أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمد سرتي - أصل العائلة وإرادة الخلود3














المزيد.....

أصل العائلة وإرادة الخلود3


محمد سرتي

الحوار المتمدن-العدد: 5162 - 2016 / 5 / 14 - 09:38
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


أصل العائلة وإرادة الخلود (الجزء الثالث)
(قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى) أطلق القرآن هنا على شجرة الخطيئة اسماً جديداً: الخلد، أو الخلود. وكأنه يحاول تصحيح، أو ربما، فضح تلك المخادعة الأبستمولوجية التي قام بها كتبة التوراة. ولكن شجرة الخلد هي نفسها شجرة الهاوما الزرادشتية، إلا أن الفرق بين "هاوما" الأفستا و "خلد" القرآن هو أن الأولى حقيقية والثانية مزيفة. أو لنقل: إن شجرة الهاوما هي شجرة أهورامزدا، بينما شجرة الخلد هي شجرة الشيطان. ما معنى ذلك؟
(فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما) نقطة نشوء الأسرة النووية (فطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة) التابو الجنسي.
إذاً؛ قبل الأكل من الشجرة؛ كان آدم يعاني بشدة من ذلك القلق الوجودي (البحث عن الخلود) الذي استحوذ على المساحة الأكبر من ميثولوجيا الإنسان. آدم تحديداً. وهذا لا يعني أن حواء لا تعاني من أي قلق، ولكن معاناة آدم تفوق بأضعاف مضاعفة، حسب أبحاث دوركايم سالفة الذكر.
ربما كان آدم يبحث عن الهاوما، ويبدو أنه كان يبحث باندفاع شديد، بشغف، وربما بهوس وجنون وتهور ومخاطرة ومغامرة تشبه تلك التي كادت تودي بجلجامش إلى الهلاك. لذلك كان من السهل على الشيطان خداعه، وأخذه إلى الطريق الخطأ، إلى الشجرة الخطأ: شجرة الأسرة النووية، والتي هي في الحقيقة شجرة الفناء، شجرة السقوط.
لم يكذب كتبة التوراة في وصفهم لشجرة الخلد المزيف بأنها شجرة "معرفة الخير والشر". ولكنهم أيضاً لم يقولوا الحقيقة. فلو أرادوا حقاً توصيفها بعيداً عن المخادعات الأبستمولوجية لقالوا: إنها شجرة الأنانية، شجرة الشعور بالملكية الخاصة، شجرة الجشع والطمع وحب التملك، بحيث تجعل كل إنسان يصنف الأشياء تحت عنوانين اثنين لا ثالث لهما: الخير وهو كل ما يصب في مصلحته الشخصية الخاصة، والشر وهو كل ما لا يصب في مصلحته الشخصية الخاصة. بمعنى أن عدد قوائم الخير والشر المختلفة في هذا العالم تساوي عدد سكان العالم. ولكن كلاً من التوراة والقرآن اتفقا على أن ظهور هذا النوع من معرفة الخير والشر، وهذا الشكل من أشكال الخلود ارتبط بنيوياً بظهور الأسرة النووية/ التابو الجنسي.
إن حقبة ما قبل الشجرة الخطيئة، ما قبل السقوط، هي بالتأكيد حقبة ما قبل الخير والشر، عندما لم يكن للإنسان ما يخفيه عن أخيه الإنسان، أو يبخل به على الآخرين. لم تكن هنالك ملكية خاصة، حيث لم تكن هنالك أسرة نووية، ولم يكن هنالك –بطبيعة الحال- تابو جنسي. لم يكن أحد يرى في نفسه سوءة، أو في أي شخص آخر. لم تكن هنالك غيرة (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين). لم تكن هنالك أنانية، وبالتالي لم يكن أحدهم يخاف من الآخر، بل كل يرى نفسه جزءً من الآخر (كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).
هكذا تصور نيتشه مجتمع نهاية التاريخ، مجتمع "ما وراء الخير والشر"، عندما تعود البشرية إلى حقبة ما قبل السقوط. ولعل أحد أسباب إعجاب نيتشه بزرادشت يكمن في رؤيته الغائية لنهاية التاريخ، فنيتشه لم يقتنع بأطروحة شوبنهاور العدمية حول إرادة الحياة، ربما لأنه لم يكن داروينياً، أو ربما لأنه اقتنع بقراءة هيجل للتاريخ، فخرج بإرادة خاصة به أسماها "إرادة القوة" باعتبار القوة –في نظره- هي الوسيلة الوحيدة للتخلص من الأنانية، لتجاوز الذات إلى ما وراء الخير والشر.
الأنانية هي التعبير الأبرز عن الشعور بالضعف، هي الدافع وراء التحامي بالثروة، بالسلطة، بالنفوذ، بالأسرة والقبيلة. هي إذاً شعور بالخوف بلغ أوجه فحاول الهروب من نفسه إلى الأمام، فولد المزيد من الخوف لدى الآخرين حتى بات العالم مسرحاً لصراع الجبناء/الضعفاء. فلربما كان صعباً على نيتشه أن يسلم بأن تلك الإرادة البهيمة للحياة بمقدورها أن تحول دون الفناء الحتمي للحياة في ظل هذا الصراع البهيم والجبان، خصوصاً مع تنامي قدرة الإنسان على ابتكار وسائل أكثر جبناً لتغذية هذا الصراع.
إذاً لابد من وجود إرادة غائية، كامنة في هذا العالم، على الأقل لتنقذه من الفناء. وهي تلك التي استلهمها نيتشه من زرادشت: الإرادة التي يمكنها القضاء، أو التغلب، على الأنانية، السبب الرئيس وراء الشعور بالضعف والخوف. إنها إذاً إرادة القوة، ولكنها قوة غائية، ليست بهيمة، أي ليست تدميرية، ولكن تصحيحية. صحيح أنها ستحدث دماراً هائلاً في طريقها نحو الكمال، نحو ضمان عدم فناء العالم، نحو تحقيق الخلود لهذا العالم، ولكنه ليس دماراً عشوائياً، بل موجهاً، هادفاً، خلاقاً. فإرادة القوة هي في الحقيقة إرادة نحو الخلود.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,559,486,577
- كان عندنا وطن لم يدنسه توحيدهم
- معجزة التشهد الأخير
- أم المؤمنين امرأة نوح وامرأة لوط وامرأة محمد
- أنطولوجيا الحسين وميثولوجيا الخلاص
- أصل العائلة وإرادة الخلود2
- أصل العائلة وإرادة الخلود1
- للخروج من مأزق الرافعة... الإلحاد هو الحل
- تحطيم الحدود...دعاية داعش الكبرى
- هرطقات صوفية: هل القرآن كلام الله أم الشيطان؟
- من قال إن الله لا يحب الملحدين؟!
- قوم لوط
- الشعب السعودي
- التاريخ الإسلامي وصناعة الكذب


المزيد.....




- شهود عيان لـCNN: جيش النظام السوري يدخل كوباني بعد رحيل الأك ...
- الجيش السوري يدخل كوباني مصحوبا بقوات روسية بموجب اتفاق مع ا ...
- السعودية.. إنقاذ عامل سقط في بئر عمقها 400 متر - فيديو
- الثالوث النووي الصيني.. هل تستعد الصين لحرب كبيرة؟
- الجزر المكتشفة في القطب الشمالي قد تبين ولادة الحياة على الأ ...
- بلاغ رسمي: جلالة الملك يصدر عفوه الكريم على الآنسة هاجر الري ...
- شاهد: إخلاء مبنى في الفلبين بعد وقوع زلزال بقوة 6.7 درجات
- خمسون عاما من التوهج.. نجم حسن حسني الذي لا يغيب
- تكتم السعودية عن نتائج زيارة خان.. هل يعني فشل الوساطة مع إي ...
- -حالة وعي- تجتاح الشباب التونسي


المزيد.....

- تفكيك العنف وأدواته.. (قراءة سوسيولوجية عراقية سياسية)/ الكت ... / وديع العبيدي
- العمل والملكية.. في التوازن التاريخي للديموقراطية الاجتماعية / مجدى عبد الهادى
- امرسون وإعادة بناء البراغماتية / عمر إحسان قنديل
- الرسائل الرمزية الصامتة في المدرسة: الوظيفة الاستلابية للمنه ... / علي أسعد وطفة
- الهيبة قوة عملية أيضاً / عبدالحميد برتو
- بصمات الأرواح / طارق أحمد حسن
- البيان الفلسفي الفدرالي / حفيظ بودى
- العود الأبدي ديانة مشركة وميتافيزيقا مادية ؟بعض التساؤلات حو ... / الحسن علاج
- التربية والمجتمع / إميل دوركهايم - ترجمة علي أسعد وطفة
- العلاج بالفلسفة / مصطفي النشار


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمد سرتي - أصل العائلة وإرادة الخلود3