أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عدنان حسين أحمد - وجوه بصرية: سيرة مدينة بين التقريض والنقد اللاذع (2-3)















المزيد.....


وجوه بصرية: سيرة مدينة بين التقريض والنقد اللاذع (2-3)


عدنان حسين أحمد

الحوار المتمدن-العدد: 5166 - 2016 / 5 / 18 - 11:15
المحور: الادب والفن
    


يواصل حسن البياتي بناء رباعياته الأربع التاليات بنفس الطريقة السابقة التي تعتمد على عناوين الكتب والروايات لكل من القاص والروائي المعروف محمد خصير، صاحب "بصرياثا"، والقاص والروائي الراحل مهدي عيسى الصقر الذي أبدع قصة "الطبيب الخافر" و المجموعة القصصية "مجرمون طيبون" ورواية "الشاهدة والزنجي" وقد أدخل البياتي هذه المؤلفات الثلاثة في رباعيته التي يشيد فيها بدور الصقر في القصّ العراقي. ولعل الالتفاتة الطريفة هي إشارة المؤلف إلى أن السياب كان معجبًا جدًا بهذه القصة ولكنه لم يحطنا علمًا بسبب هذا الإعجاب ودوافعه.
لا تخرج رباعية القاص مجيد جاسم العلي عن إطار العناوين المشار إليها سلفًا لكن المؤلف دسّ محنته الشخصية ليعمّق من مسارها التراجيدي خصوصًا وأن العلي قد أهداه مجموعته القصصية المعنونة "فتيات الملح" غير أن المُهدى إليه لم يستطع قراءتها فقال عنها في البيتين الأخيرين من الرباعية:
"لم تزل ترقد في مكتبتي الباكية الجدران، من دون ولي!
ربُّها أدركه ليل العمى في غربة المنفى ومأساة الشموس الضائعة"(ص54).
وسينسحب هذا الأمر على رباعية يوسف يعقوب حداد، صاحب "الندبة الزرقاء" التي لم يفلح المؤلف في قراءتها لأن "مهجته ترحل من حزنٍ لحزنِ".
وفي الرباعية المخصصة للأديب والمترجم نجيب المانع يتحدث المؤلف عن رواية "تماس المدن" و "عمر أكلته الحروف" وقد وظفهما بشكل جيد في بنية الرباعية. وسيفعل الشيء ذاته في رباعية الكاتب محمد الجزائري وإن جاء التوظيف سلبيًا فقد وصف صاحب كتاب "ويكون التجاوز" بالقافز البارع الذي يتفنن بالقفز من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين!
ثمة رباعية خصّ بها الروائية سميرة المانع وقد ركزّ عليها كأمٍ وهابة ومبدعة قدمت زهرات جميلات في عالم القصة والرواية.
لابد من الإشارة إلى رباعية المناضل الشهيد عبد الجبار وهبي "أبو سعيد"، صاحب العمود الصحفي المشهور "كلمة اليوم" في صحيفة "اتحاد الشعب" حيث أغتيل بعد الانقلاب الأسود الذي حدث في الثامن من شباط سنة 1963. وقد ركّز حسن البياتي على عموده الساخر في كتابة رباعيته، وهو عمود مهم كان ينتقد من خلاله الفاسدين وسرّاق المال العام. كان على المؤلف أن يركز على التعذيب الوحشي الذي تعرّض له الشهيد عبد الجبار في قصر النهاية. ففي شهادة لفؤاد بابان، أحد المعتقلين في قصر النهاية، يقول بأنه رأى إحدى ساقيّ الضحية مقطوعة بالمنشار، وهذه ليست الحادثة الأولى التي يتعرض لها السياسيون المعارضون في العراق وإنما هناك حوادث كثيرة مشابهة تستحق الفضح والإدانة علّنا نضع حدًا لها في المستقبل القريب وننقذ أبناءنا وأحفادنا من وحشية الذئاب البشرية!
ثمة انتقادات صريحة لكتّاب ونقاد بصريين أمثال جاسم المطير الذي أخذ عليه مناورته في توزيع كتاب "اغتيالات الرئيس" ولكنه أشاد بمهارته القصصية، وكتاباته الصحفية الواخرة. كما انتقد ياسين النصير ووصف كتابته بالكم الذي يقف في مواجهة الكيف أو النوع. وتلك مسألة شخصية متروكة لذائقة مؤلف الرباعيات ووجهة نظره في الأشخاص الذين تدور حولهم الرباعيات.
يضمّ الفصل الرابع المُكرَّس لفناني الإذاعة والتلفزيون والسينما والمسرح 22 وجهًا رجاليًا ونسائيًا تركوا بصماتٍ واضحةً في الفنون السمعية والبصرية. وقد أثنى المؤلف على الغالبية العظمى من المخرجين والكُتّاب والفنانين المسرحيين البصريين لكن هذا الثناء الكبير لا يعني خلوّ الساحة الفنية من عناصر منحرفة كانت تتمسح بأذيال السلطة لاهثة وراء المناصب والأموال كما هو حال الممثل عبدالإله عبد القادر الذي أصبح رمزًا من رموز السلطة بعد أن نصبوه مديرًا لفرقة الفنون الشعبية في البصرة فمات فنيًا على الرغم من أنه ما يزال حيًا يُرزق جسديًا.
تزخر البصرة بأسماء مسرحية مهمة في التأليف والتمثيل والنقد والإخراج المسرحي والتلفزيوني والسينمائي. ففي حقل التأليف المسرحي أشاد الشاعر حسن البياتي بعدد من كُتاب البصرة المسرحيين أمثال جبار صبري العطية وتوفيق البصري وقاسم حول. ويكفي أن نشير إلى البيتين الأخيرين من الرباعية التي خصّ بها الشاعر حسن البياتي، كاتبنا المسرحي توفيق البصري حيث قال:
"قد سألنا عنك، يومًا، شيخنا الراحل والرائد حقًا، جعفر السعديْ، فأثنى وترحمْ:
كان فنانًا أصيلاً، وهبَ المسرح آثارًا كبارًا، سوف تحيا وتُعلَّم. . . . .(ص63)
لم يفت حسن البياتي أن يثني على الرؤية النقدية للناقد المسرحي حميد مال الله الذي يصف آراءه بالرصينة ودراساته النقدية التي تفحص مواطن القوة والضعف في المسرح البصري على مدى سنواتٍ طوالا. وفي السياق ذاته يثني المؤلف على تجربة قاسم حول السينمائية حيث يقول عنه:
"تفخر البصرة، حقًا، أنها قد أنجبت للسينما مثلك، يا "قاسمْ حولْ!"
مُخرجًا آثاره خالدة حتى الأزل"(ص64-65)
ثمة عدد كبير من الفنانين المسرحيين في البصرة سنكتفي بالإشارة إليهم فقط وحسبنا أن القارئ العراقي مُلمٌّ بهذه الأسماء التي قدّمت أعمالاً مسرحية يعرفها الجمهور العراقي في الأقل ومن بين هؤلاء الفنانين قصي البصري، فلاح هاشم،لطيف صالح، عباس الجميلي، عواطف سلمان، علي فوزي، أسعد عبد الحسين، عزيز الكعبي، طالب جبار جاسم، أكرم فاضل، خالد الشلال وغيرهم من الفنانين المسرحيين الذين يعرفهم الجمهور العراقي جيدًا.
وفي السياق ذاته شكّل بعض فناني البصرة ظواهر فنية سواء في أدائهم البارع أو في الموضوعات النقدية الحساسة التي تناولوها في أعمالهم المسرحية والتلفازية ولعل أبرزهم في هذا المضمار الفنان المتألق سليم البصري الذي توهج بشكل دائم في المسلسل المعروف "تحت موس الحلاق" كما سطع فيه نجم الفنان الكوميدي حمودي الحارثي الذي عرفناه بدور "عبّوسي" كمساعد لـ "حجي راضي". لنتأمل في الرباعية الآتية:
"حجي راضي! . . . . . أنت بصريّ، وإن شكّكَ بعض المغرضينْ.
موسكَ الحلاق، كم أمتعنا فنًا وعرّى التافهين!
سألوا تلميذك المحروس "عبّوسي": أجبنا منْ ترى أبدعَ فنانٍ أصيلْ؟
ردّ يبكي: هو أستاذي سليم، حجي راضي، الراحل الشيخ الجليلْ . . . . .(ص66)
لابد من الوقوف عند المنجز الفني الكبير الذي قدّمته الفنانة سليمة خضير التي يرتبط اسمها بالسينما والمسرح والتلفاز العراقي لأنها مبدعة شاملة فلاغرابة أن يصف حسن البياتي أعمالها الفنية بالأحجار الكريمة حيث يقول:
"يا سليمهْ!
أنتِ، قد أعطيتِ، من فنك، للمسرح والتلفاز أشياء عظيمهْ
لم تزل آثارها تلمع، في عالمنا الفني، أحجارًا كريمهْ!. . . . .
فلك الإعجاب ممن غاب عن مقلته النورُ، ولم تخبُ الأحاسيس الحميمهْ . . . . ."(ص65- 66)
قد يبدو الشاعر حسن البياتي قاسيًا بعض الشيء ولكن قسوته تأتي في محلها دائمًا. فهو قد يجامل في إبداء بعض الآراء الإيجابية التي لا تخلو من مبالغة بهذا الكاتب أو ذاك الفنان، لكنه لا يجامل إن تعلّق الأمر بالوطن أو بانحراف بعض أبنائه غير البررة وهذا ما حصل مع الفنان المسرحي محمد وهيّب الذي أخرج باكورة أعماله المسرحية "أوديب" لسفوكلس وكان فيها مُخرجًا مُبدعًا وأصيلاً لكنه انحرف صوب الأعمال الهابطة التي جعلت منه مجرد ذيل لثعيلب! لنقرأ ما أبدعته مخيلة الشاعر حسن البياتي الذي قال عنه:
"عد إلى الجمهور، فنانًا أصيلاً، يا محمد!
ودع التافه والسوقيَّ- فالجمهور والمسرح أسمى، يا وهيّبْ!
كنتَ في "أوديب" فنانًا جديرًا وممجدْ . . . . .
فلماذ صرت في الآخر ذيلاً لثعيلب؟!"(ص73)
نال نفرٌ غير قليل من الفنانين العراقيين بعض "الأمجاد الزائفة" حين وضعوا أيديهم بأيدي النظام الدكتاتوري السابق. بعضهم شعر بالندم، بينما ظل البعض الآخر سادرًا في غيّه. في الرباعية الآتية يتساءل الشاعر حسن البياتي إن كان الفنان المسرحي عبد الإله عبد القادر يشعر بالندم لأنه ارتمى في حضن البعث وحصل على بعض المكاسب المادية والمعنوية أم لا؟ حيث يقول:
"لم نعد نسمع شيئًا عنك في المسرح، يا عبد الإلهْ،
مذ هجرت البصرة الأم وعضعضت الشفاهْ،
هاربًا من وجه مجدٍ زائف قد نلته دون عناءْ . . . . .
أوَ حقًا نادم أنْ عانقت كفكّ كفّ المجرمين الأدنياءْ؟!"(ص73)
نتمنى أن يكون الفنان عبد الإله عبد القادر قد شعر بالندم خصوصًا بعد سفره إلى لندن مع أعضاء الفرقة المسرحية وتواريه عن الأنظار ثم تبيّن لاحقاً أنه التحق بأسرته المقيمة في الإمارات العربية المتحدة.
يقتصر الفصل الخامس على اثني عشر فنانًا تشكيليًا وهو أقصر الفصول الخمسة خصوصًا وأننا قد تحدثنا عن رباعية فيصل لعيبي في الاستهلال فلم يبق لنا سوى أحد عشر فنانًا تشكيليًا وهو رقم صغيرة في مدينة كبيرة مثل البصرة. ومع ذلك فقد استهل المؤلف هذا الفصل برباعية للشيهد الفنان فؤاد يلده الذي استشهد سنة 1988 في أعالي جبال كردستان. وعلى الطريق ذاته يستشهد الفنان المبدع عبدالله سلمان في سبيل الوطن.
إن ما يلفت الانتباه في بعض رباعيات هذا الفصل هو رؤية اللوحة واستشعارها من قبل الشاعر "الكفيف" بواسطة السمع بعد أن فقد الشاعر نعمة البصر فتضاعفت عنده حدّة البصيرة فلاغرابة أن يرى الألوان تنساب أمامه حرة شفّافة تتمحور ثيماتها حول الحب والسلام والسعادة البشرية وهي موضوعات أساسية طالما تناولها الفنانون اليساريون في مختلف أنحاء العالم. إن أجمل ما في هذه الرباعية، والرباعية المخصصة للفنان التشكيلي صلاح جياد، هو الخيال السمعي الذي يفضي إلى المخيلة البصرية التي تجسّد كل ثيمة ولون وكأنها تراهما رأي العين. يقول حسن البياتي في رباعية عن الفنانة التشكيلية عفيفة لعيبي:
"إنني، يا أختَ ليلى، إنما أبصر لوحاتك سمعًا وشعورا . . . . .
عندما يشرحها البعضُ فأنسى أنني أعمى، وأنشدُّ إليكِ-
ها هي الألوان تنساب أمامي، حرةً، مزهوةً طوع يديكِ،
حلوةً، شفافة، تنبضُ حبًا وسلامًا وشعورا . . . . ."(ص76).
تتكرر التقنية ذاتها في رؤية لوحات الفنان صلاح جياد حيث لا يجد الشاعر حرجًا في القول بأنه كفيف أو فاقد للبصر الآن لكنه بواسطة السمع قد عرف الألوان العميقة والخطوط اللامعة التي تهيمن على غالبية أعمال الفنان صلاح جياد الأمر الذي يدفعه للمقارنة بين ألوانه وألوان فائق حسن، فقد عُرف هذا الأخير كملونٍ كبير ورسّام متمكن من أدواته الفنية. ويختم الشاعر هذه الرباعية بأن صلاح جياد هو امتداد لتجربة فائق حسن اللونية والتقنية مع اختلاف الثيمات والمقاربات الفنية لكل فنان على انفراد. يقول البياتي في هذه الرباعية:
"قيل لي- معذرة، يا أيها المبدع، إني لا أرى، بل أسمع-
أن في أغلب لوحاتك تلوينًا عميقًا وخطوطًا تلمعُ . . . . .
وهو ما امتاز به فنانا الراحل فائقْ.
إنْ يكن ذلك حقًا- فصلاح امتداد فائق في دوحة التشكيل، شاهقْ!"(ص76)
يتجلى الحسّ النقدي للشاعر حسن البياتي من خلال متابعة الدقيقة لنتاجات الفنانين التشكيليين في البصرة فهو يعرف مثلاً أن الفنان عجيل مزهر هو "فارس السريال" ويبدو أنه قد شاهد، فيما مضى، لوحاته الحُلمية المستمدة من عالم الأحلام والكوابيس المرعبة. كما أنه يسأل الفنان شاكر حمد عن الموضوعات التي تشغله الآن، نحتًا ورسمًا، هل هي لمةً أم عِمة أم لطميةً؟ بعد أن يئس المؤلف من صعود الفن وارتقائه في هذا البلد الذي يقوده رهط من الجهلة والأميين المتخلفين الذين لا يعرفون كم هو ثلث الثلاثة؟
نتلمس متابعة الشاعر حسن البياتي للنتاجات الفنية والتشكيلية من خلال إلمامه بالتفاصيل الصغيرة لهذا الفنان أو ذاك. فهو يعرف أن الفنان منقذ الشريدة مولع بتصوير أوضاع الشارع العراقي وشؤون المرأة فيخصّه في رباعية جميلة يقول في بيتيها الأولين:
"أنتَ، يا منقذ، نحّات بديع - دونما أدنى منازع!
صوّر المرأة في حالاتها الشتّى، وأوضاع الشوارعْ."(ص79).
يتضمن الباب الثاني من الكتاب 32 وجهًا نضاليًا وقد ارتأى الشاعر حسن البياتي أن يضع الشهيد كامل شياع في مقدمة هذا الباب فهو ليس بصريًا كما هو معروف لكنه حضر مهرجان المربد سنة 2008 وبعد ثلاثة أشهر اغتاله الظلاميون في 23 آب / أغسطس من العام ذاته. ومن سياق الرباعية نفهم أن الشاعر حسن البياتي يلقي اللوم على "آل ساسان ولادن" وجملة من الأحزاب الدينية المتطرفة التي كانت، ولا تزال، تستهدف المثقفين وتحاول منعهم من المشاركة في صناعة القرار السياسي. لنمعن النظر في هذه الرباعية التي يقول فيها الشاعر:
"ليست الكف التي اغتالتك، يا كاملُ، إلاّ كفّ زنديق مُداهنْ . . . . .
يدعي الإسلام، لكن يقبل الإسلام أن تُزهق نفسٌ دون حقٍ، دون ذنبِ،
لعنات الكون والتاريخ لن تكفيَكم، يا آل ساسان ولادنْ
وجحيم الويل ينصبُّ على هاماتكم من كل صوبِ! . . . . ."(ص83).
تنحصر ثيمات هذا الباب في محاور عديدة أبرزها السجن والتغييب القسري، والتعذيب، والتصفيات الجسدية أو الاستشهاد في معسكرات الأنصار في كردستان التي كانت تقف في مواجهة السلطة المركزية ببغداد. لقد أشرنا سلفًا إلى الحملة الشعواء التي شنتها الأجهزة الأمنية للنظام الدكتاتوري السابق ضد الأحزاب الوطنية والتقدمية التي تحالفت معه لكنه سرعان ما غدر بها مُطاردًا قياداتها وقواعدها الشعبية العريضة التي توزعت في المنافي العربية والعالمية.
وعلى الرغم من هذه المحنة الكبيرة التي ألمّت بأعضاء الحزب الشيوعي تحديدًا إلا أنه عاود العمل السريّ من جديد وشرع بتقديم التضحيات في معظم المدن العراقية. فثمة رباعية عن الشهيد حميد عاتي الذي كان يبيع جريدة "طريق الشعب" عند مدخل سوق الهنود في البصرة. وثمة رباعية مؤثرة عن الشهيد طاهر محمد علي الذي كان يقوم بتوزيع "طريق الشعب" سرًّا بعد الحملة النكراء على القوى الوطنية سنة 1978 وما رافقها من سجن وتعذيب وتصفيات جسدية بطرق غريبة ما أنزل الله بها من سلطان. لنمعن النظر في رباعية الشهيد طاهر محمد علي الذي صدموه بدراجاتهم النارية في رابعة النهار ففارق الحياة:
"أنت لم يأكلك، يا طاهر، في البصرة ذئب، لا ولم تبلعك حوتهْ
إنما اغتالتك غدرًا، زمرُ الأوغاد في دائرة الأمن المقيتهْ، . . . . . "(ص 85- 86)
كانت زمر الأوغاد تبتكر طرقًا جديدة في قتل المناوئين لها بهدف التمويه على جرائمهم المتلاحقة. فجثة الشهيد يوسف عمر وُجدت في حنايا زورق مخروق في عرض البحر. وهي ذات الطرق التي كانوا يتبعونا في التصفيات الجسدية في مجيئهم الأول للسلطة في الثامن شباط سنة 1963ويكفي أن نشير إلى رباعية الشهيد فيصل الحجاج الذي عُثر عليه مع عدد من رفاقه في قبر جماعي بعد أن دفنوهم أحياءً.
لم يكن المثقفون العراقيون هم الضحية دائمًا فلقد تعرض العمّال والفلاحون والموظفون الصغار إلى مختلف أنواع التعذيب والتنكيل ولتأكيد صحة ما نذهب إليه نورد رباعية المناضل العتيد حسن الملاك الذي كان يعمل مُستخدمًا في دائرة البريد بالبصرة وقد لاقى هو وأفراد أسرته السجن والتعذيب والموت في خاتمة المطاف. لنقرأ رباعيته التي يقول فيها حسن البياتي:
"حسن الملاك، يا أغنى رفيق، أنت لا تملك أموالاً وأطيانًا ولا صرحًا مشيّدْ.
إنما تمتلك الأثمن، تاريخًا نضاليًا عمره خمسون عاما ويزيدْ . . . . .
كل ما حلّ بأهليك، وما عانيت من حيف ومن سوء فعالِ،
لم يزحزحك عن المبدأ، والحزبِ وساحات النضالِ!"(ص96).
يحضر الشاعر في العديد من الرباعيات التي وصفناها بسيرة مدينة البصرة في جانب منها، وسيرة الشاعر في الجانب الآخر الذي يتداخل فيه الذاتي بالموضوعي. وفي رباعية المناضل سالم المياح يذكِّرنا المؤلف حسن البياتي، بين أوانٍ وآخر، بمحنة فقدان البصر، وبغربته القاتلة، وبنأيهِ عن الوطن الجريح الذي يتحرّق شوقًا إليه. لنمعن النظر في البيتين الأولين من هذه الرباعية التي تثير الشجن:
"يا أبا عاطف، أنت الآن، في البصرة، معلول قعيدْ . . . . .
وأنا في لندن، أعمى، غريب وبعيدْ."(ص96- 97)
يركِّز الشاعر حسن البياتي في كل باب على عدد من الظواهر التي باتت معروفة آنذاك لعل أبرزها هو التفريط بالوجوه الأكاديمية العلمية والأدبية. فالعراق خلال حقبة النظام الدكتاتوري السابق، وحتى الآن مع الأسف الشديد، هو بلد طارد لعلمائه وأدبائه وفنانيه ومفكريه. ويكفي أن يمرّ القارئ الكريم مرورًا سريعًا على الرباعيات الأربع والأربعين التي خصصها للوجوه الأكاديمية ليرى كيف تشتتت طاقاتنا الأكاديمية في المنافي العربية والعالمية حيث توزعوا على الجامعات الأردنية والإماراتية والقطرية واليمنية والعُمانية والليبية والجزائرية، وبعضهم وجد ضالته في المنافي الأوروبية والأميركية والأسترالية وما إلى ذلك من البلدان المانحة لحق اللجوء السياسي والإنساني. اللافت للنظر أن العديد من أكاديميينا يعملون كمستشارين سواء في الدوحة أو أبو ظبي أو عُمان بينما كان النظام العراقي يفرِّط بهم ولا يعير وزنًا لتخصصاتهم العلمية والأدبية ولا يجد حرجًا في تهجيرهم أو الاستغناء عن خدماتهم، لا لشيء إلاّ لأنهم كانوا معارضين له، ومختلفين مع توجهاته القمعية التي لا تتلاءم مع روح العصر.
تكشف الرباعية الثانية التي خصّ بها المؤلف زميله الدكتور غالب الداووي، عميد كلية الحقوق في جامعة البصرة الذي اضطر إلى التقاعد بسبب مضايقات أزلام النظام السابق والسفر إلى الأردن ليجد نفسه أستاذًا في جامعة جرش. وحينما تناهى إلى سمعه بأن الدكتور حسن البياتي في عمّان، وقد أُجريت له عملية فاشلة أفضت إلى فقدان البصر، أسرع قادمًا إلى عمّان لزيارته ومواساته، فهو، كما وصفه المؤلف إنسان عراقي وفيّ وأصيل في زمن غادره الوفاء! لنتأمل مضمون هذه الرباعية المحرّكة للمشاعر حيث يقول الشاعر:
"يا صديقي، غالب المغلوب في هذا الزمان البهلوان الأهوجِ!
أين أنت الآن؟ في صنعاء أو بيروت أو عمان أو في منبجِ؟!
أيةً كانت، سوى أرض العراق المستباح اليوم من شتّى الجهاتِ، . . . . .
سلبوه- دون أن يركب ذنبًا- كلَّ أسبابِ الحياةِ!"(ص101- 102)
وتأكيدًا لشتات الأكاديميين العراقيين نتوقف عند الرباعية التي خصّ بها الدكتور داخل حسن جريو الذي أصبح لاحقًا رئيسًا لجامعة البصرة لكنه وجد نفسه منفيًا في عُمان التي احتضنته مثلما احتضنت أكاديميين عراقيين آخرين وعينتهم مستشارين في وزارات مختلفة كما هو الحال مع الدكتور "جريو" الذي تعيّن مستشارًا للتعليم التقني في وزارة القوى العاملة. تكمن أهمية هذه الرباعية في تداخل ثيمتها التي تجمع بين المحنتين الذاتية والموضوعية وتكشف عن الأوضاع النفسية للأكاديميين العراقيين الذي تفرقوا في أرجاء العالم.
"يا أبا الشهد فراس، كيف أحوالك في أرض عُمانْ؟
فرّقت ما بيننا كفّ لئامٍ، خنقت في مهدنا دفء الأمانْ . . . . .
إنني في لندنٍ أجتر أيامي، ظلامًا مستبدا،
دونه ظلمة لحدٍ، ليته يفتح بابًا، منجزًا للحق وعدا!"(ص103).
تتعمّق الهموم الذاتية للشاعر حسن البياتي ولا يجد بُدًا من بثِّها لأصدقائه الخلّص كما فعل تمامًا مع صديقه وجاره الدكتور راشد الراشد الذي يخبره في البيتين الأخيرين من هذه الرباعية بالمحنة التي ألمّت به وجعلته أسيرًا للعزله في منفاه اللندني النائي حيث يقول:
"أوَ تدري، يا صديقي، بالذي من قبل تسعٍ قد جرى لي؟
رحلت عيناي عني، لن أرى بسمتك الحلوة، في أيةِ حالِ!"(ص101)
يمكن تلمّس هذا الهمّ الذاتي الذي يبثّه لخُدنائه الحميمين أمثال الدكتور مصطفى عبد اللطيف الذي يخاطبه قائلاً:
"أوَ تدري أنَّ تسعًا من سني عمريَ ماتت، أنا فيها قاصر الطرف كفيف؟"(ص124)
أو نراه يعاتب بشده صديقه الدكتور زهير غازي زاهد الذي لم يواسهِ في محنته الكبرى حيث يقول:
". . . فتقرقنا، ولكن حزّني أنك ما واسيتني في محنتي الكبرى بفقد البصرِ."(ص115)
تتفاقم همومه الذاتية فتتحول إلى إدانة لليمن، أو أرض بلقيس، التي لم تكن متطورة بما فيه الكفاية كي يتمكن أطبّاء عيونها من إجراء عملية ناجحه لعينيه فكانوا السبب الرئيس في فقدانه لنعمة البصر. لنقرأ البيتين الأولين من رباعية الدكتور جعفر صادق رشيد التي يقول فيها:
"يا أبا بدرٍ تأمل في الذي قد أنزلته أرض بلقيس بنا من ضربات قاسيهْ!
سلبتني نور عيني، واستباحت فيك كنز العافية . . . . ."(ص115).
على الرغم من الأزمات والمواقف الصعبة التي مرّ بها الدكتور حسن البياتي طوال عمره المديد وما عاناه من عسف الدكتاتورية في العراق إلاّ أنه لم يفقد الأمل بأن هذا البلد المعطاء سوف ينهض مثل العنقاء من تحت الرماد ويعيد الأمور إلى نصابها الصحيح لكنه في هذه الرباعية التي خصّ بها الدكتور علي عباس علوان يعترف لأول مرة بأننا، نحن العراقيين، قد ضِعنا، وأن العراق قد ضاع! ربما دفعهُ الجزع، وحرّضه اليأس على البوح بهذا التصريح الخطير الذي يثبط الهمم، وعهدنا به أنه يراهن، دون كلل أو ملل، على صمود العراق وبقائه صرحًا شامخًا يتحدى صروف الزمن، ويتجاوز نوائبه وشدائده. ومع ذلك لنمعن النظر في هذه الرباعية التي يقول فيها:
"يا صديقي، يا بن عبّاسٍ عليًا . . . ! أين أنت الآن، في أي زقاقْ؟
آخر العهد بنا ما بين صنعاء ومؤتهْ . . . . .
كيف حال العلم والتعليم في أيامنا الغرقى بما خضتُ وخضتهْ؟
نحن ضعنا يا حبيبي! . . . ضاعت البصرة، بل ضاع العراقْ!"(ص104)
في الرباعية التالية التي كتبها خصيصًا لابنه الدكتور علي البصري ينفض الشاعر حسن البياتي غبار اليأس الذي كلل روحه، فها هو الآن يرى بأم عينيه بأن تحرير البصرة، بل تحرير العراق كله قادم لا محالة. لنقرأ البيتين الأخيرين من هذه الرباعية المليئة بالتفاؤل حيث يقول:
" . . . شرفٌ قد نلته- يا ولدي! - لحظة ميلادك في ثغر العراق المستباح من دون ولي!
قل لها: يا أمنا، آتٍ، قريبًا فجر تحريرك من ليل الضواري الشرسهْ!(ص104)
لا شك في أن التذمّر كان شائعًا في الأوساط الأكاديمية مثل شيوعه في مفاصل الحياة الأخرى. فالبعثيون لم يتركوا الأكاديميين وشأنهم، بل كانوا يدسون أنوفهم في كل صغيرة وكبيرة فكان الدكتور محمود الحبيب المتخصص بعلم الاقتصاد يشكو ويتذمر كثيرًا من تدخل البعثيين المتنفذين في شؤونه العلمية الأمر الذي دفعه للبوح بأنه يفضّل العيش مع المجانين على مهادنة البعثيين أو إمكانية التعايش معهم.
لم يفت الشاعر حسن البياتي أن ينتقد بعض الأكاديميين أمثال مصطفى الخضار ومصطفى النعمة ونزار نظيف الشاوي، الشلة التي لم تكن ذات سمعة إيجابية لدى أهل البصرة الكرام.
تمتد هذه الانتقادات إلى الدكتور رزوق فرج رزوق الذي منحته السلطة المستبدة وسامًا صداميًا لكونه أكبر الأساتذة المتدربين على السلاح في مهزلة "جيش القدس" التي شهدها العراق في النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي. لم يجد حسن البياتي حرجًا في توجيه انتقاداته اللاذعة إلى بعض الأكاديميين الذين ارتموا في أحضان النظام البعثي من أجل المناصب والامتيازت والمنافع الشخصية مثلما فعل الدكتور منذر البدر أو الدكتور صفاء العمر أو الدكتور حسين عباس العلي وسواهم من الأكاديميين الذين رجحوا منافعهم الشخصية على حب الوطن والإخلاص للمُثل والقيم الاجتماعية والأخلاقية الأصيلة.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,558,120,475
- وجوه بصرية: الذات والموضوع في رباعيات الشاعر حسن البياتي (1- ...
- رسائل ثقافية متبادلة بين الشاعر حسن البياني وبين أدباء آخرين
- العيون السود ومتلازمة الخوف والانكسار
- قراءة في رواية التيه والزيتون
- التيه الفلسطيني ومأزق البحث عن الهوية
- قراءات نقدية في شعر حسن البياتي ومؤلفاته وتراجمه على مدى ستة ...
- 50 كاتبًا عراقيًا وعربيًا يشيدون بأشعار حسن البياتي وتراجمه
- تحطيم الحدود الفاصلة بين الروائي والوثائقي في فيلم (صدمة)
- نظرة أدبية ونهج جديد في فهم النص القرآني
- دور المنظورية في تفسير سورتي (عمّ والتكوير) لصلاح نيازي
- من تقنيات التأليف والترجمة لصلاح نيازي
- شتاءٌ مُلتهب: معركة أوكرانيا من أجل الحرية
- عُطارد وحكاية الخلود في الجحيم الأبدي
- تقنية الشخصية المُنشطرة في رواية -عِشق- لمريم مشتاوي
- البطولة المضادة والأداء التعبيري في فيلم سافروجيت
- ستيف جوبز. . صانع الأجهزة الحميمة والباحث عن الاستنارة الروح ...
- الشاعر صقر بن سلطان القاسمي . . . ربّان الموجة المتمردة
- جولة في الأعمال الشعرية الكاملة لأديب كمال الدين
- سندريلا . . . الأميرة الغامضة
- حارس الموتى. . رواية تختبر حدْس القرّاء (القائمة القصيرة لبو ...


المزيد.....




- الفنانة لبلبة تكشف عن الحالة الصحية للزعيم :”عادل بخير وزي ا ...
- وسط حرائق لبنان.. فنانون لبنانيون يهاجمون الحكومة
- القاص “أحمد الخميسي”:لا أكتب الرواية لأنها تحتاج إلي نفس طوي ...
- عالم مليء بالمستعبدين والمجرمين.. الجرائم المجهولة في أعالي ...
- في حفل بالدوحة.. تعرف على الفائزين بجائزة كتارا للرواية العر ...
- الأمانة العامة لحزب المصباح تثمن مضامين الخطاب الملكي ونجاح ...
- الرئيس يعدم معارضيه.. مشهد سينمائي محرّف يشعل حربا ضد ترامب ...
- هاتف يعمل بالإشارة وسماعة للترجمة الفورية.. تابع أهم ما أعلن ...
- -مفتعلة.. حولها إلى رماد-.. كيف تفاعل فنانون لبنانيون وعرب م ...
- يوسف العمراني يقدم أوراق اعتماده لرئيس جنوب إفريقيا


المزيد.....

- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي
- متلازمة بروين / حيدر عصام


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عدنان حسين أحمد - وجوه بصرية: سيرة مدينة بين التقريض والنقد اللاذع (2-3)