أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسن النيفي - لحاف الحسرة كثافة البوح و شفافية الرؤية















المزيد.....

لحاف الحسرة كثافة البوح و شفافية الرؤية


حسن النيفي
الحوار المتمدن-العدد: 1396 - 2005 / 12 / 11 - 09:36
المحور: الادب والفن
    


أن تشرع في تجسيد ماهو مجرّد، فذلك يعني أنك تؤنسن الموجودات، وتجعل من الشرط الإنساني شرطاً محايثاً لعملية إنتاج المعرفة أو حيازتها، وأن تشرع في تجريد ماهو محسوس، فهذا يعني أنك تخطو خطوة متقدمة على صعيد الوعي المعرفي.‏ إذا: عملية التجريد والتجسيد هي عملية جدّ خطيرة بقدر ماهي هامة، وتنبع خطورتها من كونها تجسد فضاء رحباً اجترح حرماته العديد، والعديد جداً ممّن لا يمتلكون إلا العبث والتخريب والتهويم الأجوف في فضاءات الإبداع الأدبي. ولعل عدم وضوح أو بلورة مفاهيم إبداعية وفنية ناصعة الملامح هو الذي جعل من سفينة الكتابة مرتعاً سهلاً ورخيصاً يمتطيه كل من ليس أهلاً له، الأمر الذي جعلنا نلحظ في المشهد الأدبي مفارقات عجيبة غريبة لعلّ أبرزها ظهور العديد من الأسماء والشخصيات التي مارس عليها الإعلام عملية التلميع والترصيع، فغدت بين عشية وضحاها تُفردُ لها الصفحات والعناوين العريضة في المجلات والصحف، دون أن يكون لها –على مستوى الإبداع الحقيقي-أي رصيد ذي شأن. في حين أننا نجد في الطرف المقابل العديد من المبدعين الذين يتدثرون بأوجاعهم ويكتبون بدماء قلوبهم، ولأن قيمهم الإنسانية –التي هي الشرط الأساسي لأي إبداع- تملي عليهم عدم الابتذال والتزييف، فقد ضرب الإعلام صفحاً عنهم وترك الباب مفتوحاً أمام أشباه المواهب هذا لا يعني –بالطبع- أنني أتهم وسائل الإعلام بالانحراف، ولكنني أرجو أن يعاد النظر في مسألة معايير النشر وإنصاف المبدع الحقيقي وإتاحة الفرصة ليس للذين يريدون أن يصبحوا كتاباً و حسب، بل للذين كانت الكتابة قدرهم الأوحد. ومما جعلني أسهب في هذه المقدمة التي تنطوي على شجون عملية النشر هو قراءتي لنتاج الأديب –القاص والشاعر- محمد حسن المنلا، هذا النتاج الذي يمتد على مساحة عقدين من الزمن، وقد تجسّد في الأعمال التالية:‏ 1-القمر المسافر- ديوان شعر-صدر عام 1991.‏ 2-خربشات ولد تائه في شوارع بيروت، ديوان شعر-2005، عن دار الوعي العربي بحلب.‏ 3-لحاف الحسرة-مجموعة قصصية-2005، عن دار الوعي العربي بحلب.‏ الأعمال المخطوطة:‏ 1-طقوس متلفزة-رواية.‏ 2-شقوق الصمت-شعر.‏ وحتى لا تتخذ هذه المقالة طابع الشمول، سأكتفي بتسليط الضوء على عمل أدبي واحد هو المجموعة القصصية التي عنوانها (لحاف الحسرة).‏ تتضمن المجموعة ستة وعشرين نصاً يتراوح معظمها بين الصفحتين والست صفحات، وينتمي عدد قليل منها إلى (القصة القصيرة جداً).‏ تنهض (لحاف الحسرة) من حيث المضمون-على همّ إنساني هو أحد تجليات البيئة المحلية التي يعايشها الكاتب. ولا نعني بالبيئة المحلية الانغلاق الجغرافي والانعتاق ممّا هو إنساني عام، بل أعني أن مفردات البيئة تصبح بالنسبة إلى الكاتب /نماذج فنية/ يسعى محمد المنلا إلى تجسيد أفكاره من خلالها وبواسطتها. وانطلاقاً من ذلك فإن قصّة (الحارس الجديد) وهي العنوان الأول في المجموعة، تقوّم على فكرة تتمحور حول الأسئلة التالية: ماهي القوى التي تسهم في صياغة القرار؟... وكيف يتم التفاعل بين الجهات أو المؤسسات المعنية بإنتاجه؟.... تدور أحداث القصة في بلدة صغيرة قد أغفل الكاتب اسمها، حيث تعاني هذه البلدة من فراغ أمني، الأمر الذي جعلها بحاجة إلى من يسدّ هذا الفراغ ويعيد لها شيئاً من الاستقرار والطمأنينة، ويُدعى جميع المسؤولين في البلدة للاجتماع للاحتفاء بقدوم الحارس الجديد/ الذي سيملأ الفراغ ويكون وصياً على أمن جميع الكائنات في البلدة، من أشخاص ودجاج وكلاب ومواشٍ آخر. إلا أننا نفاجأ –من خلال مجريات الاجتماع- بأن الجميع لم يكن يشغلهم أمن البلدة بقدر ما كان يشغلهم الشخص الذي سيتولى هذا المنصب، كما يتبين للقارئ كيف يشكل تضارب المصالح بين الأطراف والجهات المتناحرة عقبة كأداء أمام المصلحة العامة. ولا يقلل من شأن هذه المعالجة اتخاذها طابع السخرية، بل إن هذا الطابع الهزلي قد جسّد في القصة العديد من المفارقات التي أضفت على القصة جانباً درامياً، هذا ما نلحظه من خلال انتقاء الكاتب للشخصيات، وعلى رأسها /العجوز العذراء/ على الرغم من زواجها ثلاث مرات، والتي تبدو في طليعة المتحمسين لقدوم الحارس الجديد تحت ذريعة حماية البلدة من فلول الثعالب التي باتت تهدد أمن الدجاجات والديكة، في حين يتصدى لها رئيس المجلس الذي كان يفترش الأرض ليشبع نهمه من النظر إلى ما تحت الكراسي، والذي يتهم كلاب القرية بالخيانة، لأنها هي التي تقوم بالتحرش بالكلاب السائبة، وبإيجاز شديد يمكن القول:إن الحوامل الجمالية للقصة تقوّمت على نشاط اللغة وقدرتها على استيعاء المواقف، وكذلك على سعي الكاتب إلى التكثيف، وتوظيف كل طاقات اللغة ممّا أضفى على السرد حيوية وجاذبية أخاذة. أما قصة (المرآة) فأظن أنها تحيلنا للتفكير في السؤال التالي: إلى أي حدّ يقوى المرء على مواجهة الزمن؟.. وهل بمقدوره –ككائن بشري- أن يصمد أمام ذلك التيار العاتي؟ وهكذا تمر الأيام-كما يقول المؤلف- (عبر طيران اليفوعة وهرولة الشباب، عبر تعكّز الكهولة وزحف الشيخوخة، مخترقة سهول السنين عبر جبال الشهور وأودية الأيام، عبر أمواج الساعات ومضائق الدقائق والثواني). ولكنْ –أبو محمود- بطل القصة، يصرّ على المجابهة، ويأبى أن تعبر السنون إلا على جثمانه، والمشهد كله يتجسد في حوار أبي محمود مع المرآة التي تحيل إلى جبروت الزمن، بالإضافة إلى كونها تجسد الحقيقة بلا زيف أو مواربة. وما إنْ يمدّ أبو محمود يده ليجتث تلك الشيبة التي ابتسمت في لحيته حتى تصرخ المرآة في وجهه قائلة: (أرجع يدك إلى موضعها، سأقطعها إن حاولت مرة أخرى) ص 88. إلاَّ أن أبا محمود يصرّ على المواجهة، فيمسك بالمرآة ويحطمها فتتطاير شظاياها هنا وهناك، ظناً منه أنه بتحطيمها سيحطم كابوس الزمن الذي ما فتئ يضغط على إحساسه ولا يدري أنه –والحالة هذه-كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمل وجسدها ظاهر وتظن أن لن يراها أحد، ولكن الإحساس بالفاجعة يتعزز شيئاً فشيئاً في قرارة أبي محمود حينما يدرك أن ذرّات الغبار المتناثر من زجاج المرآة أوهنت عزمه وحالت دون تحركه من مكانه، قبل أن يلتقط أنفاسه داهمه سعال عنيف، تلته رعشة دبّت في يديه، ثم توالت أسلحة الزمن المدمرة الواحد تلو الآخر، حتى شلّ جسده، معلناً استسلامه لسلطان الحياة الذي لا قدرة على الاستمرار في مجابهته. ولئن كانت فكرة القصة تبدو بديهية أول وهلة، فإن اهتمام القارئ لا يبحث عما قالته القصة فحسب، بل يبحث عن كيفية ذلك القول، وأعني بذلك أن التجسيد الجمالي لفكرة القصة هو ما يهبها شرعيتها الفنية. ولعلني لا أبالغ إن قلت: إن ذكاء الكاتب في رسم شخصية أبي محمود أسهم أيما إسهام في إنجاح هذه القصة، فأبو محمود كان يمضي أكثر وقته في فك وتركيب وتزييت بندقيته مزهواً بوجودها بين يديه، ظناً منه بأنها ستكون له السند والقوة الوحيدة في وجه كل ما يواجهه من أخطار، كما أنه يظن أن البندقية –كشكل من أشكال القوة-يمكن أن تصمد أمام أي جبروت آخر، في حين أنه لم يلتفت إلى حصانته الداخلية المتمثلة بالوعي والمعرفة والقيم الإنسانية الأخرى. وكأن الكاتب –محمد المنلا- أراد أن يقول: إن مفهوم القوة لا يمكن اختزاله فيما يمتلك المرء من وسائل مادية، بل قوته الحقيقية فيما يمتلك من وعي وروائز إنسانية ومبادئ. وإذا انتقلنا إلى قصة الهياكل، فيمكن لنا الوقوف بداية عند المقطع التالي: (ثم صفع الخبز الذي وضعه له محمود حول المائدة ونهض... مابك يا غسان متوتراً هكذا؟.. ألا ترى أنه سبب شقائنا؟ بل للرغيف سطوة تتجاوز سطوة أي زعيم، إنه ينفي من يريد ويبقي من يريد)ص49، ولعل هذا المقطع الصغير الذي نقبسه من القصة يختزل الجزء الكبير مما تريد أن تقوله، كونها تتأسس على فكرة (الغربة المركبة)، أعني نزوح المرء من بلده صوب بلد آخر بدافع الحيازة على لقمة العيش، وهذه غربة يتولد منها اغتراب آخر، هو الاغتراب النفسي والثقافي الذي يعانيه المثقف عندما يعجز عن الإسهام في عملية التغيير، حيث إن مجمل القيم والمبادئ والأفكار التي يتسلح بها الفرد تقف عاجزة أمام سطوة القوى الكابحة لعملية التغيير والتحرر، الأمر الذي يفسح المجال واسعاً لشيوع الإحساس بعبثية الحياة واللا مبالاة، حيث تتساوى الأشياء بغثها وسمينها (السرير كالورقة، القلم كالنافذة، وهو كالضفدعة)، ص 52. ولو عدنا إلى مسرود القصة نجد شطراً كبيراً منها هو عبارة عن حوار يدور بين مغتربين اثنين-محمود وغسان- وقد التقيا على مائدة العشاء، إلا أن مواجع الغربة عكرت صفو هذا اللقاء، فافترقا وكل منهما يجتر مرارة انكساراته، ولعل الكاتب محمد حسن المنلا لديه رغبة شديدة في تلمس مواطن الخصب واليباس في النفس البشرية، وهذا ما يظهر في معظم قصص المجموعة، مما جعله يصرّ على حضور المرأة –كرمز أنثوي- في اشد المواقف مأساوية، ولا أظن أن المرأة التي جاءت تطرق باب محمود ليلاً بعد انصراف غسان لا ترمي إلى تلبية حاجة غريزية حسية لدى محمود، بقدر ما جاءت لتعيد الحياة في نبضه الإنساني الذي كاد أن يخفت. أضف إلى ذلك أن هذه المرأة –الهيكل- كما جسدها الكاتب في القصة، ومن خلال سلوكها هذا، إنما يعلن رفضها وشجبها لقيم اجتماعية وسلطوية تخالف فطرتها الإنسانية التي فطرت عليها.‏ وفي السياق ذاته تندرج قصة (القاص) حيث نلامس من خلالها، وعلى نحو غير مباشر، مأساة المبدع في زمن أقل ما يقال فيه، أنه ليس زمن الإبداع والمبدعين، وتتلخص القصة في مشكلة كاتب أقدم على طباعة أعماله في كتاب، فوقع في عجز مالي حال دون مقدرته شراء حاجيات أطفاله الأساسية، فوقع في حالة أشبه بالدوار، واتخذ الرصيف مكاناً لجلوسه بطريقة تثير الريبة، الأمر الذي جعل الصبية يظنونه مجنوناً أو متسولاً، فراحوا يطلقون عليه الصفير ويقذفونه بالحجارة، وهذه القصة، على الرغم من قصرها النسبي، حيث لا تتجاوز ثلاث صفحات، استطاعت أن تقول الكثير، وذلك بفضل حيازتها على مستوى عال من الإدهاش، واكتنازها على براعة تصويرية راقية، أضف إلى ذلك أن القصة برمتها تقوم على عنصر المفارقة التي أحسن الكاتب اختيارها، وتوظيف كل عناصر القصة من شخصيات ولغة، حتى أسماء الأشياء، وعلى سبيل المثال، ليس من باب الصدفة أن يتناول بطل القصة حذاء وينظر إلى نمرته ليشتريه لولده، بل لعل الكاتب أراد أن يؤكد أن في زمن الزيف والاستهلاك وتهافت القيم، من الطبيعي جداً أن تفوق قيمة الحذاء قيمة أي إبداع.‏ ولو شئنا الوقوف عند قصة (لا أريد أن أموت كذكر السلحفاة) لوجدناها تتأسس على مادة حكائية تفصح عن جملة من التناقضات النفسية والعاطفية التي يحياها المرء الحاصل على درجة من الثقافة، في وسط ريفي محكوم بأعرافه وتقاليده التي يصعب اختراقها أو زحزحتها حيث تتشاطر هذه الأعراف الإنسان، فتتجاذبه هواجسه النفسية وطموحاته المعرفية والعاطفية من جهة، أما في الجهة الأخرى فهو محكوم بالتزاماته الاجتماعية والعائلية التي تؤسس بنيانه أو هيكلته الاجتماعية، والقصة حاولت أن تبرز وجهين اثنين للحب والزواج، أحدهما تقليدي وظيفي إن جاز التعبير، يمضي وفقاً لما تقتضيه أعراف الريف ونمط العلاقات السائد، وقد تبين هذا من خلال كشف الكاتب لمأساة الفرد عندما تحاول ظروف العمل أن تجعل منه كائناً لا يستطيع سوى القيام على مقومات حياته البيولوجية، أما الوجه الثاني فقد تجسد من خلال الرسالة التي يبعث بها (صطوف) إلى حبيبته، حيث يظهر الحب كبوح إنساني شفيف لا تحكمه سوى توهجات النفس وانتفاضة القلب الذي يحس بعذريته التي لا علاقة لها بنوازع الشهوة، وقد تم ذلك عبر لغة شعرية ليس بإيقاعاته الداخلية فحسب بل بإيقاعاته الخارجية أيضاً، حيث جاءت العديد من الجمل موزونة/خليلياً/ عفو الخاطر. ولعل الحوامل الجمالية لهذه القصة لا تتبدى في تقنيات القص بقدر ما تتبدى في تجليات الفكرة التي أراد طرحها الكاتب، وتكمن في إظهار عنصر المفارقة بين نمطين من العلاقات العاطفية، وطبيعة المتناقضات التي يحيها المرء في ظل علاقات اجتماعية محددة. وفي السياق ذاته تمضي قصة (شكراً يا حكومة) وهي القصة الثالثة في المجموعة من حيث الترتيب، إذ إنها تنهض على أسلوب السخرية المبطنة إن جاز التعبير، حيث تحتوي على مجموعة من الاعتذاريات ينقلها /أبو محمد/ إلى زوجته، تجسد هذه الاعتذاريات، على نحو غير مباشر، علاقة الفلاح بالسلطة من خلال تعامله مع مؤسساتها الأمنية والزراعية والاجتماعية. ففي الوقت الذي ترفع فيه شعارات الاهتمام بالفلاح ورعايته والوقوف بجانبه ضدّ القوى المستغلة والناهبة لجهده وقوته، فإن الوجه الآخر للمسألة يبدو مغايراً لذلك، ويتمثل في الممارسات التي يقوم بها القائمون على تلك المؤسسات (ممثلة برئيس المخفر الذي يبصق في وجه المختار ولا يتورع عن إلقاء أفدح الشتائم بوجهه) وكذلك رئيس المصرف الزراعي الذي يمارس السلب والنهب والاختلاس، ولكن عندما يرجوه رئيس جمعية القرية بإعطائه مستحقات القرية من السماد يثور في وجهه قائلاً: (انقلع من هنا يا حمار وإلا وضعت عقالك في عنقك)، ص 26. ولعل الكاتب محمد المنلا قد أدرك شيوع هذه الفكرة-كمادة حكائية- تناولها العديد من الكتاب سواء في القصة أو الرواية، فأراد أن يتناولها بأسلوب فيه جانب من التميز، حيث اعتمد أسلوب المفارقة المرة التي تحقق لحظة الدهشة المحاطة بهالة من الأسى والمرارة، وذلك في قالب لا يخلو من السخرية الموجعة.‏ ولو مضينا في تقصي الأفكار التي أراد الكاتب محمد المنلا أن يوليها جانباً من اهتمامه، سوف نقف بإيجاز شديد عند القصة التي حملت عنوان المجموعة، أعني (لحاف الحسرة) ولا أظن أن هذه القصة تتحدث عن مشكلة إنسانية فردية، بل تعالج ظاهرة عامة من خلال التجليات النفسية والعاطفية لتلك الظاهرة، فالكاتب محمد المنلا يروي القصة بضمير المخاطب، حيث يقوم السارد بإبداء حالة من التذمر وعدم الرضا عن نمطية حياته التي تكلست بفعل الظروف الاجتماعية والمعيشية السائدة في الريف، والتي وصلت إلى درجة يحرم فيها الزوج من ممارسة الحد الأدنى من طقوسه الوجدانية بسبب اكتظاظ غرفته الوحيدة بالأولاد وانشغال الأم بهم، الأمر الذي يجعل الزوج ينتظر إحدى اللحظات الهاربة من براثن الواقع البائس، يستطيع من خلالها توكيد ذاته كإنسان يحق له أن يحوز على شروط حياته التي يختارها، وإن لم تكن كاملة، فعلى الأقل تلك التي تتحقق له الحد الأدنى من الرضا.‏ وعلى النسق ذاته تأتي قصة (ابنة مربي الأبقار) حيث يظهر في هذه القصة دور البيئة أو التربية البيتية في تنشئة الفرد وصياغة وعيه وتطلعاته، بل التأثير حتى في نوازعه البيولوجية، فالصبية ابنة مربي الأبقار نشأت وترعرعت في منزل شبه مغلق اجتماعياً، وخلال نموها الجسدي لم تشاهد سوى ممارسات الأبقار عندما تهيج وتتلاقح، الأمر الذي جعلها تتوهم أن طبيعة هذه الممارسات هي واحدة عند الأبقار والإنسان على السواء، ولعل الكاتب محمد المنلا أراد أن يؤكد في هذه القصة على دور التنشئة الاجتماعية في صياغية وعي الفرد ونوازعه النفسية والعاطفية، كما أراد أن يشير إلى أثر العزلة الاجتماعية وانعكاساتها على حياة الفرد، وقبل أن ننهي قراءتنا لهذه المجموعة القصصية يحسن بنا أن نشير إلى لون آخر من القص احتل حيّزاً قليلاً من المجموعة، وهو ما يدعى بالقصة القصيرة جداً، ولعل هذا اللون من الكتابة القصصية يتميز بخصوصية واضحة، إذ إن التعاطي معه يحتاج إلى كثير من الدقة والفطنة والقدرة على حيازة الدهشة، أضف إلى ذلك تكثيف المواقف والأفكار، بالإضافة إلى الاقتصاد اللغوي، ولدى وقوفنا أمام بعضٍ من هذا اللون في مجموعة لحاف الحسرة، نجد أنفسنا أمام لوحات فنية بارعة ومواقف شديدة التعقيد استطاع الكاتب أن يجسدها في أسلوب لمّاح لا يخلو من الظل والعذوبة، فتحت عنوان (حق مشروع) نقرأ (من مسح على شعر يتيم كان له عدد الشعر حسنات، لهذا كان الحاج بدر حريصاً على أن يذهب لبيوت الأرامل في النهار ليمسح على رؤوس أولادهن، ثم يعود في الليل، بعد أن ينام الأولاد، ليتسنى له عدّ الشعر، ليعلم عدد حسناته اليومية، وهذا حق مشروع)، ص 29. والواقع لو تأملنا ما سبق لوجدنا أنفسنا أمام فكرة تصلح لأن تكون مادة حكائية لعمل قصصي طويل، ولكن محمد المنلا قدمه لنا إلماحاً لا تفصيلاً، مماجعلنا نقبض على أهم مفاصل العملية الإبداعية، ومن ثمّ ترك لخيال القارئ العنان ليتخيل بقية التفاصيل، وأستطيع أن أزعم أن هذا اللون من الكتابة هو عملية إبداعية مشتركة بين الكاتب والقارئ في شطر كبير منها.‏ وبعد، هذه وقفة موجزة أمام عمل قصصي إبداعي واحد، آمل أن يكون مقدمة للوقوف أمام أعمال إبداعية أخرى.‏





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,005,722,880





- رحيل المصور التركي العالمي أرا غولر
- القاهرة: حفل توقيع ومناقشة ديوان -أم العيون المغفرة-، للشاعر ...
- رسالة ماجستير جديدة عن أديب كمال الدين
- فازت الكاتبة الأيرلندية الشمالية آنا بيرنز بجائزة -مان بوكر- ...
- مصر تستأنف ترميم مسجد الظاهر بيبرس التاريخي (فيديو)
- انطلاق -أيام فلسطين السينمائية- بمشاركة أكثر من 60 فيلما
- بيروت.. القضاء اللبناني يحقق مع الإعلامي هشام حداد
- عزيزة البقالي القاسمي: لمسنا معاناة حقيقية للنساء
- عازفون بغداديون شباب يحاربون العنف والتطرف بالموسيقى
- ملك هوليود مستاء من السعودية بسبب مقتل خاشقجي


المزيد.....

- جدلية العلاقة بين المسرح التفاعلي والقضايا المعاصرة / وسام عبد العظيم عباس
- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسن النيفي - لحاف الحسرة كثافة البوح و شفافية الرؤية