أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - بشاراه أحمد - قَبَانْجِيْنَآتٌ مُتَهَآفتة ... لَاْ حَمْدَ فِيْهَاْ (F):















المزيد.....



قَبَانْجِيْنَآتٌ مُتَهَآفتة ... لَاْ حَمْدَ فِيْهَاْ (F):


بشاراه أحمد

الحوار المتمدن-العدد: 5216 - 2016 / 7 / 7 - 16:02
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


نكمل من حيث وقفنا في موضوعنا السابق الذي تدبرنا فيه الصورة الرائعة التي ضرب جسدها الله سبحانه وتعالى لمثل نور الذي ينير الكون كله بسماواته وأرضه فكانت صورة رائعة كاملة البيان والإبيان, تماماً كما ينير المشكاة المتميزة - مصباحها المتميز بزيته المتميز - هذا الحيز الصغير من الحجرة فيحولها لكتلة من نور. كذلك يكون نور الله تعالى ساطعاً مبهراً في قلب المؤمن الذي خصَّ قلبه وقفاً لله تعالى ولا يقبل فيه معه أحد غيره (كائن من كان). فهذا النور الساطع الشامل الكامل,,, لا يحسه ويستشعره وينعم به إلَّا الخاشعون المفلحون المهتدون بتوفيقه تعالى وهدي رسوله الخاتم الأمين: (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء), (وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ).

وبالمقابل,,, كيف يهدي الله لنوره من ناصبه العداء وكذَّب بآياته وملائكته ورسله وسعى في الأرض فاسداً مفسداً؟؟؟
وما حال ومصير ومآل ذلك التعس النكد عندما يلقى ربه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة, وماذا أعد الله تعالى له من تعاسة وهوان وشقاء,, (جزاءاً وفاقاً), إنهم كانوا لا يرجون حساباً وكذبوا بآيات ربهم كذاباً. هذا ما سيخبرنا به الله تعالى في هذه السورة الكريمة المعجزة عبر الآيات التالية, ولكن قبل ذلك هناك سؤال مهم بديهي لا بد من طرحه والإجابة عليه.

1. أين يوجد نور الله هذا, الذي صوره في أعظم تصوير مادي يخلب الألباب ويثلج الصدور؟,
2. وكيف السبيل إلى بلوغه وإدراكه والفوز به؟؟,
3. ومَنْ ذلك الموفق السعيد من الخلق الذي يستحقه وينعم به؟؟؟

قال تعالى: ذلك النور لا يكون إلَّا: (فِي بُيُوتٍ ...), هي بلا شك المساجد ودور عبادتة وحده التي,
1. والتي قد: (... أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ ...), قدراً ومكاناً ومكانة تليق بجلاله وعظيم ذكره وشكره وثنائه,
2. (... وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ...), واحداً أحداً, فرداً صمداً, لا يذكر من دونه ولا معه أحد,
3. (... يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ 36), كل من وفقه الله تعالى لمعرفة الحق والحقيقة وأنار الله وجدانه فأحيى بصيرته وذكى روحه وبصره وسمعه فبادل الله حباً بحب,

أما أولئك الذين أذن الله لهم بذكر إسمه في بيوته هم: (رِجَالٌ ...), إكتملت عناصر الرجولة والإنسانية والعبودية لله ربهم ورب كل شيء, لأنهم بحق وصدق:
1. (... لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ...), وكل هذه الصغائر الفانية وغيرها,
2. لأنهم بلا شك: (... يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ 37), يوماً لا ينفع فيه مال ولا بنون إلَّا من أتى الله بقلب سليم.

فما غايتهم ورجاءهم من كل هذا العمل الصادق والتفاني في حب الله وتقفي أثر وهدي نبيه الأمين الخاتم "تأسياً وإتباعاً وعمل"؟؟؟ .....
هذا السؤال تولى الله تعالى الإجابة عليه عنهم, حتى لا يكون في ردهم مَنٌّ على الله تعالى أو مقابل لحبهم الصادق له وسعيهم لرضاه وقبول عملهم - المتواضع في نظرهم – المقدر عند ربهم الشكور – منهم, والذي يتنافسون فيه فقط إبنغاء وجهه الكريم,, قال تعالى:
1. (لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا ...), متجاوزاً عن سيآتهم وذنوبهم وقبوله إستغفارهم,
2. بل, (... وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ...), فهو غفور شكور, كريم, غني حميد,
(... وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ 38), عطاء رحمان رحيم.

ذلك حال المؤمنين المستحقين لنور ربهم,, فما هو حال الكافرين بالمقابل, وكيف مآلهم في غياب نوره عنهم, فهل شملهم في هذه الأمثال التي يضربها للناس أم أغفل شأنهم؟؟؟

بالطبع نعم,,, فبعد أن صور الله تعالى نوره وجسده بنموذج مادي مشاهد وواضح في بيانه لمنابع ومواضع هذه النور المقدس في المساجد ودور العبادة وقلوب المؤمنين, أراد أن يصور – عبر هذه الأمثلة المعجزة حال وبيئة الكافرين المعتمة وظلام قلوبهم الخربة المحرومة من نور الله المبين, فقدم في ذلك صورتان بشعتان, تنقبض لهما النفس السوية الأبية, فوصف فيها أعمالهم المحبطة, وبين أن كل صورة منهما أبشع من الأخرى رغم أنها مجسدة للواقع بدقة معجزة مذهلة:

قال تعالى في الصورة الأولى: إن أعمال الكافرين في سجيل, وما أدراك ما سجيل, كتاب مرقوم, لا فائدة تعود عليهم منها, لأنها تماماً كالسراب بقيعة, وقد صوَّر فيها الكافر "بالظمآن" الباحث عن الماء لينقذ حياته المشرفة على الهلاك, فما أن يقع بصره على سراب حتى يتجه نحوه بفرح وأمل شديدين, ولكن, ما أن يصل إليه يدرك الحقيقة المرة وهي أنه أمام سراب ليس فيه شراب, فتذوب وتنذوي الآمال ويحل اليأس والقنوط من توقع فرص للنجاة من الهلاك المحقق, وهذا بالضبط ما سيكون عليه حاله يوم الدين, لأنه سيكتشف أن كل أعماله التي كان يظنها ستنجيه هي التي تتربص به لتهلكه كما يهلكه السراب الذي بخدعته يكون قد أضاع عنه جميع فرص النجاة من الهلاك.

قال تعالى في ذلك: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ 39), الآن الكافر المكذب أمام ربه الذي كان ينكره ويعصاه ويتخذ أياته ورسله هزواً ولعباً, فلن يجد أمامه حاضراً سوى تبعة أعماله التي سيتبرأ منها ولكن هيهات.

أما الصورة الثانية فهي تصف بل وتجسد ظلام وجدانه وبيئته التي إختارها لنفسه بنفسه بديلاً عن نور الإيمان بربه فأصبح كائناً مظلماً وظالماً لنفسه مبين, متواجد في بيئة مظلمة تتجانس معه ويتجانس معها, قال تعالى في هذه المقابلة الوصفية المعجزة لأعمال ووجدان الذين كفروا:
1. (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ ...), عميق كالمحيطات والبحار الكبيرة, ومعلوم أن قاع البحار مظلمة ظلاماً حالكاً دامساً, ومع ذلك ليس هناك أمل في بلوغه شيء من ضوء لأن هذا البحر فيه أمواج متلاطمة, طبقات بعضها فوق بعض كل طبقة منها تجود بظلمتها وعتمتها وشرها للأخرى التي تحتها,

2. فقاع البحر, على ظلامه الدامس: (... يَغْشَاهُ مَوْجٌ ...), يزيده ظلاماً وعتمة, ليس ذلك فحسب, بل: (... مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ ...) آخر,،، لأنها أمواج تعلوها أمواج أخرى متلاطمة, وهذا يضاعف عتمة ظلام قاع البحر اللجي أكثر فأكثر,

3. لم يقف الأمر عند هذا التلاطم والظلمة المركبة, بل ان كل مصادر الضوء الطبيعي للشمس أو القمر أو النجوم محجوبة تماماً - في هذه البيئة النكدة المغضوب عليها - لأن الموج: (... مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ...), لا يترك مجالاً أو أملاً في شيء من ضوء وهذا يجعل بيئة البحر: (... ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ...), لدرجة أن الكائن في قاع البحر هذا - المقصود به الكافر في هذا المثال- من شدة الظلمة المركبة: (... إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ...), حتى عند وضعها أمام عينيه مباشرة. فهذا حال الكافر الذي حرم نفسه من نور الله تعالى الذي قال عنه - وقد شبه الله تعالى أعماله "بيده", فهو لا يراها تماماً كيده التي إذا أخرجها من يكد يراها - فتختفي أعماله أما ناظريه لشدة السواد والظلام الذي هو فيه,,, إذاً كيف يمكن أن يراها وقد إختار لنفسه ظلام الكفر والفسوق والعصيان وقد حرم نفسه من نور الله الذي قال مؤكداً جازماً ميئِّساً: (... وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ 40).

هناك أكثر من سؤال منطقي وبديهي وموضوعي لا بد أن يخطر ببال من يقرأ ويستوعب هذا المثال وغيره من الأمثلة التي يقارن الله فيها ما بين المؤمن والكافر وما أعده لكل منهما في يوم أعده للحساب والثواب,,, من ذلك مثلاً:
1. ما هو مراد الله تعالى من الإيمان به وتصديق رسله والعمل بأمره ونهيه والتأسي بهدي رسله وإلتزام وتطبيق ما جاء بكتبه المنزلة والموحاة,,, وهو الغني الحميد؟؟؟

2. هل الله تعالى بحوله وقوته المطلقين في حاجة للإيمان به من ذلك المخلوق الذي قصد أن يخلقه جاهلاً لا يعلم شيئاً - من دون باقي المخلوقات الأخرى التي يراها أدنى منه - مع أنه قادر على أن يقهره على هذا الإيمان فلا يأذن له بحرية الإختيار كغيره؟؟؟

3. لماذا إختص الله تعالى الإنسان – بعد/و مع الجن – بحرية الإختيار؟ ولماذا – بعد أن سوى له نفسه -ألهمها "فجورها" أولا, و "تقواها", ثم علمه البيان ليختار بكامل حريته ما يريده من فجور أو تقوى مكوناً بذلك علمه الذي يميزه عن غيره "بكامل إختياره وإرادته", بل وحرم على الآخرين التدخل وتحجيمه أو التأثير على هذا الإختيار الذي أراده الله أن يكون "حراً" ولكن قبل أن يختار أعلمه وأكد له وأقام له الأدلة والبراهين بأنه سيثيبه على التقوى وبأخذه بالفجور, فأقام عليه الحجة, ولم يترك له مجالاً للإحتجاب أو التهرب؟؟؟

4. هل يقبل الله تعالى من الحمقى والمغالين والمتنطعين التدخل بينه وبين عبده لإكراهه على تغيير إختياره الحر؟ ..... وهل هذا التدخل الأحمق يعتبر تأله على الله تعالى؟؟؟

5. هل الله تعالى مستغنياً عن الإنسان والخلق كله, بحيث أن عبادته – وإن إجتمع عليها – وكفره – وإن إجتمع عليه, لا ينفعه ولا يضره شيئاً, وإن شاء قهرهم عليه قهراً؟؟؟

أكد الله تعالى إستغناءه عن الثقلين, وأنه لا يوجد في الخلق ذرة أو ما دونها أو ما فوقها إلَّا وتسبح بحمد الله وتقدس له, لأنه إما لأنه لم يخلق لها ملكة الإختيار إبتداءاً, أو لأنه لم يأذن لها بالإختيار أساساً ففطرها على الطاعة وقد أعطى كل شيء "خلقه" ثم "هدى", رغم أن أغلب هذه المخلوقات أكثر قدرة وطاقة من الإنسان بكثير, وقد هدده الله بأنه قادر على أن يبدل أمثالهم ولا يعني ذلك له شيئاً من لغوب, وأكد أن الإنسان أقل المخلوقات ذكراً لله وتسبيحاً وتقديساً, ومع ذلك إقتضت حكمته – لإبتلائه – أن يذلل له هذه المخلوقات ففرض بذلك سلطانه على الأسد والفيل, مع أن باعوضة فما دونها من الجراثيم كافية لقهره "مرضاً" و "هلاكاً" و "جنوناً".

قال تعالى, مذكراً بذلك الواقع:
1. (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ 41)؟؟؟

2. (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ 42), فمن غيره إدعى بأنه يملك من ذلك شيئاً من قبل أم يمكن أن يدعي ذلك الآن وغداً؟؟؟

3. (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ 43), فمن غيره يفعل من ذلك شيئاً أو حتى يجرؤ على أن يدعيه لنفسه من الخلق كله بملائكته وجنه وإنسه ...؟؟؟

4. (يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ 44), فهل من أحد غيره يفعل من ذلك شيئاً؟؟؟

5. ليس ذلك فحسب, بل: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 45), هذا خلق الله, فأروني ماذا خلق المبطلون؟؟؟؟؟؟

فما دام ذلك كذلك,, فما هو سلطان هذا المخلوق الضعيف الذي يمشي على رجلين, بخطى قصيرة بطيئة ضيقة محدودة الطاقة, بحيث أن مخلوقاً آخر أصغر منه - يمشي على بطنه - ومع ذلك لا يستطيع أن يهرب منه إن قصده وسعى إليه. ولماذا يعطي نفسه وزناً وقدراً أكبر من حجمه وقدراته والله مالك لناصيته ومهيمن عليه وقادر على أن يصيره تراباً كما كان من قبل ولا يبالي أو يخاف عقباها.

قال تعالى: (لَّقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ 46), فمن وفقه الله ونوله الهداية فليشكره وليحافظ عليها ويرعاها, ومن أبعده سعيه عنها فليتحراها في تقوى الله ومعاملة الناس بالحسنى حتى يستشعرها ويحسها في داخله وبين جنبيه فيكون من الذين (رضي الله عنهم, ورضوا عنه), وليبتعد عن المخادعة لأنه لا يقوى على خداع الله ولا رسوله ولا المؤمنين, وإنما الكافرون - في الواقع - يخدعون أنفسهم وما يشعرون, بل (الله خادعهم), فهم لا يعجزونه شيئاً.

قال تعالى عن هؤلاء المخادعين: (وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ 47). أناس مرضى موهومين متربصين, لا يرضون بحكم الله ورسوله إذا كان الحق عليهم, قال تعالى: (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ 48), ولكن الحال يختلف عندما يكون الحق لهم, فهم يسعون إلى الرسول سعياً ليحكم لهم ويقبلون حكمه ما دام في مصلحتهم, قال الله: (وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ 49).

حالة مرضية كهذه تحير الحكيم من هول المخادعة والتشكك والتربص, قال الله عنهم متسائلاً: (أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ 50)؟؟؟

أما إذا ما نظرت إلى حال المؤمنين المستقر المتيقن الصادق – قولاً وفعلاً وسلوكاً وإلتزاماً - فإنك سترى الصورة مغايرة تماماً لتلك التي فيها أهل الكفر والنفاق, قال تعالى: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا «« سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا »» وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ 51), حتى إن كان الحق عليهم أو لهم فالأمر سيان عندهم وهو الإزعان التام والقبول والرضى بحكم الله ورسوله.

بين الله تعالى الصورة العامة التي يقف كل البشر أمامها سواسية كأسنان المشط, لا فضل لعربي على أعجمي, ولا لأبيض على أسود إلَّا بالتقوى, صورها الله تعالى بقوله: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ 52), ما دامت السماوات والأرض لا تبديل لحكم الله.


بين الله تعالى وجهاً آخر للمنافقين - ومخازيهم التي أوردتهم الكفر- ليس فقط في مسألة الحكم لهم أم عليهم, وإنما في سلبيتهم وتخازلهم وإحباطاتهم التي ترزح سواداً في كل مناقبهم, الآن تعرض الله تعالى إلى موقفهم من الجهاد وهم يدَّعون بأنهم من المؤمنين وما هم منهم رغم قسمهم بالله وتأكيداتهم التي لا يلتزمونها, قال تعالى فيهم: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُل لَّا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ 53). وبين لهم انهم لن يستطيعوا خداع الله ورسوله والمؤمنين, فالله قد نبأنا عن أخبارهم, وقال تعالى لرسوله الكريم, بلغ هؤلاء المنافقين المخادعين بما يلي:

1. (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ 54), فالأمر متروك لإختيارهم لأنفسهم,,, هذا أولاً.

2. ثانياً,, قال لهم: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ 55), ولن يضروا الله شيئاً, وإن يهلكون إلَّا أنفسهم وما يشعرون.

3. ثالثاً, قل لهم: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ 56), فإن لم يفعلوا فما على الرسول إلَّا البلاغ المبين.

هذا كل ما يلزم إبلاغهم به لتقام عليهم الحجة, ثم أتركهم لشأنهم فإنهم لن يعجزوا الله شيئاً والله مالكٌ لناصيتهم ومهيمنٌ عليهم, قال تعالى له: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ 57), فهم لن يضروا سوى أنفسهم وسيوردونها موارد التهلكة.

ثم إنتقل تعالى إلى ما هو أهم وأكبر شأناً وأهميةً وذلك ما يتعلق بتوجيه وتهذيب وترشيد وتأديب المؤمنين ليعرفوا "بالتفصيل" ما أحل الله لهم وما حرمه عليهم, فقال لهم:
أولاً: يجب أن يعلم المؤمن أن هناك ثلاث أوقات (فترات) - خلال اليوم والليلة - تعتبر "عورة", فلا يجوز إنتهاكها بدخول بعضكم على بعض أثناؤها بون إذن مسبق, لأن هذه الأوقات يحتاج الإنسان أن يرتاح فيها وقد يخفف من ثيابه أو يريد أن يغفوا قليلاً, ولربما أثناء هذه الغفوة لا يعي ما قد يظهر من جسده شيئاً لا يريد أو يرضى أن يراه الناس منه, فقال الله تعالى في ذلك رفعاً للحرج:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ...):
1. ( لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ...), من فتيانكم وفتياتكم,
2. (... وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ...), الصغار الذين هم دون البلوغ,
وذلك قبل الدخول عليكم في هذه الأوقات التي إعتبرها الله عورة: (... ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ...):
1. الاولى: (... مِّن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ ...),
2. والثانية: (... وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ ...),
3. والثالثة: (... وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ...),

فالعورة الأولى تتضمن الليل كله,, حيث تبدأ من بعد صلاة العشاء وتستمر حتى قبل صلاة الفجر, فالله تعالى قد ضمن للمؤمن هذه الفترة بأن يأخذ راحته كاملة أثنائها دون أن يخشى متطفلاً عليه, فإن دعت الضرورة ذلك لا يجوز أن يتم إلَّا بعد إستئذان مسبق وإذن صريح.

العورة الثانية وهي أثناء النهار - وقت القيلولة - حيث أن حرارة الجو وإرتفاع الشمس في كبد السماء تضطركم إلى تخفيف أو خلع ثيابكم وقت الظهيرة, فلا شك في أن هذا الوقت بالذات وفي ذلك الوضع المحتمل لا يرضى أحد أن يراه الآخرين في تلك الحالة, لذا أمَّنها الله تعالى له بأن أعلنها "عورة", لا يجوز لأحد أن يدخل على الآخر إلَّا بإستئذان مسبق مقبول حتى يستعد المؤمن للقاء الآخري بالوضع اللائق الذي يرتضيه لنفسه.

ولأن هذه الأوقات الثلاثة تعتبر عند الله تعالى أوقاتاً خاصة وضرورية للإنسان أن يأخذ راحته في بيته دون توقع أي إزعاج أو مفاجآت غير معلومة لديه, قال عنها: (... ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ ...),, لذا,, لا يحل لمؤمن أن يدخل عليكم أو تدخلوا عليه فيها بدون إذن صريح واضح مسبق ومقبول, أما ما دون ذلك, فهو وقت مباح لكم ليس فيه عليكم حرج, قال تعالى في ذلك: (... لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ 58).

هكذا قيمة الإنسان - بصفة عامة - وقيمة المؤمن بصفة خاصة عند الله تعالى, فهو يشرع لتوفير وصيانة الخصوصية والحرية والإختيار له ويجعل حرمته حد من حدوده تعالى ولا يقبل من أحد إختراقها أو تجاوزها. ولكن هذا شأن الكبار البالغين,,, فما هو الحكم بالنسبة للصغار دون البلوغ, وما هي الحالات الإستثنائية الأخرى التي تحتاج إلى معالجة خاصة؟؟؟.

لم يترك الله تعالى ذلك بدون تشريع واضح ومفصل, وكذلك الحال بالنسبة للنساء "كبار السن", فهن أكثر حوجة لأن يخففن من ثيابهن ليس فقط في أوقات العورات الثلاثة, وإنما في كل الأوقات الأخرى حسب الضرورة, لذا قال مفصلاً في ذلك:
1. بالنسبة للأطفال دون البلوغ, قال: (وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ 59), إذ البلوغ يسقط عنهم الإستثناء ويلزمهم بما ألزم به غيرهم,

2. وبالنسبة للنساء كبار السن, قال: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ - «« وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ »» وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 60), فقد رخص لهن ولكن بشرط محدد ملزم قال فيه: (... فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ «« غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ »» ...), لقفل باب الفتنة وإستغلال هذه الرخصة بطريقة غير صحيحة تؤدي إلى الفتنة والرزيلة. ومع وجود هذا الشرط - الذي إعتبره أحد الخيارات – إلَّا انه فضَّل عليه خيار التعفف وعدم وضع الثياب - إن وجدن لذلك سبيلاً - لأنه خير لهن, لقوله تعالى: (... وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ ...), وقد ذكَّر الكل برقابته وتقواه, قال: (... وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).

ثم حدد الله تعالى معايير رفع الحرج عن المؤمنين بعد كل القيود الصارمة التي وضعها كضوابط وقيود إعتبرها عورات لا يجوز إنتهاكها أو إختراقها, وقد أسهب كثيراً في تفصيلها, بل ووضع لها شروطها وخياراتها, ليس فقط العورات الثلاث, وإنما أيضاً الأعذار التي ترفع الحرج عن العاجزين عن الجهاد في سبيل الله تعالى, فقال مفصلاً ذلك:

أولاً: بالنسبة للجهاد, قال:
1. (لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ ...), في التخلف عن الجهاد, لأنه معذور بهذا العمى, فلا جهاد عليه ما دام كذلك,

2. (... وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ ...), لأنه عذر مانع للقيام بمهام ومتطلبات القتال, ولأن ذلك قد يورده موارد التهلكة, فلا يستطيع الدفاع عن نفسه وصد العدو أو إتقاء شره,

3. (... وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ...), فهذا المرض مانع شرعي له عن القيام بدوره في الجهاد, وفيه هلكة مؤكدة له لضعفه وحاجته للراحة والإعتناء به وممارضته,

فهؤلاء يمثلون ثلاث فئات عذرها الله تعالى "شرعاً" ورفع عنها الحرج وإستثناها عن الجهاد ما دام العذر قائم ومانع, فقال إنه لا جناح عليهم.

ثانياً: وبالنسبة للعورات الثلاث, فيما سبق كان تعميماً لا إستثناء فيه سوى للصغار دون البلوغ وكبار السن من النساء التي لا يرجون نكاحاً, ولكن بلا شك فإن هناك حالات تتطلب إسنثناءات لا بد من أخذها في الإعتبار, لأن التشريع في السابق كان مطلقاً, تضمن "الكبار البالغين" و "الصغار الذين لم يبلغوا الحلم", ولكن من بين هؤلاء من هم من أهل البيت والأرحام وهؤلاء لهم وضح مختلف وظروف خاصة, لأنه قد يجمعهم الأكل في أوقات مختلفة من ليل أو نهار, أثناء فترات العورات الثلاث, لذا قال تعالى في هذا الإستثناء الكريم المفصل تفصيلاً ورفع الحرج عن فئات بعينها تضمنت الأرحام, كما يلي:
1. قال للمؤمنين ليس هناك حرج: (... وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ ...), حيث نساءكم وما ملكت ايمانكم,

2. (...أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ ...), إذ قد يكون الأب متزوجاً من غير الأم الوالدة, لذا رفع الله الحرج عن الأبناء بأن يأكلوا من بيوت آبائهم,

3. (... أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ ...), كذلك قد تكون الأم على ذمة رجل آخر غير الأب الوالد, فرفع الله الحرج أيضاً عن أكل الأبناء في بيوت أمهاتهم, لوجود الأم فيه وما له فيها,

4. (... أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ ...), والأخ من الأرحام, وقد رفع الله الحرج عن المؤمن أن يأكل من بيت أخيه,

5. (... أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ ...), وحيث أن الأخت من الأرحام, قد رفع الله الحرج أيضاً عن المؤمن في أن يأكل من بيت أخته,

6. (... أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ ...), فالعم أيضاً من الأرحام, فلا حرج على إبن الأخ أن يأكل من بيت عمه,

7. (... أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ ...), وبما أن العمة أيضاً من الأرحام, فقد رفع الله الحرج عن إبن أخيها أن يأكل من بيتها,

8. (... أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ ...), والخال أيضاً من الأرحام, وبالتالي للمؤمن أن يأكل من بين خاله بلا حرج,

9. (... أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ ...), كما أن الخالة هي من أرحام الرجل, لذا رفع الله تعالى الحرج عنه إن أكل من بيت خالته,

ثالثاً: هناك فئتان ليست من ضمن الأرحام, ومع ذلك رفع الله الحرج عن المؤمن في أن في أن يأكل من بيوتهما, فقال:
1. (... أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ ...), وكان تحت تصرفكم بموجب تلك الملكية,
2. (... أَوْ صَدِيقِكُمْ ...), إذ أن الصديق الصدوق لا حرج بينه وبين صديقه, لوجود علاقة خاصة ومتميزة وفريدة بين الاصدقاء قد تفوق علاقة الرحم في كثير من الأحيان.

لم يترك الله تعالى الأمر على المؤمنين غمةً, بل فصل لهم فيه تفصيلاً ووضع ضوابط وشروط, لكيفية الأكل نفسها, قال: (... لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ...), ثم إشترط ما يلزم المؤمنين عند دخولهم البيوت فقال:
(... فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ...), إذ أن السلام يكون عادة بين الناس متبادلاً, وحيث أن الله تعالى يخاطبكم جماعةً, فيكون السلام بينهم على أنفسهم, كقولهم مثلاً: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين).

ثم أخيراً بين الحكمة من كل هذا التبيين المفصل, قال: (... كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ 61),,, فالعقل في الإسلام دائماً وأبداً هو المحك والمرتكز.

ولكن,, هناك تحذيرات من محذورات أخرى على المؤمنين مراعاتها إن كانوا حقاً يؤمنون بالله ورسوله. لذا عليهم أن يحذروا مخالفته أو التقليل من توقيره حتى لا تصيبنهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم, وعليه:
أولاً: قال عن المؤمنين: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ ...):
1. (... الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ...), أقل من ذلك لا يمكن أن يقال عنهم مؤمنون,
2. (... وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ ...), والذي يفعل غير ذلك يكون خارج دائرة ضوء الإيمان,

ثانياً: ثم خاطب الرسول فقال له:
1. (... إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ...),
2. ثم خيره في قبول الإذن إن شاء ذلك أو رفضه, قال له: (... فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ 62),

ثالثاً: ثم أخيراً خاطب المؤمنين فقال لهم محذراً:
1. (لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ...),
2. (... فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ 63),
3. ثم قال لهم: (أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ 64).

هكذا يختم الله تعالى سورة النور بهذه التوجيهات الخلقية النيرة العالية لعباده المؤمنين حتى تصبح قلوبهم لائقة بنوره الخالي من الشوائب, فجعلها خالية تماماً منها بعد أن ضرب رقماً قياسياً لتصرفات الإنسانية الراقية فتكون النتيجة (... نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ).


الآن فلننظر إلى التصور القبيح الفج الذي إدعاه هذا المتهافت الضحل عن هذه الآية الكريمة المعجزة, لنرى كيف طمس الله على مداركه فجعله أضحوكة زمانه ومسخ بين أقرانه؟؟؟
قال الغبي المتخلف: ((... يقول القرآن: «ليس عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون»،،

ثم قال الزنديق: (... وهذا الكلام لا بلاغة فيه لأنه لا فائدة من ذكره، فكل أحد له أن يأكل في بيته وفي بيت أقاربه لأن هذا حلال، ثم ما ربط هذا بالأعمى والأعرج والمريض؟! ...)
لماذا تخصيص هؤلاء فقط بالذكر دون غيرهم كالمرأة أو الطفل مثلا؟! ولماذا تكرار كلمة ”الحرج“ بعد ذكر كل واحدٍ منهم؟! ولماذا هذه الإطالة في تعداد الأقارب؟! قل منذ البداية (بيوت أقاربكم) أو (بيوت أرحامكم) واختصر الموضوع! ثم لماذا تشمل بيت «مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ» في الأكل؟ هذا خطأ فليس كل شخص يترك مفاتيح بيته عندك لك أن تذهب فتدخل منزله وتأكل منه ما تشاء؟! وأيضا لا داعي لذكر «جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا» لأنه لا إثم في أن يأكل الناس في جماعة أو يأكل كل منهم على حدة، ثم إذا أنا سلّمت على أحد فالله ما دخالته بالسلام حتى يقول «تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً»؟ وأخيرا كيف إذا لم يتبيّن لنا هذا الكلام فأننا سنكون مخبولين - حسب المعنى - ولعلنا نعقل أو لا نعقل؟ إن لم تتبيّن لنا هذه الآيات التي تتحدث عن الأكل فإننا لا نعقل؟ هذا تهافت بلاغي!

فهو طاعن في الجهل والجهالة ومنغمس في الضلال والإضلال حتى شحمة أذنيه لدرجة أنه يستدرك على الله رب العالمين. فأظهر بجلاء ذلك الضلال الفطري, الذي يبدأ بالغباء عادةً وينتهي إلى الخواء والخبل. فهو لا يعرف كيف يفرق ما بين الأهل, والأقارب, والأرحام, وأهل البيت,,, لذلك نراه يقول بالحرف الواحد: (... ولماذا هذه الإطالة في تعداد الأقارب؟! قل منذ البداية (بيوت أقاربكم) أو (بيوت أرحامكم) واختصر الموضوع! ...).

ثم أنظر إلى هبله وعبله وخبله وهو يقول: (... ثم لماذا تشمل بيت «مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ» في الأكل؟ هذا خطأ فليس كل شخص يترك مفاتيح بيته عندك لك أن تذهب فتدخل منزله وتأكل منه ما تشاء؟!).
فلنسأل بعضاً من الأسئلة - من العديد من الأسئلة المنطقية - فنقول لهذا المخبول الجاهل:
1. هل المقصود "حسب فهمك الضحل" من قوله تعالى (مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ), معناها أن أحداً أو شخصاً ترك مفاتيح بيته عندك؟؟؟
2. فهل الذي يأتمنك على مفاتيح بيته معناها – في شريعة وليك إبليس – أنك ملكت مفاتحه؟؟؟
3. أحقاً لا تعرف التفريق ما بين "مَلَكَ" و "أؤتُمِنَ"؟؟؟
4. فهل الله تعالى ذكر في هذه الآية (ترك مفاتيح بيت أمانة عند أحد؟؟؟),

لا يزال للموضوع من بقية باقية,,,

تحية كريمة للقراء الكرام

بشاراه أحمد





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,567,048,475
- قَبَانْجِيْنَآتٌ مُتَهَآفتة ... لَاْ حَمْدَ فِيْهَاْ (E):
- قَبَانْجِيْنَآتٌ مُتَهَآفتة ... لَاْ حَمْدَ فِيْهَاْ (D):
- قَبَانْجِيْنَآتٌ مُتَهَآفتة (تصحيح مفاهيم C1):
- قَبَانْجِيْنَآتٌ مُتَهَآفتة ... لَاْ حَمْدَ فِيْهَاْ (C):
- قَبَانْجِيْنَآتٌ مُتَهَآفتة ... لَاْ حَمْدَ فِيْهَاْ (B):
- قاهر الطواغيت وماحق البدع:
- مختوم من البقرة مزنوم 1:
- قَبَانْجِيْنَآتٌ مُتَهَآفتة ... تصحيح مفاهيم (أ):
- قَبَانْجِيْنَآتٌ مُتَهَآفتة ... لَاْ حَمْدَ فِيْهَاْ (A):
- ... أَفِي اللَّهِ شَكٌّ!!! ...؟؟؟ (تصحيح مفاهيم B):
- ... أَفِي اللَّهِ شَكٌّ!!! ...؟؟؟ (تصحيح مفاهيم A):
- ... أَفِي اللَّهِ شَكٌّ!!! فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...
- ... أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ!!! السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...
- قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (ج):
- قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (ب):
- قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (أ):
- عندما يصير اللامعقول مألوفاً (تصحيح مفاهيم - « ه »):
- عندما يصير اللامعقول مألوفاً (تصحيح مفاهيم - « ج »):
- عندما يصير اللامعقول مألوفاً (تصحيح مفاهيم - « ب »):
- عندما يصير اللامعقول مألوفاً (تصحيح مفاهيم - « أ »):


المزيد.....




- بطريرك موسكو وسائر روسيا يدين الانشقاق في صفوف الدين المسيحي ...
- في مقابلة مع الجزيرة نت.. الشيخ عبد الحي يتحدث عن أموال البش ...
- حركة النهضة الإسلامية تؤكد أن رئيس الحكومة التونسية المقبل ي ...
- حركة النهضة الإسلامية تؤكد أن رئيس الحكومة التونسية المقبل ي ...
- اليهود الحريديم يحملون سعف النخيل احتفالا بعيد العُرَش ويؤدو ...
- السودان يترقب -مليونية 21 أكتوبر-.. و-فلول الإخوان- في الواج ...
- شاهد: المئات من المستوطنين الإسرائيليين يقتحمون باحة المسجد ...
- شاهد: المئات من المستوطنين الإسرائيليين يقتحمون باحة المسجد ...
- في حضور وفد سوري رفيع المستوى.. الشئون العربية للبرلمان: الغ ...
- حركة النهضة الإسلامية تعتبر رئاستها للحكومة الجديدة في تونس ...


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - بشاراه أحمد - قَبَانْجِيْنَآتٌ مُتَهَآفتة ... لَاْ حَمْدَ فِيْهَاْ (F):