذا ينتظر إيرلندا الشمالية وفق اتفاق بريكست الجديد؟
- اليوم العاشر: خرق طفيف لاتفاق أميركي تركي بوقف النار لخمسة أ ...
- حيدر العبادي: العملية العسكرية التركية مجازفة خطيرة
- قصف متقطع وإطلاق نار شمالي سوريا غداة اتفاق تعليق القتال


المزيد.....

- كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي ... / مجدى عبد الهادى
- حوار مع ميشال سير / الحسن علاج
- حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع ... / حسقيل قوجمان
- المقدس متولي : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- «صفقة القرن» حل أميركي وإقليمي لتصفية القضية والحقوق الوطنية ... / نايف حواتمة
- الجماهير العربية تبحث عن بطل ديمقراطي / جلبير الأشقر
- من اختلس مليارات دول الخليج التي دفعت إلى فرنسا بعد تحرير ال ... / موريس صليبا
- أفكار صاخبة / ريبر هبون
- معرفيون ومعرفيات / ريبر هبون
- اليسار الفلسطيني تيار ديمقراطي موجود في صفوف شعبنا وفي الميد ... / نايف حواتمة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - موريس صليبا - - الكافر سعيد- رسول المغاربة (6)