أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - شادي كسحو - سطوح ونواتىء: الصحافة العربية مراسم مرعبة وكليشيهات فارغة















المزيد.....

سطوح ونواتىء: الصحافة العربية مراسم مرعبة وكليشيهات فارغة


شادي كسحو

الحوار المتمدن-العدد: 5162 - 2016 / 5 / 14 - 12:39
المحور: كتابات ساخرة
    


1-
ترى من أين يمكن الحصول على هذا القدر من السذاجة والبلادة التي تنطوي عليها الكتابة الصحفية العربية المعاصرة؟
ربما كان هذا السؤال مبتذلاً إلى أقصى حد أما الفضول الذي دفعني إلى طرحه فهو على العكس من ذلك تماماً له مايبرره في المدونة الصحفية العربية الراهنة.
كنت أبحث عن فضاءات جديدة لتمرير أفكاري الفلسفية، وحين انتابني شيء من اليأس خطرت على بالي فكرة الاضطلاع على الصحافة العربية والرجوع إلى مشاهيرها والتوغل في أعمدتها، وكم فاجئني ذلك الصف المهيب من الصحفيين الذين يعرفون كل كبيرة وصغيرة ويحللون ويناقشون أصغر و أكبر مشاكل العالم، ويتبارزون على شاشات التلفزة غثها وسمينها، كل حسب جريدته وكل حسب مراكز القوى التي تدعمه. تساوى في ذلك الصحفي الصغير والصحفي الكبير بل والصحفي الكبير جداً.
أُعجل بالتأكيد، أن هذا النمط المنفر في الكتابة غني بالدروس، وأن الاضطلاع عليه ليس تماماً مضيعة للوقت، فقد يصادف أن تقرأ شيئاً عن أهم الاصدارات العربية أو العالمية، وربما قد يصادف أن تنتبه إلى ترجمة أحد المصطلحات العلمية أو ما شابه، أو ربما تكون الحسناء العارية المنشورة في الصفحة الأخيرة من بطلاتك المفضلات، مما يدفعك لتأبط الصحيفة لتضيف هذه الحسناء أو تلك إلى خزانتك الخاصة، لكن ما لن تعثر عليه أبداً وأنت تطالع صحيفتنا هذه، هو الفهم والمعرفة والتحليل، وستصاب بخيبة أمل شديدة عندما تكتشف أن غالبية ما ينشر على صفحات الرأي والفكر والسياسة، ليس أكثر من تحويرات ساذجة لمفاهيم فلاسفة ومفكرون كبار، وقد تكون خيبة أملك قاتلة عندما تعلم أن هؤلاء النفر البائس من الصحفيين يطلقون على أنفسهم لقب "كتاب".
2-
لقد أصاب الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر ذات مرة عندما اعتبر أن انسان اليوم، هو أمريكي بامتياز، بمعنى أنه ليس فقط لا يجيد القراءة، وإنما يشتق وجوده وثقافته من الجرائد والصحف، لكنه لم يكن ليحدس بأن هذه الجرائد ستصبح ذات يوم العلامة الأساسية على تخلف وهشاشة ثقافة أمة بأكملها.
3-
ترى من أين تجيء تلك المقالات المقدسة التي لا يعتريها الشك أبداً، حيث المقال ناجز ومكتمل ولا أحد يخشى من النقد؟ حيث نُرغم على قراءة مجبولة بالتشويهات اللغوية والمصطلحات المقننة حسب الطلب؟
بدقة مثيرة للضحك، يؤكد حازم صاغية، أحد ديناصورات جريدة الحياة، أن من لا يستطيع التعبير عن فكرته في سبعمائة كلمة، لا حاجة له ولا لكتابته...كل شيء مقنن عند صديقنا الصحفي هذا، لأنه كعامل في هذه الصحيفة حريص كل الحرص على حجم الدولارات التي يتقاضاها إزاء كل مقال. أما القائد الذي يدير هذه المهزلة فيسمي نفسه أو يسمى رئيس التحرير، وأما الرجال والنساء المقسمون إلى اختصاصات وصفحات، فهم منصرفون إلى أعمالهم دون أن يعصوا شيئاً من أوامر رئيس تحريرهم، بل إنهم ينظرون إلى قادتهم في الصحيفة وكأنهم ينظرون إلى كتاب كبار.
4-
لكتابة مقال صحفي، أو لتصوير حدث سياسي أو تاريخي على الطريقة الصحفية، لا بد من جرعة من السذاجة المطعمة ببعض البلاهة، على ألا تكون تلك الجرعة زائدة عن اللزوم كي لا تؤدي إلى سخط القارئ أو غضبه. المقالات الوحيدة القابلة للقراءة هي تلك المقالات المزيفة التي لم تكتب بخصوص فكرة أو حدث ما، وإنما كتبت بغرض التسلية أو رداً على إهانة تلقاها هذا الكاتب أو ذاك.
ما الأسهل الكتابة الصحفية أم الكتابة الأصيلة الجادة؟ لكل منهما مبادئه حتماً، لكن الأولى أقرب في طرحها إلى السطح، فاستعراض الأحداث عبر لغة رديئة ومجانية لهو أسهل بكثير من تحليلها، وهذا ما جعلها تفصح عن مدونة أغزر من مدونة الثانية.
ليس متاحاً لأي كان الاعتماد على تجربة وجودية أو مدونة قرائية طويلة حتى ينتج نصاً حقيقياً، لذلك ستكون الألاعيب والكليشيهات الصحفية أسهل طريقة لجني المال وانتاج نص سريع وفقير ومقبول.
5-
لنستمع إلى جهاد الخازن ماذا يقول: لولا الصحافة لبقيت معلماً في مدرسة أتقاضى راتبا ضئيلاً....الخ.
مثل هذا الهذيان أقرب إلى التخريف أو إلى سوء الذوق، ومع ذلك فقد أصاب جهاد الخازن من الناحية المادية ولم يخطىء إلا فيما هو جوهري. يبدو أن الخازن هذا لا يعلم شيئاً عن المسافة الفاصلة بين أن نكون وأن ننتج. لذلك تعذر عليه الانتباه إلى المهمة الأساسية المنوطة بالكتابة مهما كان شكلها، صحفية كانت أم أدبية ام غير ذلك، لذلك فما يراه الخازن نجاحاً ليس أكثر من فشل ذريع، وما يظنه أحلاماً وقد تحققت، ليس أكثر من كوابيس تقض مضجع أي كاتب شاب، وسيأتي اليوم الذي يقر فيه كاتبنا المرموق هذا، أن الصحافة الرديئة التي جعلته جليساً للملوك ليست أكثر من غنائيات مسطحة في مجتمع لم يعد يحترم ذاته.
6-
على النقيض من جهاد الخازن يبدو كاتب المقالات اللطيف ياسين الحاج صالح واعظاً علمانياً – طبعاً هذا قبل تحوله الثوري- لا يرى فينا إلا الجهل واشتهاء الغباء ونكران الذات، نحن في نظره ناقصون إلى حد الاضمحلال والتلاشي وليس في شراييننا قطرة دم. صعقتنا حاجات الاستهلاك اليومية واستمرءنا العبودية حتى بتنا بلا أفق وبلا أفكار وبلا تجربة، لا معرفة لنا بالحرية ولا علاقة لنا بفن الحقيقة والانفتاح والتسامح. إنه لا يشك لحظة في أننا قد نستمتع بجهلنا وقد نتلذذ بقلة فهمنا، لذلك فهو لا ينثني يطالعنا ببعض المقالات والتحليلات التي تتخذ من الانوار واللائكية عنواناً لها، فنحن من وجهة نظر الصالح هذا لا نعرف من نكون إلا لحظة الدخول في الأنوار الذي يشكل الإصلاح الديني شرارته الأولى، وبما أن الأنوار والعلمانية مقموعة – هو من سيعلمنا إياها طبعاً- فليس هناك إلا الاستبداد والأصولية.
إن التنوير وفق توجهات هذا الصحفي، لا يملك من الأدوات ما يكفي للخروج من الثنائية التقليدية، العلمانية ضد الأصولية، إنه يبني كل طروحاته على ثنائية بدائية ساذجة تتعارض حتى مع أبسط أبجديات علوم البسيكولوجيا والسوسيولوجيا، لذلك تميل قراءاته المتسرعة إلى ترسيخ نوع من التكرار الفج والأرثوذوكسية الثقافية، لتسهم دون وعي منها في صناعة هرطقة ثقافية من الدرجة الثالثة لا ترى في المجتمع إلا حفنة من الأغبياء الذي صار من الملح إعادتهم إلى الطريق القويم. إنه نمط طريف من الصحافة التي تشكل مزيجاً من العقلانية الصبيانية أو علمانية طلاب الباكالوريا.
7-
على أية حال لم تكن الكتابة الصحفية لتغوي أشخاصاً وجدوا ضالتهم في الكتابة الأدبية أو الشعرية أو الفلسفية، لكن ما أن أخذت الكتابة الأصيلة تفقد فضاءاتها وتخيب آمال روادها - بسبب ابتعاد رأس المال عنها- حتى قامت الصحافة بغزوها وأقامت مكانها؛ كانت قد شرعت بذلك منذ أن دخل العقل السياسي ورأس المال الخليجي الغبي إلى فضاءات التعبير والتواصل والنشر، وهكذا ولدت هذه الخرافات الناجمة عنها حيث تبدو أدنى فكرة أصيلة مجرد نزوة أو شطحة أو تفلسف زائد، وأصبحت الصحافة الحالية عبارة عن مساحات هندسية تحكمها مراسم مرعبة، حيث تصنف الأفكار وتقولب ضمن كليشيهات من أمثال: تيارات- رأي- محليات..وهلم جرا من هذه الترهات، حيث يبلغ التكلف حد قلة الحياء فيقع الانكباب حتى على عدد الكلمات وأشكالها ونوع خطوطها، وما ذلك والحق يقال سوى نقل الجحيم إلى عالم الكتابة أو التحالف مع السخافة لإنشاء رأي ثقافي حر.






كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,567,816,240
- جينالوجيا الحقيقة الدينية
- تأملات فلسفية -1-
- ضد الذات أو في مديح المواطنة
- لعنة الإصلاح
- مثالب الفلاسفة
- هذيان متماسك (شذرات)
- في اللامكان قراءة في شخصية السندباد
- عذراء الكلمات تأملات في الشذرة والكتابة الشذرية


المزيد.....




- -المعلم- يفجر يوتيوب بعمل جديد مستوحى من الأمازيغ
- تظاهرات لبنان.. الفنانون في الصفوف الأمامية
- أقدم لؤلؤة في العالم تُكتشف في أبو ظبي
- #كلن_يعني_كلن: لبنان ينتفض على وقع الموسيقى والرقص
- ضحايا وثوار ومضطربون.. لماذا نحب أشرار السينما؟
- -القراءة الحرام-.. غضب الكتّاب بسبب تجارة الكتب المزورة
- السينما المصرية والعدو الأول
- وفاة الفنان السعودي طلال الحربي بعد تعرضه لحادث أليم
- برلماني يجمد عضويته في حزب الميزان.. لهذا السبب
- اختفاء ممثل فائز بجائزة سينمائية فرنسية


المزيد.....

- التقنية والحداثة من منظور مدرسة فرانكفو رت / محمد فشفاشي
- سَلَامُ ليَـــــالِيك / مزوار محمد سعيد
- سور الأزبكية : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- مقامات الكيلاني / ماجد هاشم كيلاني
- االمجد للأرانب : إشارات الإغراء بالثقافة العربية والإرهاب / سامي عبدالعال
- تخاريف / أيمن زهري
- البنطلون لأ / خالد ابوعليو
- مشاركة المرأة العراقية في سوق العمل / نبيل جعفر عبد الرضا و مروة عبد الرحيم
- التكوين المغترب الفاشل / فري دوم ايزابل
- رواية ساخرة عن التأقبط في مصر بعنوان - البابا / الصحفي الراحل في جريدة البديل اليسارية المصرية/ محمد ربيع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - شادي كسحو - سطوح ونواتىء: الصحافة العربية مراسم مرعبة وكليشيهات فارغة