أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - عماد حياوي المبارك - عم توفيق















المزيد.....



عم توفيق


عماد حياوي المبارك
(Emad Hayawi)


الحوار المتمدن-العدد: 5162 - 2016 / 5 / 14 - 00:39
المحور: سيرة ذاتية
    


عم توفيق...

قبل فترة، أوردت الصحافة البريطانية خبراً مفاده أن حكومة الملكة قد منحت معمراً من أصلٍ عراقي الجنسية البريطانية. والخبر ليس فيه ما يثير إلا عند الإشارة إاى أن عمره يبلغ 113 عام بحسب الوثائق الأصلية التي بحوزته، ثم أرفقت في طي الخبر صورة لمقابلة الملكة له وقيامه بأهدائها هدية من الذهب والفضة قيّمة في إجادة فن صناعتها، ووعد بأنه سيصوغ لها هدية متميزة أخرى ستُبهر الكل، لِمَ لا وهو الصائغ الفنان... عم توفيق.
قبل فترة كان العم الطيب (أبو منتصر) وعلى الرحبِ والسعة بزيارة أهله وأصدقاءه وأولاده بهولندا قادماً من أنكلترا وقد أنتهزتها فرصة ترتيب أكثر من لقاء معه والعمل على تحفيز ذاكرته الحديدية والغوص بعمق أكثر من تسعين عاماً بعمره المديد، نستشف من خلالها طيب شخصيات أناس عاصرهم، شيوخ وحرفيين مَهرَة وأمهات حنونات... نشم عبق الماضي ونلمس براءة الطفولة وحُسن السلوك، وهي فرصة أن يتم أرشفتها لكي تلقي الضوء على تاريخ مُشرف لطائفة الصابئة المندائيين، هذه المجموعة التي شارفت على الأختفاء من بلدها الأم الذي عاشت فيه ألفي عام ويزيد.
وقد وجدتُ أن أسرد ما قصّه عليّ شخصياً لأنه سيعين القارئ بالأطلاع على حياته دون اللجوء لطريقة السرد المتسلسل لسيرة الحياة التي أجدها مملة، فالرجل قد أحتفظ بذاكرتهِ الغنيّة التي ستكون هي وحدها المنهل لي، متوخياً الدقة والأمانة كي يكون جاهزاً كمادة أرشيفية اُقدمها للمعنيين بذاكرة البلد والذاكرة المندائية. دعونا أولاً أن نكون بضيافة العائلة المندائية المثالية في الأخلاق والتربية والثقافة، عائلة الرجل الطيب قليل الكلام كثير الأفعال المتمتع بذاكرة متينة... عمو توفيق.
يسألني سائِلٌ: من عَلـّمك شُغل المينة الحارة والنقش على الذهب و(تطبـيك) الزرد بشكل مُحكم؟
بهدوءهِ المعتاد داخل محله بالكرادة في العام 1985 كانت أجوبة عن صنعة مميزة ترِدْنا من قبل رجل طيب هادي جداً ونَصوح نُناديه... عمو توفيق.
ـ ليش تفضّل تركيب المينة الحارة على ذهب عيار 18؟ نسأل...
ـ يكون الذهب عيار 18 أصلب من 21 وبالتالي نضمن لا تتكسر المينة.
ـ ليش الأفضل أن نُبرِدها وأيدينا بداخل المي؟
ـ حتى تنعم المينة أحسن ونسيطر على الطايح.
ـ ليش إنموطر السلعة بدل ما نجليها؟
ـ الجلاية بالنار تشلع المينة وتبدل لونها، والماطور يعطي لمعة قوية مثل المراية على السطح الأملس النظيف...
نستفزه بخباثة: ليش ما نحط مينة باردة، أسهل وأسرع؟
ـ عفية عليكم، بعد كل هذا الحكي تريد تخلي مينة باردة، هذه مجرد صبغ!
إذاً جميع ما بجُعبتنا من أسئلة، نجد لها جواب وافٍ من رجل حِرفي أكتسب خبرته بتوارث الصنعة عن أبيه (حجي بقال خنجر الخدّادي) ومعلمه الفنان القدير حسني زهرون. لنبدأ بمملكته من زوجته المرحومة طيبة الذكر (أم منتصر) هذه السيدة وبسبب عشقها لعائلتها، أختار لها الله المنيـّة قربهم بأنكلترا بعد رحلة علاج قصيرة ضد مرض خبيث لم يمهلها طويلاً. كانت أمٌ صالحة وربة بيت ماهرة همّها الوحيد سعادة أبناءها والنظافة والتنظيف، كل شيء لديها يكون بنظافته (سوبر)، حتى الممرات والحديقة تقوم بكنسها ورشها وكنا نلاحظ ذلك جلياً حتى على الرصيف والشارع أمام بيتها وأمام (بيتـُمْجان)، أقصد (بيت أم جان) جارتها المسيحية الطيبة، حيث يقُمْنَ بمشوار غسل صباحي للشارع لدرجة أنه كان حتى الأسفلت يزهو بسواده.
كان لأنتقال العم توفيق في شبابه ببداية الثلاثينات من العمارة لبغداد الطفرة النوعية الاولى، ثم زواجه وسكنه بالإيجار بالكرادة ثم شراءه دار بالدورة والسكن فيه، ثم داره بالمأمون حيث مُستقره الأخير حتى هجرته لإنكلترا، هي المحطات الأهم بمسيرة حياته. خلال تلك السنوات وُلِد جميع أبنائه عدا أبنته (ندى) التي رُزق بها في بيروت، خلال فترة معيشته وعمله بين نهاية الأربعينات ومنتصف الخمسينات...

ولده البِكر (منتصر) مواليد 48 ، مهندس مدني ومقاول يعمل لحسابه، رجل عصامي يحب عمله ويتقنه، عرفْتَه كباقي أخوته طيب القلب لا يتفوه (العيب) مطلقاً، زوجته بنت، مجتهدة خدومة بسيطة، ولديهما بسام وحسام اليوم مهندسان خريجا لندن، والعائلة هاجرت لأنكلترا منتصف التسعينات. الثاني (ضياء) خريج هندسة طيران أميركا، هاوي وعاشق أصلاح وأدامة الأجهزة والمكائن ببراعة نادرة وصبر، زوجته ناشطة في شؤون المرأة، ولدهم (فادي) طبيب خريج بلجيكا وأبنتهم (تانا) مهندسة معمارية شاطرة، تسكن العائلة هولندا. الثالث (جمال) أسّر ثمانية سنوات بحرب إيران، لم يُمهل نفسه كثيراً في العراق بعد أطلاق سراحه خلال أحداث الكويت، هجَر البلد الو أنكلترا، له ولد (قيصر) من زوجته بنت خالته وهو مدلل لدى جده توفيق. آخر العنقود (وهبي) زوجته سليلة عائلة شيوخ، وهو أوسم الاخوان وأهدئهم، له ولدين وبنت جميلة كوالديها، يعيشون بالسويد، وهو آخر من هجر البلد بعد ان أدركته الغربة وهو في عقر داره!
أبنته الكبرى، هاجرت مع زوجها منذ عام 80 لإنكلترا ،(ندى) متزوجة من طبيب أخصائي، وهي إنسانة مُضيافة تحب مد يد العون وتقديم المعروف كزوجها، هما لا يتوانان بلمْ شمل العوائل المندائية ببريطانيا سنوياً في دارهم المعمورة في لندن، دون ان تدفعهم مصلحة او حب ذات ليصبحون محط حب وتقدير الجميع، لهم ولد وبنت، يعيش عم توفيق في بيتهم. البنت الأصغر (هدى) أم الولد الشقي وصديقي المقرّب (سيف)، وهي زوجة أخي طيب القلب (صلاح) ولهم ثلاث اولاد، وصلوا أستراليا منذ فترة قصيرة، وهي أخت غالية عاشت معنا ببيت أهلي فترة، ولم ألمس منها إلا كل خير.
مملكة العم توفيق هذه يجمعهم هدوء وطيبة أكتسبوها من أبيهم، مربيهم ومعلمهم، ولم تميل العائلة للتطعيم (بأغراب) إلا ما ندر فأضافوا (بهارات) سخّنت أجواء العائلة، وصار يُسمع ببيتهم صوت!

للعم وَلع بتصليح أي جهاز نعجز او (نتعاجز) عن أصلاحه فيتفوق علينا بمهارته وصبره عليه، وحينما يؤدي واجبه فيكون ذلك بحرص متناهي، ويحترم عمله وغالباً ما يُعيد الجهاز ـ رغماً عنه ـ للعمل، ولو عجز عنه يعود يشكـّله كما كان، وهو أمر لا يفعله الكثيرون! غرفة مكتبه بمنزله بالمأمون نسميها (صندوق الولايات)، وهي مقدسة لديه، فيها كان يقضي وقته ويمارس هواياته، ويحتفظ بمئات الاجهزة وإلوف العُدد والمواد، منها منذ خمسين أو ستين عام مضى، ويضع كل شيء بمحلة بعناية ويدرك ذلك جيداً، ولم يصادف أن بحث يوماً على حاجةٍ ما، بل بالعكس يذهب إليها مباشرة ويجدها رغم الزحمة، وهو يحب الساعات وتصليحها وتتكدس على المناضد وتتعلق بالحيطان أعداد منها، حتى تلك التي لم تستجِب لأنامله تجدها تدور وتتناغم مع الصالحة.
حين كنا (ننشر) كعمال مئات القطع يومياً بورشتنا في شارع النهر، أحتجنا (تيغ) للمناشير لأن المتوفر في السوق رديء جداً، هبّ وسألنا ما النوع والدرجة التي نحتاجها، ثم فتح دُرج مكتبه وأستخرج لنا سيتات أنكليزية قديمة جداً ذات نوعية فاخرة قاومت الزمن ولم تصدأ، ساعدتنا وعمّرت بأيدينا أضعاف عمر الحديثة. وقد صمم العم منذ فترة على زيارة العراق رغم صعوبة ذلك، وأمام (عناده) أستسلم له أخيه وأبنه منتصر أصطحباه ليزور (فردوسه) رغم حالة اللا أمان والتربان، وقام بشحن عارضة سينمائية وأفلام تعود لأربعين عام، وهو يعتبرها ذاكرة الزمان بالنسبة له حيث وثق زواجات أبناءه ومناسباتهم كلها، وعزَل قوالب نادرة محفوظة كانت بالزيت، منها لمصاحف ذات نقشات دقيقة جداً كان قد حفرها بيده. وبرغم أصابته بإنفلاونزا أقعدته الفراش، كان سعيداً جداً بالعراق وبترتيب مكتبه من جديد وكأنه سيباشر عمله فيه، وألتقى بعض مَن بقي من رفاقه وودعهم على أمل أن يلتقيهم ثانيةً.
كان يحب متابعة مسلسلات التلفزيون ويعيش أحداثها ويُحب حديقته الخلفية ببرحياتها ويُعدُّ لنفسه الطعام الصحي، ويؤكد على الأنتظام بكمية وتوقيت الوجبات بضمنها وجبة العشاء، والأهتمام بنوعيته ومضغه جيداً، وأكل التمر يومياً، كل ذلك يعتبره من أسرار تمتعه بالعمر المديد. وينصحك بأن لا (تغث أو تنغث) لأنها أساس الصحة، وكان يحتفظ بصداقة مع الجيران ومع (شياب) المنطقة ويلعب الدومينو والطاولي معهم.
والجدير ذكره هنا ما قاله بأنه بنفس عمُر المرحوم والدي، أي مواليد نحو عام 1917 أي حوالي المائة عام، إلا ان التجنيد (في الثلاثينات) دفع بعض ـ للحفاظ على أبنائهم ـ من (التلاعب) بمواليدهم، وهو حدث له في وقتها.
سأل أخي صلاح يوم خطوبة أبنته: عمّو تشرب بيرة؟
ـ لا والله عمو.
بحفلة الزواج ببيت أهلي، شاهدهُ يشرب الوسكي: ليش قلت لي ما أشرب؟
ـ أي والله عمو، أنا قلت أني ما أشرب بيرة!
أقصى ما يتفوه به (لتأنيب) أحداً ما: عاشت أيدك أو عفية عليك!
كلمتان تحمل معاني واسعة، الكل يُفصّلها حسب ذنبه، لتنطبق المقولة بأن الحُر تكفيه الاشارة! الكلام عنك يطول عمنا الغالي، لكن سنترك الحديث لك ولحكاياتك الممتعة، وأرجو أن نلاحظ بأن أغلب أبطال قصصه الواردة أسمائهم في حكاياته، هم اليوم راحلون في ذمة الخلود. حكايات العم توفيق كثيرة ومتشعبة وفيها روح الشباب ونكهة الماضي وفرصة زيارته الأخيرة لهولندا لا تُعوّض بأن نلتقي الصديق الذي خبرناه منذ ثلاثون عام، الرجل الحكيم المتزن صاحب الروح المرحة والحس الرفيع. وكان علي كي أنبش الماضي، أن نُثير فيه الشجون كي نحصل على حكاية هنا أو حادثة هناك تمتد بعض جذورها لثمانين عام وربما أكثر.
× عمو توفيق والتدخين:
هذه الحكاية قصها لي عم توفيق بعد أن واجهته بسؤالين متراصفين، عمّا لو دخّن بحياته أم لا، وما حكاية عشقه الساعات؟
... يقُص لنا عم توفيق وهو بكامل نشاطه، بأن حياته مع العمل والإبداع والتميُز بدأت مبكرة في مدينة العمارة، وكان لرفاقه طيبي الذكر (حُسني زهرون، صالح باحور، حنا صالح) وآخرون كثير من المواقف الجميلة والصعبة وبعض الشراكات بالعمل، كما تشارك مع العم (ناجي مريبط المباركي) وكان العمل الفني مسؤولية العم توفيق والإداري العم ناجي، وكان جدنا مريبط المباركي يجلس أحياناً عند عتبة المحل متمنياً أن تجلب دعواته وتواجده بالقرب منهم الرزق الوفير. تميز عمله مع أصحابه بمهارة وألمام بفنون الصياغة خصوصاً النقش، كما هو الحال مع حسني زهرون التي تتحدث أعماله حتى يومنا هذا فتصفه بالمعجزة بنقش وتصوير الوجوه على المعدن، وعن ذلك يحدثني العم توفيق بأن أحد الأجانب طلب من حسني نقش صورته على لوح فضي خلال ثلاثة أيام، أدرك الرجل السفر وهو لم ينتهي من العمل، وحين أنتهى منه قام العم توفيق بالأحتفاظ بالقطعة ليومنا هذا واصفاً إياها بالتحفة.
وقد تميز العم توفيق بعمل القوالب بيده وأعمال النقش على الفضة وحشوها بالمينة، وكان يحتاج في عمله لمعاونين كي يصبوا ويسحبوا الفضة بطرقهم اليدوية (البدائية) المتاحة، فمثلاً كان سحب السبيكة يجري بالحمي والطرق بمراحل عديدة لعدم توفر آلة سحب. تطور به الحال فأجّر محل بمدينة العمارة بربع دينار شهرياً وقسّمه لنصفين، أخذ النصف الأكبر وأجر الآخر الى (جايجي) لقاء طلباته هو وزبائنه من الشايات على مدى الشهر. ولأنها فترة شبابه، أحَبّ أن يقلد تدخين السيجائر الأنكليزية الفاخرة (كولدن فلاك) أي العلم الذهبي، وكانت العلبة تحوي عشرة سيجائر فقط وتعبق منها رائحة طيبة قبل إيقادها، وهي ميّزة لم يَرَها بغير سيجائر، هذه النكهات كلفت الشركة المنتجة مبالغ طائلة للحفاظ عليها، وأدت لاحقاً لإفلاسها! بدأ العم التدخين عندما تحسنت حالته المعيشية، ذلك بعد أن إتقن تصليح الساعات وبواعز من ذاته بعد ان إستهوته كهواية باديء الأمر، ثم إتخذها مهنة إضافية ووصلت سمعته بهذا المجال الى خارج مدينته (العمارة)، فتوافد عليه الزبائن من الكوت والناصرية والبصرة، وقام على أثر ذلك بجمع بعض الساعات الثمينة أو النادرة محتفظاً بها وصار يشتري المواد الإحتياطية الأصلية من وكلائها بالبصرة، وفاق بسمعته على مصلحي الساعات الثلاث الآخرين بالعمارة.
كان في تلك الفترة شديد التدين ملتحٍ ويرتدي الدشداشة، ويذهب يوم الأحد ليمارس طقوسه المندائية (البراخة والرشامة) مع جدّته على ضفة النهر، فصادفه بطريق عودته زبون كان قادم خصيصاً له من مدينة بعيدة وطلب أن يفتح له المحل لإصلاح ساعته التي توضع بالجيب. أمام إلحاحه لم يجد العم توفيق بُداً إلا بفتح المحل خصيصاً له، ونجح بتصليح الساعة لقاء أجر كان يكفي لشراء علبة سيجائر... (كولدن فلاك). لم يتردد الزبون بتأدية الأجرة، بل بالعكس دفعها بكل ممنونية، لكنه أسدى نصيحة بأن يقلع عن التدخين لما معروف بأنها عادة سيئة مقرفة ومُضرّة بالصحة بالنسبة لشاب بمقتبل العمر. بعد أستماع عم توفيق له وقناعته بما سمع، شعر أن الله قد أرسل في ذلك الأحد المبارك له الواعز لنصحه ترك السيجارة، فوعَدهُ بأن يتوقف حالاً عن التدخين، فطالبه أن يحلف يمين على ذلك... ففعل. شكره الرجل لتقديره إياه وتصليح ساعته وأستضافته رغم اليوم كان الأحد، فأعاد العم توفيق مبلغ التصليح للزبزن بإلحاح قائلاً بأنه لو إستوفاه لذهب لشراء علبة جديدة. المفارقة أن العم توفيق وجد أن ثلاث سيجائر لاتزال بعلبته القديمة فإمتنع عن تدخينها وقرر توزيعها على رفاقه (حسني وصالح وحنا) حينما إلتقاهم على ناصية الشارع، متحدياً إياهم والجميع بأنه سيلتزم بوعده وبيمينه، وظل حتى يومنا هذا لم يمسك السيجارة أبداً.
× خمس مرات (يعيش) عمو توفيق لحظات موت:
برغم سنه الذي شارف على المائة، فإنه يتمتع بذاكرة حديدية لدرجة أن في أحيان كثيرة تحْضَره أسماء أشخاص حكاياته التي مر عليها عشرات سنين، وقصصه واقعية سلسة بسيطة ربما نكون جميعاً قد مررنا بها، لكن بسبب قدمها أصبحت ذي نكهة خاصة، وهي تنم على دماثة خلق وأتزان وحُسن تصرف. الحكايات التالية تتعلق بلحظات تفصل االحياة عن الموت، كثرما يقصّها علينا حين يُعقب على نعمة طول العمر، وبأنه ولخمسة مرات رأى الموت أو وقع به ولو خلال رمشة جفن، أي أنه (عاش الموت) بما تتضمنه الكلمة من تناقض ...
المرة الأولى: كانت عندما كان صبيّاً وقد تأثر بتَقوى جدته كثيراً فتدين وصار يذهب للشريعة لاسيما أيام الأحد حيث الطقوس أوسع. وكان لايتذوق طعاماً إلا إذا غسله وغسل الأواني النحاسية بماء النهر، ويتذكر أنه في شتاءاً بارداً تجمدت برك المياه بالعمارة، بطريق عودته مسته (نجاسة) بالطريق فصمم العودة والغطس بالماء فتجمدت دشداشته وكاد البرد يصرعه. وحين ناوله يوماً رجُل ثلاث حبات عنب، أسرع ـ كعادته ـ الى ضفة النهر التي تبعد عن بيتهم عدة مئات من الأمتار لغسلها قبل تناولها لأنها من غريب، فشاهد بلم صغير مربوط الى الجرف الطيني، ووجدها فرصة أن يصل الى تيار الماء الأنظف فصعده، لكنه وحين مد يديه من أحد الجوانب للماء، مال البلم وفقدَ توازنه وسقط وسط التيار، فصاح بصوت نصفه بالهواء ونصفه بالماء ثم بدأ يستنشق ويبتلع المياه دون أرادته، فدفعت المروءة والرجولة ـ تلك الصفات التي يتمتع بها الناس البسطاء ـ أحد مَن صادف تواجده قرب ضفة النهر فألقى بنفسه لقاع النهر ليجده وينقذه، بعد دقائق كان الماء يخرج من أنفه بحرقة شديدة ليحل هواء طلق بدلاً عنه. يقول العم أنها لحظات كان يهيم بعالم آخر غير الذي نعيشه ويستمع لأصوات غريبة وأشياء تُداعبه، أبواب كانت مُشرعة أمامه تجذبه لدخولها فبكى ذعراً مما ساعده على تقيؤ الماء، ليدرك بأن الموت قدر الانسان في صغره كما هو في كبره!
المرّة الثانية: كان وأبن خاله يلعبون حول دار خاله، كانت المرافق الصحية في بيوت أجدادنا عبارة عن جدران طينية تُشكل ثلاث أضلاع لمربع وهي مفتوحة بأتجاه العراء، وكان لدى بيت خاله بقرة بقرنين مدببين صغيرين، وكالعادة فإنهم يكتفون بالإيحاء لها بواسطة عصا صغيرة كي تبتعد ريثما ينتهي الفرد من قضاء حاجته، وقام الصبي (توفيق) بهذه المهمة بينما دخل إبن خاله المرافق، وبسهوةٍ منه إقتربت البقرة لتنطحه محاولة رفعه فغرس قرنها بأسفل ظهرهِ فتسبب له بصدمة وألم، فبدأ بالصراخ مذعوراً، عندئذ كان خاله في الدار، فجاء مسرعاً وضرب البقرة وأخرجه فاقداً الوعي من تحتها وأقسم ذبحها في ذلك اليوم وتوزيع لحمها (قرباناً) لنجاته. يؤكد العم بأنه حين فقدَ الوعي، كان بأمكانه سماع فوضى من حوله وأصوات أمه وخالته ونحيبهُنّ الذي يعلو شيئاً فشيئاً، وكان يميل أن يودعهم لعالم غلبت فيه أصوات تستدعيه فأوشك الأستسلام لها مُكرهاً لولا أنه إستطاع تمييز صوت إبن خاله يحاكيه بعبارات كانا يتبادلانها عندما يلهَون، فأنعشت فيه روح العودة له واللعب معه وجعلته يتحكم من جديد بإرادته ففتح عيونه وأستقبل الحياة وكأنه ولد من جديد، لكنه بقي إسبوع بالفراش يتحسن ببطاً. يقول العم وقد وضع يده على أسفل ظهره، بأن أثر (نطحة الهايشة) لايزال على شكل ندبة بين فقراته...
والمشهد الثالث: مشهد غرق ثانٍ... كان العم توفيق وبضغط وتوبيخ الأهل قد إبتعد عن السباحة في النهر، لكن لسِن المراهقة ومرافقة الأولاد أحكام تلزمه بأن يلهو ويسبح معهم بالماء ومن المخجل حقاً أن ولداً يكتفي بالنظر إليهم فشاركهم بلهفة وأحبّ أن يَعبُر من تحت مركب (دوبة) متوقف وسط نهر العمارة الصغير موفور المياه، لكن دار به التيار السريع ليفقد التركيز بالإتجاهات وأخذ يسبح بأتجاه طول المركب، وكلما يرفع رأسه يجد بأن قاع المركب لايزل ممتداً هناك حتى فقد قوته من كثر المحاولة والتعب وأضطر لإستنشاق الماء الخابط التي أربكه وحرمه الرؤيا، في هذا الوقت الحرج ومنازعته الموت كان لايزال يستمع لصيحات و(تشجيع) أصحابه ظناً منهم بأنه يُبلي بلاءاً حسناً وأن تأخره كان بإرادته، فأستطاع تحديد إتجاههم ودفع بكل ما تبقى من طاقة وقوة نحوهم ليجد نفسه وسط أصدقاءه غير مبالين بما حل به، وكأنه كان يقوم بمغامرة تكللت بالنجاح ليس إلا، لكن العم قرر بأنه لن يسبح في نهر ثانيةً... حتى يومنا هذا.
والموقف الرابع: حين نجحَ بعمله في بغداد كعامل، فشاركه (خاله وخلف جابر وناجي هرمز) وفتحوا لهم محل مستقل بشارع النهر، وما أن أنتهت أعمال التبييض حتى شغلاه بسعادة غامرة. في الصباح الباكر فتح (توفيق وخلف) المحل فلاحظ شريكه أن مفتاح (سويج) الكهرباء يلسع وتوقّع أن تياراً يسري فيه، لكن توفيق سَخر منه وقال بأن ذلك أحتمال ضعيف كون التأسيس جديد، فوضع العم توفيق قدمه اليسرى على خشبة المنضدة بينما مسك بيده اليُمنى مفتاح الكهرباء، فمسك به التيار وجعل جهة جسمه اليُمنى ترتعش. يؤكد العم بأن من حسن حظه أن رجله اليسرى هي كانت بمنأى عن سريان التيار وإلا لتأثر قلبه، وربما لتوقف! في باديء الأمر لم ينتبه صاحبه لمعاناته ثم أرتبك حين لاحظ ذلك وصار يبحث عن وسيلة يمكن بواسطتها فصل يده عن الأسلاك. وما هي إلا دقيقة واحدة إستسلم فيها العم توفيق لأمره أعيد فيلم حياته أمامه وكأنه يريد به أن يودع أهله ومحبيه... لم يتذكر بدقة ما حصل لأنه كان قد أغمي عليه، وحين فاق كانت ساعة زمان قد مرت عاد خلالها نبضه لينتظم بعدما أربكت ذبذبات التيار المتناوب دقات قلبه، وهكذا ظل يخاف الكهرباء ويتجنبها، كان (لجهاد) قلبه الفال الحسن بأنه سيعيشُ عمراً مديداً.
في مشهد أخير: في وقت متقدم من سنه، كان قد رُزق بأبناءه الست ويسكن الدورة، شعر يوماً بآلام شديدة ببطنه فنقله أخيه (جهاد) وزوجته (رازقية) لمستشفى اليرموك، هناك أجري له اللازم بشكل خاص حينما علم الدكتور مدير المستشفى وكان ذو علاقة طيبة بالعم، لكن سرعان ما تدهور حاله فحضر الأطباء بعدما فقدَ ردة الفعل، وأصبح دون حراك، كان سلوك الأطباء يُشير إلى أنهم كانوا شبه يائسين منه وتصرفوا وكأنه قد فارق الحياة لسبب يجهلون كيف التعامل معه. من بين فوضى المكان وتوسلات أخيه وتبادل كلمات أنكليزية بينهم، سمع صوت صرخة قوية من زوجته بوجهه مع هزّه شديدة، نفثت في نفسه حب أن يستجيب لها وأن يستفيق من سبات، فأستطاع تحريك أصابع يده ليشير لها بأنه لازال حياً. الغريب أن الجميع كان بأنتظار تلك الحركة، وما هي إلا دقائق كان العم قد تغلب على الموت وفتح عيونه للزوجة الطيبة مستجيباً لنداءها وكأنه لقاء بعد غياب!
دائماً يتذكر العم توفيق هذه المواقف الخمسة ويقول بأنه البشر مثل القط لكن (بخمسة) أرواح!
× عمو توفيق (يحلف) بأنه سوف لن يُغني يوماً ولا يمسك ربابة:
يقول بأن أحد أهم أسباب تركه مدينة العمارة مبكراً، أنه وبعمر 15 سنة كان قد ودع أخيه الأصغر (صبيح) البالغ 13 عام . يصف أخيه ـ بحسرة شديدة ـ بأنه كان مُطيع وذكي ووسيم للغاية. وبينما كان العم توفيق يعمل بالصياغة وقد خطّ له طريق بكل ثقة بعد أن تتلمذ على يد أستاذه (حسني زهرون) باكراً وكان يكسب جيداً، كان يتكفّل بنفقات أخيه الدراسية لأنه يحبه جداً، فقاما بشراء الكتب والكراريس والقرطاسية وجهزا كل شيء إيذاناً ببدء العام الجديد، وأي عام؟ عام دخول (صبيح) المتوسطة. كان (صبيح) طول فترة العطلة يساعد (توفيق) بالعمل، ويعُد له مستلزمات الصب والجلاية والتنظيف، وكان يرفض اللعب مع أقرانه كي يبقى بجانب أخيه يعمل ويتعلم بحرص وإهتمام شديدين دون كلل أو ملل، وكان يتمتع بذلك ولم يجاريه في ذلك أحد. لم تفِد توسلات توفيق بأن يتجنب أخيه العمل الشاق. بالمساءات الجميلة لأيام الصيف الطويلة، كانا يلتقيان بمعية والدتهما ويقوم العم بأستكمال أعماله الصباحية بمشوار مسائي، وكان يتضمن يومياً نقش ثلاث ملاعق فضية يُكلفه بها الصائغ (سلمان) فيتلقى منه أجرة (عشر فلوس) عن كل واحدة، وبين أتمام ملعقة وأخرى، يقوم العم توفيق بالغناء على أنغام الربابة، ويرى بعيون (صبيح) السعادة والمتعة والطرب. يُجيد العم توفيق غناء البوذية والعتابة، كلمات وأداء فأستقطب بصوته وعَزفه الجيران والأصدقاء وطاب لهم سماعه. يقول العم بأنه هو من صنع الربابة بيده وإعتزّ بها كثيراً ولم يعُد بمستطعه هو أو سواه صناعة شبيهة لها لدقة صنعها وعذوبة صوتها ولإجادته العزف عليها، حتى غدت الشقيق التوئم لصوته. في صباح يوم من أيام الصيف، وبينما العم توفيق ينام في السطح، كان (صبيح) ووالدتهما ينامان في غرفة وسط الدار، فوجدت الام أن أبنها النائم على تخت لم ينهض باكراً كعادته، بل ولم يتحرك فدب لديها القلق بسبب سكونه، فندهت (توفيق) كي يتفقّد أخيه وصديقه. يتذكر جيداً أنه عاش مشهد مُرعب لم يغِب من باله رغم مرور ثمانون عام عليه، حيث وجد أخيه جثة هامدة دون حراك، دون أن يسبق ذلك أية شكوى أو أستغاثة وقد غدتْ أن تلك البشرة الوردية الجميلة... صفراء شاحبة! لم يعلم أحداً لِمَ مات الصبي، فلا أثر للدغة عقرب أو عظة حيّة، ولا أثر لأي فعل خارجي ولا شكوى سبقت ذلك اليوم المشؤوم، لكن المشهد لم يغِب عن مخيلة العم لشهرين وظل يعيش الصدمة ويعاني، وكل يوم يجده أمامه وقلبه وبطنه توجعانه بإستمرار، حتى وجدها الفرصة متاحة بالإبتعاد والسفر لبغداد وأن يبرح مصدر الألم الذي رافقه.حين قص العم هذه الحادثة، أغرورقت عيونه بالدمع لتكشف لنا صدق مشاعره لفقد أخ حنون مثابر لم تـُعوضه الأيام! في خضم تلك اللحظات العصيبة، وبينما تجمع الجيران على وقع صراخ الأم وبكائها وحسرتها، كانت أيادٍ خبيثة تتسلل الى رفيقته الغالية ربابته الحزينة ليقوم أحدهم بسرِقتها غير مبالي بما تعنيه لتوفيق، ولا كيف أنها ترتبط روحياً بصوته دون سواه! أقسم العم بأن لا يصنع ولا يمسك ربابة، وأن لا يُغني ما دام يسري في عروقه دم، رافضاً حتى دعوة أحد العاملين بالإذاعة بسبب عذوبة صوته لإنظمامه لكورَس المغنين حين اُعجب بصوته وأداءه.
× عمو توفيق يقسم بأنه سوف لن يمسك مقود ولن يسوق سيارة:
قرر العم توفيق تحسن حالته المعيشية وأستقراره مطلع الخمسينات ببغداد من شراء سيارة، وكان العم يرتبط بصداقة مع صاحب شركة (بد فورد) ببغداد المرحوم (فايق عبيدة) فوعده بأن السيارة الفورد البيضاء الجميلة الواقفة في المعرض ستكون من نصيب العم بمجرد تعلمه قيادة السيارة وحصوله على رخصة. كان سعر السيارة على ما يتذكر هي بسعر تفاضلي يبلغ 800 دينار. أستهوته الفكرة فدفع مقدم إجور تدريب وأستحصال إجازة وبعد أول درس وأول جلوس له خلف (المقود) شعر بالسعادة وبأن العملية سهلة وتستحق بذل الجهد وأنفاق المال، فأمتلاك وقيادة سيارة يُعتبر طفرة نوعية في حياة الشخص في المجتمع البغدادي. وبينما كان يخطو بالطريق عائداً للبيت بعد يوم تدريب، راحت عيونه بالصدفة تترقب مشهد بنورامي، فقد كاد سائقاً أن يدهس ثلاث شباب كانوا يسيرون بوسط الطريق، تطور الإحتكاك بينهم وتبادلوا الشتائم، متهماً كل طرف الآخر بالتقصير، ورغم أنه لا توجد حادثة ولا خسائر وأذى، لكن سرعان ماتحول الموقف لعراك بالأيادي وأنهال الرفاق الثلاث على السائق وأشبعوه ضرباً مستغلين التفوّق العددي، لم تفد محاولات العم توفيق فض الإشتباك أو تفريقهم، فصار السائق ضحية تهورهم رغم أن الموقف كان في صالحه. حينما فض النزاع لم يكن المشهد مألوف لدى العم توفيق أبداً، وبينما إبتعد الجميع وفض النزاع، تراءى لذهنه فيما لو كان هو السائق وتصوّر لو أنه الجالس خلف (الستيرن) بدل الضحية، لكان قد تلقى الضرب والإهانة. كانت رزانته الهم وهندامه لا تسمحان بأن يكون هو الضحية، فكر بتلك اليلة بالحادثة وقرر بأن لا يستمر بالدروس وأن لا يقتني السيارة ، فإعتذر لصديقه وأقسم بأنه سوف لن يجلس خلف مقود يوماً وأن لا يسوق سيارة. صدق العم توفيق مع نفسه، فلم يمسك يوماً الربابة ولم يُغنِ، ولم يستحصل أجازة أو يجلس خلف ستيرن ويقود سيارة حتى يومنا هذا.
× عمو توفيق يتزوج:
لمّا أقترح عليه أحد أقرب ألأصدقاء (خلف جابر) العمل ببغداد، وَعَدَهُ بأنه سيرسل له برقية حالما يستحصل موافقة صاغة بغداد على أحتضانه، وفعلاً بعد أيام كانت برقية من بغداد ترحب بمجيئه حين تبيّن أن سمعته الطيبة قد سبقته. مسألة السفر من العمارة لبغداد في الثلاثينات كانت بالِغة الصعوبة، فلا شوارع معبدة ولا وسائط نقل سريعة ومريحة، السيارات بهياكل خشبية بدون زجاج نوافذ وبعضها مكشوف يتكدس المسافرون بداخلها وعلى ظهرها يركبون وينزلون من كافة الجهات مع بضائعهم ومقتنياتهم وأحياناً مع حيواناتهم. كان اليوم الأول قد إنقضى بوصوله مدينة الكوت ومبيته عند أحد الأقارب، عاود باليوم التالي الرحلة بإتجاه الفردوس المنشود... بغداد. هكذا أنتقالة تُعتبر نوعية بحياة صبي في سن السادسة عشر، التغيير بكل شيء، مدينة حديثة، إنارة كهربائية وشوارع معبدة وبنايات متعددة الطوابق وفنادق ومطاعم ومياه بالأنابيب، حتى طرُق عمل وأسلوب وأنظمة سوق جديدة، أولها أنه سيتعامل مع معدن أصفر ثمين يَغلب على المعدن الفضي الذي سبق أن خَبِرهُ وطوّعه. أشتغل أولاً تحت يد (ناجي هرمز) في شارع النهر، ثم سرعان ما شق طريقه بثبات وتميُز، فأحتظنه الصاغة اليهود، وشيئاً فشيئاً منحوه راتب مجزي ثم أضافوا له نسبة من الأرباح، وهو ما كانوا يرفضون حتى نقاشه مع الآخرين. الصاغة اليهود يتميزون بذكاء ودهاء، فيقومون بإمتحان نزاهة وصدق وأمانة العامل الحَدَث من خلال أستدراجه بأعطاءه الذهب دون وزن، لكن يكون بإمكانهم وبطرقهم الخاصة الوصول للوزن بدقة دون دراية العامل. من خلال ذلك يحكمون على أمانة العامل وبالتالي يُقررون فيما لو يستمر بالعمل معهم. يقول العم أن كثير من العمال المُستجدين، برغم كفاءتهم وتفانيهم بالعمل، يخسرون فرصتهم لأنهم (يرسبون) بالإختبار!
كان إيقاع الحياة ببغداد قد إبتعد بالعم توفيق عن التديّن المُفرط الذي تحلّى به في يفاعته بمسقط رأسه ـ مدينته العمارة ـ وأخذهُ العمل والسوق الى حياة الجد من جهة وإلى شوارع بغداد وميادينها وحياة اللهو، كان الدخل الوفير الذي يدره عمله يكفيه ويفيض، فيبعث به صوب أهله...
أبدع العم مع الصاغة اليهود بصناعة سوارات منقوشة ومطعمة بالميناء الحارة، وهي أنتقالة هامة ليست بإسلوب العمل فقط، بل في صياغة الذهب بدل الفضة أيضاً، فقدروه وقربوه منهم ووعدوه بالزواج من أحد بناتهم التي وصفوها بأنها غاية بالجمال. التقاليد اليهودية آنذاك ـ يُخبرنا العم توفيق ـ تُحتم على العريس إعطاء الموافقة قبل أن يرى عروسه، لكن ومع صعوبة هكذا شرط، كان العرض في عمومه قد أغراه لدرجة مُسايرتهم والبحث عن وسيلة للقياها، أو مشاهدتها على الأقل، لكن ولأنه وحيد في المدينة، تعذّر أن يرسل مرسالة من طرفه لها، كأن تكون أم أو أخت أو خالة. بهذه الأثناء كان قد وصله (طارش) يُخبره بضرورة العودة للعمارة لحضور مناسبة زواج أحد أقرباءه، فإتجه دون تردد لحضور تلك المراسيم ولقاء أصدقاءه الطيبون بمدينته. كانت تربطه بالعم (رشيد ملة خضر) صداقة رغم أنه أكبر سناً منه، يحبه ويعتبره أول من علـّمه عند نعومة أظفاره أسس الولوج لعالم الصياغة قبل الآخرين، ولما سأل الرّفاق بيوم الزفّة عن شابة حسناء تُنوّر مجموعة البنات من حولها وتتدلـّى ظفيرتها على أحدى كتفيها، قالوا بانها... أبنة العم رشيد فكانت لحظات أنـْـسَـتْهُ (مخطوبته) ببغداد وأهلها وشارع النهر، بل بغداد بمن فيها! لم يتردد والدها لحظة بإعطاءه الضوء الأخضر، ولتكون بين ليلة وضحاها الزوجة والصديقة، ومن ثم الأم لأولاده الأربع وبناته الاثنتين، عاشت زوجته على الحلو والمر معه أكثر من نصف قرن، وقد أفنتْ حياتها في خدمته وأطفالها الست، حتى رحيلها لجنة الله. كانت تلك (الظفيرة) التي داعبت أحاسيسه ومشاعره، لم تفارقها يوماً حتى رحيلها، وهي الإمرأة المعروفة بمثابرتها وحرصها على اُسرتها، كما عَرف كل من زار بيتها، شدة نظافتها وتقواها... رحمها الله.
... يتذكر العم حثيقة مشاعره بلحظة لقاءه الفتاة اليهودية بعد عودته لبغداد، ويضحك حينما يقول بأن شدة جمالها يجعل كل رجل يتمنى أن يتزوجها، وبأنه ندمَ لتسرعه بالزواج التقليدي، ويأسف لسفره قبل حسم موضوعها! لكن ... الحمد لله والشكر ـ يقول ـ أن اقترانه بطيّبة الذكر أم منتصر كان له (فال) حسن طيلة مَسيرة حياته، وبوجودها حقق جميع ما يتمناه إنسان.

× عمو توفيق بالمدرسة:
كان (حسني زهرون) يقوم مساء كل يوم كوسيلة للهو بأختبار أصدقائه بحزورات، من بين هؤلاء أبن عمه (سليم زهرون وزكوري جبوري وتوفيق بقال)، وهم جميعاً أصغر منه بعدة سنين، كان يمكن لتوفيق أن يُجيب على الحزورات قبل أقرانه. يتذكر منها أن حسني يريد أن يكرر الأولاد بعض المقولات ثلاث مرات بسرعة وبدون إخطاء، يتذكر منها...
بيدي صم شيص وبيدك صم شيص
مدري صم شيصي أحسن من صم شيصك
لو صم شيصك أحسن من صم شيصي؟
(الشيص: التمر الساقط تحت النخلة قبل نضَجَه).

ولما أنتبه أهله على تفوقه وذكاءه، قرروا تسجيله بالمدرسة الإبتدائية التي كانت بعيدة عن بيتهم أول الأمر، ثم بعد حين أنتقل مع أصحابه وجيرانه لمدرسة (السّنيّة) حين تم أفتتاحها قرب دارهم. عند ألقاء نشيد الصباح، طلب المدير ـ ويتذكر أسمه المرحوم (هاشم السعدي) ـ من الطلاب الغير مسلمين الأصطفاف على حِدة ليتعرف على عددهم، فوجد فيهم ست أو سبع مسيح وأربعة يهود وستة عشر مندائي، من أسماء زملاءه المندائيين... (عزة زهرون ملة خضر، نصرت باحور، حنا عايش، أحمد ونجم عبد الله، عبد الله الشيخ، صالح باحور... وآخرين) وكانوا بأعمار متفاوتة ومراحل عدّة، لكن أصغرهم كان صالح وأكبرهم عزّة. بمبادرة شخصية حكيمة، طلب المدير من الطلبة المندائيين بسبب عددهم الكثير تكليف مُدرس ديانة ولغة مندائية ليعطيهم حصة يومية عند الظهر، وخصص لهم صف مناسب في المدرسة. قام متطوعان هما الشيخ ضيدان والشيخ زهرون بإعطائهم دروس عن الديانة المندائية وأنبياءها وتاريخها ودروس اُخرى باللغة المندائية وحروفها وطريقة كتابتها، يؤكد العم على طيبة شيوخنا الأفاضل ويقول بأن الشيخ ضيدان رحمه الله كان كريماً عزيز نفس حتى أنه بعد سنين حين فتح العم توفيق محلاً له، كان يزوره على الدوام ويجالسه، لكن في أيام الأعياد لم يتواجد في السوق، فيقوم العم توفيق بالبحث عنه كي يُناوله أكرامية العيد (ربع دينار) بينما الشيخ الفاضل كان يأبى أن يطلبها بلسانه لأنه غني نفس. في المدرسة وبينما كانت حصص الديانة المندائية مستمرة بشكل سلس وقد حفظ الطلاب الحروف المندائية وطريقة كتابتها ولفظها، ومعلومات مفيدة عن البراخة والرشامة (الوضوء والصلاة)، وبينما كانوا يقومون بممارستها، تجمَعَ بعض الطلبة المتسكعون يراقبون ويتطفلون على الدرس من خلال النوافذ، وأخذوا شيئاً فشيئاً يُشاغبون، فدعاهم الشيخ ضيدان بحكمته المعروفة أن يجلسون ويستمعون للدرس، مَثلهم مَثل زملائهم الصابئة، لكن كان عددهم يزداد وأزعاجهم يكبر ومضايقاتهم تطورت لكلام بذيء، أشتكاهم الشيخ للمدير، باءت محاولات المدير بتشتيتهم بالفشل، لأنه وما أن يبتعد يعودون فيتجمعون من جديد. لم تـَدُم المحاضرات إلا شهرين إثنين لتتوقف، وكانت خسارة كبيرة وفرصة لا تُعوض لطلبة مجتهدين وأساتذه متميزين. لكن التجربة كانت ناجحة، لاتزال تلك المعلومات الغنيّة راسخة في ذهنه، ويُردد ألف باء المندائية ( آ با جا دا ها ... وهكذا) التي يتذكرها بنُطقها الصحيح وتسلسلها حتى يومنا هذا، وظل الطلاب في وقتها يتبادلون كلماتها فيما بينهم.
× عمو توفيق في بيروت:
بعد زواجه وولادة أبنه البكر (منتصر) بداية الخمسينات، قرر السفر للبنان بسبب سمعة البلد الطيبة في مجال صياغة الذهب وأستغلالها الفرصة لتقديم فنه المميز في أعمال المينة. الظروف توقعها العم متيسرة، لم يجد هناك منافساً له في مهارة النقش ووضع المينة، وتزامل بسرعة مع (الصنايعيّة) الذين كان معظمهم سوريين، على أثر تقدمه بالعمل وأكتسابه سمعة جيدة، عاد للعراق سريعاً لإصطحاب زوجته وولده، وأستأجر سكن ومحل وسط بيروت ورُزق بأبنته (ندى). كان العم يميل للقيام بأستكمال بعض الأعمال مساءاً في البيت في سبيل المحافظة على أسرار المهنة، وكان لـ (رنّة) السندان وإهتزاز الأرض ما شكى منه الجيران، فعمدَ لطريقة ذكية بأن فصَلَ السندان عن قاعدته وجعل عدة طبقات من قماش الجوت (الكونيّة) بينهما، وحل بذلك ما أقلق جيرانة وحافظ على علاقة حُسن الجوار معهم. رغم أن العمال السوريون أصدقاء وزملاء له، لكنهم كانوا يراقبون طريقة النقش التي تـَميز بها وراحوا يقلدون الأشكال التي كان ينتجها، المصاحف المطعمة بالميناء، وصاروا منافسون له بأسعار متدنية بالسوق مما إضطره لأكثر من مرة تغيير قوالبه التي كان يُصنّعها بنفسه، فكان يُنوّع أسلوب العمل والإنتاج فنجح بذلك، لكن بقي (زملاء) المهنة يتجسسون عليه، فكان ينقشها بالمحل ويتحول لوضع الميناء بالبيت بطرق مبتكرة وبمواد يخلطها بيده تأتيه من (حلب)، وهكذا كان أنتاجه يُباع بمعدل عشرة مصاحف كل أسبوع. من بين زبائنه كانت أحدى أخوات الملك فاروق، فطلبت كل أنتاجه لتقوم بتوزيعه على أخواتها كهدايا من بيروت للقاهرة. جاء وقت وأغرق العمال السوق بأنتاج مُقلد بالمينة الباردة، كان العم يعلم بأن أنتاجهم يفتقد اللمسة الأخيرة بفن تركيب المينة الحارة، لكنه فضّل عدم الأصطدام بهم والصبر على بلواهم، وهو أحد أهم مباديء حياته، وراهن على الزمن الذي سيكون في صالحه وصالح المينة الحارة، فكسب الرهان وصدق حدسه عندما جاءت أحدى زبائنه تشكو بضاعة غيره مُعتذرة كون أسعار السوق قد أغرتها فأشترت مصحف من صائغ آخر، وكانت هذه السيدة من النوع الذي يلبس المصحف بأستمرار فلاحظت أن المينة قد بدءت تتلاشى عند ملامستها الماء ، فشكت الأمر للصاغة ليخبروها بأن الألوان الجميلة هذه ماكانت سوى أصباغ صناعية وليست مينة، فعادت تعتذر منه وتلعن إغراءات السوق، ثم إشترت منه مصحفاً يقول واثقاً بأنه ربما ليومنا هذا لا يزال يزهو بمينته على مر السنين لتميز صياغته بجودتها العالية ودقة عياراتها وبمينتها التي لا تزول ولا تتكسّر إلا بلَي السلعة أو طرقها بقوة.

× العم توفيق وأسرار المهنة:
لأن مهنة الصياغة أجتذبته وأحبها، كان لها مردود إيجابي بتحسين مستوى معيشته، فقد أراد أن يُطور فنونها بما يستطيع، وكان فن المينة السوداء الحارّة بعد نقش الفضة فن معروف ومتوارث عن أجيال سبقته، لكن المينة الملونة كانت في مدينة العمارة تقتصر على صائغ واحد أو إثنين أحتكروا هذه الصّنعة وبرزوا بها، فحاول العم توفيق تقليدهم بطحن قطع الزجاج الملون النقي الذي يحصل عليه من قناني الأدوية الأجنبية ثم يعامله بالمينة السوداء بحشوها في أماكن النقش، لكن محاولاته باءت بالفشل، ولما سأل بالشام عنها قالوا أن البودرة المطلوبة تجدها فقط لدى أحد عطاري حلب. ذهب وبحث عن الرجل ووجده وكانت مفاجأة أن يرى مواد وأدوات وآلات حديثة في عالم الصياغة. أشترى (كيلوغرام كامل) من كل لون بودرة مينة كانت قد وقعت عيناه عليه، وهو وزن كبير أن يتعنى مشقة حمله لبغداد... لكنه فعل ونجح وعلّم أقرانه ودلّهم على ضالتهم بعكس من البقية. يُعتبر العم توفيق أول من نقل لسوق العمل بالعراق، بعد أن سافر وإطلع في الشام وبيروت جملة إمور، فقد كانت عملية السباكة والتصفية بالعراق تعتمد على نار من الفحم، لكنه لاحظ ببيروت أستخدام الصاغة (البريمز أو العفريت) الذي يعتمد على النفط، وما أن بدأ بأستخدامه حتى ثارت عليه ثائرة الصاغة مُشككين بقُدرة نار تتأتى من (فم) جهاز حديدي بالوفاء بالغرض ورفع الحرارة لمئات الدرجات، كما هو حال عملية إيقاد الفحم والنفخ بالمنفاخ التقليدي، ذلك العمل المُجرب الموثوق. لكنه قام ببناء (كورة) أي فرن من الطين لحجز الحرارة وعكسها بدل تشتيتها، فنجحت مساعيه بإذابة المعدن الجميل وصار طوع يده، فإنتشرت طريقته بسرعة وصار الطلب لدى الحدادين ببغداد ومناطق اأخرى على (البريمزات) وصار الحدادون يجتهدون بصناعتها مخصوص للصاغة ويعرضوها بواجهة محلاتهم. بعد ذلك كان لإدخال الغاز نفس المعاناة، فقد كان أحد صاغة بغداد يستخدم قنينة الغاز دون الإفصاح عن طريقة أستخدامها، وكان كل الظن يدور على أن الغاز خطير جداً وغير إقتصادي، لكن العم توفيق لاحظ أن هذا الصائغ يُدخل قناني الغاز ببيته بأستمرار ويسبك الذهب على سطح منزله بعيد عن (العيون) وبدون دخان، وأن القنينة لن يبدلها طيلة الإسبوع، مما يدل على أنها إقتصادية، فراقب عمل الصائغ وأسترق النظر ليُتابع خرطوم طويل يبدء برأس القنينة وينتهي بالرأس المُشتعل، فبحث بالسوق لدى مصلحي أجهزة الطبخ الغازية ليجد ظالته، وماهي إلا أيام كان الطلب على أشُده على قناني الغاز ورؤوسها المستوردة التي أمست نادرة بالسوق، وصار العمل أنظف وأسرع وخالٍ من اية خطورة.
× عمو توفيق لايحب الخمر والسكر:
طيلة حياة الرجل، لم يجالس (البيك) ولم يشرب إلا مرة واحدة، ويعزو ذلك الى أيام صغره، ففي مناسبة عرس (داخل الشيخ جودة) بالعمارة، كان العم لايزال في صباه، فتجمع (كومبني) الأصدقاء، من بينهم (فرانس سكران و عبد الله عبد الشيخ وعزّة زهرون...) وهم نفس رفاق محلته وأغلبهم شباب أكبر منه سناً. جلس الجميع على بساط (بارية من القصب) تحت قمريّة ووزعوا (قرّابية العرق) على الموجودين فكان له حصة منها، ولأنه لم يستذوقه، بقي يجاهد كي ينتهي من قدحه، مُقلداً بذلك الأكبر منه حتى إنتهى منه. في طريق عودته الى البيت كان يرى أن كل من حوله يترنّح، البيوت والنخيل... وحتى البشر! بقي ليلته يعاني ويكبت الأمر وقد تخوّف لو مس عقله الراشد ما لا تُحمد عقباه وخاف أن لا يعود له ويصير غبياً، فأزاده ذلك قلقاً دون أن يشكي أمره لأحد! جاء الصباح وكان الصداع لايزال يلفه. ورغم صغر سنه، وجد أن فلسفة أن يفقد الإنسان تركيزه ويتعرض للمقالب والسخرية هو من غير المقبول، خصوصاً حين (يشتري) الإنسان الغباء وقلة العقل. كره نفسه للحظات ووجد أنه غير مستعد أن (يَسكر) من جديد. المفارقة أنه حافظ على زمالته مع ربعه، وفي بارات الباب الشرقي كان يلتقيهم و(ينصب) البيك معهم كلما ألحّوا عليه، لكنه يضحك ليقول بأنهم كانوا (يظنون) أنهم يستغفلوه حين يشربون القدح من أمامه، بينما كان راضٍ ويهزء منهم في داخله وهو يعلم بأن أيادٍ كانت تمتد من تحت المناضد لتسرق مشروبه، وكان سعيداً بأنهم كانوا يخلصونه منه! لكنه أحب شُرب البراندي، وكانت القنينة بحجم (نص ربع) يضعها في جيب السترة الداخلية في أيام الشتاء الباردة، وبينما يغادر محله من شارع النهر لسكن العزوبية في حافظ القاضي، كان يسحب القنينة فيرتشف منها ما يُزوده بالطاقة والدفأ ويُنعشه دون أن يُصاب بدوار وبقي على هذا الحال حتى بعد مجيء أهله للسكن معه، ويتذكر حادثة طريفة أن اُمه أحسّت بألم برأسها وشعرَت بالبرد، فنصحوها أن تشرب (قبغ) براندي سادة، وكانت لجانبها أحدى قريباتهم التي كانت تشرب الكحول حالها حال الرجال، فأعطاها العم قنينة وكانت (سر مُهُر) وطلب أن تعطي منها لأمه القليل لتشعُر بتحسّن، باليوم التالي وجد أن القنينة فارغة، فسأل أمه هل شعرت بتحسن بعد أن شربت القليل من البراندي، قالت بأنها لم تذقه وأن (أم...) قد (نسفتْ) كل المحتوى وبكل شجاعة!

× عن تكبير عمره:
أغلب الظن أن مواليد العم توفيق هي مقاربة لمواليد المرحوم والدي ما بين العامين 1916 و 1917 لأنه يقول بأنهما تقريباً بنفس العمر. والده ببداية التجنيد الألزامي للأبناء بالثلاثينات وبمسعى لأبعاده عن الجيش والعسكرية، أضاف أكثر من عشر سنين له عند تسجيله بالنفوس، فصارت الأعوام الأضافية هذه تلازمه حتى بعد حوالي المائة عام حين أخذت الحكومة البريطانية بأوراقه الرسمية التي أحتفظ بها منذ عشرات السنين وأدخلت ذلك بوثائقها الرسمية.

أخيراً... أود وبكل محبة، نيابة عن كل من تمتع بهذه الرحلة مع الرجل الطيب الذي يسميه الكبير قبل الصغير ـ عمو توفيق ـ أن أتقدم بالشكر الجزيل له لإتاحته هذه الفرصة الثمينة بالتوثيق البسيط لسيرة حياته بدون رتوش، متمنياً له الصحة الدائمة داعياً من الله اًن يكتب لنا اللقيا معه أو مع أحد أخيار الطائفة أو غيرهم من معمري شعبنا العراقي الطيب الكريم، وسأعمل جاهداَ على أقتناص أية فرصة يُمكن أن تتهيأ أمامي. ولم أنسَ أن أشكر كل مَن راسلني ممتناً وسعيداً بتعرفه عن قُرب بأحد أعلام الطائفة الذين عرفناهم بسمو الأخلاق وطيب المعشر وغنى النفس.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,564,949,646
- سكسون
- الثلاثة... سعدي
- فاز باللذات...
- ماذا لو تشرق الشمس من الغرب؟
- حواسم أيام زمان
- على مودك
- أبو عبد الله
- خطة لا يعلم بها أحد
- ليلة من ليالي رأس السنة
- كرسمس
- للأذكياء فقط... أيضاً
- للأذكياء فقط... رجاءاً
- من هم الأذكياء؟
- حدث بشارع حيفا
- كونتاكت
- أبو ناجي
- لاند خود
- ((زوغق))
- ((ديوان بالديوانية))
- (أوتو ستوب)


المزيد.....




- احتجاجات لبنان: استقالة وزراء حزب القوات اللبنانية برئاسة جع ...
- طرائف الصور التذكارية الرسمية
- من هن أخطر المجرمات المطلوبات في أوروبا؟
- خبر مفبرك يشعل حرباً داخل أسرة الرئيس
- واشنطن تستعد لنقل قواتها من شمال سوريا للعراق وأردوغان يعد ب ...
- محاكمة البشير.. شاهد الدفاع يتحدث عن الأموال ويخشى المساس با ...
- جنبلاط يعلق على أنباء انسحاب وزراء في حزبه من الحكومة اللبنا ...
- زواج ملكي فخم لحفيد نابليون بونابرت (صور)
- قافلة أمريكية تدخل الأراضي السورية قادمة من إقليم كردستان ال ...
- نيويورك - سيدني .. أطول رحلة جوية دون توقف وتزود بالوقود


المزيد.....

- تروبادورالثورة الدائمة بشير السباعى - تشماويون وتروتسكيون / سعيد العليمى
- ذكريات المناضل فاروق مصطفى رسول / فاروق مصطفى
- قراءة في كتاب -مذكرات نصير الجادرجي- / عبد الأمير رحيمة العبود
- سيرة ذاتية فكرية / سمير امين
- صدی-;- السنين في ذاكرة شيوعي عراقي مخضرم / زكي خيري
- صدى السنين في كتابات شيوعي عراقي مخضرم / زكي خيري, اعداد سعاد خيري
- مذكرات باقر ابراهيم / باقر ابراهيم
- الاختيار المتجدد / رحيم عجينة
- صفحات من السيرة الذاتية 1922-1998 / ثابت حبيب العاني
- ست محطات في حياتي / جورج طرابيشي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - عماد حياوي المبارك - عم توفيق