أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رويدة سالم - دهشة الملائكة : هيفي















المزيد.....


دهشة الملائكة : هيفي


رويدة سالم
الحوار المتمدن-العدد: 5199 - 2016 / 6 / 20 - 09:41
المحور: الادب والفن
    


وجد نفسه، عندما استفاق من نومه، ممددا في سرير كبير اعتقد للوهلة الأولى والنعاس لا يزال يثقل جفنيه أنه سرير أمه. ابتسم وفاض قلبه فرحا. تذكر أنه، قبل أن يخلد للنوم، قد ذهب إلى غرفتها ليقبلها وأنها احتضنته بقوة ورغم الغضب البادي على محيا والده أصرت أن يبقى لحين من الوقت في حضنها تغني له وتداعب شعره. ربما نام وهو بين ذراعيها فتنازل له الأب عن مكانه وذهب إلى غرفة أخرى فنعم هو بقربها طوال الليل. كم هو سعيد. حمد ربه بكل قوته وشرع في تلاوة صلاة صامتة. حين انتهى من ذلك، تمطى في الفراش ورفع جسده قليلا لكن العجز الذي انتابه أجبره على أن يتهالك ثانية على السرير ويعيد سحب الغطاء محاولا أن ينام من جديد. شعر أنه منهك تماما وعاجز عن الحركة بشكل شبه كلي. ربما هو مريض وقد نسي ذلك وما سماح أمه له بالبقاء في سريرها إلا دليل على هذه الحالة الفريدة. ربما لم يمضي من الليل إلا بعضه فلم ينم بما يكفي ليقدر أن يستقبل يوما جديدا. لماذا يشغل باله بمثل هذه الأمور في حين عليه فقط كما يفعل كل الأطفال المطيعين أن يعود للنوم وينتظر أن تأتي وتحضنه وتقبله كما اعتادت أن تفعل كل يوم. (لماذا العجلة إذا هيفي؟ نم أيها الطفل الجميل. نم أيها الملاك السعيد. لو تعلم فقط مدى عذوبة حالة انعدام الوعي بما يحيط بنا. أيها البريء الصغير نم أكثر قليلا. أيها المحظوظ حاذر أن تصير مثلنا فنحن لم نعد نقدر أن ننعم بتلك المنة العظيمة. نومنا كابوس ويقضتنا معاناة. حتى المخدرات التي راجت بعد رحيلك لم تعد تجدي. لم نعد قادرين على بلوغ تلك الحالة من الانفصال ولو بشكل هزلي مثير للشفقة عن واقعنا البائس. نم. نم...). عادت فكرة المدرسة لتشحذ حواسه أكثر طاردة أي رغبة في النعاس. فكر أن موعد الذهاب إلى المدرسة لا يزال بعيدا لذلك لم تأتي بعد. لكن هل أنجز كل فروضه قبل أن ينام؟ إنه لا يتذكر ذلك. ربما ساعدته هيلين في ذلك كما اعتادت أن تفعل دوما. ترى أين توجد هيلين الآن وماذا تراها تفعل؟ ربما تغط في نوم هادئ عميق فليعد لنوم من جديد بدوره. لكنه عجز عن ذلك تماما كما يعجز عن الإتيان بأية الحركة. سيظل ممددا في السرير إلى أن تأتي أمه وحين تقترب من السرير وتلامس كتفه لتهزه قليلا راجية إياه ان يستفيق لن يظهر لها انه قد استيقظ منذ ساعات طويلة وبقي ينتظرها ويرسم في خياله وجهها الحنون. سيتثاءب ويتكاسل ويلح أن يبقى قليلا بعد في الفراش. ستحتضنه وتقبله ثم ستحاول رفع الغطاء لتقبل عيونه وتدعوه لترك الفراش حتى لا يغضب أباه. سيبتسم ووجهه تحت اللحاف الذي سيمسك بأطرافه جيدا وهو يغمغم أن الوقت لا يزال مبكرا. ستقول له أنه ولد مهمل وأن عليه أن يذهب إلى مدرسته ليصير رجلا مهما كأبيه. سيضحك حينها ويخبرها انه كان ينتظرها منذ زمن لا يعلم مداه وأنه لم يكن نائما وأنه سيصير أكبر مهندس معماري في البلاد كلها. ستضحك وسينعم بقبلات دافئة كثيرة.
سيغسل وجهه ويغير ثيابه بمساعدتها كالعادة كل يوم ثم يذهب ليقبل يد جدته ويتناول فطور الصباح معها. كم يحب تلك العجوز الطيبة التي تحميه من ثورات غضب أبيه كلما أسرف في العبث أو مضايقة أخواته. ستعد له شطيرة ليأخذها معه وستضع في جيبه بعض النقود ثم ستربت على رأسه كما اعتادت أن تفعل كل صباح داعية الرب أن يحميه من كل الشرور. سترافقه حتى الباب الخارجي للمنزل حاملة حقيبته بين ذراعيها كما لو أنها ترغب في مواصلة احتضانه هو حتى أخر دقيقة ثم ستناولها له وهي تطبع على خديه قبلة دافئة وتودعه وتبقى هناك في مكانها تتأمله وهو يمضي راكضا للمدرسة. غمره الشعور بالراحة والطمأنينة. إنه فتى سعيد. له كل ما يتمنى طفل أن يمتلك: أم جميلة جدا وأروع الجدات في الكون وهيلين. بدا له وجه هيلين الضاحك دوما منيرا في العتمة التي لا تزال تلف الغرفة. كم يحبها. إنها أفضل أخواته. لا تغضب منه أبدا حتى وان شد شعرها أو اغتصب منها لعبها. ستأتي أثناء الفسحة في المدرسة لتتفقده وتشتري له عصائر وحلوى. سيبدي تبرمه من اعتناءها المبالغ به والذي يثير ضحك أصحابه الذكور. لقد صار الآن رجلا ولم يعد يحتاج حمايتها لكن كل ما تقوم به يسعده داخليا ويجعله يشعر أكثر بأهميته: الولد الوحيد في البيت. رجل الدار كلما سافر الأب في بعض أشغاله خارج المدينة. هذا الأب الصارم عادة والذي يبتسم نادرا سيأتي لأخذه في سيارته حال انتهاء الدوام. يعلم أنه يحبه كثيرا ويعلق عليه أمالا لا تحد. سيكون ابنا للمستقبل وسيساهم في بناء كوردستان جديد مستقل لا يهدد حدوده عدو ولا يستهين بشعبه مغتصب. عندما سيكبر س... توقف عن التفكير في المستقبل وابتسم. لا يريد أن يكبر في الحقيقة ويترك العالم الرائع الذي تمنحه إياها مدرسته وصحبه وألعابه. لا يريد أن يسافر ويصنع حياة خاصة بعدا عن أمه وجدته وأخواته كما لا يحب أن يفقد أباه.
(ربما لا تريد أن تخوض صراعات لا تفهم جدواها وتجرب الفقد مثلنا لكن من أين أتت لعقلك الصغير أيها الملاك فكرة الفقد؟ من قال انك ستفقد أباك أو انه سيفقدك؟ لماذا تغزوك هذه الأفكار الحزينة؟ عد للنوم. تمدد في السرير. جيد. نم... نم...)
أغمض عينيه بكل قوته مستجديا بعض النعاس. لكن هذا الأخير، العنيد مثل بغل، رفض أن يعانق جفنيه. فلينتظر مجيئها، إذا. ربما لم يتبقى وقت كثير وستأتي أخيرا. سيقول لها حينها انه يريد أن يبقى طفلا ابد الدهر وستضحك من أفكاره المجنونة وستقول له أنها تحلم به شابا بطول أبيه. رجلا ناجحا ومميزا في كل شيء. تحلم، أيضا، أن تكون له حبيبة وأن يبوح لها كلما عاد للبيت بأسراره الصغيرة وأن يحدثها عن لقاءه الأول وقبلته الأولى. احمرت وجنتيه خجلا وغمر قلبه الصغير الحب. قال في سره : أعدك أمي أني سأحكي لك كل شيء وسأحدثك عن بهليس. همس:
- بهليس، هل تفكرين بي الآن ؟
برز وجه بهليس الجميلة ساطعا في ذاكرته. بنت شقراء وفي عينيها زرقة السماء. صوتها رقيق وجسدها الجميل في مثل طول جسده تقريبا. تجلس معه في نفس المقعد ويعملان معا وشاركا في مسرحية حفل أخر السنة الفارطة لاعبين دور روميو وجولييت. إنه يحبها كثيرا. حين همت برشق الخنجر في صدرها في ذاك اليوم ممثلة انتحار جولييت اندفع رغم انه من المفروض انه قد مات قبلها وامسك السكين راجيا إياها أن لا تموت في سبيل حبهما وان تختار بدلا عن ذلك الحياة وان تظل إلى الأبد ربة للحب والفرح مما أثار ضحك المشاهدين. خجل كثيرا عندها لكن فكرته حول استمرارها حية كانت راسخة جدا في أعماقه إلى الحد الذي احتمل فيه برباطة جأش تأنيب المعلمة.
(بهليس رحلت أيها الشقي الصغير. ألم ترى ذلك بعينيك وتبكي بحرقة وأمك تحضنك بقوة حتى لا تندفع نحوها لتحميها من قاتلها؟ ألم تراها من خلال أصابع أمك التي تحاول إخفاء المشهد عن عينيك تغتصب ثم تنحر؟)
قال لنفسه:
- بهليس لم تمت. إنه كابوس مزعج وحسب نتج عن خوفي المتعاظم من فقدها. حين سيحل النهار وأذهب إلى المدرسة سأبوح لها أخيرا بحبي فها أننا قد كبرا بما يكفي لنحب ونبوح بمشاعرنا.
سيخبر أمه حين ستأتي بعد قليل أنه يحب بهليس وأنه سيحبها إلى آخر يوم في حياته وستبتسم وسيغمرها الشعور بأن ابنها قد كبر.
لاحظ أن الوقت يمر وهي لا تأتي. لقد تأخرت كثيرا عن موعدها.
- ماذا تراها تفعل الآن ؟ هل هي مريضة؟
حالما جال هذا الخاطر بعقله رمى الغطاء ونزل من الفراش. حاول أن يقف لكنه سقط بذات السرعة التي قام بها. شعر أن جسده ثقيل وأن ادني حركة يأتيها مؤلمة فتمسك بكل ما طالته يداه ورفع جسده بكل ما أوتي من قوة ثم جلس على حافة السرير. فرك عينيه بقوة وفتحهما. أول ما رآه في وضعه ذاك كان مرآة معلقة على الحائط المقابل. بدا له مرسوما على صفحتها الصقيلة صورة طفل ذي اثني عشر ربيعا تقريبا يرتدي تبانا قصيرا وقميصا أبيض. كان ذاك الطفل يشبهه إلى حد كبير رغم أن رأسه كان مائل قليلا على كتفه الأيمن ويداه مسدلتين كما لو أنهما وضعتا هكذا عرضا ولا تربطهما به أية صلة. شعره كان مرتبا بعناية كما لو أنه لم يكن نائما وكان وجهه خال من أي تعبير. تلك الصورة الغريبة ملأت قلبه خوفها فحول عينيه عنها. بجوار السرير كان هناك كرسي قد وضعت فوقه ثياب نظيفة مطوية بعناية وتحته حذاء رياضي. بحركة آلية وقف من جديد. استجمع كل قوته وتقدم من الكرسي. حاول أن يسرع لكن لم تطعه قدماه. كانت حركته بطيئة على غير العادة. لاحظ انه يتحرك بشكل آلي كالروبوت الذي شاهده مع أبيه على اليوتيوب. دنا شيئا فشيئا من الكرسي ثم معتمدا على يد تناول بالأخرى الثياب ولبسها بتوءدة دونما تفكير. شعر أنها ليست ثيابه وأنها خشنة الملمس لكنه لم يشغل باله كثيرا بذلك.
فكر: ربما هو مريض وأمه تعلم بذلك. تركته ليرتاح لهذا لم تأتي لتوقظه رغم أن النهار قد غزى كل ظلمة الليل وحل محلها. ستكون راضية جدا لما تقع عيناها عليه. فها أنه رغم حالته الصحية ولأول مرة في حياته يرتدي ثيابه دون مساعدتها وبنظام يفوق ما تصرفه هي من صبر في الاعتناء بمظهره. لقد أعدت الطعام حتما وهم ينتظرونه لتناول فطور الصباح. ربما لن يسمحوا له بالذهاب للمدرسة لكنه سيلح فعليه اليوم أن يعترف بحبه لبهليس. عندما فكر أن عليه أن يتقدم من الباب ليفتحه، ابتسم وفي داخله تراقص فرح طفولي بهدية العيد. سيثبت لأبويه أنه قد صار رجلا قادر على الاعتماد على ذاته وإن كان مريضا منهكا. منذ اليوم لم يعد ذاك الولد المدلل الذي لا ينفك يثير غضب أخواته وحنقهن عليه وتعنيف والده وعدم رضاء أمه بسبب كسله في القيام بأي أمر مهما يكن تافها.
وقعت عيناه مجددا على المرآة فعاد يتأمل نفسه. لم يتغير الشيء الكثير في جسده خلال هذه الليلة لكن إحساسه بالأشياء بدا مختلفا جدا فها أن المرآة ذاتها تبدو متموجة هلامية كصفحة مياه البركة. جاهد للاقتراب منها. تلمسها بأصابعه فبدت له غير صلبة كما يجب أن تكون عادة. أصابعه تدخل بسهولة في نسيجها المرن صانعة دوائر تتسع ثم تتلاشى كما يحدث حين نلمس صفحة الماء. تموجات تسري عبر كل جسده فيغشاه الدوار.
(الحياة كلها أيها الصبي الصغير تموجات رتيبة لأحلامنا المجهضة. تحملنا في نسقها المتسارع نحو الحلم ثم ترمي بنا ما أن تتسع الدوائر وتتلاشى في قاع الإحباط والغربة. غربة واغتراب عن الذات والواقع والكون من حولنا. ففيما تختلف حياتك الآن عنّا وقد بلغت نقطة اللاعودة هذه مثلنا تماما؟)
وضع يديه على رأسه ليتحسس إن كان حقا موجودا كما توحي به الصورة المنعكسة على المرآة ثم رفع نظره وتأمل وجه مرة أخرى. هاله شحوبه وصدمته أثار قطرات دم متخثر متناثرة على وجه وقميصه. حاول إزالتها بأظافره لكنها كانت تبدوا ممتزجة بغرابة مثيرة مع نسيج الجسد والقميص. لم يشعر بالألم الذي يجب أن يسببه مثل هذا الاحتكاك للأظافر مع الجلد. تساءل إن كانت أظافره قد فقدت سماكتها الطبيعية خلال هذه الليلة أم أن جلده هو من فقد الإحساس بسبب المرض.
- رباه ما الذي حصل لي خلال هذه الليلة؟
هرش رأسه محاولا التذكر لكنه عجز عن ذلك. ذاكرته تبدو صفحة بيضاء خالية لم يشوها حرف واحد. لكنه لم يشعر أيضا بملمس الشعر حين لامسته أصابعه. توقف كاتما صرخة رعب. أصابعه كانت زرقاء ويديه أشبه بقطعتي خشب. ردد في أعماقه محاول تسكين روعه:
- يا له من كابوس بغيض. ها أني قد تحولت إلى بينوكيو. كل هذا لا يمكن أن يكون واقعيا.
(عليك أيها الصبي الصغير أن لا تفكر بشيء وأن تعود للنوم من جديد. لقد حان وقت العبور فما الذي تنتظره بعد. يكفي عذابا ولتذهب لحديقة الرب فهناك ستجد بهليس بانتظارك. إنها قد ضاقت بوحدتها وتترقبك على البوابة المقدسة. أرجوك عد لسريرك ونم. كم أنت عنيد ياهيفي. ياللا نم... نم...)
قال لنفسه:
- نعم يجب أن أعود للنوم. وفي الصباح عندما سأفيق سأحكي لأمي هذا الحلم الغريب وستحضنني وتعدني أن تحميني أبد الدهر حتى حين أكبر وأني سأكون أجمل شباب المدينة كلها وأكثرهم تميزا.
غالب نفسه حتى تمكن من العودة للسرير ثم جلس على حافته. إنه لا يشعر بأية رغبة في النوم ولا يفهم ما الذي يعتريه. لا وجود لأدنى ألم رغم ما صار عليه شكله الخارجي. حاول أن يجد تفسيرا مقنعا لهذا القدر الغريب من التحول خلال ليلة واحدة.
- ترى ما الذي حصل أثناء نومي؟
جال ببصره في أرجاء الغرفة. فجأة تنبه لشيء غاب عن عقله منذ أن أفاق. لم تكن تصرفاته وشكل جسده فقط الغريبين بل أن الغرفة نفسها بدت له مختلفة. غزته ثقة بأنها ليست غرفة نوم أمه ولا هي غرفته الخاصة ولا إحدى غرف أخواته.
كان المكان مختلفا كثيرا عن الغرف المألوفة. مربع الشكل تقريبا وناصع البياض حوى سرير كبير يحتل أغلب الفضاء فيه وقد وضعت فوقه أغطية بيضاء ناصعة وبجواره الكرسي وعلى الجدار المقابل له المرآة. لم يكن هناك أي أثاث آخر. الستائر المزدانة بورود حمراء صغيرة والتي تغطي تقريبا كل الجدران لا تحجب من النور الذي يغمر الغرفة إلا بعضه.
(ألا ترى النافذة التي يحجبها عنك ذاك الستار، أيها الملاك؟ ربما هي البوابة التي اختيرت لتقودك نحو حديقة الرب المقدس. البعض يلتقي بهم الرب في وسط الطريق والآخرون يعانون طويلا للمثول بين يديه فلتشكر ربك إن صنع لك منفذا وسطا. استجمع قواك وتقدم نحوها. افتحها على مصراعيها ثم حلق بالأجنحة التي ستنبت حينها في مكان ذراعيك الذين يتآكلان ويتساقطان الآن في فضاء ملكوت الرب المحب الرحيم.)
تنبه لوجود النافذة فوقف وتقدم ببطء شديد نحوها. صارع وهنه وهو يتقدم إلى الإمام محاولا أن تكون حركته طبيعية كما اعتادها لكن دون جدوى. ساقاه كانتا ثقيلتين جدا. استغرق المسير نحو النافذة وقتا طويلا. بلغها أخيرا. عالجها بعناية لكنه لم ينجح في فتحها. حاول أن ينظر من خلالها إلى الحديقة التي يجب أن تكون في الجانب الآخر من الحائط لكنه لم يتمكن من رؤية شيء إطلاقا. اكتشف أن البلور سميك إلى حد يستحيل معه معرفة ما تخفيه خلفها. عنت له فكرة كسره. حاول ذلك متسلحا بالسكين الذي وجده فوق الكرسي تحت ثيابه. أمسك السلاح بكلتا يديه وضربه بعنف. رغم الضربات المتتالية لم يتمكن من إحداث ولو خدش بسيط فيه عوضا عن ذلك ما كان يحصل هو ظهور تموج يتسع طرديا ثم يتلاشى مخلفا في جسد هيفي ألما أشد مع كل ضربة جديدة كما لو انه هو ذاته امتدادا له. احتمل الألم مواصلا الضرب بكل قوته. عندما تنبه إلى أن لا معنى لما يقوم به توقف. حينها تلمس أطراف النافذة فربما سيتمكن من نزعها دفعة واحدة وبذلك يكون منفذه على العالم الخارجي خلفها أرحب. عاين جوانبها جميعا بدقة. بدت له مرسومة بشكل متقن على الجدار أكثر من كونها نافذة حقيقية تفتح على ساحة البيت. أرعبه ذلك فتوجه نحو الباب.
عندما وضع يديه على المزلاج تساءل عن الوقت. لقد أفاق منذ زمن طويل، ورغم ذلك، لم يتبادر لذهنه أن يبحث عن ساعته التي اعتاد وضعها تحت الوسادة. ترى ما الساعة الآن بل ما هو تاريخ اليوم؟ هل يعقل أن يكون قد نام لأكثر من ليلة ثم لو حدث ذلك فعلا فلماذا لم تظهر أمه خلال كل هذا الزمن الذي قضاه هنا وحيدا في هذه الغرفة السجن؟ عاد له وجهها باسما. ابتسم لمرآها لكنه سرعان ما قطب جبينه حين فكر أن اكتشافها لجهله هذا سيغضبها وبالتالي ستضيع الفرحة التي ستولدها هذه البادرة الفريدة والتي يريد أن يثبت عبرها للكل أنه قد صار رجلا قادرا على الاعتماد على ذاته. إنه يتمنى حقا أن يثبت لهم أنه منذ اليوم لم يعد ذاك الولد المدلل الذي لا ينفك يثير غضب أخواته وحنقهن عليه وتعنيف والده وعدم رضاء أمه بسبب كسله في القيام بأي أمر مهما يكن تافها. قرر، إذا، البحث عن ساعته تحت الوسادة، رغم بطء حركته وتعثرها. لم يجدها هناك ولا في أي مكان آخر بل أنه لم يجد أيضا حقيبته المدرسية ولا حتى ساعة جداريه. ضغط على المزلاج، منكسرا وحزينا، فانفتح الباب. وجد نفسه في قاعة فسيحة شبيهة بالمسرح الصغير في مدينتهم حيث أخذته وزملاءه، معلمتهم يوما لمشاهدة عرض سينمائي حول حياة الأطفال في عدد من دول العالم.
لم يكن يوجد في تلك القاعة نوافذ ولا أبواب وكان كل الأثاث الذي تحويه طاولة كبيرة من اللوح محاطة بكراسي كثيرة وضعت في وسطها باقة زهور ربيعية جميلة متعددة الألوان ومرتبة بذوق رفيع بعناية بادية وعند طرفها صحن فيه شطيرة خبز وجبن وكأس حليب. حالما وقع نظره على طبق الطعام شعر بالجوع ينهش أحشاءه فجلس وتناول فطوره بتوءدة ناظرا حوله مستكشفا المكان الذي رغم غرابته البادية شعر بألفة تربطه به وبكل محتوياته.
حاول أن يجد ركنا ولو باهتا، في عقله، يربطه بما حوله. هرش رأسه مرارا بتلك الأصابع الزرقاء المتآكلة لكنه عجز عن التفكير أو التذكر. لم يجد شيئا يمكن أن يساعده على تحديد الإطار الزماني والمكاني. لم ينتابه الغضب كعادته كلما عجز عن فعل شيء ما. واصل تناول فطوره بهدوء مستغربا هدوءه وحين انتهى منه، بدا له فجأة طيف جدته منحنيا على شيء ما في أحد أركان القاعة. تناهى له صوتها مترنما بإحدى الأغاني القديمة التي يحب. ناداها لكنها لم تنتبه له. واصلت القيام بما هي منهمكة في فعله ولم تلتفت نحوه فقام واقترب منها محاولا الإمساك بأذيال ثوبها لكنها تبخرت بذات السرعة التي تبدت بها.
دار عدة مرات حول نفسه ثم، بإصرار طفل لم تشوه الحياة، حاول أن يقفز على ساق واحدة معتمدا على حواف الطاولة. ربما هو مريض وعليه أن يقوم بالحركات التي اعتاد القيام بها في القاعة الرياضية التي كان منتسبا لها. نجح بعد فترة من التمرين في السير بسرعة اكبر نسبيا. كان يشعر بأن الوقت يمر ثقيلا لكنه لم يعرف كم انقضى منذ أن استفاق. نسي، خلال التمرين، أنه يفتقد أمه وعندما تمكن من تحرير ساقيه من الخدر الذي كان يكبلهما عاد لعقله وجهها طاغيا ملحا.
حاول أن يناديها بصوت مرتفع حتى تسمعه وتأتي لتحميه كما وعدت دوما أن تفعل لكن ما سمعه كان همسا. شعر أن الاسم يعلق في حلقه ويخنقه ثم يتسرب من بين شفتيه تأتأة محزنة. عزَّ عليه أن تراه على هذه الحالة فأجل مشروع نداءها إلى أن يستعيد صوته الطبيعي. عندما ستأتي يجب أن يكون مستعدا وفي أتم صحة. لن يجعلها تحزن مستقبلا بسببه أبدا وسيعوضها عن كل ما سببه لها من ضيق وغضب. سيجعلها تفرح دوما وسيفعل كل ما تطلبه منه دونما تذمر. هذه الأفكار وغيرها ملأت قلبه الصغير طمأنينة فلم يسؤه أن يقضي بقية اليوم في محاولات بائسة للكلام وللتدرب على الحركة الطبيعية. لم يكلَّ ولم يستسلم وواصل القفز حول الطاولة بعزيمة وبأس شديدين.
فجأة، تعالى الصخب في القاعة الساكنة. دخل، من بوابة لم يتمكن من تبينها بشكل واضح، أطفال كثيرون ومروا راكضين عبر القاعة ثم خرجوا من باب فتح لاستقبالهم في الجدار المقابل للكرسي الذي جلس عليه بعد ساعات طويلة من التمرين. راقبهم وهم يعبرون أمامه من جهة إلى الأخرى. كانوا يشتركون في شيء واحد: شق كبير في الصدر يبرز قلوبا مكسورة دامية. رغم ذلك كان بعضهم يضحك والبعض الأخر يصرخ غاضبا أو باكيا. حاول أن يلمسهم لكنه لم يتمكن من إمساك ولا واحد من بينهم. كانوا يتملصون منهم ويهربون ثم يختفون ليظهر غيرهم. ناداهم لكنهم لم يلتفتوا إليه كما لو أنه هو الخيال وهم الواقع المحض. شعر أنهم لا يرونه.
- هل يمكن أن أكون قد تحولت إلى شبح؟
(وما الغرابة في ذلك أيها الملاك الصغير؟ نحن البشر قذرون جدا وعالمنا بائس أكثر مما تتخيل فكيف يمكن أن تمتلك فيه أيها الطاهر جسدا ماديا؟ ما الطاهرون الذين عبروا عالمنا إلا أشباح تأتي ثم تمضي سريعا دون أن ندرك أنها مرت ودون أن نقدر على استيعاب كلماتها أو أن نتنسم عبير الجنة الذي يعبق منها.)
قرر رغم أنه فهم أنه مختلف عنهم أن يتبعهم. عندما بلغ الباب الذي يخرجون منه اختفى كل شيء وعمّ السكون من جديد. انصهر الباب ذاته في النسيج العام للجدار ولم يبقى سوى ملمس خشن وساخن بشكل ملحوظ لما كان منذ قليل إطار بوابة العبور. إلا أن ذلك الباب الذي اختفى حالما بلغه هيفي ترك كوة صغيرة جدا في أحد جوانبه. تمكن هيفي بعد أن شحذ أطرافها بسكينه من أن يجعلها أوسع قليلا.
(أغلق الكوة وعد لمكانك. انتظر الغد. حين سيأتي الأطفال العابرون تسلل بينهم حتى وإن لم يلحظوا وجوك واعبر إلى حديقة الرب. توقف ولا تنظر. ابتعد حالا. هل تعتقد أنك سترى ملائكة تقطف الأزهار؟ لماذا تُضاعِف عذابك أيها الصبي الشقي؟)
تردد قليلا ثم غلبه حب الفضول. مسح الغبار ونظر من خلال الكوة التي صارت واسعة بما يكفي لتمكينه من رؤية العالم الخارجي. رأى مزار "بيري أورا". كان المشهد خاطفا لكنه فضيع جدا. أناس لا حصر لهم وبينهم يتكومون هناك منهكين وبينهم أربع شابات صغيرات قادمات من قرية " الزليلية" وقد اهلكهن العطش والتعب. رأى في عيونهن ما عجزت ألسنتهن عن وصفه: ذئاب تهاجم مزرعة عائلتهم وتقتل كل الرجال والوالدة العجوز. لا يعلمن في حالتهن تلك وقد فقدن القدرة على الكلام والبكاء كيف تمكنَّ من الفرار. ربما الصدمة أو الخوف أو هو الموت حين يستولي على القلب فلا يترك مكانا لأي مشاعر إنسانية طبيعية. ما بقي عالقا في ذاكرتهن هو الدم وشخير الوالدة حين ذبحت ونظرة عيونها التي تبحث عنهن. وجدن أنفسهن في طريق إحدى سيارات الإيزيديين الهاربين فحملتهن إلى هنا. صوت الرصاص كان يئز في كل مكان فتهتز أجسادهن مع كل طلقة. كانت هناك أيضا دماء تسيل على جوانب الصورة مشكلة نهرا للعهر البشري الخالد. في الجانب الآخر من المزار رأى رجالا يحفرون قبورا ويوارون جثثا عديدة. سمع أحدهم ينشج قائلا.
- يا الله. لقد أبادوا كل رجال "قنى".
عم الصمت ولم يعلق أحد على قوله. بعد برهة اقترب صوت الطلقات النارية فعم الهرج وبدأ الناس يهربون من جديد في كل صوب. عدد من كبار السن الذي عجوزا عن اللحاق بالجبل سقطوا مضرجين بدمائهم فلم يقدر الرجال حافري القبور على مواراتهم التراب واكتفوا قبل فرارهم بتغطية وجوههم بثيابهم او بمناديل صغيرة. هرب المشردون نحو "باب كورا ماري" ثم وصلوا إلى مزار شرف الدين وبعد يومين بلغوا نقطة "دوكري" الحدودية ثم دخلوا "سورية" لكن الفتيات الأربع لم يكن بينهم. إحداهن سقطت ميتة بسبب الظمأ واثنتان بقر بطونهم الرصاص والرابعة رآها تسير مقيدة نحو سوق بيع الرقيق. سوق انتهاك الكرامة والإنسانية. السوق الذي يعري بجلاء كبير إحدى الفضائل البشرية المقدسة.
شعر بالدوار فابتعد عن الكوة. وقف وسط القاعة الكبيرة وقد غزى المكان، فجأة، برد قارس. بدأ جسده يتجمد. كان ثوبه خفيفا ولا يناسب الطقس الذي تحول إلى شتوي قارص. ضم ذراعيه حول صدره وبدأ يرتعد ثم انهمرت دموعه. خفت النور تدريجيا فعاد لغرفة النوم وتمدد على الفراش بكامل ثيابه منتظرا مجيء أمه. إنها لم تخذله يوما وستأتي في النهاية. سيعز عليها أن تترك وحيدها في هذا المكان. بدأ يرسم وجهها في خياله إلى أن غرق في النوم من جديد.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,918,245,301
- دهشة الملائكة 1 : لاجئ إيزيدي
- بعض مما روي عن الصبايا
- خربشة على أسوار ذاكرة مهدرة
- وهم الثورة وجنون الرعاع
- وكان لولادة الآلهة أنبياء صاغوا نيرا من اوهام
- وكانت الحكمة تاجا من اشعة شمس داستها نعال الجهلة
- الحاكم بامر ربه : صنعت فوضى اللعبة السياسية الها كونيا جديدا
- الحاكم بامر ربه (فصل ثان من رواية)
- الحاكم بامر ربه - بشار الاسد (فصل من رواية)
- نبش في تاريخ منسي - الكاهنة - رواية ج. الاخير
- نبش في تاريخ منسي - الكاهنة - رواية ج 4
- نبش في تاريخ منسي - الكاهنة - رواية ج 3
- نبش في تاريخ منسي - الكاهنة - رواية ج2
- نبش في تاريخ منسي ديهيا - رواية
- صلوات في هيكل حب - السجدة الثانية
- اسلاميون الافاضل تعالوا نتقصى ملابسات مقتل عثمان بن عفان بين ...
- صلوات في هيكل حب .. السجدة الاولى
- عثمان بن عفان حاكم ظالم ام سلف صالح
- حضور الغياب .. وقفة سياسية
- بحث في سيرة عثمان من منظور اسلامي


المزيد.....




- أروى تكشف لـ-سبوتنيك- أهمية مهرجان الجونة السينمائي دوليا
- هذه أبرز مضامين قانون الطب الشرعي الذي صادقت عليه الحكومة
- ساويرس يؤكد لـ-سبوتنيك- توقعاته بنجاح مهرجان الجونة السينمائ ...
- 400 فنان تشكيلي بافتتاح أيام قرطاج في تونس
- الفنانة بشرى تكشف لـ-سبوتنيك- أسباب تطور مهرجان الجونة السين ...
- بلاسيدو دومينغو الابن يحيي حفلا موسيقيا في موسكو
- بالفيديو... ماذا فعل زوج فنانة مصرية معها على الهواء خلال مق ...
- ريتسوس الوطن حين يُكتب بالشعر
- رونالدو يبكي، وفنان سوداني وراء حسابات نسائية وهمية
- أغاني سعد لمجرد تحت مطرقة المقاطعة بالمغرب


المزيد.....

- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رويدة سالم - دهشة الملائكة : هيفي