أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - حامد الحمداني - انقلاب رشيد عالي الكيلاني















المزيد.....



انقلاب رشيد عالي الكيلاني


حامد الحمداني
الحوار المتمدن-العدد: 5160 - 2016 / 5 / 12 - 14:08
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


انقلاب رشيد عالي الكيلاني
والجيش البريطاني يحتل العراق، ويسقط حكومة الكيلاني
القسم الثاني والاخير 2/2
حامد الحمداني 12/5/2016

بدأت الأزمة بين حكومة الكيلاني والوصي عبد الإله تتصاعد، وقرر مجلس الوزراء إرسال وفد لمقابلة الوصي برئاسة رئيس الوزراء الكيلاني، وعضوية طه الهاشمي ـ وزير الدفاع ـ و ناجي شوكت ـ وزير المالية .
وخلال اللقاء أبلغ الوفد الوصي عبد الإله أن طلب استقالة الوزارة عمل غير دستوري، وأن ليس من حقه بموجب الدستور أن يقيل الوزارة.
كان رشيد عالي الكيلاني في ذلك الوقت قد أمّن وقوف قادة الجيش العقداء الأربعة، صلاح الدين الصباغ، وفهمي سعيد، ومحمود سلمان، وكامل شبيب، إضافة إلى مفتي فلسطين الذي يتمتع بنفوذ كبير لدى الضباط القوميين.
وفي 21 كانون الأول 1940 أعلن الكيلاني أمام مجلس النواب أن العراق دولة مستقلة، وعليه أن ينشد في كل تصرفاته مصالحه الوطنية، وأمانيه القومية، وينبغي أن لا ينجرف وراء ما لا يتلاءم مع هذه المصالح والأماني، وان الحكومة حريصة على عدم القيام بأي عمل يجر العراق إلى شرور الحرب والمساس بسلامة البلاد .
وعلى أثر ذلك قطع السفير البريطاني أي صلة له بالحكومة ورئيسها، وأخذت صلاته تجري مع الوصي عبد لإله بصورة مباشرة، متخطيا الحكومة الشرعية ورئيسها واشتدت الأزمة داخل مجلس الوزراء، ولاسيما بين نوري السعيد المتحمس للإنكليز، وناجي شوكت المعارض لهم، واقترح طه الهاشمي لحل الأزمة أن يستقيل نوري السعيد وناجي شوكت من الوزارة، وبالفعل قدم نوري السعيد استقالته من الوزارة في 19 كانون الأول، فيما قدم ناجي شوكت استقالته في 25 منه.
لكن الوصي رفض التوقيع على الاستقالة مطالباً رشيد عالي الكيلاني بتقديم استقالة وزارته، لكن تدخل العقداء الأربعة أجبر عبد الإله على توقيع استقالة الوزيرين، وأسندت وزارتيهما إلى ناجي السويدي، وعمر نظمي وكالة.
لم يرضي هذا الإجراء السفير البريطاني الذي كان يلح على استقالة الوزارة، مشدداً ضغطه على الوصي عبد الإله، الذي أخذ يمتنع عن توقيع الإرادات الملكية والقوانين والمراسيم والأنظمة، وأخيراً أخذ يحرض الوزراء على الاستقالة من الحكومة، واستمر الوصي في ضغطه على الكيلاني بأن أرسل بطلب الوزير عمر نظمي في 25 كانون الأول 1940، وطلب منه إبلاغ الكيلاني بأنه سيستقيل من الوصاية إذا لم تقدم وزارة الكيلاني استقالتها حتى ظهر يوم الغد.
أما مجلس الوزراء فقد عقد اجتماعاً في اليوم التالي 26 كانون الأول لمناقشة الأزمة، ولم يحضر الوزيران المستقيلان، وخلال الاجتماع فاجأ الوزراء جميعاً رئيس الوزراء بتقديم استقالاتهم من الوزارة، ما عدا رؤوف البحراني، مما تسبب في إحراج الكيلاني الذي حاول جاهداً تثنيهم عن الاستقالة.
تصاعدت الأزمة بين الوصي عبد الإله ورئيس الوزراء رشيد عالي الكيلاني بعد أن قدم الوزراء استقالاتهم، وحاول الوصي إرغام الكيلاني على تقديم استقالته، عن طريق اللجوء إلى القوة العسكرية، حيث بادر إلى استدعاء رئيس أركان الجيش، ومدير الشرطة العام، وطلب إليهم عدم إطاعة رئيس الوزراء، وأبلغهم أن الوزارة أصبحت غير شرعية.

لكن الكيلاني لجأ إلى قادة الجيش [العقداء الأربعة] الذين قرروا إرسال مندوب عنهم إلى الوصي ليبلغه أن الجيش يريد بقاء الكيلاني على رأس الحكومة، وبالفعل قابل العقيد [ محمود سلمان]، أحد العقداء الأربعة، الوصي وأبلغه بالأمر.
ورغم محاولات الوصي ثني قادة الجيش عن موقفهم، فقد أصروا على موقفهم ببقاء الكيلاني على رأس الحكومة، فقد قابل العقيد محمود سلمان الوصي للمرة الثانية، بحضور الشيخ [محمد الصدر] رئيس مجلس الأعيان، وأبلغه بقرار قادة الجيش، وقد نصح الشيخ الصدر الوصي بالرضوخ للأمر الواقع تجنياً لما قد لا يحمد عقباه، إذا ما أصر على موقفه من الكيلاني .
وهكذا تراجع الوصي، ولو مؤقتاً، وأصدر إرادة ملكية بتعين[يونس السبعاوي] وزيراً للاقتصاد، و[ علي محمود الشيخ علي ] وزيراً للعدلية ، في 28 كانون الثاني بناء على طلب الكيلاني وقادة الجيش .
وفي اليوم التالي قدم ناجي السويدي استقالته من الوزارة، وأسرع الكيلاني إلى تعين [موسى الشابندر] وزيراً للخارجية، والمحامي [ محمد علي محمود ] وزيراً للمالية، واستصدر إرادة ملكية بتعيينهم في نفس اليوم المصادف 29 كانون الثاني 1941.
حاول الكيلاني أن يوطد مركز حكومته باللجوء إلى حل البرلمان وأجراء انتخابات جديدة ، وتوجه إلى عبد الإله طالباً منه التوقيع على الإرادة الملكية بحله.
طلب الوصي إمهاله حتى المساء لدراسة الأمر، وغادر الكيلاني البلاط، على أمل أن يوقع على حل البرلمان، لكنه بدلاً من ذلك غادر بغداد سراً بعد خروج الكيلاني وتوجه إلى الديوانية، حيث حاول استعداء قائد الفرقة الرابعة اللواء الركن [إبراهيم الراوي ] على حكومة الكيلاني .
كما اتصل من هناك بقائد الفرقة الثانية في كركوك [ قاسم مقصود ] لنفس الغرض، بالإضافة إلى مجموعة من السياسيين والوزراء السابقين، وعدد من متصرفي الألوية الذين طلب منهم الوصي عدم إطاعة أوامر الكيلاني، والعمل على إسقاط حكومته.
كاد الأمر أن يؤدي إلى حرب أهلية، طرفاها الجيش، لولا موقف القائدين، الراوي ومقصود المتعقل، حيث أبلغا الوصي أنهما لا يودان زج الجيش في المشاكل السياسية، وأنهما كعسكريين يتلقيان الأوامر من رئيس أركان الجيش.
أما الكيلاني فقد دعا مجلس الوزراء إلى عقد اجتماع عاجل لبحث الأزمة بعد هروب الوصي، وقد حضر الاجتماع قادة الجيش، وأمين الحسيني، ويونس السبعاوي، ومحمد أمين زكي، وتقرر في الاجتماع مواجهة الوزارة لمجلس النواب وانتزاع الثقة بالوزارة منه، وقد دعا الحاضرون إلى صمود الوزارة بوجه محاولات الوصي، والسفير البريطاني لإسقاطها.
وفي أثناء الاجتماع حضر كل من الشيخ محمد الصدر، وطه الهاشمي، وطلبا من الكيلاني معالجة الأمور قبل استفحالها، والحيلولة دون وزج الجيش في حرب أهلية، وتمكنا من إقناع الكيلاني لتقديم استقالة حكومته.
وبالفعل قدم الكيلاني استقالته في 31 كانون الثاني 1941 في برقية بعث بها إلى الوصي في الديوانية الذي بادر فور استلام البرقية إلى قبول الاستقالة، ودعا عدد من رؤساء الوزارات والوزراء السابقين، ورئيس مجلس الأعيان للبحث في تشكيل وزارة جديدة، وفي
بغداد، عقد المدعوين للاجتماع بالوصي اجتماعاً فيما بينهم وتباحثوا في الأمر، وقد استقر رأيهم على أن يذهب كل من الشيخ [ محمد الصدر ] و[صادق البصام ] إلى الديوانية لمقابلة الوصي، والوقوف على ما يريد.
وبالفعل استقل الاثنان طائرة عسكرية نقلتهم إلى الديوانية وتباحثا مع الوصي في سبل حل الأزمة ثم اختلى الشيخ الصدر بالوصي، وأجرى معه نقاشاً حول خطورة الأزمة، وقد أقترح الشيخ محمد الصدر على الوصي تكليف [ طه الهاشمي] بتأليف الوزارة الجديدة إذا ما أراد الخروج من الأزمة، وتجنب الحرب الأهلية.
وبادر الوصي بتكلف طه الهاشمي بتأليف الوزارة : على أثر اللقاء الذي تم بين بينه وبين الشيخ الصدر، واستدعى الوصي السيد طه الهاشمي بحضور صادق البصام، وكلفه بتأليف الوزارة الجديدة، على الرغم من عدم اقتناعه به ورضاه عنه، لكن الظروف الدقيقة والخطيرة من جهة، ونصيحة الشيخ الصدر من جهة أخرى هي التي جعلته يكلف الهاشمي، وقد حاول الوصي أن يشهّد البصام على تعهد الهاشمي بتشتيت شمل قادة الجيش [ العقداء الأربعة ] وحذره من المتصيدين في الماء العكر، والإيقاع مجدداً بينه وبينهم ، ووعد الوصي بأنه سوف يسعى إلى لقاء القادة الأربعة به لتقديم الولاء والطاعة، لكن ذلك لم يتم بسبب نصيحة السفير البريطاني بعدم استقبالهم .
تم تأليف الوزارة الجديدة برئاسة طه الهاشمي في 31 كانون الثاني 1941، وعبر السفير البريطاني في برقيته إلى وزارة الخارجية البريطانية عن سروره لإخراج الكيلاني من الحكم، ولكنه أعرب عن عدم اطمئنانه لطه الهاشمي، ووعد بأن يكون عمر الوزارة قصيراً، وأشاد السفير بدور نوري السعيد، والجميل الذي أسداه لبريطانيا، غير أنه كان قد فقد نفوذه في الآونة الأخيرة، ورأى أن يكون بعيداً عن الأنظار حالياً.
كان همْ السفارة البريطانية بعد استقالة حكومة الكيلاني هو التخلص من العقداء الأربعة
بأي طريقة كانت لكي يستقر الوضع لصالح بريطانيا. أما الوصي فقد طلبت منه حكومة الهاشمي العودة إلى بغداد، وأرسلت لمرافقته كل من وزير الداخلية عمر نظمي، وأمين زكي وكيل رئيس أركان الجيش، إلا أن الوصي تردد في العودة خوفاً من وجود مؤامرة لقتله، مما اضطر الهاشمي إلى السفر إلى الديوانية وإقناعه بالعودة، وعاد الوصي بصحبة الهاشمي في 3 شباط 1941.
أخذ الوضع السياسي بعد تشكيل حكومة الهاشمي يميل نوعاً ما إلى الهدوء بعد تلك العاصفة التي حدثت بين الكيلاني والوصي، لكن النار كانت لا تزال تحت الرماد، فقد كان عنصر الثقة بين الوصي والهاشمي شبه مفقود، كما كانت الثقة بين الكيلاني ومن ورائه العقداء الأربعة المسيطرين على الجيش وبين الوصي قد تلاشت، وكان الوصي ومن ورائه السفارة البريطانية يعمل في الخفاء من أجل تشتيت شمل قادة الجيش تمهيداً للتخلص منهم ومن الكيلاني، ومارست السفارة البريطانية ضغوطها على رئيس الوزراء من أجل إبعاد العقداء الأربعة عن أي تأثير سياسي في البلاد، كما ضغطوا على الهاشمي لقطع العلاقات مع إيطاليا، وكان الهاشمي يخشى رد فعل الشعب إن هو فعل ذلك.
ونتيجة لتلك الضغوط، أقدم الهاشمي، بصفته وزيراً للدفاع وكالة، بتاريخ 26 آذار 1941 على نقل العقيد [كامل شبيب]إلى قيادة الفرقة الرابعة في الديوانية، ليحل مكانه صديق الوصي الذي أواه في الديوانية اللواء الركن[ابراهيم الراوي] كما أصدر قراراً آخر بنقل مقر قيادة الفرقة الثالثة التي يقودها العقيد[صلاح الدين الصباغ ] من بغداد إلى جلولاء.
كانت تلك الإجراءات التي اتخذها الهاشمي بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، كما يقول المثل، فلم يكد يبلغ القرار لقادة الجيش حتى قرروا على الفور التصدي له ورفضه، واتخاذ التدابير السريعة والضرورية لحل الأزمة بصورة جذرية.
ففي مساء يوم 1 نيسان 1941، أنذر العقداء الأربعة قطعات الجيش في بغداد وتم إبلاغها بما ينوون القيام به، حتى إذا انتصف الليل، نزلت القوات العسكرية لتحتل المراكز الهامة والحساسة في بغداد كدوائر البرق والبريد والهاتف والجسور ومداخل الطرق الرئيسية، وجميع المرافق العامة في بغداد، وتوجه العقيد[ فهمي سعيد ]، وبرفقته وكيل رئيس أركان الجيش [ محمد أمين زكي ] إلى دار رئيس الوزراء [ طه الهاشمي ] وأجبروه على الاستقالة، واضطر الهاشمي إلى تحرير كتاب استقالة حكومته إلى الوصي، وسلمها لهما، حرصاً على عدم إراقة الدماء.

أما الوصي، فقد أيقضه الخدم من النوم، وأبلغوه أن هناك أوضاع غير طبيعية في منطقة القصر، وأن الجيش متواجد في المنطقة، فما كان من الوصي إلا أن صمم على الهرب مرة أخرى، واستطاع الإفلات من قبضة الجيش، ولجأ إلى السفارة الأمريكية، بعد أن تعذر عليه الوصول إلى السفارة البريطانية، وقامت السفارة الأمريكية بنقله إلى قاعدة الحبانية، ومن هناك تم نقله على متن طائرة حربية بريطانية إلى البصرة، حيث نقل إلى الدارعة الحربية البريطانية [ كوك شبير] الراسية قرب البصرة، وكان برفقته كل من [علي جودت الأيوبي ] ومرافقه العسكري [عبيد عبد الله المضايفي ] ثم لحق بهم [ جميل المدفعي ]، وحاولت السفارة البريطانية الاتصال بأعضاء وزارة طه الهاشمي في محاولة لنقلهم إلى البصرة للالتحاق بالوصي، لكن العقداء الأربعة حالوا دون خروجهم.
كما نصبت القوات البريطانية للوصي إذاعة لاسلكية حيث قام بتوجيه خطاب إلى الشعب في الرابع من نيسان ، وقامت الإذاعة البريطانية في لندن بإعادة إذاعة الخطاب مرة أخرى، وقد هاجم الوصي في خطابه الكيلاني والعقداء الأربعة، واتهمهم بالاعتداء على الدستور ، والخروج على النظام العام، واغتصاب السلطة.
كما أخذ الوصي يحرض قائد الفرقة الرابعة في الديوانية [ إبراهيم الراوي ]، وقائد حامية البصرة العقيد [رشيد جودت ] وعدد من شيوخ العشائر الموالين للبلاط والإنكليز للتمرد على الكيلاني وقادة الجيش، والزحف على بغداد، لكن الراوي وجودت رفضا السير مع الوصي بهذا الطريق الذي لو تم لوقعت حرب أهلية لا أحد يعرف مداها.
بادر العقداء الأربعة ، بعد هروب الوصي إلى تشكيل [مجلس الدفاع الوطني] ، وتم اختيار[ رشيد عالي الكيلاني ] رئيساً للمجلس ليقوم مقام مجلس الوزراء .
وفي أول اجتماع لمجلس الدفاع الوطني قرر المجلس إرسال مذكرة إلى الحكومة البريطانية تحذرها من التدخل في شؤون العراق الداخلية، وتقديم الدعم والمساندة للوصي عبد الإله، كما قرر المجلس إرسال قوات عسكرية إلى البصرة لمنع أي تحرك ضد مجلس الدفاع الوطني، وتم اعتقال متصرف البصرة [ صالح جبر] الذي قطع صلاته ببغداد تضامناً مع الوصي، وتم تسفيره إلى بغداد.
رداً على تحركات الوصي الرامية إلى إسقاط حكومة الدفاع الوطني، وهروبه من العاصمة، وتعاونه مع المحتلين البريطانيين في هذا السبيل، فقد وجهت حكومة الدفاع الوطني إنذاراً له بالعودة إلى بغداد فوراً وإلا فإنها ستضطر إلى عزله من الوصاية، وتعين وصي جديد على العرش بدلا منه، ولما لم يستجب عبد الإله إلى الإنذار قررت حكومة الدفاع الوطني عزله من الوصاية، وتعين [الشريف شرف] وصياً على العرش بدلاً عنه، وقد صادق البرلمان على هذا الإجراء في جلسته المنعقدة في 16 نيسان 1941.
الكيلاني يشكل حكومة مدنية جديدة :
بعد أن تم تعين [الشريف شرف] وصياً على العرش، قدم مجلس الدفاع الوطني، برئاسة رشيد عالي الكيلاني، استقالته إلى الوصي الجديد في 12 نيسان 1941 لغرض تشكيل حكومة مدنية جديدة، وقد كلف الوصي السيد الكيلاني بتشكيل الوزارة الجديدة في اليوم نفسه وفور تشكيل الوزارة أعلن الكيلاني عن عزم الحكومة على عدم توريط العراق في الحرب، مع الالتزام بمعاهدة التحالف مع بريطانيا، والتمسك بالتعهدات الدولية، وقد لاقت حكومة الكيلاني تأييداً كاسحاً من أبناء الشعب الحانقين على الاستعمار البريطاني وعملائه.
تسارعت التطورات في البلاد بعد أحكام سيطرة رشيد علي الكيلاني والعقداء الأربعة على مقاليد الحكم، ولاسيما وأن الحركة قد لاقت تأييداً واسعاً من أبناء الشعب عامة الذين كانوا يحدوهم الأمل في التخلص من الاستعمار البريطاني الذي أذاقهم الأمرّين، ولم يدركوا أن الأستعمار الألماني البديل أسوأ منه، وهكذا أصبحت الأمور صعبة للغاية بالنسبة لبريطانيا، وتنذر بمخاطر كبيرة، وبناء على ذلك طّير السفير البريطاني [كورنوليس] برقية إلى المستر تشرشل ـ رئيس الوزراء ـ جاء فيها :
{إما أن ترسلوا جيشاً كافيا إلى العراق أو انتظروا لتروا البلاد في أيدي الألمان}.
فلما اطلع تشرشل البرقية أسرع بالإبراق إلى وزير الهند لإرسال قوات عسكرية، وإنزالها في البصرة على عجل.
كانت الحكومة البريطانية قد أبلغت العراق قبل وقوع الانقلاب أنها عازمة على إنزال قوات في البصرة لنقلها عبر العراق إلى حيفا في فلسطين حيث تقتضي ضرورات الحرب، وبموجب المعاهدة العراقية البريطانية يحق لبريطانيا ذلك، بعد إبلاغ ملك العراق بذلك، ولذلك فقد اتصل القنصل العام البريطاني في البصرة بوكيل المتصرف يوم 10 نيسان، وأبلغه أن فرقة من الجيش الهندي على ظهر ثلاث بواخر حربية، وبحراسة طرادين حربيين وثلاث طائرات سوف تدخل المياه الإقليمية العراقية خلال 48 ساعة، وطلب منه إبلاغ حكومته بذلك للموافقة على نزول تلك القوات في البصرة. كما قام مستشار وزارة الداخلية المستر [ادمونس] في بغداد بزيارة رئيس الوزراء الكيلاني وابلغه بنفس الأمر.
وعلى الفور أجتمع مجلس الوزراء وبحث الأمر، وبعد مناقشة مستفيضة، اتخذ قرارا بالسماح للقوات البريطانية بالنزول، وفق الشروط التي اتفق عليها في 21 حزيران 1940، والتي نصت على نزول القوات لواء بعد لواء، على أن يبقى اللواء مدة معقولة، وهو في طريقه إلى فلسطين، ثم يليه نزول اللواء التالي، بعد أن يكون اللواء السابق قد غادر الأراضي العراقية، وعلى الحكومة البريطانية أن تشعر الحكومة العراقية بعدد القوات المراد إنزالها.
كما قررت الحكومة العراقية إيفاد اللواء الركن [إبراهيم الراوي] إلى البصرة لاستقبال القوات البريطانية، كبادرة حسن نية من الحكومة، لكن بريطانيا كانت قد قررت غزو العراق، وإسقاط حكومة الكيلاني بالقوة، وإعادة عبد الإله وصياً على عرش العراق، وكانت تعليمات القيادة البريطانية تقضي باحتلال [منطقة الشعيبة] في البصرة، واتخاذها رأس جسر لإنزال قواتها هناك، والانطلاق بعد ذلك إلى بغداد .
وفي يومي 17 و 18 نيسان 1941 نزلت القوات البريطانية في البصرة، وعلى الفور أبرق رئيس الوزراء البريطاني تشرشل إلى الجنرال [ ايمسي ] في رئاسة الأركان البريطانية يأمره بالإسراع بإنزال 3 ألوية عسكرية في البصرة، وقد بدا واضحاً من تصرف تلك القوات أنها لن تغادر العراق، كما هو متفق عليه، بل لتبقى هناك حيث قامت بحفر الخنادق وإقامة الاستحكامات، وترتيب بقائها لمدة طويلة .
وفي 28 نيسان 1941 أبلغ مستشار السفارة البريطانية في بغداد وزارة الخارجية العراقية بنية بريطانيا إنزال قوة أخرى قوامها 3500 جندي وضابط، في 29 نيسان، وقبل رحيل القوات التي نزلت في البصرة قبلها.
وعند ذلك أدركت حكومة الكيلاني أن بريطانيا تضمر للعراق شراً، وأنها لا تنوي إخراج قواتها كما جرى عليه الاتفاق من قبل، بل لتستخدمها لاحتلال العراق من جديد، وعليه اتخذت قرارها بعدم السماح لنزول قوات بريطانية جديدة في البصرة قبل مغادرة القوات التي وصلت إليها من قبل، كما طلبت الحكومة العراقية من السفير البريطاني تقديم أوراق اعتماد حكومته كدليل على اعتراف بريطانيا بالوضع الجديد في العراق .
وفي الوقت نفسه قررت الحكومة العراقية القيام بإجراءات عسكرية احترازية لحماية العراق، وأصدرت بياناً إلى الشعب بهذا الخصوص، وقد أشار البيان إلى إخلال بريطانيا بنصوص معاهدة التحالف، وأن الحكومة قد قدمت احتجاجاً رسميا إلى الحكومة البريطانية، كما أشار البيان إلى عزم الحكومة على التمسك بحقوق العراق وسيادته واستقلاله.
لكن الحكومة البريطانية تجاهلت مواقف الحكومة العراقية واحتجاجاتها، وأنزلت قوات جديدة في البصرة في 30 نيسان، وحاولت تلك القوات قطع الطريق على القوات العراقية المتواجدة هناك، لكن القوات العراقية استطاعت الانسحاب إلى المسيب، مقرها الدائم، وكررت الحكومة احتجاجها على تصرفات القوات البريطانية، لكن الحكومة البريطانية تجاهلت ذلك الاحتجاج، وأقدمت على ترحيل الرعايا البريطانيين من الموظفين، وأصحاب الشركات والعاملين فيها، كما أوعزت لهم بتهريب موجودات البنوك من العملات.
وهكذا أيقنت الحكومة أن الصِدام بين الجيشين العراقي والبريطاني أمر حتمي، وقررت اتخاذ عدد من الإجراءات العسكرية لحماية بغداد، فقد أرسلت عدداً من قطعاتها العسكرية إلى المنطقة القريبة من [الحبانية] حيث توجد قاعدة جوية بريطانية كبيرة.
لكن ثلاث أسراب من الطائرات البريطانية قامت على الفور بقصف تلك القوات المتمركزة في [ سن الذبان ] بجوار بحيرة الحبانية وذلك صباح يوم الجمعة المصادف 2 أيار 1941، وبذلك اشتعلت الحرب بين العراق وبريطانيا، وقام على الأثر السفير البريطاني بإصدار بيان موجه إلى الشعب العراقي كان قد أعده سلفاً وهاجم فيه بشدة حكومة الكيلاني، واتهمها بشتى التهم، وبذلك كشف البيان عن جوهر السياسة البريطانية وأهدافها الاستعمارية العدوانية تجاه العراق .
وفي اليوم نفسه قدم السفير البريطاني إنذاراً للحكومة العراقية بسحب قواتها من أطراف الحبانية، وهدد باتخاذ أشد الإجراءات العسكرية ضدها، وعلى اثر تلك التطورات والأحداث المتسارعة، أجتمع مجلس الوزراء واتخذ قرارات هامة للدفاع عن العراق، كان منها:
1ـ إعادة العلاقات مع ألمانيا، والطلب بإرسال ممثلها السياسي على الفور، وطلب المساعدة منها.
2 ـ إقامة العلاقات الدبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي فوراً.
3ـ نشر بيان صادر من رئيس الوزراء حول العدوان البريطاني على القوات العراقية.
4 ـ إرسال احتجاج إلى الحكومة البريطانية على تصرفاتها تجاه العراق .

وعلى الأثر قام الوزير العراقي المفوض في تركيا بمقابلة السفير الألماني[ فون بابن] وطلب منه تقديم كل مساعدة ممكنة للصمود بوجه القوات البريطانية، وقد أبلغه السفير الألماني أن تقديم المساعدة يتطلب مدة من الزمن، وسأله كم من الزمن تستطيع القوات العراقية الصمود أمام القوات البريطانية، وأخيراً تم الاتفاق على إرسال عدد من الأسراب من الطائرات الحربية الألمانية للدفاع عن مدن العراق التي أخذت تتعرض لقصف الطائرات البريطانية، ريثما يتمكن الألمان من تقديم مساعدة فعالة للحكومة العراقية.
وفي الوقت نفسه غادر الدكتور [ كروبا] سفير ألمانيا السابق في العراق متوجهاً إلى بغداد لفتح السفارة الألمانية، حيث وصلها في 18 أيار، وبصحبته 5 طائرات حربية، وبعثة عسكرية جوية برئاسة الفيلد مارشال [ فون بلومبرج ] .
لكن المارشال الألماني أصيب قبل هبوط طائرته في مطار بغداد بصلية من الطائرات البريطانية، وقتل قبل نزوله في بغداد، وذلك خلال اشتباك جوي مع الطائرات البريطانية.
وفي الوقت نفسه تلقى العراق كميات من الأسلحة عن طريق سوريا، حيث كانت ألمانيا وإيطاليا قد استولت على تلك الأسلحة بعد انهيار فرنسا.
ورداً على سحب موجودات البنوك، أعلن الكيلاني انسحاب العراق من منطقة الإسترليني، وحاول تغير العملة بالتعاون مع المانيا، لكن الزمن لم يمهله لتنفيذ ذلك، فقد تصاعدت الأزمة بعد أن فتحت القوات البريطانية النار على القوات العراقية المتواجدة في البصرة، واستطاع الفوج العراقي الموجود هناك الانسحاب من المنطقة في 2 أيار 1941.
أدى تصرف القوات البريطاني إلى هياج عام في صفوف الشعب العراقي، وتوالت فتاوى رجال الدين تدعو للجهاد ضد المحتلين البريطانيين، وكان على رأسهم المرجع الديني الأكبر لطائفة الشيعة [أبو الحسن الموسوي الأصفهاني ] والإمام [ محمد حسين آل كاشف الغطاء ] اللذان دعيا الشعب العراقي للجهاد ضد المحتلين البريطانيين، كما ناصرت الشعوب العربية شعب العراق في كفاحه ضد الاستعمار البريطاني.
القوات البريطانية تحتل العشار:
بعد أن عززت القوات البريطانية وجودها في البصرة، بدأت بالزحف بقواتها الآلية نحو العشار فجر يوم الأربعاء المصادف 7 أيار 1941، وتمكنت من احتلال جميع المرافق الحساسة، والجسور بعد معارك دامية مع الأهالي سقط خلالها عدد كبير من الشهداء والجرحى في معركة غير متكافئة مع جيش كبير ومنظم، وقيل أن اليهود قدموا مساعدات كبيرة لقوات الاحتلال التي أخذت تتصرف وكأنها سلطة حكومية في منطقة [العشار]، وصار مدير جمعية التمور، الميجر [ لويد ] يتصرف وكأنه حاكم عسكري، حيث أصدر أمراً بمنع حمل السلاح، ومنع الاستماع إلى الإذاعات المعادية لبريطانيا، ومنع التجول، وغيرها من القرارات. وعلى أثر ذلك أمرت الحكومة موظفيها في البصرة بالانسحاب والعودة إلى بغداد . كما قررت في 9 أيار إنهاء خدمات الضباط البريطانيين في الجيش العراقي وفي 11 منه قررت الاستغناء عن خدمات جميع الموظفين والمستخدمين البريطانيين ، كما قررت في 13 أيار تخويل رئيس الوزراء صلاحية عقد اتفاقات لشراء الأسلحة من الدول الأجنبية.
استمرت المعارك مع القوات البريطانية حول الحبانية، لكنها لم تكن متكافئة على الإطلاق، ففي الوقت الذي كان الجيش العراقي يمتلك الإرادة الشجاعة للدفاع عن الوطن، كان يعوزه السلاح والعتاد، في حين كانت القوات البريطانية تمتلك كل أنواع الأسلحة والطائرات، والخبرة القتالية، فقد أخذت الطائرات البريطانية تقصف القطعات العسكرية العراقية حول [سن الذبان] منذ صباح يوم 2 أيار، كما أرسلت القيادة البريطانية في فلسطين قوة عسكرية أخرى تتألف من لواء خيالة وعدة كتائب مختلفة مجهزة بالآليات والمدفعية، مع قوة أخرى من رجال الفرقة العربية التي كان يقودها القائد البريطاني [كلوب باشا ] في شرق الأردن.
وفي 19 أيار بدأ الجيش البريطاني هجوماً واسعاً تحت غطاء جوي كثيف من الطائرات الحربية ضد الجيش العراقي، وخاض الطرفان معركة غير متكافئة استطاعت خلالها القوات البريطانية دحر القوات العراقية، وأسرت 320 جندياً و23 ضابطاً، وانسحبت بقية القوات باتجاه بغداد، وبذلك استطاعت القوات البريطانية احتلال [الفلوجة ]الواقعة على مقربة من بغداد في 20 أيار 1941.
وفي اليوم التالي شنت القوات العراقية هجوماً معاكساً في محاولة لاستعادة الفلوجة من ايدي البريطانيين، وكانت تلك القوات تتألف من فوجين، ومعززة بثمانية دبابات، لكنها فشلت في هجومها بعد أن استشهد 273 جنديا و11 ضابطاً، وتدمير 7 دبابات.
القوات البريطانية تزحف نحو بغداد،وهروب الكيلاني وقادته:
بعد اندحار القوات العراقية في معركة الفلوجة، بدأت الحكومة تنظيم دفاعاتها حول بغداد، حيث أصبحت القوات البريطانية على بعد 60 كيلومتر من العاصمة، لكن القوات البريطانية عاجلتها بهجوم كبير على ثلاثة محاور، منطلقةً من الفلوجة يوم 27 أيار، وكان المحور الأول كان عن طريق [جسر الخر] وكان المحور الثاني عن طريق الشاطئ الأيسر لنهر الفرات نحو [أبو غريب]، أما المحور الثالث فكان عن طريق [سن الذبان ـ سامراء ـ التاجي ] .
مهدت القوات البريطانية هجومها بقصف مركز بالطائرات على مدينة بغداد لأحداث أكبر تأثير نفسي على قوات الجيش العراقي والحكومة وأبناء الشعب، وبدا في تلك الساعات أن الأمر قد أفلت من أيدي الكيلاني والعقداء الأربعة، حيث أصبح احتلال بغداد مسألة وقت لا غير، ولذلك فقد قرر[ الكيلاني] وقادة جيشه [العقداء الأربعة] الهروب ومغادرة بغداد، والنجاة بأرواحهم، تاركين البلاد والشعب تحت رحمة المحتلين، حيث رحل العقداء الأربعة إلى إيران مساء يوم 29 أيار 1941، ثم تبعهم رشيد عالي الكيلاني، وأمين الحسيني، وشريف شرف ومحمد أمين زكي، ويونس السبعاوي.

وفور مغادرة قادة حركة أيار تشكلت في العاصمة بغداد لجنة برئاسة أمينها [ارشد العمري] دعيت [ لجنة الأمن الداخلي ]، وضمت اللجنة متصرف بغداد، ومدير الشرطة العام، وممثل الجيش الزعيم الركن [حميد نصرت] .
بدأت اللجنة مفاوضات مع السفارة البريطانية في بغداد على شروط وقف إطلاق النار، وإعلان الهدنة تمهيداً لدخول القوات البريطانية إلى بغداد، وعودة الأمير عبد الإله وصياً على العرش وولياً للعهد.
وفي 30 أيار توقف القتال بصورة نهائية، وعاد الوصي إلى بغداد في 1 حزيران 1941 تحت حراب المحتلين البريطانيين، وكان برفقته كل من نوري السعيد، وعلي جودت الايوبي، وداؤد الحيدري، وهكذا تخلص البريطانيون وعبد الإله من العقداء الأربعة والكيلاني الذين لعبوا دور كبيراً في الحياة السياسية في البلاد، وتم إحكام الهيمنة البريطانية على مقدرات العراق من جديد .
لم يهدأ لبريطانيا والوصي عبد الإله بال إلا بعد أن تم اعتقال العقداء الأربعة، فقد بدأت المخابرات البريطانية تتابعهم حتى تسنى لها القبض عليهم واعتقالهم في إيران، وجرى تسفيرهم إلى جنوب أفريقيا معتقلين، كما تم اعتقال وزير الاقتصاد يونس السبعاوي، و مدير الدعاية العام صديق شنشل، وتم إحالة العقداء الأربعة إلى المجلس العرفي العسكري الذي سبق أن حكم عليهم بالإعدام. كما حكم المجلس العرفي العسكري على يونس السبعاوي بالإعدام أيضاً، وعلى صديق شنشل بالسجن لمدة 5 سنوات.
وفي نهاية الحرب العراقية البريطانية، سلمت بريطانيا العقداء الأربعة للحكومة العراقية حيث جرى إعدامهم في 6 كانون الثاني 1942، بعد إعادة محاكمتهم بصورة صورية أمام المجلس العرفي العسكري، الذي أصدر قرار الحكم خلال جلسة واحدة، وبذلك تخلص الوصي من نفوذهما إلى الأبد.
أما رشيد عالي الكيلاني، فقد تمكن من الوصول إلى تركيا، واستطاع السفير الألماني [فون بابن] أن ينقله مع أمين الحسيني إلى ألمانيا، حيث مكث فيها إلى أن أوشكت الحرب على نهايتها، وبات اندحار ألمانيا أمر حتمي، حيث هرب إلى سويسرا ومنها إلى السعودية
وحاول عبد الإله مرارا استرداده من السعودية إلا أن السعوديون رفضوا ذلك، وبقي هناك عدة سنوات أنتقل بعدها إلى مصر بعد قيام ثورة 23 يوليو، وبقي هناك حتى قيام ثورة 14 تموز عام 1958، وسقوط النظام الملكي في العراق.
كان أمام المحتلين البريطانيين ، بعد القضاء على حكومة الكيلاني وعودة الوصي عبد الإله إلى الحكم مهمة تأليف حكومة جديدة تأخذ على عاتقها تصفية ما خلفته حركة الكيلاني والعقداء الأربعة، لم يشأ السفير البريطاني بادئ الأمر تكليف رجل بريطانيا الأول نوري السعيد، نظراً للكره الشديد الذي يكنه الشعب له، ولذلك فقد طلب من الوصي أن يكلف جميل المدفعي بتأليف الوزارة الجديدة ، وبناء عليه فقد استدعاه الوصي وكلفه بتأليف
الوزارة في 2 حزيران 1941 ، وتم تأليف الوزارة في نفس اليوم .
جرى تأليف الوزارة في ظل نظام منع التجول الذي فرضته[لجنة الأمن الداخلي] التي شُكلت في أعقاب انهيار حكومة الكيلاني، ولم تجرِ حفلة الاستيزار الرسمية، واكتفي بإذاعة خبر تأليفها من دار الإذاعة، وفي اليوم الذي تألفت فيه الوزارة نزلت في مطار بغداد طائرة عسكرية بريطانية تحمل جنوداً بريطانيين بأسلحتهم بدعوى حماية السفارة البريطانية، وقد تجاهلت الحكومة الحدث.
كان أول إجراء اتخذته الحكومة، هو إعلان الأحكام العرفية في 3 حزيران، وإيقاف العمل بكل القوانين والأنظمة المعمول بها، والتي تتعارض مع مرسوم الإدارة العرفية، وجرت إدارة البلاد إدارة عسكرية صرفه، وتم تشكيل المحكمة العرفية العسكرية برئاسة العقيد [مصطفى راغب]، وقامت الحكومة بحملة اعتقالات واسعة جداً، شملت كل من كانت له علاقة بالنظام السابق، أو أيّد حكومة الكيلاني، وقد بلغ عدد المعتقلين أكثر من 20 ألفاً، بحيث عجزت السجون ومراكز الشرطة عن استيعابهم، وبدأت المحكمة العرفية تصدر الأحكام الجائرة وترسل بآلاف المواطنين إلى غياهب السجون، واستمرت الأحكام العرفية سارية المفعول حتى شهر آذار من عام 1946.
كما قامت الحكومة بإلغاء امتيازات الصحف التي كانت تصدر على عهد حكومة الكيلاني، ومنحت امتيازات جديدة لصحفيين طارئين، كانت مهمتهم التشنيع بحكومة الكيلاني والعقداء الأربعة، ومداهنة الإنكليز، وفرضت الرقابة الصارمة على المطبوعات، ومنعت أي إشارة أو دعاية ضد البريطانيين، ومنعت التجمع لأكثر من أربعة أشخاص، ولجأت الحكومة إلى إصدار المراسيم، بدلا من الرجوع إلى مجلس الأمة الذي حاول الكيلاني حله ورفض الوصي ذلك، فقد أصدرت الحكومة منذ 2 حزيران وحتى 7 تشرين الأول 1941 أحد عشر مرسوماً كان من بينهم مرسوم تعديل مرسوم الإدارة العرفية، الذي سمح بموجبه بمحاكمة القائمين بحركة الكيلاني، ومرسوم يقضي بفصل المشتركين والمساندين لحركة الكيلاني من مناصبهم، ومرسوم ثالث يقضي بإعادة الضباط الكبار الذين سبق لحكومة الكيلاني إحالتهم على التقاعد إلى الخدمة، وغيرها من المراسيم الأخرى.
كما قامت الحكومة بإحالة عدد كبير من ضباط الجيش الذين كان لهم دوراً في دعم وإسناد حكومة الكيلاني، أو المشكوك في ولائهم للإنكليز والوصي على التقاعد، وفي المقابل قررت الحكومة إعادة الضباط والمستشارين الإنكليز الذين طردتهم حكومة الكيلاني إلى مراكزهم السابقة، كما أعادت الموظفين والمستخدمين الإنكليز إلى أعمالهم السابقة أيضاً.
أما المحتلين فقد حولوا مدينة بغداد إلى معسكر كبير لقواتهم، فقد تم نقل ما يزيد على 100 ألف جندي إليها، وسمحت الحكومة ببقاء تلك القوات حتى نهاية الحرب، كما سمحت الحكومة للمحتلين أن يشاركوا في إدارة ميناء البصرة، وبذلك أصبح المحتلون هم الحكام الحقيقيين للبلاد، وصارت الحكومة ألعوبة في أيديهم تنفذ لهم كل ما يطلبون .
وفي ظل تلك الظروف القاسية تدهورت الأحوال المعيشية لأبناء الشعب، حيث ارتفعت
الأسعار، وفقدت السلع والحاجيات الضرورية والمواد الغذائية، وبات تدبير أمور المعيشة لسائر الطبقات الفقيرة والمتوسطة أمر صعب للغاية، ومع كل تلك الخدمات التي قدمتها حكومة المدفعي للمحتلين، إلا أن السفارة البريطانية لم تكن راضية عن إجراءاتها بحق الذين ساندوا حكومة الكيلاني ودعموه، ورأت أن المدفعي لا يمارس القمع المطلوب ضد المعارضين للاحتلال البريطاني الجديد للبلاد، وتدل البرقية التي طيرتها السفارة إلى وزارة الخارجية البريطانية بتاريخ 8 آذار 1941 على الموقف الحقيقي للسفارة من حكومة المدفعي، ورغبتها في إبداله، والمجيء بنوري السعيد، رجل بريطانيا المعتمد عليه كل الاعتماد، فقد جاء في تلك البرقية ما يلي :
{لقد تصرفت حكومة المدفعي الخامسة وكأن أحداث أيار شبيهة بأي انقلاب حكومي آخر، حيث تذهب حكومة وتأتي حكومة أخرى، وهو أمر أصبح مألوفاً بعد وفاة الملك فيصل الأول، وينظر المدفعي إلى أحداث أيار 1941 وكأنها فصل آخر من مسرحية مؤسفة، فيدعو إلى إسدال الستار عليها بوحي من الشهامة والكرامة، حتى أصبح الموظفون يتقاعسون عن أداء واجباتهم، حين يرون الوزراء يتوسطون لأشد المعادين لبريطانيا، وعلاوة على ذلك فقد حدّ المدفعي من تدخل السفارة العلني في أمور العراق الداخلية، واستمر في غض النظر عن توصياتها الملحة في ضرورة تشديد القبضة على جميع العناصر المناوئة للإنكليز وتطهير الجيش منهم، مما حمل السفارة على العمل على إسقاط الحكومة من الداخل، عن طريق إحداث خلاف بين أعضائها، وإثارة المشاكل أمامها، مما يؤدي إلى إضعافها وبالتالي إسقاطها }.
بهذا الأسلوب سعت السفارة البريطانية إلى إسقاط حكومة المدفعي، باختلاق الخلافات بين أعضائها، وخاصة الوزير [ إبراهيم كمال ] الذي اتهم المدفعي بالتهاون إزاء الانقلابيين، ودخل في مهاترات معه، مما دفع المدفعي إلى التوجه إلى الوصي باستقالة حكومته في 21 أيلول 1941، وتم قبول الاستقالة، وطلبت السفارة البريطانية من الوصي تكليف نوري السعيد بتأليف الوزارة، فقد حان الوقت ليعود نوري السعيد إلى المسرح السياسي من جديد، وليؤدي الدور الموكول له في قمع الحركة الوطنية، والتنكيل بكل خصوم الإنكليز الذين وقفوا إلى جانب الكيلاني وساندوه، وتصفية كل العناصر الوطنية المناهضة للاحتلال في صفوف الجيش .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- العراق وتداعيات الحرب العالمية الثانية / القسم الاول 2/1
- التاسع من ايار 1945 يوم خالد في تاريخ البشرية
- المرأة والتطرف الديني في العالم العربي
- مسؤولية المجتمع الدولي في التصدي للإرهاب
- نوري السعيد / الحلقة الاخيرة 30/30
- نوري السعيد / الحلقة التاسعة والعشرون
- نوري السعيد / الحلقة الثامنة و العشرون
- نوري السعيد / الحلقة السابعة والعشرون
- نوري السعيد / الحلقة السادسة والعشرين
- نوري السعيد / الحلقة الخامسة والعشرون
- نوري السعيد / الحلقة الرابعة والعشرون
- نوري السعيد / الحلقة الثالثة والعشرون
- نوري السعيد / الحلقة الثانية والعشرون
- نوري السعيد / الحلقة العشرون
- نوري السعيد / الحلقة التاسعة عشرة
- هذا ما يناضل من أجله الشعب العراقي المنتفض
- نوري السعيد/ الحلقة الثامنة عشرة
- نوري السعيد / الحلقة السابعة عشرة
- نوري السعيد / الحلقة السادسة عشرة
- نوري السعيد / الحلقة الخامسة عشرة


المزيد.....




- تركيا ترد بغضب بعد اتهام مستشار ترامب لها ولقطر بدعم حركات م ...
- روبوت لكشف أسرار الغرف الخفية داخل الهرم الأكبر
- حركة حماس تحتفل بيوبيلها باستعراض عسكري
- قلب بوتين يطفح بالدم لما تشهده أوكرانيا!
- النرويج أول دولة في العالم توقف البث الإذاعي عبر -إف إم-
- بوتين يحدد شروط التعاون مع الولايات المتحدة
- اعتراف ترامب بالقدس يغضب مسيحيي الشرق الأوسط
- ما مدى إمكانية اعتراف العالمين العربي والإسلامي بدولة فلسطين ...
- شاهد: تساقط الثلوج الكثيفة في جبال الأطلس المغربية
- ما هي الأسئلة التي تدور بأذهانكم عن أزمة الروهينجا وميانمار؟ ...


المزيد.....

- عن الذين يقتاتون من تسويق الأوهام! / ياسين المصري
- إصدار جديد عن مكانة اللغة العربية في الجامعات الإسرائيلية / حسيب شحادة
- نقش الحقيقة السبئية: جغرافية التوراة ليست في اليمن / فكري آل هير
- المقصوص من الاسلام الكامل صانع الحضارة / محمد سعداوى
- الأمثال العامية المعاصرة / أيمن زهري
- اشكالية العلاقة بين الحزب الشيوعي والمؤسسة الدينية في العراق ... / سلمان رشيد محمد الهلالي
- تحولات الطبقة الوسطى(البرجوازية) في العراق خلال (150) عام (1 ... / سلمان رشيد محمد الهلالي
- التساؤل عن الإنية والبيذاتية عند هيدجر وسارتر وكيركجارد / زهير الخويلدي
- طبيعة وخصائص الدولة في المهدية / تاج السر عثمان
- ابن رشد من الفقه الى الفلسفة / محمد الاغظف بوية


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - حامد الحمداني - انقلاب رشيد عالي الكيلاني