أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد عبد المنعم عرفة - الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبو العزائم.. سيرة وسريرة [27]















المزيد.....



الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبو العزائم.. سيرة وسريرة [27]


محمد عبد المنعم عرفة
الحوار المتمدن-العدد: 5194 - 2016 / 6 / 15 - 12:58
المحور: الادب والفن
    


الإمام وثورة 1919
لعل أهم ما عاصره الإمام من أحداث سياسية في عصره هو الاحتلال البريطاني لمصر والسودان، فكم كان الألم يعتصره بشدة لهذه الأحداث، وكان دوره فعال وإيجابي في محاربة الاستعمار ومقاومة الفساد، وعمل على نهضة الصحافة دينينا وسياسيا واجتماعيا إلى غير ذلك مما كان يقوم به من أعمال لخدمة دينه ومجتمعه لا سبيل إلى حصرها.
لقد استشرى الفساد في مصر في عهد الخديوي إسماعيل ، وما أن تولى الخديوي توفيق الحكم (1879- 1892م) حتى كان الأمل نحو حكم أفضل استبشر به الجميع، ولكن الأمر لم يختلف عن سابقة ، بل إن الخديوي توفيق كان حريصا على الاستئثار بالحكم والسلطة، بالإضافة إلى أنه لم يستطع تحمل مسئولية إنقاذ البلاد مما أصابها من ضعف سياسي واقتصادي.
ظل أبناء الشعب يفكرون في طريقة حاسمة ترد إليهم حقوقهم المغتصبة وحرياتهم المفقودة، فقامت الثورة العرابية سنة 1881 بزعامة أحمد عرابي، وقد التف حوله كثير من أبناء الشعب المخلصين، فالثورة العرابية هي أول الثورات الوطنية التي عاصرها الإمام، صحيح أنه كان صبيا في سن الثانية عشرة من عمره، إلا أن مستوى فكره كان يسبق سنه بكثير وكل من حوله والعارفين به عن قرب قد شهدوا لـه بذلك، وقد كان رأي الإمام أن الثورة العرابية فرقت الشعب المصري لصالح الإنجليز مما أدى إلى احتلالهم لمصر 1882 بعد معركة التل الكبير.

وقد انصهرت أحاسيس الإمام مع أحاسيس الشعب المصري معاناة من الاستعمار البريطاني، لما يلاقيه الشعب المصري من إذلال وهوان.
وفي عام 1906 (1324هـ) أصدر الحاكم الإنجليزي لمصر وهو اللورد "كرومر" أمره الرهيب بشنق عدد من الفلاحين الذين قاوموا بعض الجنود البريطانيين في قرية دنشواي وقد تحدى اللورد كرومر مشاعر الشعب الوطنية، ولم يهنأ لـه بال حتى نفذ أحكام الإعدام فيهم شنقا، حتى أصبح مجرد سماع ذكر اسمه يثير شعورا بالسخط والاشمئزاز ، لارتباطه بمفاسد وظلم وجرائم توجها بحادثة دنشواي.
وكان لمصطفى باشا كامل دور كبير في فضح أساليب بريطانيا وكرومر في الصحف، وفي نفس الوقت كان الإمام رضوان الله عليه على اتصال دائم بالزعيم رغم وجود الإمام في السودان، وكذلك محمد بك فريد وعبد العزيز جاويش، لا ليطمئن على الأحوال وسير الأحداث ولكن ليساهم بالرأي والمشورة في اتخاذ القرار، وكان للإمام نصيب وافر في كشف وفضح أفعال الهلباوي الذي وقف موقف المدعي من هؤلاء الفلاحين الشرفاء لإصدار قرار الإعدام شنقا.
إن حادث دنشواي كان النهاية لحكم الطاغية كرومر، وكان الإمام يدعو الله كثيرا أن ينتقم من هذا الطاغية، ولما ازداد جبروته التجأ الإمام بكله إلى ربه طالبا غارة الله لتخلص مصر منه، ثم أملى قصيدة وطلب إرسالها إليه، وقد تحققت دعوة الإمام رضوان الله عليه وفضح كرومر عميد الطغيان وأقصى عن مصر وذهب إلى غير رجعة.. وهذه أبيات الرسالة التي توجه بها الإمام إلى المولى عز وجل في عام 1334هـ (1906).
إليك أمري أيا مولاي أرفعه
والعبد يسأل بالإخلاص مولاه

أنت الغيور على الفقراء تنصرهم
ومن أتى ضارعا لله أغناه

يا سيدي غارة من سوط نقمتكم
على من يرد ذلهم والناصر الله

طغى علينا بما قد نال من نعم
من زينة العرض الفاني ومبناه

وليس للفقرا غوث يغيثهم
إذا رموا غير قولي: حسبي الله

يا غارة الله إن الظالمين طغوا
بغيا علينا وكيد القوم تخشاه

فأسرعي في دمارهمو بكارثة
ترمي عميدهم فالبغي أعماه

وكان لابد من خلاص.. فجاءت ثورة 1919م ولسنا هنا بصدد الحديث عن هذه الثورة بملابساتها وأحداثها السياسية ونتائجها، فقد سرد التاريخ عنها ما يكفي.
لكننا نتناول ثلاث نقاط محددة هي:
1- كيف بدأت الفكرة وكيف أخذت دورها في التنفيذ.
2- دور الإمام رضوان الله عليه في النصح والإرشاد والتوجيه شعبا وحكومة وقادة، سواء دينيا أو سياسيا أو اجتماعيا.
3- دور الإمام عندما أراد المستعمر أن يقصم ظهر الأمة والإسلام ويجعلها شيعا وأحزابا- وهو أسلوبه الدائم في مثل هذه الظروف- حتى تكونت الأحزاب السياسية في مصر لتزداد تفرقا وتطاحنا وكراهية ونفورا فيما بينها.
وسنعرض على القارئ هنا بعض من المقالات التي أتيح لنا العثور عليها من الصحف ومن المجلات المشهور وقت ذاك، وخطاباته إلى حكام وزعماء الأمة وزعماء ورجال الأحزاب، وهي ترجمة حقيقة لما كانت عليه أوضاع الأمة حكاما ومحكومين، ويتضح منها أيضا منهاج الإمام في معالجة الأمور، فهي مهمة رجل الدين الحقيقي الذي لا يخشى في الله لومة لائم.
وكانت الصفة البارزة للمقالات بالصحف والمجلات في ذلك الوقت تعف الأعين عن قراءتها، وفيها من المهاترات ونهش الأعراض ما يجد رواجا وإقبالا من السواد الأعظم من الشعب المصري، وخصوصا بعد أن تغلغلت تلك الحزبية البغيضة فيه، حتى كان للأسرة الواحدة اتجاهات حزبية متعددة ينابذ لها بعضهم بعضا.
وكان الإمام يلتقى بالمفكرين والأدباء والزعماء السياسيين ومن بينهم سعد زغلول، حيث دار الحديث ينهما يوما عن تلك الأوضاع المتردية التي تعيشها مصر في ظل الاحتلال والقصر والحكومة، وسأل الإمام سعدا فقال:
= يا سعد بكم تشتري العبد اليوم؟
- يا مولانا لا يوجد عبيد تباع في أيامنا هذه.
= لو افترضنا يا سعد أن العبيد تشترى في أيامنا هذه.. فبكم تشترى العبد؟
- يا مولانا إن ثمنه لا يقدر بمال
= وهنا يقول الإمام : يا سعد: إن العبد كما قلت لا يقدر اليوم بمال، فما بالك إذا كان حرا؟ يا سعد.. اتق الله في أثنى عشر مليونا من المصريين الأحرار، أنهم أمانة في عنقك يسألك الله عنها يوم القيامة.
• ثم قال: يا سعد..إن أمامك غربة قصيرة.. بعدها تكون زعيما لهذه الأمة، ثم تركه وانصرف، بعد أن حثه ليبدأ المسيرة، وبعد أن بشره بما سيؤل إليه حاله مع الأمة.
• وتعددت لقاءات سعد ورجاله مع الإمام بعد ذلك مرات ومرات، ولم يكونوا أيضا بغرباء عنه، فقد كانت تربطهم به الصلة أيام الشباب، وكم دار الحديث بينهم وبينه، وكان الرجال يجتمعون مع الإمام بعيدا عن الأضواء، ثم نقلوا اجتماعاتهم في النادي الذي عرف فيما بعد باسم "النادي السعدي" كان من بينهم محمد محمود باشا، وعبد العزيز باشا فهمي، وإسماعيل باشا صدقي، وعلى باشا ماهر، ومحمود فهمي النقراشي باشا، والغرابلي باشا وغيرهم من رجالات 1919، كان عدلي باشا يكن في فرنسا فأرسل سعد مندوبين عنه لملاقاته والاتفاق معه.
وكان الإمام شديد التضرع إلى الله أن يبارك هذه الخطوة.
وأثناء لقاء لهذه المجموعة في النادي، وبعد أن تعاهدوا على خطتهم وأثناء مرورهم من الردهة للخارج، وضع محمد محمود باشا عصاه بحيث لا يمر أحد وقال: لن نغادر هذا المكان إلا إذا تعاهدنا بصدق على تنفيذ ما اتفقنا عليه، فتعاهد الجميع ثم انصرفوا.

ولما ذهب سعد زغلول وصحبه إلى دار الحماية عقب مؤتمر الصلح في باريس عام 1918 ليطالبوا بحقوق شعب مصر في الحرية والاستقلال وطالبهم المندوب السامي بإبراز ما يثبت توكليهم من الأمة، عاد على باشا شعراوي وحمد باشا الباسل إلى مصر وطلبوا من الإمام أن يجمع لهم توقيعات أحبابه ومريديه، فاستمهلهم أسبوعا ليكون عندهم عشرات الألوف من العرائض الموقع عليها من المواطنين بعناوينهم.
وفي مقالة من مقالات رضوان الله عليه التي أراد بها أن يكشف النقاب تماما عن الدور الذي تقوم به بريطانيا، نختار هذه المقالة المنشورة في جريدة الأخبار
الإنجليز ينـازعــــون الربوبيـــة
لكل حــق حقيقــة، وحـق لا حقيقــة له باطــل
مــا حـقيقة حق الإنجليز فـي مصر؟
"أعجب معي أيها القارئ‍‍!! الإنجليز يحررون الرقيق السود ويستعبدون الإنسان الأبيض ، هل هذا حق لـه حقيقة؟ الإنجليز يغزرون الأمم بالخروج على حكوماتهم ويدخلون بين الهيئتين بصفتهم رجال الإصلاح كما نشروا أيام أثاروا العداوة بين الجيش والخديوي الأسبق وحشدوا جيوشهم وأساطيلهم لتأييد الخديوي وإصلاح الأمة، وما يعلم إلا الله ما كانوا يضمرون من السوء لأمة وادي النيل من منابعه إلى مصائبه.
الإنجليز أثاروا ثائرة السودان على إخوانهم في الدين والوطن "المصريين" ، ثم فصلوا السودان عن مصر وجعلوا السودان للسودان في أيام غردون ومحمد أحمد، فكانت ثائرة الفتنة مستعمرة من الإنجليز في زمن واحد في مصر والسودان، وهم الذين طالبوا الحكومة المصرية بإرجاع السودان لتفقد مصر خيرة شبابها وصفوة أموالها، فكم قتل المصري أخا لـه سودانيا يناديه "اسألك بالدين والوطن" وكم قتل سودانيا أخاه المصري وهو يصيح بأعلى صوته "بحق الدين والوطن". ولكن الإنجليز يسعرون نار العداوة بما لديهم من قوة وبطش وخديعة.
لم تكن مصر والسودان خالية من عقلاء المفكرين الذين علموا آثار القوم في الهند والنوير وكندا واستراليا، ولكن كيد الإنجليز أعمى بصائر المغرورين بأمانيهم، لم تنس مصر والسودان لذة الحرية والاستقلال والمساواة على أرض هي تراث آبائهم الكرام، ونهر هو أبوهم وأمهم من قديم الزمان، ولكن قاتل الله أهل الأطماع وقبح الله أهل النفوس الدنيئة الذين صوروا أمة الإنجليز لأمة وادي النيل بصورة المصلحين، وقد كنت طالبا بالأزهر في هذا الزمن، فكنت لا أرى جريدة في مصر. إلا وعنوانات مقالاتها "مصر للمصريين والإنجليز رجال الإصلاح" ولا يزال من هؤلاء الدعاة رجال أحياء يرزقون، ومنهم من يضرب على هذا الوتر غير هياب من غضب الأمة أو رضاها.
والى هنا اسأل النائب عن الإنجليز في مصر: ما هو الحق الشرعي الذي لك سلبته الأمة المصرية حتى تنذرها بتلك الإنذارات التهديدية؟ الجواب: لا حق لك. وإذا كان لا حق لك شرعا، فما السبب الذي جعلك تنذر وتهددد قوما سلبت حقوقهم واغتصب حريتهم؟ مع الآن الخلاق العظيم الملك المقتدر يأمر موسى وهارون عندما أرسلهما إلى فرعون قائلا (فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (طـه:44) ، وإذا كان ولابد أن تبطش بقوة دولتها وحولها، فأعلن حربا إنجليزية على مصر، وأرم بمطاراتك بيوت الحكومة وأهدم بها كل بيوت الأمة جمعاء، واجعل مصر استراليا الثانية، وأرح المجتمع المصري من هذا العناء.
المصريون يا عميد الإنجليز في بلادهم آمنون لم تمد أيديهم إلى ما يملكه الإنجليز، المصريون لم يحاربوكم في بلادكم بل ولا في مستعمراتكم، فما الداعي لهذا الإنذار والتهديد؟ أهل طلب مصري منكم المعونة، أو الـتجأ أجنبي إليكم من ظلم المصريين؟ أم أن مصر من صحارى وسط أفريقيا كالنوير وغيره؟.
صارحونا.. هل أمركم المسيح أن تبيدوا المصريين أو تدمروا بلادهم؟ أنا أصارحكم: كل مصري- لا فرق بين المسلم والنصراني واليهودي- يأبى أن يكون مستعبدا في وطنه العزيز من المصريين، فكيف يرضى أن يكون مستعبدا للقوة القاهرة في يد من لا يراعون عهدا ولا ينشرون عدلا ولا يحفظون ودا ولا يساوون بأنفسهم أمة ذات قوة ومجد باذخ؟
يا عميد الإنجليز: القلوب لا تملك وإن ملكت الأجسام، والنفوس التي في المصريين لا تقهر وإن قهرت الأبدان، فاحذر غائلة تلك الشدة في الباطل، واجمعوا القلوب والنفوس بالعدل والمساواة، فأنتم المحتاجون إلى مصر، والمصريون أغنياء عنكم،فتداركوا الأمر قبل فواته فقد كاد البركان أن ينفجر ويتحقق المثل "المشادة تقطع الحبل".
ويا فلذات أكبادنا "النشء" أنتم أمة الغد، والأعداء تعمل لقتلكم في المستقبل بمدى يعضونها في أيدي صنائعهم ممن يقولون: أغننا اليوم وأفقرنا غدا، وإن يقظتكم قد هزت قلوب جميع المسلمين، والمظاهرة يا أبنائي وإن دلت على أنكم محافظون على ثغور الوطن من أن يدخل عدو على أعناق من يخافون من القوة الغاشمة ويطمعون فيما يمنونهم به،ولكنني مع استحساني للمظاهرات السليمة أكره أن تتسلحوا بسلاح واحد، وأدعو نفسي وإياكم إلى تحصن الوطن بسلاح أمضى من هذا وهو: سلاح المقاطعة التجارية والتعاونية لا الإضراب عن تحصيل ما ينفعنا من العلوم والتجارات والصناعات، وهذا السلاح الماضي يمكن كل مصري من أن يطعن العدو في أثمن عزيز لديه حتى يشترك الوزير على مكتبه والخفير في دركه والجندي في ميدانه، أما المظاهرة يا أبنائي التي يصطدم فيها المصري بالمصري، ونجدد للأعداء قوة بحجة تكون أجمل إذا شعرت الحكومة بما تشعر به الأمة ولم تصادر شباب الأمة الناهض إذا أظهر شعوره، كفانا ما أريق من الدماء في سبيل نجاة الوطن بسبب المظاهرات التي لم يقصد بها المصري إظهار شعوره، وبهذا يرجع إليكم الأعداء صاغرين، ولا تظنوا يا أبنائي أن نار الغيرة هي شرف الحرية والمساواة والعدالة التي هي فوائد الاستقلال تطفأ من قلب كل مصري مهما حاباه الأعداء، وما النصر إلى من عند الله العزيز الحكيم".

وما أن بدأت المسيرة إلا وأملى الإمام مجموعة مقالات ظهرت في الجرائد، يحدد فيها الواجبات على كل فرد من أفراد الأمة سواء الزعماء أو الهيئات الحاكمة أو أفراد الأمة، وهذه إحداها قال فيها فيما يختص بأفراد الأمة:
الواجب على كل فرد من أفراد الأمة
قال عليه الصلاة والسلام (كل واحد من المسلمين على ثغر من ثغور الإسلام، فإذا تهاون إخوانك فأشدد لئلا يدخل العدو من قبلك). هذا الحديث الشريف أوجب على كل مسلم كمال اليقظة بالشئون العامة بعد قيامه بالشئون الخاصة، فمن شغله شأنه الخاص عن شأنه العام أنزل نفسه في الحضيض الأسفل حضيض البهائم السائمة وخرج من الإنسانية، فكيف يحكم على نفسه بالإسلام؟
سوى الإسلام بين كل الأفراد، فالحاكم على عرشه لا حق لـه على أحقر محزم إلا بالحق، وأذل محكوم لا يخاف إلا ذنبه ولا يرجو إلا ربه، وإنما الحاكم منفذ لأحكام الشريعة، فأعز المسلمين لديه أذلهم ما دام عليه حق، وأذلهم لديه أعزهم ما دام الحق لـه، والأمة بأفرادها لا بحكامها، وبقدر علم الأفراد بما لهم وما عليهم تكون سعادتهم وتمكينهم في الأرض بالحق، والأمة هي التي تنوع الأحكام، فلو احتل أظلم الظلمة وطن أمة عالمة بحقوقها قهرته على التجمل بالعدالة والفضيلة، وإن احتل من تحلوا بأكمل الفضائل وطن أمة جاهلية أو متفرقة أو متصفة بالرذائل صيرتهم بذلك ظلمة أشرارا.
فالواجب على كل فرد متفاوت بحسب حال الأمة إذا تولى الأمة أهل الولاية العاملون لخيرها، تمتع كل فرد بالخير من الأمن، والوسعة في الرزق، والعافية من البلايا، وخف الواجب على الأفراد، وإذا احتل العدو الوطن عظمت المسئولية على كل واحد من رجال الأمة، بحيث يتعين على كل فرد ما يناسبه من العمل، فإذا تهاون واحد منهم فوالي المتحلين أو سارع لخير شخصي أو كاد لأخيه الوطني، فتح ثلمة في حصن الأمة الحصين وثغرا في ثغورها المنيعة يدخل منه العدو على الأمة وذلك بعمل واحد منهم.
وأمة يسعى رجل فيها لخير نفسه معتقدا أن هذا الخير يضر الأمة، هو خائن لوطنه يجب أن يعاقب بحرمانه من الحقوق الوطنية ولو بلغ أرقى مقام في الهيئة، لأن معظم النار من مستصغر الشرر، وهنا أضرب ذلك مثلا يقرب الحقيقة:
ترى الغيور لوطنه المسارع لخلاصه من يد الغاصبين إذا لاحت لـه منفعة لنفسه انقلب على الوطن فكان شرا من الغاصبين عليه، وترى الآخر يجتمع مع غيره في أماكن الدعارة واللهو التي يديرها الأجانب فيجعلها ناديا للآراء فيعين الأجنبي بمال الوطن ويكاشفه بالأسرار التي يريدها، وترى غيره يحكم هواه وحظه فينفذ عملا يضر الوطن بأجمعه، ويزيد الطين بلة بعمل الانتقام، وترى من يتشبه بالأجانب المشهورين بالغيرة لأوطانهم فيقوم ليعمل كعملهم جاهلا أن دول أوروبا لديهم من الأسلحة والقوة ما به استلقوا واستعمروا واتحدوا علينا، ونحن الآن في حاجة إلى تكوين الأمة وإصلاح ذات بينها وبيان السبل الموصلة إلى نجاح المقصد فيضر من حيث يعتقد النفع.
فإلى كل واحد من أفراد الأمة أقدم نصيحتي: أنت أيها الأخ عضو في جسد الأمة عامل لنفسك ولها، فالأمة في حاجة إلى صحتك وعافيتك لتعينها، وأنت في حاجة إلى الأمة القوية المنيعة لتنال بها العزة، فالواجب عليك أن تقدم خير الأمة على خيرك الخاص، وألا تقدم على عمل من أعمال العامة إلا بعد أخذ رأي أهل المشورة والحكمة والتجارب ليكون عملك منتجا للخير العام والخاص، إذ ليس الشجاع من قهر أقرانه، إنما الشجاع من قهر نفسه لتكون نفسا فاضلة عاملة للخير، وليس الوطني من دفعته غيرته فعمل على ما يضر الأمة ويمكن الأعداء، وإنما الوطني من عمل الخير لأمته ودفع شر الأعداء بالحكمة.
وخير وسيلة لنيل الخير أن يثق كل فرد من الأمة بنفسه معتقدا أنه جندي من جنود الوطن، فيضع نفسه حيث يكون الخير للأمة، فإن كان من أهل الشورى فمعهم، وإن كان من أهل التنفيذ فمعهم، وإن كان من العمال الذين يجب عليهم ملازمة أعمالهم الضرورية للأمة لزم أعماله من زراعة أو صناعة أو حرفة أو تجارة،. والفساد إنما يحصل بقيام كل واحد بعمل ما لا يحسن وترك ما لابد منه.
وأهم ما يجب علينا الآن عمله: تكوين الأمة حتى تكون جسدا واحدا، ويكون كل فرد منها ككل عضو في الجسد، وبذلك تقهر أعداءها ولو اجتمع عليها كل من بأقطار الأرض، وأمة لم تعلمها الضرورة فتتبوأ مقعدها من الذل، ومتى سمعت الأمة إلى إصلاح ذات البين وعلم كل واحد منها ما يجب عليه فعمله، رقت وعزت.
وقد بينت بيانا للزعماء، وللأمة جمعاء، وللهيئة الحاكمة.. وهذا بيان للأفراد، ومتى صلح الأفراد صلح المجتمع، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا".

وكان الكثير يسأل الإمام قائلا : سل ربك أن ينجينا في قضيتنا لننال الاستقلال التام متمتعين في ظل الحرية والإرادة، فكان الإمام يقول لهم : يقول الله تعالى (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) (الطـلاق: من الآية2،3)، وكان يقول لهم : اتقوا الله يا أبنائي وارجعوا إليه فإن الله تعالى يقول (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)(آل عمران: من الآية126).

إن القضية بالنسبة للإمام هي قضية التقوى، وعلى قدر ما يكتسبه المجتمع من تقوى على قدر ما يكشف الله به الغمة عن الأمة، وها هي بعض النصائح الدينية التي تبين لنا حقيقة الدور الذي قام به في وعظ الأمة وإرشادها.

حصنوا المجتمع بالفضائل الدينية
"معلوم أن الحرب قائمة بين الحق والباطل من لدن خلق آدم. حارب إبليس آدم في الجنة حتى أهبطه الله منها، وقد وهب سبحانه وتعالى للإنسان عقلا يعقل، وجعل لـه حدا محدودا لا يتعداه، وركب في الإنسان من القوة الباعثة على الشرور الداعية للمفاسد ما لو ترك الإنسان وشأنه لألقته في الدرك الاسفل من النار في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فيما يصيبه من الآلات والبلايا بسبب الحسد والطمع والحرص، وأما في الآخرة فبالعذاب الذي يستحقه لمخالفته للدين واتباعه لهواه.
والحكمة في أن الله خلق للإنسان العقل أنه سبحانه أهله للسعادتين، فالعل يعقل بدائع إبداع صنع اله في هذا الكون الجلي، فإذا جاهد الإنسان النفوس بالعقل حتى صارت وسطا متبعة للدين فاز بالسعادتين ونال الخيرين، وإذا أهمل العقل وانقاد لحظوظ النفس باء بالعناء في الدنيا والعذاب في الآخرة، وكلنا نعلم أن الأمم قبل الإسلام كانت بين جاهلية عمياء أو أمم فاسقة أو أمم بدلت الفضائل بالرذائل وهي المبدلة.
حتى ظهر الإسلام فعم السلام، حفظت الدماء إلا دم أهرقه الشرع والعقل، حفظت الأعراض غيرة للشرع وحفظا للشرف وخوفا من فضيحة الدنيا وعذاب الآخرة، حفظت الأموال من أن تتطاول إليها الأيدي الأثيمة فيقطعها الشرع، حفظت العافية من سلبها بالخمور والحشيش والأفيون خوفا من سلب الحياة بالحدود الشرعية، سجنت النفوس الظلوم في الأجسام خوفا من سطوة الشرع وانتقامه برجال الغيرة المنفذين لـه.
عاشت الأمم في ظل الإسلام من سفك الدماء وسلب الأموال وهتك الأعراض ومن امتياز بعض الناس على بعض، لا فرق بين المسلم وأهل ذمة الله ورسوله في هذا الخير العام، حتى أغضب المسلمون ربهم وخالفوا وصايا النبي صلى الله عليه وسلم، وترك العماء والوعاظ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى عم الخطب وصار العالم يقف على أبواب الأمراء والحكام ملتمسا زيادة مرتبه أو مضرة نظيره أو الظهور في الدنيا، وصار الواعظ يتخذ الوعظ سبيلا لجمع حطام الدنيا وللشهرة فيها، مرض العلماء والوعاظ فصاروا أضر على الأمة من حمقاها، وليس العلم ما به الوجاهة ورفعة المنزلة بين الناس، إنما العلم ما به الخشية من الله والغيرة لدينه والمسارعة إلى محاب الله ومراضيه.
عجز العقل عن وضع الأنظمة التي يعيش بها العالم في سلام وأمان في الدنيا ويفوز بالمسرات الباقية يوم القيامة، وتحقق أنه لا يكون إلا بدين سماوي يأتينا به رسول من عند الله تعالى يقبله العقل ويرضاه يخرج الإنسان من الأخلاق الإبليسية والشهوات البهيمية والأطماع الإنسانية حتى يكون المجتمع كالجسد الواحد يعمل كل فرد للمجتمع ويعمل المجتمع لكل فرد، ولا يكون هذا الخير إلا بوازع ديني يقهر القلوب خوفا من علام الغيوب، ويقهر الأجسام بتنفيذ الحدود في جلد وقتل ليستريح العالم من الظلم والتظالم والبغي، وقد جمع الإسلام من الآيات التي خشعت لها القلوب وزكت بها النفوس، ومن الأحكام ما علت بها الأجسام وضعفت الأوهام.
ولا سبيل إلى السلام والسعادة إلا بالرجوع لأحكام الإسلام، فقد أنتج إهمال إقامة حدود الله ظهور الفساد في البر والبحر، فأصبح المجتمع الإنساني كمجتمع وحوش في غابة تعيش فيها الحيوانات ضعيفة، فكيف تكون حالة الحيوانات مع الوحوش الكاسرة؟!! لا شك أنها ستكون شرا من مجتمعات الجاهلية، لأن الإنسان في الجاهلية كان محافظا على بعض الفضائل كالكرم والنجدة والإغاثة وحفظ الجوار، وكان لتلك الفضائل رجال حمس.
وأصبح الناس وقد تركوا دينهم فتقهقروا إلى ذل الجهل وخزي الإباحة، وابتلوا بالحسد ونسيان يوم القيامة، فألفوا ما ينفر منه الحيوانات من فعل المنكر فانتشر الزنا بينهم علنا وهو أرذل الرذائل فاعتادوا عليه، وانتشر الخمر وهو أفسد المفاسد فسارعوا إليه، وجعلوا الحانات وبيوت العهارة أندية للسمر ومجالس يفتخر بها من خسر الدين والدنيا ، تركوا الدين فوكلهم الله إلى أنفسهم فصاروا عبيدا لمن كانوا لهم تبعا، سلب منهم المجد فرضوا بالخزي، وسلبت السيادة فرضوا بالذل، ثم سلب المال فوقفوا على أبواب من كانوا يقفون على أبوابهم
إن هذا المجد أيام تمسكنا بديننا؟ وأين هذا الشرف والعز أيام عملنا بسنة نبينا؟ أين تلك الغيرة على الأعراض أيام كانت الأمم تضرب بنا الأمثال؟ كيف يرضى المسلم أن يرى بيوت العهارة وفيها الفتيات المسلمات يدخل عليهن من يعلمهن وفيهن قريبته لأمه أو لأبيه أو لدينه.
لنفرض أن الحكومة جعلت عليها حرسا ورخصت لهن في هذا العمل، فهل الحكومة أوجبت على المسلم أن يدنس دينه وعرضه وشرفه ويرجع بالجذام رغم أنفه؟ الإنسان لـه بصيرة على نفسه ، فالحكومة رخصت للباغية والقرآن حرم الزنا، ورخصت لاصحاب الحانات والشريعة حرمت الخمر، وجعلت حرسا على بيوت الزنا والحانات، فهل تطيع الحكومة وتخالف دينك؟ يغضب ربه الزاني والسكير والذي يتناول السموم من الخمر والحشيش والكوكايين ويغضب النبي صلى الله عليه وسلم، ويقتل نفسه بالزهري والسيلان والسموم التي يتناولها وينشر أرذل الرذائل بعمله في أقاربه، لأن الفتيات إذا خدعهن الغربي وجيوشه فمن الذي خدعك أيها الشاب المسلم وخصوصا المتربي؟!! وأنت تعلم شرور هذا العمل أيها المخالف لدينك.
أما تتقى الله وتحفظ صحتك وتحصن شرفك بين قومك وتدفع المصائب عن أمتك وتغار لأقاربك، أما الفضائل فهجرتها، وأما الرذائل فعملتها وأيدتها، وقد آن لك أن تنظر بعين البصيرة إلى مستقبلك، فإن دوام الفجور يؤدي بالإنسان إلى الهوان والخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة، وقد قامت الحجة على تلك الحقيقة وظهرت لك الحجة التي بسيرك عليها تفوز بالخيرين وتسعد في الدارين، فارحم نفسك وارجع إلى العمل بالدين ولا تنظر إلى أوربا التي تركت الدين، فإنهم تركوا دينهم وعملوا بحظهم في الدنيا فظفروا بالعاجلة.
وما تركوا دينهم إلا لأن العقول أنكرته، والمسلون قلدوا أوربا في ترك الدين والعمل بأحكامه من غير بصيرة، فتركوا الحق الجلي الذي سجدت لـه العقول وبه مكن الله لنا في الأ رض، فذلوا واستعبدهم العدو، ودين يتركه أهله فذلوا للأعداء حق عليهم بل يجب عليهم الرجوع إليه.
الصلاة طهارة ورياضة وعبادة، والصيام تزكية للنفوس وطهرة للأخلاق وصحة للأبدان وتشبه بالأطهار من عمار السماوات وعبادة لله، والزكاة رحمة بالفقراء وتبرئة من البخل وجمع للقلوب على مساعدتك – ولو بالدعاء- وحصون حفظ مالك ودمك وعرضك من الآفات وعبادة الله، والعقيدة التي هي توحيد الله وتنزيهه عن النظير والند والوالد والولد تكسبك عزا ومجدا ومسرة في الدنيا والآخرة وعلوا حتى لا ترى فوقك إلا ربك، وترى العالم أجمع عبيدا مخلوقين لا فضل لأبيض على أسود إلا بالتقوى.
أرجع للعمل بدينك ايها المسلم تفز بما فاز به سلفك الصالح من التمكين في الأرض بالحق، ومن العزة بالحق، ومن الحياة الطيبة في سلام وأمان ونعمة وإحسان.. والله ولينا جميعا.




الدين نصيحة
إلى الأمة المصرية الكريمة وزعمائها
" الحق واحد ولكنه خفي على من غلبه الحظ، فإن العقل والشهوة ضدان، قد تتغلب الشهوة على العقل فتجعل الباطل حقا والحق باطلا، حتى يكون العامل يضر بنفسه وأمته وهو يعتقد أنه ينفع.
وللأئمة حق وللزعماء حق
وحق الأمة على الزعماء:
1- أن يستمدوا منها القوة ، وأمة تنمح قوتها للزعماء يعملون ما يشاءون من غير مشورتها وإرادتها أمة لا يعبأ بها ولا تنال مقصدها.
2- أن تراقب أعمالهم فيما يتعلق بقضيتها ، فلا تمنح ثقتها في كل عمل إلا بعد أن يتبين لها أن الزعماء يعملون لخيرها بأسلوب منتج للخير المطلوب مع الشجاعة التي تجعلهم يؤثرون الأمة على أنفسهم.
3- الضرب على أيدي المفسدين الساعين في التفرقة مهما كانت منزلتهم أدبا لهم وإنذارا لغيرهم من أمثالهم.
وللزعماء حق على الأمة وهو:
1- تشجيعهم بالقول والعمل إذا أخلصوا للأمة.
2- تنفيذ آرائهم إذا كانت لصالح الوطن.
3- دفع كل معتد عليهم مهما كانت منزلته.
4- ستر عوراتهم التي ليسوا معصومين عن الوقوع فيها لأنهم ليسوا أنبياء.
5- المسارعة إلى نصيحتهم بأسلوب الحكيم,
6- مصادرة كل من يشيع عنهم ما ينفرهم
وهنا يجب البيان كل البيان: كلنا نعلم أننا إنما وثقنا بالزعماء لننال الخير لأنفسنا ولهم، فإذا آثر الزعماء أنفسهم علينا وجب علينا أن نسلب الثقة منهم ونقوم للعمل لأنفسنا بأنفسنا، فإن الأمة إذا اجتمعت قهرت كل عدو ولو اجتمع عليها من أقطارها.
وخير الزعماء من كان أول عمله إصلاح ذات البين، وإعطاء كل ذي حق حقه حتى تكون الأمة كالجسد الواحد يحيط بالقلب، والعقل هو صاحب العرش، والأمة جمعاء هي أعضاء الجسد كل فرد منها ككل عضو من الجسد، ولا تنال الأمة هذا المقام الذي يجعلها مهيبة عند أعدائها إلى بالتمسك بالدين والعمل به ليكون سلطان الدين قويا على القلوب يدفعها إلى الخير، ومتى اجتمعت قوة الدين على القلوب وعلى الأجسام ظفرت الأمة بالخير العاجل وبالسعادة في جوار الأطهار من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.. والله ولي المؤمنين".

وقد جاء في خطاب أرسله الإمام إلى سعد زغلول يناصره ويشحذ من همته وينفث فيه روح الإيمان طالبا منه أن يلم شمل الأمة ويجمع كلمتها:
"تعلم أيها المجاهد الكبير أن قدر الرجال بنتائج الأعمال لا بآمالهم، وبقدر تأثير النفوس لتزكوا وتتعاون على الخير لا بقدر ما ينالون من العلو والحظ، إنك يا أخي قد أظهرك الله في وقت اقتضت أحداثه أن يكون كل مصري جنديا يمد يده إلى قائد قوي الإيمان يأتي بما يستوحش منه أهل الأهواء، صغرت في عينه المناصب وأن جلت، واحتقر الحمد على من لم ينل، وإنا للعلم منك الإقبال في وقت الفزع والتمسك بمعالي الأمور والغيرة للحق، ونعلم أن الأمة تحققت ذلك عن يقين، وإنك يا دولة الرئيس تعتقد أن كل مصري حريص أن يعيش حرا مستقلا وقد ضحى في سبيل ذلك بالنفس والمال والولد، وإنما هي الأخلاق تجمع إن أحسنت وتفرق إذا ساءت، وقد قال تعالى (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)(فصلت: من الآية34).
وإني أشكر الله على ما أغاثنا به في هذا الوقت الحرج من الصفاء بعد الجفاء والتناصر بعد التخاذل، وأشكركم يا دولة الرئيس على الحجة التي أقمتموها لأنفسكم بالمسارعة إلى ما به صحة الجسد المصري، وأرجوكم بعد أن ظهرت لكم نتيجة جمع كلمة الأمة أن تداووا بقية أعضاء هذا الجسد المبارك حتى تعم المسرة كل بيت بوادي النيل ، بل يسرى السرور إلى كل أمة إسلامية وشرقية، ويسري إلى سلفنا الصالح في روضاته كي ننال بهذا العمل المبرور رضوان ربنا جل جلاله وسعادتنا في هذا الزمن وخيرات أبنائنا من بعدنا في المستقبل، والأمر سهل على رجل عظيم مثلك وجه وجهه لإنقاذ وطنه وأمته من وحلة الاستعباد وظلمة الاستبداد.. والله داعيا أ، يطيل عمرك عاملا للخير داعيا إليه.
الحالة الحزبية في مصر
انتهت ثورة 1919م، وأفرجت بريطانيا عن سعد وصحبه، واصدرت تصريح فبراير 1922م تمنح به مصر استقلالها الذاتي مع تحفظات أربعة، وإقامة حكم نيابي ديمقراطي ومنح الملك شعبه دستور 1923م. وأسرع السياسيون إلى إنشاء أحزاب سياسية كانت نكبة سياسية على البلاد حيث فتتت وحدتها وبددت كلمتها بعد اتحادها في 1919م ووزعتها طوائف متنافرة مختلفة فيما بينها، متفقة على إرضاء المستعمرين ولو على حساب الشعب ومصيره ومقداره، وظلت الأحزاب تتطاحن وتتناطح وتتنافر لمصلحة الاحتلال، وسعدت بريطانيا بهذا وتركتهم بعضهم يوج في بعض، وتجاوزت الخصومات الحد في التطاول على الأعراض والحرمات.

وهذه مقالة تبين مدى انفعاله مع أحداث الوقت، وفيها ينصح الأمة بالإدلاء بأصواتهم لمن يستحق تمثيلهم:
انتخبوا أهل الغيرة والحكمة
"الأمة محتلة بالأعداء يفعلون بها ما يشاءون، ,النفوس مجبولة على التأثر بالخوف والرجاء، والأعداء بيدهم كل شيء يطمعون ولا يخافون لأنهم تمكنوا من تفرقة الأمة حتى صار بعضها يحارب بعضها شأن من يجهل مقتضى الوقت.
الأعداء يعلمون أن الأمة ليس بيد أفرادها أسلحة، وليس لها إلا القوة المعنوية وهي اتحاد الأمة على العمل لنيل استقلالها وإجلاء عدوها، ولو علم الإنجليز أن الأمة تتحد ما منحتها الحرية في الانتخاب وتشكيل مجلس الشورى، ولكن اليد التي منحت عملت عملا جعلت تلك المنحة شرا على الأمة.
وقد آن للأمة، وأخاطب الهيئة المحكومة، أن تعمل لنفسها بنفسها عمل من يأمل الحياة في أمن وعافية ووسعة في الرزق وكفاها تجارب، قلت كثيرا إن الحكومة الآن كالبرزخ بين الأمة وأعدائها، لا يمكنها أن تقف موقف الشدة أما معدو قوي عززته الأساطيل والجيوش، فنزعت الرحمة من قلبه، لا يرحم إنسانا ولا يرضى إلا باستعباد غيره، فالحكومة إن تمسكت بمداراة الأعداء فذلك لعلمها بواجب الوقت ، ولكن الأمة هي وحدها التي يمكنها أن توقف الأعداء عند حدهم بانتخابها أهل الغيرة والحكمة الذين يمثلونها وتكون من ورائهم منفذة لآرائهم لما علمته منهم من إيثارها على أنفسهم ومن التفاني في نيلها الخير.
ونحن الآن في غنى عن غيور لا حكمة عنده، وعن حكيم لا غيرة لـه، والطبيب إذا جرب دواء فلم يعد بالعافية عدل عنه إلى غيره، والواجب علينا أن نخلص في العمل ونترك العواطف وراء ظهورنا وننظر بعين ملؤها الحذر، فلا نضع ثقتنا إلا فيمن تقوم لـه الحجة على أنه الرجل الحكيم الغيور الذي يرد الأعداء بحكمته ويقهرهم بغيرته، فلا يجبن في وقت الشجاعة ولا يشدد في وقت اللين، وفي مثل ذلك الظروف يجب أن نقف عند الحق لأننا في ميدان جهاد بالرأي، وكم من موثوق به خارت عزيمته في مثل هذا الميدان، وإنما مجلس الشورى رجال قليلون بالنسبة للأمة، فإذا انتخبنا بالعواطف وسعي كل فرد لنفعه الخاص كان ما لا تحبه الأمة.
أنا لا أشك أن الحكومة ضيقت دائرة الانتخاب بتقدير المائة والخمسين جنيها، وحرمت الأمة من كثير من أهل الرأي والسداد والحكمة والغيرة، إلا أن الأمة يمكنها أن تتحرى انتخاب أهل الإخلاص والتقوى الذين إن لم يمنعهم عن الدنيا نسبهم يمنعهم التقى والخشية من الله تعالى والحرص على خير الأمة، ويجب على الناخب أن ينتخب من تطهر من حب الانتقام، ومن الطمع في مال غيره، ومن التساهل بدينه ووطنه، ولم يثبت عليه ما يشينه حتى تطمئن الأمة بنوابها ويخشاهم العدو ولا يخشونه.. والعاقبة للمتقين"

وكان سعد زغلول شديدا جدا في خصومته الحزبية ، فلم يترك الإمام نصحه، وإنما أرسل رسالة خاصة تتناول هذا المعنى يقول لـه فيها:
"... نذكر عند زيارتي لكم أني طلب منك أن تعفو عمن ظلمك، وأن تحسن إلى من أساء إليك- وكان ذلك قبل سفرك إلى سيشل ببضعة أيام- فأجبتني قائلا: أنا لا أملك العقوبة فكيف أملك العفو؟ فأخبرتك أن الله سيقدر لك ملك العقوبة والعفو، فأجبتني : لديها أفعل ما تحب، وكان معك ا لنقراشي فدعوت لكما وانصرفت.
والآن وقد أقامكم الله مقاما، يجب عليكم أن تشركوا من تفضل عليكم به، بالعفو والإحسان إلى خلقه، خصوصا والشأن يهم الجميع والله تعالى يقول (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى)(المائدة: من الآية2)ويقول (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (لأعراف:199) .
وأني اسأل الله أن يشرح صدركم إلى ما به الظفر بقضيتنا، وتقبل نصيحة من رجل يحب لك الخير في الدنيا وحسن الأحدوثة، بعدها والنعيم المقيم يوم القيامة.
ثم قدم الإمام النصح والإرشاد لكل الزعماء بدءا من سعد زغلول فقال:
"قال صلى الله عليه وسلم (لا تزال أمتي بخير ما وقر صغيرهم كبيرهم، ورحم كبيرهم صغيرهم) هذا الحديث هو الأصل الذي بالعمل به تكون الأمة كالجسد الواحد الصحيح القوي، ومتى احتقر الصغير الكبير وظلم الكبير الصغير، تفرقت الأمة وضعفت وتمكن منها عدوها.
فإلى رجال الحكومة:إنكم أفراد من الأمة ، وإن ما تمتعتم به من نفوذ الكلمة ومن واسع النعمة ومن الجاه والعزة، إنما بالأمة ومنها، فإذا عاديتم الأمة وهي مصدر هذا الخير لكم وأرهبتموها بالحديد والنار قتلتم نفوسا أنتم في حاجة إليها، وأضعتم ثقة من القلوب لا غنى لكم عنها، وفتحتم على الأمة أبواب الشرور من الجبن والعمل على نيل السلامة منكم بالمكر والخديعة، فيهملوا الواجب عليهم من التعليم والتجارة والصناعة والزراعة، ويخرج بعضهم على بعض فيتفرقوا شيعا وأحزابا، وهنا تحدث الطامة الكبرى وهي: إما غضب القهار المنتقم فيسلب الحكم من أهله، وإما تسليط العدو الغاصب على الحكومة أولا وبالذات، فيصير الحكام بعد العزة أذلاء، وبعد القوة ضعفاء، وبعد الغنى فقراء، وتصبح الأمة مستعبدة بعد الحرية، مملوكة بالأعداء بعد أن كانت مالكة، وهذا نتيجة محاربة الحكومة للأمة، وليست الممالك التي انهارات والأمم التي اندرست إلا بسبب هذه المظالم.
وبعد أن خاطب العلماء، وخاطب طلبة العلم، والتجار، والعمال والصناع، خاطب رجال الأمة جميعا فقال:
يا رجال الأمة جميعا: إن تقليد أوربا في النظم التي وصلت إليها بعد قرون طويلة قلدت فيها سلفنا الصالح م حتى نالت ما هي فيه الآن، تقليدنا إياهم
هذا في الاختلافات الحزبية سبب الانحطاط، لأننا في حاجة إلى تكوين قوميتنا بالاتحاد والى حفظ ثروتنا بما ينميها لنا من رقي الصناعة وتقدم التجارة والعناية بالزراعة حتى تكون الأمة غنية بما لديها من أسباب السعادة لا تحتاج معها إلى الأجانب في كل أمر من أمورها، انظروا إلى ما آل إليه حالكم، لقد أصبحتم أحزابا تتطاحنون مع أن القصد واحد، وإنما الاختلاف لا سبب لـه إلا الطمع.
أوربا كثرت فيها الأحزاب، ولكن لكل حزب مقصدا خاصا به كحزب أصحاب رؤوس الأموال وحزب الصناع وحزب العمال، ولقد قلد الأتراك أوربا ولكن بعد أن فازوا بالحرية والاستقلال وإذلال أعدائهم.
الأحزاب أحزان في أمة تجاهد لدفع العدو الغاضب، والتفرقة في أمة لا قوة لها على دفع عدوها الرابض في عقر دارها هي موت أبدي، فليضح كل فرد من الأمة بكل رخيص وغال لنيل الخير العام، وليحقر كل رجل ما يناله من الجاه والسلطان الذي يكون فيه ذله وذل أمته.
وسبق أن أشار الإمام رضوان الله عليه إلى ثورة 1919 بأبيات نظمية ترجع إلى عام 1912م وقت أن كان بالخرطوم ، ثم تصويره لأعقابها وإشاراته إلى من يأتي ليحمل مسئولية تحرير هذا الشعب، وليجعلنا نتمثل أنه يعيش الآن بين ظهرانينا ليشهد تحقق مقالاته التي تعد ترجمة صادقة عن غيب مصون كما كان يقول ، وعندما دعى الإمام سعدا وصحبه إلى الائتلاف عام 1927، وركز بالذات على سعد، وتحقق ذلك في عام 1936 بتوقيع معاهدة مع بريطانيا، سأله الشيخ أحمد السبكي المحامي عما إذا كان هذا الائتلاف هو ما دعا إليه الإمام في أبياته فقال: إن هذا ليس ائتلافا وإنما هو رضوخ لإرادة المحتل الغاضب وإذعان لـه وامتهان لكرامة الأمة وضياع لتضحياتها ودمائها الغالية واستسلام مهين من قادتها وزعمائها، وإنما الائتلاف سيكون بالقضاء نهائيا على الحزبية البغيضة واندماج الأمة في وحدة تحقق لها أهدافها.

ومات سعد ، وظل الإمام في نصحه وإرشاده للأمة وزعمائها:

إلى الأمة المصرية
"قائد الجيش، وربان السفينة، والطبيب الاختصاصي ووصي الأيتام.. عليهم واجبات تتفاوت بقدر ما ينتج من عنايتهم أو إهمالهم ، ولكن فوق تلك المسئولية مسئولية الزعيم الذي ملك القلوب فجعلها تقتدي به اقتداء الواثق المطمئن، فإن الزعيم يجب أن يكون قادرا على توحيد الصفوف عند تحقق الخطر، وأن يكون يقظا كل اليقظة نحو ما يصدع صفوف الأمة ويفرقها أيدي سبأ، وتكون المسئولية أعظم إذا كانت الأمة تواجه عدوها، وتشتد المسئولية إذا جاس العدو خلال ديارها وغمز قوة ارتباطها فطعن في دينها، فإنه القوة الحساسة التي تدل على حياة الأمة أو موتها، فإذا كان العدو جاس خلال الديار وطعن في الدين- لا أقول طعن في الإسلام فقط بل طعن في كل دين سماوي- فهنا يجب أن يكون الزعيم كيعسوب النحل، يحرص على جمع الكلمة، ولم الشعث، والمسارعة إلى إصلاح ذات البين، لا يخرجه غضبه عن التضحية بنفسه في سبيل حياة الأمة التي اختارته، ولا يدفعه رضاه إلى الخنوع للعاطفة فيفسد القلوب ويجعل الأمة متفرقة.
نحن لا نشك أن كل زعيم يتمنى نيل الأمة الخير على يديه، فيبذل ما في وسعه لذلك. لا أقول هذا القول جزافا لأني أعلم أن الزعماء الذين رفعت الأمة شأنهم بنفسها لم تكن الأمة لاعبة ولا هازلة، ولكن البلاء كل البلاء من خصال ثلاث:
أولها : شح الزعيم بما ناله من المجد أن يضيع منه، فيعادي من واجهه بالنصيحة ويحارب من طالبه بالقيام بما عاهد الأمة عليه.
والخصلة الثانية : إعجاب كل زعيم برأيه فيخاصم أهل الآراء المخالفة لـه لو كانوا على الحق، ويهرع معه أنصاره فيصيحون ويصخبون من غير بصيرة في الأمر ولا عبرة بالأحداث.
والخصلة الثالثة : اتباع الهوى، والهوى أخو العمى، ومن اتبع هواه في هوة الخزي أراده، ومن لم يضح بالمال والجاه ليدفع عن الأمة شر تمكين الأعداء كان ماله وجاهه عليه وبالا.
إلى الأمة الكريمة: إنك تجاهدين ، فإذا أنالك الله الخير بجهادك كان أوفر القسط منه للزعماء، وليس الزعماء معصومين، أو ممن ربتهم مصر في معهد علمي خاص بتربية الزعماء، وإنما هم رجال ولدتهم الأحداث العظام، والأمة ضحت في سبيل رفعتها بقناطير من الدماء الغالية والمهج العزيزة ليجمعوا الأمة على المطالبة بحقها والعمل بإشارات أولياء أمورها العاملين للخير العام، فإذا أخطأ رجل يجب أن تستر الأمة خطيئته محافظة منها على وحدتها حتى تتجاوز هذا الخندق الخطر، وإن أحسن رجل ففيما يجب ألا تتغالى في مدحه خوفا عليه من أن يدفعه الزهو إلى الوقوع في خطأ يوقع الأمة فيما لا ترضاه بل تنتظر عليه حتى يصفى الحساب.
والعاملون المخلصون للأمة هم الذين تضمحل في أعينهم الأموال والرتب ليجعلوا الأمة كالجسد الواحد فيكونوا كالأطباء الرحماء الذين يعالجون أمراض الأخلاق وأدواء النفوس ويحصنون الأمة بحصون الحيطة، والتحفظ من انتشار الأمراض الممزقة لجسد الأمة كما يفعل رجال الصحة إذا علموا بانتشار مرض مغد في بلد ما. ورب زعيم يسره قهر فئة من الأمة لمخالفتهم لـه، فهو كالأحمق الذي يقطع يده بيده الأخرى، خصوصا أن الأمة المصرية الآن عزلاء، وقد أصبح أمضى سلام لها أن تكون كالبنيان يشد بعضه بعضا، وبذلك ترسو سفينة الأمة على جودي السلامة.
وعلى الأمة أن تعلم أن مصر ليس لها عدو أنكي بها من: مصري يؤثر نفسه على مصلحتها في وقت الفزع الأكبر، وهؤلاء هم الذين يمكنون الأعداء منا، فلنتدارك نحن أفراد الأمة ، فنحتفظ من كل ما يسعى لتفرقتنا، قال حكيم: عدو عاقل خير من صديق جاهل. ولا يريد الحكيم بالصديق الجاهل كل من لم يتعلم أو من لم ينل شهادة عالية، ولكنه يريد بالحبيب الجاهل، الذي قصد أن ينفع فيضر، وذلك واقع في الأفراد. وقد يكون لك حبيب مخلص في محبتك مغال في ودك فيضر من حيث يعتقد أنه ينفع لجهله بالوسائل المنتجة للخير، وكم من عامل حصل أمثال الجبال علما وهو يسارع في إهلاك نفسه بمخالفة علمه حرصا على ما يفنى زهدا في ما يبقى- قال تعالى (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)(المائدة: من الآية2).

النصيحة أغلى ما يباع ويوهب
إلى الأمة المصرية الكريمة.. إلى الزعماء.. إلى الأحزاب
المقصود واحد، والوسيلة لنيله محصورة في نوعين عظيمين بهما فاز المجاهدون من قبل، وكل مجتمع تعداهما فشل وذهب ريحه:
أولهما: تنوع أفكار الأمة بأحقية مطلبها حتى يحس كل فرد من أفرادها بما فقده من الخير العام الذي لـه فيه قسط وافر ولكل إخوته أفراد الأمة مثله من الخير، متحققا أنه لا يناله حظ من ذلك الخير إلا بالتعاون والتعاضد وبإيثار جميع أفراد الأمة على نفسه حبا في الخير العام، معتقدا أن كل خير ناله في سبيل جهاده لم يشاركه فيه غيره يعد خيانة تؤدي إلى تفرقة المجتمع وخروج بعضه على بعض، وكل زعيم أو مجاهد آثر نفسه على نظرائه أو على الأمة فتح ثغر من ثغور الوطن لأعدائه أو للفتن- قال سبحانه يمدح الأنصار (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)(الحشر: من الآية9). وصحائف التاريخ مقدمة بآثار أفراد الرجال الذين نهضوا بالأمم ورفعوها إلى مستوى السعادة العظمى، ومن الخيانة الكبرى عدم معاونة من يؤثر على نفسه.
أما النوع الثاني: فهو قيام الأمة متحدة لتنفيذ الخطة الرشيدة التي وضعها أهل العقل والدراية والإناة والحلم الذين حلبوا الدهر أشطره وتجملوا بأحد الجمالين أو بهما معا:
جمال التمسك بالدين: وإيثار ما عند الله على ما في الدنيا، وهو ركن النهضة المكين وحصنها الأمين، والحقيقة التي تضمحل أمامها الحظوظ والأهواء، وتتضاءل تجاهها كثرة العدة والعدد وقوة الحديد والنار.
ثم جمال شرف المحتد : أي كرامة النسب ومجد الأسرة، حتى إذا لم يمنع الدين عن الدنايا منع شرف الآباء الكرام، لأن أهل بيوت الشرف يخافون على ما لهم من تليد المجد ويحرصون على طارئه.
أيها الزعماء: ليس للمصادفة دخل فيما بلغتموه من ثقة الأمة، ولكنكم وجدتم يقظة من الأمة ومطالبة منها بحقها المغضوب، فاندمجتم في سلكها، وتفوقتم في بيان الحق المسلوب، وأظهرتم حماسا وغيرة وإقداما صادف هوى في نفوس القائمين بالنهضة واعتقادا بأن القائلين يعملون، باذلين ما لديهم من المواهب العلمية والعملية والمالية في سبيل فوز الأمة بمطالبها العزيزة، فقامت من ورائكم ومن أمامكم تفديكم بالدماء الغالية والأموال الغريزة وتتلقى عنكم سعير المقذوفات وظلمات السجون حتى احترقت قلوب الأمهات على أبنائهن ونضبت خزائن المثرين من البذل، وبعضكم على ما هو عليه من حيث الأمة وإغرائها، حتى بذلت ما لا يبذل إلا لمن نالوا أكثر المقصد وبقى بعضه، ثم ظهر أن كل ذلك كلام يرفع الزعماء على رؤوس الأمة، والأمة متدهورة في أمورها الاقتصادية والسياسية والأخلاقية والاجتماعية.
كيف لا؟.. وقد نسيت الأمة مقصدها الحقيقي وهو خلاصها من ربقة الاستعباد، ورق الاستبداد، والراحة من شرور الخلافات الحزبين، ومن المضار التي تقع على رؤوس الواثقين بالزعماء من غير أن ينالوا خيرا أو يحفظوا ما لديهم من المال والصحة والراحة والأمن، ويزيد على ذلك ضياع نفائس الأنفاس في الشحناء والبغضاء.
هلموا بنا نواجه الحقائق: قام سعد زغلول وعلي شعراوي وعبد العزيز فهمي يدفعهم إلى الإقدام همة الأمة المستعرة بنار الغيرة لنيل الحرية والاستقلال، فآثر سعد وطه وأمته على نفسه فقدم أطيانه الواسعة قربانا للوطن، ثم قام رجل الهمة التي شهدت الأمة حبه لأعماله وشرف نفسه محمد محمود فقدم بيته لمجتمعات الأمة، وبذل ماله ونفسه مهاجرا إلى الدول الأجنبية النائية يدعوهم إلى تأييد الوفد، وقام الشيخ الوقور محمود باشا سليمان الذي أنفق ماله وجاهه ومكانته في القلوب فجمع الأموال الطائلة للوفد وملأ قلوب المصريين ثقة بالأبطال المؤمنين، وكان إذ ذاك على رأس الحكومة المصرية حسين رشدي باشا الذي أثار ثائر ة الأمة وأبطالها غائبون عنها فأجمعت على المقاطعة على ظرف واحد، واحتج الأمراء وهيئة الحكومة وقضائها ورجال إدارتها وفلاحوها وصناعها في وقت كانت المقذوفات تحصد نفوس الثائرين حصدا والأمة كتلة واحدة، حتى نزل الخصوم على حكمها وأعادوا من اختارتهم من المنفى واعتلى سعد باشا منصبه رئاسة الحكومة رغم ما قدم لـه من نصائح عقلاء الأمة لينتفع به الوطن خارجها.
وكنت ممن زاره في بيته منفردا وطلبت إليه أن يصل من قطعه، وأن يحسن إلى من أساء إليه، ويعطي من حرمه، محافظة على ثغو ر الأمة من ثلمة تؤدي إلى ما لا يحمد عقباه، فإن معظم النار من مستصغر الشرر، حتى كشفت لـه الأحداث ستارها عما يجب أن يقوم به لحفظ وحدة الأمة، فأعلن بعد عودته من المفاوضات أن سعادة الأمة متفوقة على العمل بجد في تحسين حالتها الداخلية والاقتصادية والاجتماعية، والأخلاقية وهو رأي حكيم خبر الأمور، وتحقق أن اشتغال الأمة بالشئون السياسية والمنازعات الحزبين من غير أن تكون الأمة ذات قوة ومنعة واستعداد.. سقوط في الهاوية.
ثم إنه – غفر الله لـه- نظر نظرة الرئيس الحكيم الراغب في سعادة أمته وظفرها، فتحقق أنه لا نجاة إلا بالائتلاف وباستغلال مواهب رجال الأحزاب الأخرى للأمة، حتى تعود صفا واحدا كما كانت في أول النهضة ، فدعا إلى الائتلاف، وتنازل عن رئاسة الحكومة وولاها غيره بعد أن عاهده على الاتحاد معه على خير الشعب، ومات رحمة الله بعد أن بذر بذور الائتلاف في قلوب رجال حزبه، وبين لهم منفعته في الظرف العصيب التي كانت تجتازه البلاد.
وها نحن الآن وسعد قد مات، والمؤسسون للوفد مات بعضهم، والأمة بذلت دماء غالية وأموالا طائلة لتنال باقة من آمالها فلم تظفر بها، والعدو رابض قد جاس خلال الديار، بل إنه تمكن أكثر مما كان، لأننا نرى الزعماء كانوا كلما أقدموا على تنفيذ ما به مصلحة الأمة بغيرة وحماس وقف في وجوههم من وراء ستار فتقهقروا وأنكروا، لا أقول هذا إلا وأنا ذلك الرجل المصري الحريص على شرف عامة الأمة فضلا على خاصتها.
وقد كنت مغتبطا بمصطفى النحاس باشا وإقدامه وتنفيذه لمبادئ المغفور لـه سعد زغلول باشا في شأن الائتلاف الذي به نيل مقاصد الأمة حين أقدم الرجل وأعلن أنه يحرص كل الحرص على أن لا يجعل لأي يد أجنبية تدخلا في الشئون التشريعية، ولكن سرعان ما وثب المغتصب عليه فتوارى ذلك الشجاع أمامه، وكانت الشجاعة أن يمضي في شأنه ليحتفظ بثقة الأمة فيه وفي رجال الوفد الذين ضحوا في سبيل الوطن بكل غال وعزيز.
وإني لا يهمني أن يظن أعداء أنفسهم ميلي لجهة مخصوصة، فإن الحق فوق الخلق وإن كرهه أهل الأغراض والعلل، فلم تكن الأمة إذا نهضت نهضتها تطلب أن تفقد فلذات أكبادها وغالي ذخائرها وترجع بخفي حنين، وإلا فأين السودان؟ بل وأين النيل مستقبلنا؟ وأين تلك الثروة الطائلة التي كانت تجنيها مصر من حصولاتها؟ وأين ما هو أهم من ذلك كله وهو: صفاء الأمة وتعاضدها واتحادها؟ أوغرت الصدور، وفسدت الأخلاق، وأصبحت الصحف معول تفرقة ومسارح غفلة، ضاع الحياء، وفقدت الرحمة، وتنابز القوم حتى لا تكاد ترى من المتنافسين رجلا تدعوه فضيلة نفسه وشرف محتده إلى أن يترفع بنفسه عن مستوى الهمج الرعاع.
أقام الحزب الوطني وحده الحجة على أنه هو الحزب الفاضل، الذي يكثر ويقدم عند الفزع، ويختفي عند السخرية والتنابذ، وقد أثبت الحزب الدستوري اليوم أنه أقرب إلى الفضيلة والبعد عن المثالب.
واختتم كلمتي هذه بإيجاز ما أريد: أريد من الأمة أن تواجه الحقائق وأن تزن الحاضر بها، وأن تقف موقف الاعتبار بالأحداث السالفة، وأن تهتم كل الاهتمام بتأييد كل عامل، والإنكار الشديد على كل داع للخروج عليه، فإننا لا نمكن الخصوم منا بأيدينا.. والله لا يضيع أجر من أحسن عملا"

ويرسل الإمام رسالة إلى قادة الأحزاب صدقي باشا، ومصطفى النحاس باشا، ومحمد محمود باشا، في وقت بلغ التطاحن الحزبي مداه تنافسا على كراسي الوزارة ورئاسة الحكومة ولو بإرضاء المحتل الإنجليزي محذرا لهم من مغبة التفرقة، ويدعوهم لجمع كلمة الشعب وأن ينهضوا بالأمة، ويحذرهم بأنهم إن لم يفعلوا ذلك سينالون نقمة الجبار وستزول عنهم الكراسي وسيلقون المهانة والذل، قال محذرا وناصحا:
يا بني الإسلام طالت رقدة
في افتراق في اختلاف في كرب

كان أهل الغرب اتباعا لنا
يحملون العلم عنا في رهب

فانهضوا بالدين خلقوا فرقة
فالصناعة كنزها فيه الطلب

طالت الرقدة قوموا قومة
باتباع لدين فالشرع كتب

طهروا الألباب من شحنائها
فاختلاف القوم داع للعطب

ثم يختتم تلك القصيدة العظيمة بتحذيره ونصحه لصدقي وللنحاس ومحمد محمود قائلا:
أنت يا صدقي ويا نحاس ويا
نجل محمود أفيقوا من رغب

واجهوا الأمة أحيوها بما
يرفع الأمة فالوقت اقترب

وكان عند الإمام مطبعة في قصره تطبع مجلاته وكتبه أسماها بمطبعة "المدينة المنورة" وفي أثناء ثورة 1919 وضعها تحت تصرف سعد زغلول ورفاقه وتطبع لهم المنشورات السرية، وهي ما أسماها الثوار بمطابع "اليد السوداء" التي كان يتعقبها الإنجليز في كل مكان، وقد انكشف مصدر هذه المنشورات على يد بعض الخونة، واعتقل الإمام وابنه الأكبر السيد أحمد ماضي أبو العزائم على إثر منشور طبعه ضد الاحتلال الإنجليزي، وتلك التي يكتبها الثوار السياسيون وتندد بالاستعمار وتبعث في نفوس الشعب الحمية والقدرة على المواجهة، وكذلك طباعة الكتب التي يظهر فيها عداؤه للاستعمار، فقد أصدر الإمام كتابين أحدثا دويا هائلا في الأوساط السياسية والإسلامية وقتها، فكتابه "الجهاد" يشير إلى النتائج الباهرة التي حققها المسلمون الأوائل والتي لو تمسك بها المسلون في العصر الحاضر أعاد الله إليهم مجدهم ، وكتابه " محكمة الصلح الكبرى" وهو يشير إلى أن الساسة المجتمعون حول مائدة الصلح بباريس وحوش وذئاب يجتمعون على الإيقاع بالفريسة حتى إذا وقت تفرقوا طمعا في اقتسامها فيما بينهم كل يبني لنفسه أكبر نصيب لنفسه أكبر نصيب منها ولذا فلا يرجى منهم خير، ولا ينتظر منهم صلاح أو وفاء بوعد أو عهد، لأنهم لا إيمان لهم ولا عهد لهم ولا ميثاق، ولن ينصلح الحال إلا إذا أصلح كل فرد نفسه وتصالح مع حقائقه.

وكانت تحدث مضايقات كثيرة من الحكم الريطاني للإمام وخصوصا أيام الاحتفالات، وفي ذكرى لمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءت أفواج المريدين متشوقة من البلاد، ولما اجتمعوا حول دار الإمام وملأوا الشوارع أبلغت المخابرات أن الإمام يجهز لعمل ثورة ضد الإنجليز، فجاءت القوات وفرقت الإخوان، ثم أتى القائد إلى سماحة الإمام وكان جالسا، فنزل من على الفرس وجلس بجوار الإمام وقال لـه : يا ماضي أنت تحاربنا وتجمع الناس علينا، فرد الإمام بهدوء : ما تقول لو أنك جالس تحتفل بمولد السيد المسيح وأتي أناس ليعكروا صفو الاحتفال؟ ألا تقول إن هؤلاء الناس ظالمون وأنهم جهلاء وأنهم معتدون؟ نحن اليوم نحتفل بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بأيدينا سلاح، ألا تعلمون أنكم تكذبون فيما تقولون في إذاعاتكم وجرائدكم أنكم وجدتم شعبا ظالما وأنكم تقررون مصيرهم لترجعوهم للحياة السليمة؟ لقد حضرت الآن ونحن في فرح برسول الله صلى الله عليه وسلم لتعكر الصفو، وهنا اعتذر القائد العام علنا أمام الناس.
وكانت داره بالقاهرة في أعقاب عام 1918 أشبه بخلية نشطة يتجمع فيها شباب مؤمن بربه وبوطنه، ينتشر في النهار داعيا إلى الثورة حاملا منشورات تلهب حماس الشعب فتذكره بأمجاد وبطولاته، فإذا جن الليل عادوا إلى السراي متخفين، فيهجعون في سراديبها ومخازنها، متوارين عن أعين جواسيس الاحتلال، فإذا قضيت صلاة الفجر استأنفوا جهادهم، ودام هذا الجهاد ضد الاستعمار حتى استشعر الإنجليز به وأدركوا خطره فقبضوا عليه، ولم يمنعه ذلك من القيام بدوره في هذا الشأن أو التقليل منه، وإنما زاده ذلك إيمانا بهذا الدور وواجبا يفرضه عليه دينه ووطنه.

إن الاستعمار يضيق بوطنية زعماء رجال الدين لأنه يعلم مدى تأثيرهم في نفوس المسلمين، وخصوصا إذا كان الداعي على صدق في دعوته، وقد كانوا يعرفون من هو الإمام أبو العزائم عندما كانوا يسترجعون حياته بالسودان إلى أن اضطروا إلى إعادته لمصر، ولقد حاول الاحتلال أن يسكت صوت الإمام بكل وسيلة ممكنة وخصوصا أنهم يعرفونه ويعرفون مدى تأثيره الوطني الحماسي، فتدرج معه من الإغراء إلى الإرهاب ثم إلى العنف والقمع، وكان أن ألقى القبض عليه مرتين في عام واحد في 11 من ربيع الأول عام 1338هـ والثانية في17 رمضان من نفس العام ويوافق عام 1919 الميلادي.

وتحدث سماحة الإمام السيد أحمد ماضي أبو العزائم- النجل الأكبر للإمام وخليفته الأول- عن الاعتقال الثاني للإمام فيقول:
"كانت المنشورات مع بعض المجاهدين ممن تتلمذوا على يد السيد الوالد، وكانوا يلجئون إلى السراي ابتعادا عن أعين مخابرات الإنجليز وجواسيسهم، وكانوا كثيرين وكانت مطبعة "المدينة المنورة" لا تكف عن طبع المنشورات السرية التي تحرض على الثورة، وكنت مديرا للمطبعة ورئيسا لتحرير مجلتي السعادة الأبدية والمدينة المنورة، وكان والدنا الإمام لا يكف عن إنزال اللعنات على المستعمرين سواء في الدرس العام أو في تجواله بالبلاد، في كتبه ومقالاته في المجلات والصحف.
وقبيل منتصف ليلة السابع عشر من شهر رمضان المبارك عام 1338هـ سمعت وقع أقدام خيول وسيارات وجلبة صاخبة، فأسرعت إلى المطبعة أخفى المنشورات وأعدم المسودات، وأبلغت سيدي الوالد الذي كان يجلس في غرفة نومه بالطابق الأول، وما هي إلا لحظات حتى أحاط بالبيت الجنود من كل جانب شاهري أسلحتهم في منظر رهيب أشبه بإعلان الحرب، وسأل قائدهم عن الإمام فقلت لـه: إنه بغرفة نومه فأسرع إليها شاهرا مسدسه وطلب تفتيش الدار جميعها بحثا عن مكاتبات سرية بين الإمام وبعض الزعماء المسلمين وفي مقدمتهم كمال أتاتورك- وكان يحارب الخلفاء وقتذاك-، وكنت أعرف أن والدي يضع المكاتبات السرية في صندوق كبير بغرفة نومه، فأمسكت أنفاسي لأني أيقنت أنهم سيعثرون عليه لا حالة إذ كيف السبيل إلى إخفائه؟‍َ!. ولشد ما دهشت عندما رأيت والدي يجلس فوق الصندوق ويقول للقائد: فتش كما تريد فليس عند الشيخ شيء يخفيه، وازدادت دهشتي عندما خرجوا جميعا من الغرفة دون أن يتنبهوا إلى أن الإمام يجلس على صندوق وبجواره الكرسي الذي اعتاد الجلوس عليه. وذهب الوالد معهم ورافقناه إلى ثكنات قصر النيل".

ولم يكد نبأ اعتقاله يشيع بين أنصاره وأتباعه حتى أبرقوا إلى المندوب السامي مهددين متوعدين إن لم يطلقوا سراحه، وقد ذهب "رسل باشا" ليتفقد الإمام في معتقله فوجده يصلي ووراءه الموكلون بحراسته من الجند الذين كان يربوا عددهم على 80 جنديا، ولما تم الإمام صلاته دعا فقال: اللهم أهلك الإنجليز، اللهم أخرج هذه الفئة الطاغية من بلدنا، اللهم أبطل كيدهم، والجند من ورائه يقولون: آمين. فانزعج "رسل باشا" وأمر بإطلاق سراحه فورا لأنه في سجنه أخطر عليهم من حريته.
وكان اعتقال الإمام في بلوكات الخفر بشارع الخليج المصري في ميت أبو إصبع والتي تحولت حاليا إلى مدرسة السعادة، وفي يوم الخميس 16 رمضان 1339هـ الموافق لليلة بدر الكبرى، قال الإمام وهو معتقل بعد صلاة عصر هذا اليوم إملاء على ولده السيد أحمد ماضي أبو العزائم:
جمالك يا جميل به تجلي
ليشهده عبيدك حيث ولى

وأنسني بوجهك وامح همي
فإني لا أطيق لذاك حملا

أغثني بالإجابة أغل قدري
أعز العبد بالعلياء فضلا

دعاك رجال بدر واستغاثوا
أغث وارحم فأنت الرب جلا

أغثني واستجب لي أنت حسبي
فأيديني بروح منك طولا

أنا المضطر أدعو مستغيثا
تفضل وانظرن يا نعم مولى

إلهي عمنا بعميم فضل
وإن كنت المسئ ولست أهلا

أغث عبدا ينادي باضطرار
مجيبا قادرا بالعبد أولى

أغثني نجني من كل هول
أذل خصومنا يا رب فعلا

تدارك ضارعا يرجو مجيبا
قويا قادرا طولا وحولا

فأظهر آية كبرى انتصارا
لعبدك وامحق الأعداء كلا

لقد ظلموا عبيدك فانتصر لي
وقرب ضارعا زلفا ووصلا

بمن نادوا ببدر باضطرار
أغثتهموا منحت الكل سؤلا

سألت عائذ بك فاستجب لي
وأسعدني بفضل منك يولي

وسيلتي الحبيب وآل بدر
فنجح قصد من يدعوك فضلا

وجدد لي مسراتي وآنسني
فأنت بعبدك المضطر أولى

وأمة سيد الكونين ربي
أغثنا بالجمال لنا تجلى

بجاه المصطفى الهادي استجب لي
عليه الله في القرآن صلي

وقال في هذا اليوم أيضا
أغثنا فقد عودتنا الفضل والخيرا
أغث ضارعا يدعوك يا رب مضطرا

تداركت أنصار النبي محمد
ببدر وعند الخطب قد تنفع الذكرى

أغثني فقد ناديت ربا قادرا
يجيب دعاء المضطر يرفعه قدرا

أيا رب مضطر غريب وعائذ
توسلت بالأمناء من شهدوا بدرا

أغثني أيا قيوم يا حي وادفعن
شرور الأعادي أهلكن جميعهم قهرا

إغاثة حنان سريع وقادر
حفيظ سلام قد أعان بها برا

وفي يوم بدر استغيثك سيدي
إلهي استجب لي وامنح الضارع النصرا

لك الحمد.. قلبي مطمئن وموقن
فقد نلت منك الاستجابة والبشرى

فأظهر لعبدك آية الفضل والرضا
كآية بدر في نهار لها ذكرى

لك الحمد يا معطي لك المجد والثنا
على نعم لا نستطيع لها شكرا

وصل على الغوث الشفيع محمد
وآل وأصحاب ومن شهدوا بدرا

فجاءه النصر من عند الله بعد إملاء هذه القصيدة مباشرة وتم الإفراج عن الإمام وخليفته السيد أحمد.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,796,262,563
- روح الإسلام وخلاصة الدين [1]
- رسائل إلى الدكتور عدنان إبراهيم [9] الوسيلة
- الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبو العزائم.. سيرة وسريرة [26]
- رسائل إلى الدكتور عدنان إبراهيم [8] ويزكيهم
- رسائل إلى الدكتور عدنان إبراهيم [7] ذو القرنين
- الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبو العزائم.. سيرة وسريرة [25]
- الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبو العزائم.. سيرة وسريرة [24]
- رسائل إلى الدكتور عدنان إبراهيم [6] المسيح الدجال
- رسائل إلى الدكتور عدنان إبراهيم [5] الدابة
- الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبو العزائم.. سيرة وسريرة [23]
- الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبو العزائم.. سيرة وسريرة [22]
- الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبو العزائم.. سيرة وسريرة [21]
- رسائل إلى الدكتور عدنان إبراهيم [4] كما بدأنا أول خلق نعيده
- الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبو العزائم.. سيرة وسريرة [20]
- رسائل إلى الدكتور عدنان إبراهيم [3] سر إظهار المجددين
- رسائل إلى الدكتور عدنان إبراهيم [2] شجرة آدم وحواء
- رسائل إلى الدكتور عدنان إبراهيم [1] حكمة خلق الإنسان وإيجاد ...
- أُحِسُ حيال عينيكِ.. بشئ داخلي يبكي
- قانون الكارما.. محكمة العدل الإلهي
- فن الإستمتاع بالحياة [3]


المزيد.....




- صورة جديدة لـ -جيت لي- تقلق جمهوره!
- اللص الفنان!
- الصين تشتري فيلمين روائيين روسيين في كان الفرنسية
- تكريم ممثلة الأفلام الإباحية ستورمي دانيلز لـ -شجاعتها-
- علم النفس التحليلي
- فرنسا تُصدر كتاب -اللغة العربية لغة عالمية-!
- -لا تهكلو للهم-.. ناصيف زيتون يواسي تيم حسن في الهيبة!
- باعة الكتب القديمة بتونس.. نوادر ومآسٍ
- المواطنة... من الوطنية إلى العولمة
- البرلمان الأوروبي يرفض مشروع قرار معادي للمغرب


المزيد.....

- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد
- من القصص الإنسانية / نادية خلوف
- قصاصات / خلدون النبواني
- في المنهجيات الحديثة لنقد الشعر.. اهتزاز العقلنة / عبد الكريم راضي جعفر
- المجموعة القصصية(في اسطبلات الحمير / حيدر حسين سويري
- دراسات نقدية في التصميم الداخلي / فاتن عباس الآسدي
- لا تأت ِ يا ربيع - كاملة / منير الكلداني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد عبد المنعم عرفة - الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبو العزائم.. سيرة وسريرة [27]