أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - حامد الحمداني - ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة، والدروس والعبر منها















المزيد.....


ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة، والدروس والعبر منها


حامد الحمداني
الحوار المتمدن-العدد: 5223 - 2016 / 7 / 14 - 15:24
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


لم تكن ثورة 14 تموز1958 التي قادها الشهيد عبد الكريم قاسم انقلاباً عسكرياً كما يحلوا للبعض أن يسميها، بل كانت ثورة شعبية كان رأس رمحها اللجنة العليا لحركة الضباط الأحرار بقيادة الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم، وشاركت فيها كل القوى السياسية من أقصى يمينها المتمثل بحزب الاستقلال، وحزب البعث، حتى أقصى يسارها المتمثل بالحزب الشيوعي، بالإضافة إلى الحزب الوطني الديمقراطي والحزب الديمقراطي الكردستاني مدعومة بالجماهير الشعبية الواسعة التي نزلت إلى الشوارع في الساعات الأولى من صبيحة ذلك اليوم.

كان في مقدمة القوى التي التفت حول الثورة وقيادتها واحتضنتها وذادت عنها من تآمر القوى البعثية والقومية والعناصر الرجعية المرتبطة بالإمبريالية هي الأحزاب الديمقراطية المتمثلة بالحزب الشيوعي، والحزب الوطني الديمقراطي، والحزب الديمقراطي الكردستاني، وكان ذلك الموقف لهذه الأحزاب أمر طبيعي حيث كانت تناضل من أجل عراق ديمقراطي متحرر من أية هيمنة أجنبية، وضمان الحقوق والحريات العامة، وحرية التنظيم الحزبي والنقابي والجمعيات، وحرية الصحافة، وإجراء انتخابات عامة حرة ونزيهة، وتشريع دستور دائم للبلاد يضمن كافة حقوق وحريات الشعب بكل فئاته وقومياته، وتولي حكومة دستورية حكم البلاد تكون مسؤولة أمام البرلمان.

لكن الأحداث التي جرت في البلاد، والمؤامرات التي حيكت ضدها من قبل القوى اليمينية والقومية المدعومة من قبل عبد الناصر والقوى الإمبريالية، والثورة ما تزال في أيامها الأولي، عطلت المسيرة الديمقراطية، وأدخلت البلاد في دوامة العنف والعنف المضاد، وأدى بالتالي إلى ارتكاب أخطاء جسيمة من جانب السلطة المتمثلة بالزعيم عبد الكريم قاسم، والأحزاب الديمقراطية الملتفة حول الثورة، وتحولت المواقف إلى الاختلاف والصراع الذي اضرّ بكل تأكيد بالغ الضرر بمستقبل العراق والحركة الديمقراطية، وأدى في نهاية الأمر إلى اغتيال الثورة بعد أن استطاعت قوى الردة البعثية والقومية، وأذناب الاستعمار، من استغلال التدهور الحاصل في العلاقات بين قيادة الثورة والأحزاب الديمقراطية، والتي أدت إلى عزل قيادة الثورة المتمثلة بالزعيم عبد الكريم قاسم، واستطاعت اغتيال الثورة في انقلاب الثامن من شباط 1963 الفاشي، وإغراق القوى الديمقراطية بالدماء في حملة تصفية لم يشهد لها العراق مثيلاً من قبل .

فهل كان هناك مبرراً لوقوع ذلك الصراع بين حلفاء الأمس؟
ومن كان السبب في كل ما جرى ؟
وما هي الأخطاء التي ارتكبتها جميع الأطراف؟
في حقيقة الأمر أن جميع الأطراف كانت قد ارتكبت الأخطاء التي ما كان ينبغي أن تقع فيها، فالأحزاب الديمقراطية الثلاث كلها تتفق على كون الزعيم عبد الكريم قاسم كان شخصية وطنية صادقة لا شائبة فيها، حارب الاستعمار وحقق الحرية والاستقلال الحقيقي لوطنه .

لقد قاد الزعيم الثورة بدعم وإسناد من هذه القوى، وحقق إنجازات كبيرة في الحقل الوطني، وكان في مقدمة تلك الإنجازات:
1 ـ الخروج من حلف بغداد، وتحرير العراق من الهيمنة الإمبريالية.

2 ـ الخروج من منطقة الإسترليني وتحرير العملة العراقية .

3ـ إصدار قانون الإصلاح الزراعي وتحرير الفلاحين الذين يشكلون 70% من نفوس العراق وإنقاذهم من طغيان الإقطاع، وكان القانون يمثل بحق ثورة اجتماعية كبرى.

4 ـ إصدار القانون رقم 80 الذي تم بموجبه سحب 99،5 % من المناطق النفطية من شركات النفط .
5 ـ إصدار قانون تشكيل شركة النفط الوطنية كي تقوم باستثمار المناطق النفطية المسحوبة من شركات النفط وطنياً .

6ـ السماح للأحزاب السياسية بممارسة نشاطها بحرية، وإطلاق حرية الصحافة، وحرية تشكيل المنظمات والنقابات منذ انبثاق الثورة على الرغم من عدم وجود قانون ينظم مسألة تأليف الأحزاب السياسية.

7ـ إزالة حزام الفقر حول بغداد ، وتشييد مدينة الثورة ومدينة الشعلة لإسكان مئات الألوف من الفلاحين الهاربين من ظلم الإقطاعيين، وسكنوا تلك الصرائف حول بغداد، والتي لا تتوفر فيها أي من الشروط التي تليق بالإنسان

8 ـ أقامة علاقات اقتصادية وسياسية وفي كافة المجالات الأخرى مع سائر دول العالم على أساس المنافع المشتركة والاحترام المتبادل لسيادة واستقلال العراق .
9 ـ أقامة جملة من المشاريع الصناعية التي كان يفتقدها العراق في مختلف الفروع، وامتصاص البطالة التي كانت مستشرية، وعمل جاهداً على رفع مستوى معيشة الشعب.
10 ـ توزيع مئات الألوف من الأراضي السكنية على المواطنين من ذوي الدخل المحدود، وتقديم القروض لهم لبناء المساكن فيها، ونشر التعليم في مختلف مناطق العراق من خلال أقامة ألوف المدارس في القرى والأرياف التي كانت محرومة منها.

ولا مجال أن أطيل في تعداد إنجازات الثورة، لكنني أستطيع أن أقول أن الزمان لو طال بعمر الثورة وقائدها الشهيد عبد الكريم قاسم لحقق الكثير والكثير من الإنجازات التي كان يمكن أن تجعل من العراق أرقى بلد في المنطقة .
فالزعيم الشهيد عبد الكريم كما يتفق الجميع، وحتى أعدائه لم يحقق أي مصلحة لنفسه أو لعائلته، ولم يبني له قصراً، ولا حتى داراً متواضعاً، ولم يتخذ له ديواناً ضخماً، ولم يتملك شيئا، ولم يتنقل بمواكب ضخمة من الحراسة والحماية، فقد كان محبوباً من قبل الشعب، كما كان حريصاً على أموال الشعب، وكان إنساناً بسيطاً ومتواضعاً كأي مواطن آخر، ولقد قُدر لي أن أزوره في مقره بوزارة الدفاع ضمن وفد لنقابة المعلمين في أواخر شهر شباط عام 1959، واطلعنا على مقره البسيط وغرفة نومه المتواضعة جداً.
عبد الكريم قاسم لم يكن شوفينياً، بل على العكس من ذلك كان على علاقة مع العديد من الشخصيات الديمقراطية المعروفة وعلى صلة بالأحزاب الوطنية ذات الخط الديمقراطي، وقد أبلغ عدد من أولئك القادة الوطنيين بموعد الثورة وضم العديد منهم في حكومته.

إذا الطرفان المتمثلان بالسلطة بقيادة عبد الكريم قاسم والأحزاب الديمقراطية الثلاث الوارد ذكرها يمثلان قوى وطنية، وأن أي تناقض بين هذه القوى يعتبر تناقض ثانوي، في حين أن القوى القومية التي تخلت عن جبهة الإتحاد الوطني منذ ايامها الاولى، وانسحبت من الحكومة، وتآمرت على ثورة تموز وقيادتها مستخدمة أسلوب العنف لاغتصاب السلطة كانت قد فقدت صفتها الوطنية، وبذلك أصبح التناقض بينها وبين السلطة والأحزاب الديمقراطية الثلاث يمثل تناقضاً أساسياً .

كان على السلطة المتمثلة بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم، والأحزاب الديمقراطية الثلاث الحزب الديمقراطي الكردستاني، والحزب الوطني الديمقراطي، والحزب الشيوعي أن تدرك المخاطر الحقيقية التي تمثلها تلك القوى المتآمرة على الثورة، والقوى التي تقف وراءها وتدعمها، والمتمثلة بالولايات المتحدة وبريطانيا بالإضافة إلى حكومة عبد الناصر، فالجميع كانوا في حقيقة الأمر في سفينة واحدة، والمتمثلة بالثورة، وأن غرقها سيعني بلا شك غرق الجميع، وهذا هو الذي حدث بالفعل بعد نجاح انقلاب 8 شباط الفاشي عام 1963، حيث لم تسلم أي من هذه القوى من بطش السلطة الانقلابية فلماذا حدث كل هذا ؟ ومن يتحمل مسؤولية ذلك ؟

وإنصافاً للحقيقة أستطيع القول أن الجميع وبلا استثناء كانوا مسؤولين عما حدث، واليوم وبعد مضي 53 عاماً على حلول تلك الكارثة التي حلت بشعبنا العراقي بعربه وكورده وسائر مكوناته الأخرى نتيجة ذلك الانقلاب الدموي الفاشي فإن استذكار مسببات ذلك الحدث أمرٌ هام جداً يستحق الدراسة والتمحيص للخروج بالدروس البليغة للحركة الوطنية لكي لا تقع بمثل تلك الأخطاء من جديد. لقد أخطأت الأحزاب الوطنية في طريقة التعامل مع الزعيم عبد الكريم قاسم، وتغليبها التناقض الثانوي على التناقض الرئيسي.
كان الحاح الحزب الشيوعي على المشاركة في السلطة، وخاصة بعد تقديم تلك المذكرة المسهبة التي قدمها الحزب للزعيم في 15 تشرين الثاني 1958، والتي طالبته في اشراك الحزب في السلطة قد ادخلت الريبة والشكوك في نفس الزعيم عبد الكريم قاسم من تعاظم قوة الحزب وهيمنته على المقاومة الشعبية التي بدت وكأنها ميليشيا تابعة للحزب، واستئثاره بقيادة كافة الاتحادات العمالية والفلاحية وسائر النقابات والجمعيات، قد اثارت القلق لديه، ولدى قيادة الحزب الوطني الديمقراطي.

وجاءت مسيرة الأول من أيارـ عيد العمال العالمي ـ في بغداد، والتي نظمها الحزب الشيوعي، طارحاً من خلالها شعار إشراك الحزب الشيوعي في السلطة [عاش زعيمي عبد الكريمي، حزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيمي] بيد الجماهير، وضخامة تلك المسيرة، التي ضمت أكثر من مليون من أعضاء، ومؤيدي وجماهير الحزب، من العمال والفلاحين، والمدرسين والطلاب والأطباء والمحامين والمثقفين كصاعقة نزلت على الرؤوس جميعاً، وأدخلت الرعب فعلاً في قلب عبد الكريم قاسم والقيادة اليمينية في الحزب الوطني الديمقراطي، المتمثلة بكتلة [ محمد حديد وحسين جميل ] ورفاقهم، فقد شعروا أن الأرض قد زلزلت تحت أقدامهم وهم يسمعون هتاف الجماهير الصاخبة مطالبين إشراك الحزب الشيوعي في الحكم، وبدا أن الشعب كله يقف وراء الحزب، ونزل الجنود، والضباط المؤيدين والمناصرين للحزب إلى الميدان أيضاً، وشعر المراقبون في ذلك اليوم أن الحزب الشيوعي قد بات قاب قوسين أو أدنى من الوثوب إلى الحكم، حتى أن رئيس جهاز المخابرات الامريكية [ الن دلس] صرح في ذلك اليوم قائلا:
{أن اخطر ما يواجه عالمنا اليوم هو الوضع في العراق}

كان الأجدى بالحزب آنذاك أن يركز نضاله على الأمرين الأساسيين [إنهاء فترة الانتقال وانتخاب مجلس تأسيسي] و[سن دستور دائمي للبلاد] ويخوض الحزب الانتخابات التي ستقرر مصير العراق.

لقد استفز الحزب الشيوعي الزعيم عبد الكريم قاسم والبرجوازية الوطنية على حد سواء، ومارست القيادة اليمينة للحزب الوطني الديمقراطي بقيادة محمد حديد الضغوط على الزعيم وتخويفه من تنامي نشاط الحزب الشيوعي وتطلعاته للسلطة، كما ساهمت القوى الامبريالية في تحذير عبد الكريم قاسم مما سمته بالخطر الشيوعي، وجاءت المحاولة الانقلابية لقائد كتيبة الدبابات الرابعة في ابي غريب المقدم الشيوعي فاضل البياتي- من دون علم الحزب- واعتقال البياتي ومعه عدد من الضباط في إمرة الادارة بوزارة الدفاع ليشكل القشة التي قصمت ظهر البعير ،كما يقول المثل، ويقرر عبد الكريم قاسم تصفية نفوذ الحزب الشيوعي بعد أن كان في مقتبل الثورة قد فسح له المجال للعمل واسعا، واطلق سراح كافة السجناء الشيوعيين، ومكّن الحزب من قيادة المنظمات الوطنية والنقابات والاتحادات والجمعيات، وفي الوظائف العليا في البلاد.
وفي الوقت نفسه أخطأ الزعيم عبد الكريم قاسم في تعامله مع الحزب الشيوعي ظناً منه أن الأخطار تأتيه من هذا الجانب وليس من جانب القوى التي مارست ونفذت الحركات التآمرية ضد الثورة وقيادتها فعلياً .

لكن الذي لا يجب إغفاله أن الزعيم عبد الكريم كان فرداً أولاً، وكان قريب عهد في السياسة ثانياً، فلم يكن مركزه العسكري يمكنه من مزاولة أي نشاط سياسي، وعليه فإن احتمالات وقوعه بالخطأ كبيرة شئنا ذلك أم أبينا.

لكن الأحزاب السياسية التي تقودها لجان مركزية، ومكاتب سياسية كانت قد تمرست في النشاط السياسي، وهي تجتمع لتدارس وتمحيص القرارات السياسية قبل اتخاذها، فإن وقوعها في الخطأ ينبغي أن يكون في أضيق الحدود إن وقع، مع تحمل المسؤولية عن ذلك، حيث من المفروض إن تحرص على عدم الوقوع في الخطأ، ولا سيما حينما يتعلق الخطأ بمستقبل ومصير شعب بأكمله !!.
وجاءت الخلافات العميقة التي حدثت بين قيادة عبد الكريم قاسم وقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مصطفى البارزاني، ولجوء الطرفين إلى الصراع المسلح، واستخدام السلطة للجيش في حسم ذلك الصراع .
فقد بدأت العلاقات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والسلطة بالتدهور عام 1961، عندما هاجمت صحيفة الحزب [خه بات] أسلوب السلطة في إدارة شؤون البلاد، وطالبت بإلغاء الأحكام العرفية، وإنهاء فترة الانتقال، وإجراء انتخابات عامة حرة ونزيهة، وسن دستور دائم للبلاد، وإطلاق سراح السجناء السياسيين الأكراد، واحترام الحياة الحزبية، وحرية الصحافة. (2)
في تلك الظروف المعقدة اندلعت حركة تمرد رجعية بقيادة اثنان من كبار الإقطاعيين هما [رشيد لولان ] و [عباس مامند] بدعم وإسناد من النظام الإيراني، والسفارة الأمريكية في طهران، وقد أستهدف رشيد لولان وعباس مامند إلغاء قانون الإصلاح الزراعي، فيما استهدفت الإمبريالية الأمريكية وعميلها شاه إيران زعزعة النظام الجديد في العراق وإسقاطه، وقد بادر الزعيم عبد الكريم قاسم بارسال عدد من القطعات المسلحة نحو الحدود العراقية الإيرانية لإخماد التمرد قبل استفحاله .

أما الحزب الديمقراطي الكردستاني فقد استهل صراعه مع السلطة بإعلان الإضراب العام في منطقة كردستان في 6 أيلول 1961 ، حيث توقفت كافة الأعمال، و أصاب المنطقة شلل تام، وقام المسلحون الأكراد باحتلال مناطق واسعة من كردستان حاملين السلاح بوجه السلطة!

كان على القيادة الكردية أن تقدر دوافع تلك الحركة، وطبيعة القائمين بها، والمحرضين عليها، ومموليها، وعدم تغليب التناقض الثانوي على التناقض الرئيسي مع الإمبريالية وأذنابها، سواء كانوا عرباً كما هو الحال مع حزب البعث وحلفائه القوميين أو كانوا من الكرد، كما هو الحال مع تمرد الاقطاعيين رشيد لولان وعباس مامند.

كما أن عبد الكريم قاسم فضل هو الآخر اللجوء إلى استخدام القوة ورفض الحوار، وحل المشاكل مع القيادة الكردية، وإيجاد الحلول الصائبة للقضية الكردية، حسب ما نصت عليه المادة الثالثة من الدستور المؤقت.
ظن الزعيم عبد الكريم قاسم أن اللجوء إلى السلاح سينهي الأزمة خلال أيام، ويصفي كل معارضة لسياسته في البلاد، لكن حساباته كانت خاطئة وبعيدة جداً عن واقع الحال، وكانت تلك الحرب في كردستان أحد أهم العوامل التي أدت إلى اغتيال ثورة الرابع عشر من تموز يوم الثامن من شباط 1963.
لقد رد الزعيم عبد الكريم قاسم بدفع المزيد من قطعات الجيش في 9 أيلول 961، لضرب الحركة الكردية مستخدمأً كافة الأسلحة والطائرات، وهكذا امتدت المعارك وتوسعت لتشمل كافة أرجاء كردستان، وذهبت كل النداءات التي وجهها الحزب الشيوعي لكلا الطرفين لإيقاف القتال، واللجوء إلى الحوار، وإيجاد حل سلمي للقضية الكردية أدراج الرياح، وتمزقت الوحدة الوطنية، وتحولت الجبهة الوطنية إلى الصراع المرير بين أطرافها، ومع السلطة جراء الأخطاء القاتلة لكافة الأحزاب السياسية والسلطة على حد سواء، فقد كان لكل طرف حصة ونصيب في تلك الأخطاء التي أدت إلى التمزق والصراع، وضياع الثورة، وتصفية كل مكاسب الشعب، وإغراق البلاد بالدماء.
ولكون الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم كان في قمة السلطة فقد كان قادراً أن يفعل الكثير من أجل صيانة الثورة، والحفاظ على لحمة الصف الوطني واليقظة والحذر من غدر قوى الردة، لكنه لم يدرك خطورة الموقف، ووقع في تلك الأخطاء الخطيرة والتي يمكن أن نلخصها بالتالي :

لقد اخطأ الزعيم عبد الكريم في سياسة [عفا الله عما سلف] و[سياسة فوق الميول وفوق الاتجاهات]، وعفا عن الذين تآمروا عليه وعلى الثورة جميعاً، وحاولوا قتله في رأس القرية واصابوه بالرصاص وأطلق سراحهم في محاولة منه لخلق حالة من التوازن بين القوى الوطنية المساندة للثورة والقوى الساعية لاغتيالها، وكان ذلك الموقف خطأً قاتلاً يتحمل مسؤوليته الكاملة.
لقد اعتقد عبد الكريم قاسم أن الخطر الحقيقي يأتيه من قوى اليسار[القوى الديمقراطية]، وبوجه خاص من [الحزب الشيوعي] الذي وقع في أخطاء كبيرة ما كان له أن يقع فيها، بحيث أصبحت لدى الزعيم القناعة أن الحزب الشيوعي قد بات قاب قوسين أو أدنى من انتزاع السلطة، ومما زاد في قناعة الزعيم هذا الموقف الذي وقفته القيادة اليمينية للحزب الوطني الديمقراطي بغياب زعيم الحزب المرحوم كامل الجادرجي، والتي أدخلت في روعه الخطورة التي بات يمثلها الحزب الشيوعي على سلطته، فقرر تقليم أظافر الحزب وأضعاف نفوذه الطاغي في الشارع العراقي آنذاك، وكانت باكورة إجراءاته سحب السلاح من المقاومة الشعبية ومن ثم إلغائها، ولو كانت المقاومة باقية يوم الثامن من شباط لما تسنى للانقلابيين النجاح في انقلابهم.
لقد كان رد فعل الزعيم يمثل الرد على الخطأ بخطأ أعظم وأفدح حيث افتقد قوى واسعة ومؤثرة أكبر التأثير في الساحة العراقية، وعزل نفسه عن الشعب مما سهل للانقلابيين تنفيذ مؤامرتهم الدنيئة في الثامن من شباط 1963.
لقد اخطأ عبد الكريم قاسم في تقييمه لمسألة الصراع مع القوى المضادة للثورة، الذي أججته قراراتها، وخاصة فيما يخص قانون الإصلاح الزراعي الذي أحدث ثورة اجتماعية حقيقية سلبت السلطة من الإقطاعيين دعائم الإمبريالية، فقد بدأ الرجعيون والإقطاعيون، وكل المتضررين من ثورة تموز بتجميع صفوفهم وبعث نشاطهم من جديد، على أثر الموقف الذي أتخذه عبد الكريم قاسم من الشيوعيين والقوى القومية الكردية، فقد استغلت الرجعية تلك الظروف من أجل تنفيذ هجمتها الشرسة ضد القوى الديمقراطية سند الثورة وحاميها، وإضعاف السلطة وعزلها عن الشعب.

كما أخطأ عبد الكريم قاسم في تقييمه لخطورة الصراع مع شركات النفط ، من أجل انتزاع حقوق العراق في ثروته النفطية، والحفاظ على استقلاله الوطني، وإصداره القانون رقم 80 لسنة 1961، والذي أنتزع بموجبه 99,5% من مناطق امتياز تلك الشركات من سيطرة شركات النفط الاحتكارية، والعمل على استغلالها وطنياً.

لقد كان الصراع على أشده مع شركات النفط، وتبادل الطرفان التهديدات، وكان آخر كلمة لوفد شركات النفط هي التحدي، وكان الوفد يعني ما يقول، فكانت مؤامرتهم الدنيئة على ثورة 14 تموز وقيادتها، والأمر المؤسف حقاً هو أن عبد الكريم قاسم لم يأخذ الحيطة والحذر من أحابيل ومؤامرات شركات النفط حرصاً على مصالحها، حتى ولو أدى ذلك إلى إغراق العراق بالدماء.
لقد كان على عبد الكريم قاسم إن يدخل في صراعه مع شركات النفط محصناً بجبهة شعبية قوية قوامها هذه الأحزاب الوطنية والديمقراطية تقف إلى جانبه وتدعم موقفه، لا أن يدخل في صراع معها غير مبرر إطلاقاً، فتستغل الإمبريالية موقفه الضعيف لتنفذ مؤامرتها الدنيئة بنجاح في الثامن من شباط 1963. وهكذا أصبح النظام منعزلاً وجهاً لوجه أمام مؤامرات الإمبريالية وعملائها.
كما اخطأ عبد الكريم قاسم في اعتماده على جهاز أمن النظام الملكي السابق، الذي لم يجر عليه تغيير سوى إحالة 45 من ضباط الأمن على التقاعد، ومعلوم أن ذلك الجهاز الذي أنشأته، ورعته الإمبريالية وعملائها الحاكمون في بغداد آنذاك، لم يكن يدين بالولاء للثورة ولا لزعيمها عبد الكريم قاسم، وكان له دور كبير في إخفاء نشاطات القوى الرجعية والحركات التآمرية على السلطة وحماية المتآمرين .
ولم يكن جهاز الاستخبارات العسكرية بأحسن حال من جهاز الأمن، والذي أنيط به حماية الثورة من المتآمرين، وتبين فيما بعد أن ذلك الجهاز كان ملغماً بالعناصر المعادية للثورة، وكان على رأسهم رئيس الجهاز[محسن الرفيعي] ومن قبله[ رفعت الحاج سري] الذي ثبت للمحكمة اشتراكه في الحركة الانقلابية للشواف، وحكم عليه بالإعدام، ونفذ الحكم فيه.

أما احمد صالح العبدي، رئيس أركان الجيش، والحاكم العسكري العام، فإن خيانته قد توضحت تماماً عندما أصدر أمراً يوم 5 شباط، أي قبل وقوع الانقلاب بيومين، يقضي بسحب العتاد من كتيبة الدبابات التي كان يقودها العقيد الركن [ خالد كاظم ] وهو الوحيد الذي بقي في مركزه القيادي من الضباط اليساريين، بعد ان ابعد الزعيم كل العناصر الوطنية في الجيش وفي الجهاز الاداري، وأودع العتاد في مستودع العينة، وبقيت دباباته دون عتاد لكي لا يتصدى للانقلابيين. ولم يمس الانقلابيين العبدي بسوء.

كما اخطأ الزعيم في إطالة الفترة الانتقالية والتأخر في إجراء الانتخابات العامة وتشريع دستور دائم للبلاد، والتي استغرقت 4 سنوات، أحد العوامل الرئيسية في نشوب الخلافات بين القوى الوطنية والسلطة المتمثلة بالزعيم عبد الكريم قاسم، وتحول الخلافات نحو الصراع بين الأطراف الوطنية والسلطة.
لم يكن هناك مبرر لإطالة فترة الانتقال طيلة هذه المدة، وكان بالامكان اختزالها لمدة أقصاها سنتين، والتوجه نحو إجراء انتخاب مجلس تأسيسي يأخذ على عاتقه تشريع دستور دائم للبلاد وعرضه على الشعب في استفتاء عام، ليتم بعد ذلك قيام حكومة ديمقراطية تمثل إرادة الشعب.

ولم يكن هناك ما يُخيف الزعيم عبد الكريم قاسم على موقعه كقائد لثورة 14 تموز حيث كان يتمتع بشعبية كبرى لم يتمتع بمثلها أي زعيم عراقي أو عربي من قبل، وكنت على يقين أن الزعيم عبد الكريم قاسم لو شاء أن يشكل له حزباً سياسياً آنذاك، ويشارك في الانتخابات فإن حزبه كان سيفوز فوزا كاسحاًعلى جميع الأحزاب، ولست أنا من يقول ذلك فقط، بل أن الحزب الشيوعي الذي كان يتمتع بشعبية كبيرة في البلاد أعترف في أدبياته ونشراته الداخلية في رده على الأفكار والدعوات التي ظهرت في صفوف الحزب داعية إلى استلام السلطة أن هذه الشعبية التي نشهدها في الشارع العراقي هي شعبية الزعيم عبد الكريم قاسم الذي كان يمجده الشعب.

لكن الزعيم عبد الكريم شاء أن يختار لنفسه أن يكون [فوق الميول وفوق الاتجاهات] و[ وسياسة عفا الله عما سلف ] ، وأطلق سراح المتآمرين المحكومين بالإعدام والذين أطلقوا عليه الرصاص في رأس القرية، وفي الوقت نفسه أصدر أمره بتنفيذ حكم الإعدام بحق الشهيد الشيوعي [ منذر أبو العيس]، وحاول أن يخلق نوعاً من التوازن بين حماة الثورة والمدافعين عنها، والحريصين على صيانتها وبين الذين تآمروا عليها وحاولوا مراراً وتكراراً إسقاطها والوثوب على الحكم، وهذه هي إحدى أخطائه الجسيمة التي أوصلته إلى تلك النهاية المحزنة، وأوصلت الشعب العراقي إلى الكارثة حيث استطاع حزب البعث المتحالف مع القوى القومية والرجعية والاقطاعية والمدعوم من قبل عبد الناصر والقوى الإمبريالية من استغلال تشتت القوى الديمقراطية، وانعزال سلطة عبد الكريم قاسم، إلى إنزال الضربة القاضية بثورة 14 تموز المجيدة واغتيال قائدها عبد الكريم قاسم وصحبه الأبرار، والتنكيل بقيادة وأعضاء وأصدقاء الحزب الشيوعي، وسائر الوطنيين والديمقراطيين، وإغراق العراق بالدماء.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- من اجل اعادة حقوق قائد ثورة 14 تموز الشهيد عبد الكريم قاسم
- الدعوة لتقسيم العراق خيانة وطنية كبرى
- في الذكرى الثامنة والستين للنكبة / أضواء على تطورات القضية ا ...
- في الذكرى الثامنة والستين للنكبة / أضواء على تطورات القضية ا ...
- أضوء على تطورات القضية الفلسطينية الحلقة الاولى 3/1
- انقلاب رشيد عالي الكيلاني
- العراق وتداعيات الحرب العالمية الثانية / القسم الاول 2/1
- التاسع من ايار 1945 يوم خالد في تاريخ البشرية
- المرأة والتطرف الديني في العالم العربي
- مسؤولية المجتمع الدولي في التصدي للإرهاب
- نوري السعيد / الحلقة الاخيرة 30/30
- نوري السعيد / الحلقة التاسعة والعشرون
- نوري السعيد / الحلقة الثامنة و العشرون
- نوري السعيد / الحلقة السابعة والعشرون
- نوري السعيد / الحلقة السادسة والعشرين
- نوري السعيد / الحلقة الخامسة والعشرون
- نوري السعيد / الحلقة الرابعة والعشرون
- نوري السعيد / الحلقة الثالثة والعشرون
- نوري السعيد / الحلقة الثانية والعشرون
- نوري السعيد / الحلقة العشرون


المزيد.....




- نسيج السدو.. أقمشة البدو تتحول لموضة في دبي
- شاهد في 80 ثانية.. ما الذي حدث في منظمة التعاون الإسلامي؟ 
- لقاء بن سلمان وبن زايد بقيادة الإصلاح.. هل تُفتح صفحة جديدة ...
- الكرملين يأمل في أن تتقيد سوبتشاك باللباقة في حوار بوتين
- وفد عسكري روسي يبحث في بيونغ يانغ مسألة منع النشاط العسكري ا ...
- إحباط عملية انتحارية في دمشق
- مسؤول روسي: ترامب أطلق شرارة الانتفاضة الفلسطينية الثالثة!
- طرد مساعدة ترامب المقالة من البيت الأبيض بعد محاولتها دخول ش ...
- بي إم دبليو -X6- تعود بحلة جديدة كليا
- -شيفروليه كورفيت-الجديدة تغير مفاهيم السيارات السريعة


المزيد.....

- عن الذين يقتاتون من تسويق الأوهام! / ياسين المصري
- إصدار جديد عن مكانة اللغة العربية في الجامعات الإسرائيلية / حسيب شحادة
- نقش الحقيقة السبئية: جغرافية التوراة ليست في اليمن / فكري آل هير
- المقصوص من الاسلام الكامل صانع الحضارة / محمد سعداوى
- الأمثال العامية المعاصرة / أيمن زهري
- اشكالية العلاقة بين الحزب الشيوعي والمؤسسة الدينية في العراق ... / سلمان رشيد محمد الهلالي
- تحولات الطبقة الوسطى(البرجوازية) في العراق خلال (150) عام (1 ... / سلمان رشيد محمد الهلالي
- التساؤل عن الإنية والبيذاتية عند هيدجر وسارتر وكيركجارد / زهير الخويلدي
- طبيعة وخصائص الدولة في المهدية / تاج السر عثمان
- ابن رشد من الفقه الى الفلسفة / محمد الاغظف بوية


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - حامد الحمداني - ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة، والدروس والعبر منها