أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - حسان خالد شاتيلا - إعلان دمشق تكتيك دفاعي يفتقد إلى جيش مجتمعي















المزيد.....



إعلان دمشق تكتيك دفاعي يفتقد إلى جيش مجتمعي


حسان خالد شاتيلا

الحوار المتمدن-العدد: 1392 - 2005 / 12 / 7 - 07:45
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


لم يكن بوسع إعلان دمشق للتغيير الديمقراطي إلا أن يعتمد تكتيكا دفاعياً . بمعنى أن تدمير السلطة بالضربة القاضية ومن الجولات الأولى أمر غير ممكن ، ولا بد من إنهاك الخصم وإيقاظ مشاعر الصراع الداخلي لديه وإرغامه علىالتردد في الاستمرار بالمعركة قبل الإطاحة به ، إن لم يكن حمله على الاستسلام قبل بلوغ الجولة الأخيرة . إذ ليس من المنطقي أن يتبنى الإعلان تكتيكا هجوميا وهو الذي يعجز في المرحلة الراهنة عن نقل حجر واحد من حارة إلى حارة . فنصب الحواجز و المتاريس والدعوة إلى الإضراب العام وتوجيه التهديدات أو إمهال السلطة لإرغامها على الاستجابة لمطالب شعبية ، شأنه شأن الدعوة إلى إسقاط السلطة من أجل إنجاز الانتقال إلى الديمقراطية ، يحتاج إلى جيوش من العمال والطلاب وأصحاب الحوانيت والمثقفين المعبئين لمواجهة السلطة وجها لوجه ، أو جبهة ضد جبهة . نعم ، إن من الحماقة بمكان أن يكون الإعلان مطالبا بتسيير جيش من الشعب وقواه العاملة وهو الذي ليس بحوزته كتيبة واحدة من الكشافة ! فإذا كان الإعلان تخلى عن خطةٍ قوامها الحرب على السلطة حسب تكتيك هجومي يأخذ بخطة الحرب الشاملة المتحركة على كافة جبهات المعركة السياسية والاجتماعية ، واكتفى بالتكتيك الدفاعي الذي يعتمد على بعض عناصر من السلطة لإنجاز التغيير عن طريق "الحوار والتفاهم والوفاق" ، وهو على هذا النحو ينبذ تكتيك الهجوم ويسكن إلى تكتيك الدفاع ، فإن إعلان دمشق يريد أن يحتل ساحة المعركة والبلاد ، بدون مقارعة بين جبهتين ، موقعا موقعا . شاقوليا ، من رأس القيادة البعثية إلى أصغر نصير مرشح إلى عضوية البعث . وأفقيا ، من المشايخ والرهبان إلى العمال والفلاحين ، مرورا بكل الأحزاب ، بما في ذلك الأخوان المسلمين والقوميين السوريين ، الخ .
حرب المواقع هذه هي - ما في ذلك شك - الخطة الوحيدة التي تتيح للمجتمع السوري إنجاز الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية . إذ ليس أمام المجتمع في سورية اليوم من طريق آخر إلى تشييد نظام جديد سوى هذا التكتيك الذي يملأ صفحات الإعلان . فلا هو قادر على إشعال ثورة (المقصود الإعلان ومكوناته) ، ولا هو قادر على شن حرب شاملة في كافة المواقع والجبهات وفي جميع المجالات لإنجاز الانتقال بين ليلة وضحاها . الانتقال إلى الديمقراطية – حسب الإعلان – "عملية طويلة وبطيئة ومتدرجة" . فالمجتمع السوري يفتقد إلى قوى سياسية ومدنية منظَّمة كالجيش في أرتال وفرق وأفواج ، لتنفيذ خطة الحرب الشاملة على مخلف الجبهات ، ووفق تكتيك جبهة ضد جبهة . فإن مثل هذه الخطة هي اليوم حكر على إسرائيل والولايات المتحدة اللتين تستطيعان الإطاحة بالسلطة واحتلال البلاد بجيش واحد وبالاعتماد على الحرب الشاملة خلال بضعة ساعات ، أيام ، أو أسابيع .


* * *
جيش بدون رأس
لكن الإعلان عندما يرسم تصوراته عن التحالفات السياسية التي ستحتل المواقع شاقوليا وأفقيا ، ويؤسس للجيش الذي سينفذ حرب المواقع - كيف يتكون ؟ ومن يقوده ؟ - فإنه يوجِّه المجتمع في سورية على مسار من المتاهات من شأنها أن تقود البلاد والشعب إلى انتقال أعوج يفيد منه المُسْتَغِّلُُُُّون وحدهم دون غيرهم من فئات وطبقات الشعب المعوزة والمفقرة .
مصدر هذه المتاهات ومساراتها واضح جلي يقفز إلى العين كالحجر المؤذي ، وذلك عندما يشير الإعلان إلى الأسس التي اجتمعت عليها إرادة أصحاب الإعلان ، ومنها قوله "التوجه إلى جميع مكونات الشعب السوري" ، أوعندما يدعو الموقعون على الإعلان "مختلف الفئات السياسية والثقافية والدينية والمذهبية إلى المشاركة معنا" . هاهنا يكمن أحد المفاتيح الرئيسة لفتح معاني الإعلان ، ظاهرها الجلي وباطنها الخفي . إنه يَعْتَبِر الشعب السوري "مكونات" . هذه وتلك منها تتراصف وتستمر عبر التاريخ – حسب البنيوية الستاتيكية - كالأحجار الساكنة التي ليس لها تاريخ ولا تعرف الاندماج ، لأنها تجهل الصراع والحركة والجدل . فهي تتكدس بعضها فوق البعض ، سنةًً وعلويين وتركمان وأكراد ، وغيرهم من معاصري الاستبداد ، دون أن تندمج وتتحول إلى تشكيلات مجتمعية سياسية من نوع جديد . فكأن العاميات ، والحركة النقابية ، والتيارات القومية ، العربية منها وغيرها ، وتأميم قناة السويس ، والثورتين العربية الكبرى والسورية ، وحرب المخيمات ، وأيلول الأسود ، والوحدة السورية المصرية ، والنضال ضد الانفصال الأسود ، وقبل أيام قليلة ما أطلقوا عليه "ربيع دمشق " ، وغيرها من الأحداث التاريخية التي أعادت تشكيل مجتمعنا على مرور القرن ونصف القرن ، مرَّت من فوق هذه المكونات ، ولم تحولها إلى تشكيلة مجتمعية سياسية . هكذا ، يَستبدل إعلان دمشق الأمة والطبقة بمقولة "المكونات" . فكأن مجتمعنا ، إذا ما نحن استسلمنا لمنطق الإعلان ، لا يعرف الصراع الطبقي .
لكن المجتمع الذي يجهل الصراع الطبقي هو ، على افتراض أن له وجود حقيقي في التاريخ ، فإنه بدائي يعود عهده إلى ما قبل تقسيم العمل في الجماعة الواحدة . فحيث لا يوجد صراع طبقي لا يوجد مجتمع ولا يوجد تاريخ . إلا أن الأيدلوجية اليمينية هي وحدها التي ترفض الصراع الطبقي . ولنسلم بصورة افتراضية بالمقولة القائلة إن أربعين سنة من الاستبداد عادت بالمجتمع السوري إلى عصر الانحطاط ، حتى أن المكونات القديمة الدينية عادت وظهرت وأصبحت هي جوهر التناقض الرئيس ، فيما تراجعت المطالب المجتمعية إلى مصاف الخطوط الخلفية. أفلم يتوحد المناضلون من كل طيف سياسي وانتماء طائفي في مجتمع واحد وراء القضبان من أجل الحرية والتحرر؛ حيث لقيت كل الطوائف ، بما في ذلك العلوية منها ، المصير نفسه من التعذيب والتنكيل والموت .
إن مقولة "مكونات الشعب السوري" ، أي الإثنيات الثقافية ، الدينية والقومية ، التي ما أن تختفي في النص حتى تعود لتظهر مجددا في موقع آخر بتعبير آخر جديد ، وهلم جرا وهكذا دواليك ، هي التي تُوجِّه هذا النص ، عقليته ، منطقه ، ورؤيته للمجتمع والسياسة . فيما يُطلَّق الإعلان نهائيا ويقطع الصلة العرفانية ، من حيث الممارسة والنظر ، مع الطبقة التي لم يأت لها ذكر ولو مرة واحدة . إنه ، بهذا المعنى ، يخشى من المطالب المجتمعية والمعيشية ليكتفي بما هو مجتمعي بالمعنى الواسع والفضفاض والغامض ، شأنه في ذلك شأن اليمين في جميع أنحاء العالم ، اليمين الذي يتنكر للطبقة ، ويأخذ بمقولات واسعة ، كالوطن والمجتمع . حتى الأمة سقطت من قاموس ومفردات الإعلان !
والحلقة الرئيسة في سلسلة الحلقات الضعيفة التي يتكون منها إعلان دمشق ، والتي تقود السياسة والمجتمع إلى متاهات يفيد منها اليمين وحده ، هي تعويله في خطته لإنجاز الانتقال على جيش يختط فيه الأفراد والجماعات كيفما اتفق ، وبدون أي تحديد للتشكيلة المجتمعية الرئيسة التي تقوم بدور مركزي في توحيد الشعب السوري. أي إن الحلقة الضعيفة الرئيسة ليست هي في التوجه إلى جميع المواطنين السوريين ، وإنما في الامتناع ، من جهة ، عن تعيين التشكيلة المجتمعية التي تحتل موقع القلب في الجيش المجتمعي للتغيير ، وفي الفصل ، من جهة ثانية ، بين برنامج للوفاق الوطني واسع يجمع شمل المجتمع من اليمين الديني إلى اليسار الشيوعي ، وبين برنامج لاستلام السلطة مسلح ببرنامج سياسي مجتمعي واضح ويلبي المطالب المعيشية والشعبية . فكأن الأول هو وحده الممكن ، فيما الثاني مؤجل إلى ما بعد التغيير . إذ كيف لنا في سورية أن نَفْصُل بين الأمرين ، فيما تفتقد البلاد إلى أية مرجعية وتقاليد تَحْكُم الانتقال من الجبهة الواسعة ضد الاستبداد كمرحلة أولى ، إلى الجبهة الضيقة ذات البرنامج السياسي والمجتمعي الواضح كمرحلة ثانية ؟ كيف لمثل هذا الفصل بين نوعين من التحالف والجبهات أن يستقيم فيما يسيطر الفراغ الدستوري والحزبي والمجتمعي على البلاد ؟ إن من شأن هذا الفصل بين الجبهة الواسعة والعريضة التي تجمع وتخلط بين اليمين واليسار والجبهة الوطنية التي تعنى منذ الآن بالمطالب الشعبية والتحررية ، أن يترك مستقبل البلاد بين أيدي اليمين ، طالما أن مثل هذا الوفاق الوطني العريض ، هو أسوة باليمين في كل مكان من العالم ، يلغي من خطته ومفرداته وقاموسه ، وذلك باسم الوفاق الوطني نفسه ، قوى الشعب العامل . ذلك أنه ينفي عنها درها كحامل محوري ومركزي للوحدة الوطنية والوفاق الوطني ، وينفي عنها دورها المركزي في تشييد الجيش المجتمعي الذي سيُنجز في كل قطاعات المجتمع هذا التغيير الديمقراطي المنشود .
الاثنولوجيا ، أي علم الجماعات الثقافية الدينية والقومية هو الذي أََوقَع الإعلان أسير التطبيقات المجتمعية السياسية للأنثروبولوجيا التي تُقَسِّم الشعوب والمجتمعات إلى مكونات ثقافية ، مثلما يفعل الإعلان نفسه . نوع من علم الإثنيات الاجتماعية السياسية التي راجت في سورية منذ نهاية السبعينات مع نبش المستحثات الطائفية والأقليات . نعم إن الإعلان لم ير في سورية أية طبقات أو تشكيلات مجتمعية ، فقد أصبح الشعب بمنطقه مكونات يابسة يعود تاريخها إلى عهد الطوائف والفرق ، ولم يعد يَعرف شيئا عن النكسات ، فلسطين ، والوحدة ، وحزيران وغيرها .
* * *
تحالفات ليس لها تاريخ
هذا الانسياق المُضَلِِّل وراء المكونات وثيق الصلة بمفهوم إعلان دمشق في ما يتعلق بالتحالفات . فالإعلان الذي يستمد مبرره الرئيس من الدعوة إلى الوفاق الوطني يقفز فوق تعريف الطبقة ، الحزب أو القوة المجتمعية التي تشغل مركز القلب في الجيش المجتمعي الذي سيحتل المواقع المجتمعية الواحد تلو الآخر قبل أن يستولي على السلطة . إن الثقافة السياسية اليمينية التي تطغى على الإعلان تغط الطرف عن الطبيعية الطبقية لكل تحالف سياسي . فالتحالف ، وإن كان سياسيا ، فإنه طبقي من حيث الصلة ما بين الهدف من التحالف وتوزيع الثروة . فإذا كان كل تحالف وطني لا يستقيم له عود ما لم يقف حول مركز داخل هذا التحالف ، وهو يقوم حول هذا المحور الطبقي ، سواء كان بورجوازيا يمينيا أم يساريا شعبيا ، فإنه يقود الشعب بحيث يَصُبَُ التغير لمصلحة هذه الطبقة أو تلك . والتحالف ، غالبا ما يكون وطنيا ينفي الطبقة عندما تكون البورجوازية وأفكارها هي التي تقود عملية التغيير ، وهي التي تكون المستفيد الأعظم من عملية التغيير . أما عندما يكون اليسار والقوى الشعبية والمعوزين والمفقرين وملايين السوريين ممن هم دون مستوى الفقر هم المحور المركزي في التحالف من أجل التغيير ، ويكون برنامج التغيير مستجيبا في مثل هذا الحال لمصالح الطبقات الشعبية ، فإن المستفيد من هكذا تغيير لن يذهب لصالح الشرائح البورجوازية التي تتنافس على وراثة شبكة الهواتف واستثمارات هذه الأسرة أو تلك اللاتي تجمع بين سلطان السياسة والمال في عهد الاستبداد .
صحيح ، إن التحالف السياسي بين الشيوعيين والناصريين والأخوان المسلمين ليس ، حسب منطق الإعلان ، طبقيا ، ما دامت المهمة هي إنجاز مهمة الانتقال الديمقراطي التي تحظى بـتأييد واسع من كافة طبقات المجتمع . هذا من الناحية السياسية وعلى الورق . نعم ، إلا أن التناقض ما يلبث أن يظهر في هكذا مفهوم للتحالف لاعتقاد اليسار السوري أن القطار الذي حمل الجبهة العريضة سيتوقف ما أن يبلغ محطة الانتقال إلى الديمقراطية ، وأن الركاب ، أي اليمين واليسار ، سيغادرون القطار إلى قطارات تقود كل منهم إلى جهة مختلفة . ها هنا يفقد اليسار السوري مستقبله وتقع سورية أسيرة الأخوان والسديم الإسلامي ، لأن الأقوى من بين الركاب ، في محطة للقطارات تفتقد للقوانين والإدارة ، وكانت خلال أربعة عقود تحت سلطة اللصوص ، هو الذي سيستولي على المحطة وكل القطارات ، ويمنع الأضعف من الركاب من الصعود إلى أي قطار لمتابعة الرحلة في اتجاه جديد . وإذا استمر الأمر على مثل هذه الحال من التراجعات اليسارية بصورة لا تعرف النهاية أمام اليمين ، فإن اليمين ، وفي مقدمته الديني منه ، هو أول من سيصل إلى المحطة .
الإعلان ، من هذه الجهة ، إما أنه لا يعرف أين هو يضع قدميه ، فتراه يُهمل الانشقاقات الأرضية المنخفضة التي ستَهبط إليها مياه الثلوج بعد ذوبانها لتشكل نهرا ينساب في الأرض السهلة ويروي الأراضي المحيطة بها ، كالجيش الذي يبحث لنفسه عن نقاط الضعف في جبهة العدو والتي لا ترفع عواقب أمام شق طريقه إلى الهدف ليتسلل منها ملحقا بعد ذلك هزيمة بالخصم ، وسورية اليوم ثغرة في قلب أرض صخرية مليئة بالفجوات والممرات ، وسينفذ النهر بعد ذوبان الجمود السياسي منها لاحتلال المجتمع ، وإما أن إهماله للانشقاقات المنخفضة مقصود ، وهو يريد من وراء ذلك أن يترك لليمين ملأها بعدما تذوب الثلوج ، بحيث يقود اليمين عبر النهر هذه الجيوش وهي في طريقها عبر وادي بردى إلى دمشق . مشكلة التربة السياسية في سورية أن المنافذ فيها أكثر من السدود والعقبات ، وأن اليسار نفسه أصبح منفذا بدل أن يكون سدا .
لا جدوى إذاً من التهرب كما يفعل الإعلان من الاعتراف بأنه حيث توجد معركة سياسية ومجتعية يوجد يمين ويسار . حتى في حال الوفاق الوطني ، فإن واحدا من الفريقين ، اليمين أم اليسار ، هو الذي سيشْغََل الحيز المركزي في المعركة . فلما كانت المعركة السياسية الراهنة تُشكِّل وجها من أوجه الصراع الطبقي ، المحلي أو القومي أو العالمي ، فإن المطلوب بمنطق الأحداث التاريخية التي صَنَعَت المجتمع السوري خلال القرن والنصف القرن الماضي ، وبوجه خاص من النضال ضد الأحلاف ومن أجل الوحدة المصرية السورية ، إلى حرب المخيمات ، أن يقود اليسار هذه المعركة ، ولا يتركها نهبا لليمين يعبث بها وبمصير البلد على هواه ووفق مصالحه .
فإذا كان الإعلان يريد أن يساوي ضمن تحالف الوفاق الوطني بين اليمين واليسار في المعركة من أجل إنجاز الانتقال إلى الديمقراطية ، إن لم يتخلى هو عن قيادة الساحة السياسية لليمين والبرامج اليمينية التي تتنكر منذ الآن للمطالب الشعبية ، هذا إن لم يكن إعلان دمشق يعتقد أن مثل هذا التحالف بين اليمين واليسار ممكن بالفعل وحاصل في سورية ، فإن إعلان دمشق ينساق مرة أخرى وراء الأوهام وهو يستسلم لليمين . هي أوهام . ذلك أن سورية منذ عهد الاستقلال لم تََعرف في أية فترة من تاريخها المعاصر حالة من التحالف بين اليمين واليسار (نعم خالد بكداش تحالف مع اليمين من أجل تكريس الانفصال . لكن ظهور المكتب السياسي في نهاية السبعينات ما كان له من معنى إن لم يكن هو تصحيح لموقع الشيوعيين ضمن جبهة يسارية) . سورية التي كانت دوما مهدَّدة في سيادتها على أراضيها واستقلالها الوطني من إسرائيل والرأسمالية الغربية ، من نكبة 48 إلى الغزو الأمريكي للعراق ، مرورا بالحشود العسكرية التركية في منتصف الخمسينات وحرب سويس ونكسات 67 و حرب التحريك في العام 1973 . فتقاليد الحياة السياسية في سورية تنفي التحالف بين أحزابها اليمينية واليسارية . بل ، وإن التهديد الخارجي سواء كان مصدره إسرائيل أم الأحلاف هو الذي فَصَلَ اليسار عن اليمين بصورة قاطعة حاسمة . ألم تخض سورية التعبئة الوطنية أثناء حرب السويس جبهة واحدة تحررية ويسارية ضد الرجعية ! أما اليوم ، في عهد العولمة والليبرالية الجديدة التي اجتاحت السوق وحَوَّلت كل شيء إلى بضاعة ، مجرد بضاعة ، كيف لليمين السوري أن يجابه الأمبراطورية الأمريكية والاتحاد الأوروبي ؟! إن الإعلان من هذه الجهة يخرج وينسلخ عن تاريخنا وتقاليد التحالفات في سورية .
* * *
القفز فوق التاريخ
هذا الإعلان ليس ابن اللحظة ، فلا هو انبثق من عدم ، ولا هو هبط من سماء . لقد انسلخ عن تاريخه بصورة غير مُبرَّرة . انسلاخ يفتقد للحجة التاريخية ، ويأتي غريبا عن مسيرة الكتلة التاريخية التي تكونت على مدى خمسين سنة من تحالفات اليسار القومي مع اليسار الشيوعي . إنه إذ ينسلخ عن تحالفاتنا في سورية ، التحالفات بين أحزاب اليسار الشيوعي واليسار القومي التي تُشَكِّل عبر خمسة عقود من النضال ، من عهد البرلمان السوري في منتصف الخمسينات إلى التحالف الوطني الديمقراطي اعتبارا من مطلع الثمانينات ، كتلة تاريخية ، فإنه يُحلِّق بدون اكتراث فوق تاريخنا . تاريخ النضال من أجل الوحدة القومية ، والتضامن مع شعوبنا العربية في معاركها ضد مناهضة للاستعمار والصهيونية والرجعية ، ضد الشعوبية والطائفية ، ومن أجل تكوين وعي طبقي ، من أجل حرية المرأة ، والتساوي بين الجنسين ( الإعلان نسي المراة والتساوي بين الجنسين ونضال المجتمع السوري المبكر من أجل تحرر المرأة) .
لقد أتقن الإعلان رياضة القفز من فوق التاريخ ، تاريخ سورية السياسي ، وتاريخ سورية المجتمعي . وليس في مثل هذه المهارة المُحدثة من سر . ذلك أن القفز يأتي بعدما أخذت سيارة الإعلان بسرعة الفورمولا واحد منعطف الديمقراطية الاجتماعية ، فانحرفت السيارة بركابها إلى وادي التفسيرات والتبريرات اليمينية . فلا عجب بعد اليوم إذا انتهت هذه السيارة سباقها المجنون إلى مرآب الأممية الثانية ، وراء طوني بلير وفرانسوا هولاند وغيرهما !
إنها تبريرات مُزَيِّفة لطبيعة التحالفات وتاريخها في سورية ، تبرير تزييفي وليس قطيعة تاريخية ومعرفاتية مع الماضي . فالصراع في سورية لا يزال اليوم ، هو نفسه بالأمس ، صراع ضد النفوذ الأجنبي ، وهو اليوم في عهد العولمة والأمبراطورية الأمريكية ، حيث تُشكل سورية في المخططين الأوروبي والأمريكي جزءً من سوق شرق أوسطية ومغاربية للتجارة الحرة والنفوذ السياسي ، هو اليوم أشد مما كان عليه بالأمس . الصراع في سورية في عصر المعلوماتية والشرق الأوسط الكبير هو نفسه في عهد الحرب الباردة ، نضال من أجل التحرر الوقمي والديمقراطية والعدالة الاجتماعية . فإذا كانت القطيعة التاريخية والمعرفاتية جوهر كل ثورة وحداثة ، فإن المنطق الذي يُوَجِّه الإعلان يعتمد على اختلاق التبريرات لليمين ، ويزيِّف التحالفات ، طبيعتها وتاريخها في سورية ، ولا يمت بصلة إلى القطيعة الثورية في الممارسة والفعل .
* * *
انتقال ديمقراطي يفتقد للمضمون المجتمعي
هذا المنطق التبريري يَكشف عن نفسه عندما يََمتنع الإعلان عن عقد صلة التلازم بين الانتقال الديمقراطي وبين القضاء على الطبقة الجديدة الحاكمة والمستَغِلَّة . لب المشكلة هي الطبقة الحاكمة بكل أبعادها السياسية والثقافية وبنائها الاجتماعي السياسي أي الطبقي مع كل المستفيدين منها ومعها . والمعركة هي ضد هذه الطبقة بالذات ولصالح القوى العاملة ، من العامل صاحب الأجر ، إلى الموظف الشريف، إلى صاحب الحانوت . لكن الإعلان يخجل من ذكر مقولة الطبقة مرة واحدة ، فيما هو يغالي في الحديث عن المكونات . وتراه عندما يستعرض "المآثر" التخريبية والمدمرة للسلطة الشمولية الفئوية من النمط السوري ، فإنه يخوض على خير وجه في تفاصيل هذا النمط من الحكم إلا أمرا واحدا فقط ، وهو أن هذه السلطة هي نفسها سلطة الاحتكارات المالية والمافيوية التي استغلت الشعب وقواه العاملة وشرائح واسعة من الطبقات الوسطى ، وسخرت اقتصاديات البلاد وقواه العاملة لمصالحها الطبقية الضيقة ، وأن كل تغيير ديمقراطي لا يستقيم ما لم يقضي على الطبقة الجديدة وأنماطها السياسية والاقتصادية في إنتاج الثروة . فهو ، بهذا المعنى ، لم يعط إنجاز الانتقال الديمقراطي مضمونه المجتمعي لأنه نحَّى مسألة الإطاحة بالطبقة الجديدة جانبا ، ورمى بها إلى مرتبة ثانوية ، إلى حد أن التحولات المجتمعية التي تسير بصورة موازية مع الانتقال السياسي إلى الديمقراطية لم تعد ترى حتى بالمجهر . إذ كيف للمجتمع أن يُشيِّد الديمقراطية السياسية ما لم بقضي على الطبقة الجديدة وأنماط علاقاتها الاقتصادية ووسائلها في تراكم الثروة ؟ لكي تستقيم الديمقراطية السياسية في سورية اليوم كان الأحرى بالإعلان أن يَمنح أولوية استراتيجية - وليس تكتيكية فقط – لمهام القضاء على الأنماط الاقتصادية للطبقة الجديدة التي تسيطر على الجاه والسلطة.
إن المجتمع السوري يقف وهو يتطلع إلى إنجاز الانتقال السياسي إلى الديمقراطية أمام سؤال جوهري ، ألا وهو إلى من ستنتقل – على سبيل المثال - شبكة الهاتف الخلوي، ومن هي الفئات التي ستستفيد من التقدم التقني في عصر المعلوماتية ؟ البورجوازية أم شرائح واسعة من الطبقات الوسطى والقوى العاملة وأصحاب الأجور والعمال ؟ الإعلان من هذه الجهة ينساق كثيرا وبعيدا وراء اعتبارات الجبهة العريضة من أجل الانتقال الديمقراطي ، وهو من أجل إنجاز هذه المهمة يغمض عينيه عن رؤية ما يليها ، مراهنا على هذا النحو على مرحلة لاحقة ليبرالية تسود فيها دولة القانون ، فكأننا في سورية نعرف الديمقراطية والليبرالية منذ القرن الثامن عشر ، أو كأننا سنعرفها فيما تجتاح الليبرالية المتوحشة والأمبريالية المنطقة منذ حرب الخليج الأولى . ما لم يعره الإعلان أي اهتمام هو كيف للوفاق الوطني أن يَحُول دون أن يتأرجح نظام المافيات الاحتكاري لرأس المال في الفضاء ليهوي من علٍ بين أيدي اليمين . وبتعبير آخر أن تنقل السلطة من المافيا إلى أخرى ليبرالية جديدة متوحشة تنهب سورية وهي متخفية وراء أيديولوجيا القانون ، وذلك فيما يقف اليسار السوري مكتوف اليدين يتفرج على المشهد ، أي يساهم في نقل السلطة من يمين وحشي إلى آخر ينتمي إلى الليبرالية الجديدة وأيديوليوجية القانون السياسي والتشريعات الاقتصادية المقننة التي تُطلق الحرية للنهب بصورة "مشروعة" . إن من يرث شبكة الهاتف الخلوي . ومن يؤول إليه أمرها ، هو الذي سوف يحرز وبرفقته أتباعه وأزلامه عشرة بالمائة من مقاعد المجلس النيابي الموعود . فلصالح أي من الطبقات يأتي التغيير في بلد يغوص في الفراغ السياسي؟ اليسار أم اليمين ؟ عبثا يحاول الإعلان إلغاء هذه المعركة بين اليمين واليسار والماثلة في معركتنا السياسية والمجتمعية .
لذا ، فإن الإعلان ، إن كان هو يعلن عن شيء ، فإنه يُسَجِّل بانحرافاته اليمينية بأن كل نيران النزاع في سورية مفتوحة اليوم ، النزاع بين اليسار واليمين ، وأنه اختار الانحياز إلى جبهة اليمين طالما هو لم يَعلن أن النزاع في جوهره الدفين وعوارضه الظاهرة صراع وثيق الصلة بالمطالب الشعبية والأحوال المعيشية ، وهو ضد سلطة ليبرالية متوحشة مافيوية تحتكر المال والجاه وترفض إعادة توزيع العمل والمال في المجتمع السوري . لقد اختار الانحياز إلى اليمين طالما هو يتجاهل أن إنجاز الديمقراطية السياسية يمر بالضرورة عبر تقويض الطبقة الجديدة ومعها أنماطها الاقتصادية في إنتاج ثروتها . المطلوب في المقام الأول في سورية اليوم من أجل إنجاز الانتقال الديمقراطي هو إلغاء النمط الاقتصادي السياسي للطبقة الجديدة ، وتوجيه الاقتصاد بما يُنقِذ ملايين السوريين (الأكثرية ، نعم الأكثرية ، بل والأكثرية مرتين وثلاثا وأربعا التي لم يُتحدث عنها الإعلان بصفتها أكثرية ، والتي تعيش إما تحت مستوى الفقر أو في حالة الفاقة والعوز والفقر وضائقة العيش ) من التردي إلى المستوى دون الإنساني .
إلى ذلك ، فإن الإعلان يَشهد بأن الصراع في سورية بين اليمين واليسار هو في أوجه . وما هذا الإعلان الذي يُرجِّح كفة اليمين ضمن موازين القوى إلا إحدى ذرى هذا الصراع . إنه بهذا المعني يُسجِّل إحراز اليمين والليبرالية والعولمة تقدما ملموسا بين صفوف الطبقة السياسية في سورية .
* * *

عصر العولمة والليبرالية الجديدة
ولم ير الإعلان سمة العصر وطبيعة العالم التي تسيطر على النشاط البشري في يومنا هذا. إنه لم يُدرك أن الليبرالية الجديدة التي تريد أن تحوِّل سورية ومعها المشرق العربي برمته إلى سوق للتبادل الحر وتَستلب قوة عمل شعوبه تقف على الباب ، وهي تريد ابتلاع المافيا السورية ودمجها في نظام العولمة ، بحيث تَكسر احتكار المافيا للدورة المالية وشبكة رأس المال في سورية ، مقابل أن تَََطلق الليبرالية الجديدة يدها بعد إزاحة هذه المافيا ، بحيث تُوسِِِّّع الليبرالية الجديدة من الشبكة ومن إطار دورة رأس المال . إن الإعلان يتعامى عن رؤية العولمة المتوحشة التي تأكل الأخضر واليابس في سورية منذ شارك الجيش السوري مع نحو ثلاثين جيش في أول حروب العولمة المتوحشة في حرب الخليج الأولى . ولعل المفاهيم التي تُسَيِّر هذا الإعلان الذي دفن الأمة والطبقة واليسار هي إشارة قوية تُفيد بأن العولمة بدأت تفعل فعلها في سورية ، وأن مفاهيم العولمة المتوحشة والليبرالية الجديدة تسلَّلت إلى أفكار اليسار العربي في قلب العروبة النابض .
بل ، وامتدت مؤثرات العولمة الليبرالية إلى الإعلان والعقلية التي صيغ بها ، فمفاهيم ومقولات الطبقة والأمة تحولت بمنطق هذه العولمة إلى "مكونات الشعب السوري" ، أي إلى تحويل الكتلة المجتمعية الطبقية إلى أفراد أو جماعات من المستحثات ، كل منها ذرة مستقلة في ذاتها ، تتراصف إلى جانب غيرها من الذرات والجماعات . فمن أجل من دخل عشرات الألوف إلى السجون وأمضوا فيها زهرة شبابهم ؟! من أجل المسألة الطائفية ومشكلة الأقليا ت ؟!
وعندما يتحدث الإعلان عن أن "التحولات المطلوبة تطال مختلف جوانب الحياة" ، فإن الإعلان يختار الغموض ، والأرجح أنه يخجل من المطالبة ببرنامج اقتصادي اجتماعي يخدم الطبقات الشعبية والوسطى ويرفع عن البلاد وكل المستَغلين ما يعانون منه من فقر وعوز ، وفي مقدمتهم الملايين من السوريين الذين يعيشون تحت مستوى الفقر ، أو من كان من هذه الملايين يعاني من ضائقة العيش . إن إحدى معضلات الإعلان أنه لم يضع يده على نقاط التمفصل بين المجتمع ، حيث الأكثرية الشعبية الفقيرة والمعوزة وبين السياسة ، حيث اليمين والأخوان المسلمين يَعزلون الديمقراطية السياسية عن المطالب المجتمعية . وهو في نهاية المطاف اختار السياسة وأهمل المجتمع .
وعلى غرار الغموض الذي يرافق مسألة التحولات المجتمعية المطلوبة من أجل إنجاز ديمقراطية متينة ، فإن البيان الذي يُكَرِّس للتغيير الديمقراطي السياسي يَغرق بمطالبته بتغييرات تنحصر حسب نص الإعلان بالشكل الدستوري المؤسساتي للدولة ، فهو ، أسوة بالعولمة والليبرالية الجديدة التي فَصَلَت الديمقراطية السياسية عن المضمون المجتمعي وصراع الطبقات ، لا يُعير أية أهمية للتحولات المجتمعية التي ، إن هي لم ترافق الانتقال الديمقراطي ، فإن التغيير سوف يقصِّر في إنجاز الانتقال إلى الديمقراطية ، ويَحصر هذه الديموقراطية في صناديق الاقتراع وجيوب وخزائن الأغنياء . إذ ما لم يُعاد توزيع الثروة في سورية بحيث تتسع وتمتد إلى الطبقات الشعبية فإن الديمقراطية ستكون مشوهة وممسوخة على هوى المستفيدين المستَغِلِّين . إن الإعلان ، من هذه الجهة ، يُبَشِّر بانتقال ديمقراطي ليبرالي .
* * *

الأمير والتكتيك السلطاني
إذا كان الإعلان لا يخالف الصواب عندما يأخذ بحرب المواقع ، وتراه يدرك أن توفير الظروف أمام تفكُّك السلطة يُملي على الوفاق الوطني الموعود الامتناع عن تبني الاستراتيجية الهجومية للحرب الشاملة والجبهة ضد جبهة ، بما يفسح المجال ، بفضل هكذا تكتيك دفاعي ، أمام ظهور الانشقاق ضمن السلطة ، فيساهم التكتيك الدفاعي للوفاق الوطني في توفير الظروف الموضوعية أمام التغيير ، وذلك بدل تعبئة السلطة وتوحيدها ضد المجتمع إذا ما تبنى الإعلان استراتيجية الحرب الشاملة ، وذلك كما حصل في مطلع الثمانينات عندما رفعت جماعة الأخوان المسلمين السلاح في نهاية السبعينات فأرغمت المتنازعين ضمن السلطة على التلاحم في ما بينهم للحيلولة دون تمزق سلطانهم .. إذا كان الإعلان في كل ذلك يدرك أن التغيير يستدعي لزوما انتهاج تكتيك دفاعي يتحاشى سد الطريق أمام الخلافات ضمن الأجهزة الحاكمة ، بل ويشجع على تعميقها ، إلا أن الإعلان إذ هو يتبنى برنامجا يُنَحِّي إلى الصفوف الخلفية المعركة المجتمعية بأبعادها الاقتصادية المعيشية ، فإنه يُبطِل على هذا النحو كل الدوافع التي قد تكون حافزا على الانشقاق ضمن السلطة لأسباب معيشية أو طبقية ، وهو يقوِّض في الوقت نفسه وعلى هذا النحو تكتيكه الدفاعي هذا . لأن المعركة المعاشية للأهالي من أجل قوت يومهم هي على غرار المشائل القومية والتحررية دافع رئيس لكل تمزق ممكن أو افتراضي ضمن السلطة . ناهيكم وأن تعبير "الإصلاح" الذي يُرضي السلطان وأهل الأمر والنهي ، ويَشُلُّ النزوع إلى التغيير لدى المتعاطفين من أهل السلطة وحزب البعث مع مصالح الطبقات الشعبية ، قد تسلَّل إلى الإعلان واندس بين أسطره ، وحَلَّ الإصلاح أحيانا محل التغيير الديمقراطي والانتقال إلى الديمقراطية . الأمر الذي يُلغي مرة ثانية هذا التكتيك ، يبطله ويعطله .
لقد نحى الإعلان لدى تعويله على الانشقاق ضمن السلطة وتفكُّكِها كشرط موضوعي للتغير منحى غير مفيد عندما نأى عن الأخذ بالأسباب القوية التي تقود إلى مثل هذا الانشقاق . وهي أسباب معيشية تتعلق بحالة الفقر والعوز التي تعم شرائح واسعة من الطبقة الوسطى وأصحاب الأجور والعمال . الأمر الذي يجعل من هذا التكتيك الدفاعي تكتيكا دفاعيا أميريا بدل أن يكون تكتيكا شعبيا للتغيير الجذري السياسي والمجتمعي . ذلك أن الإعلان يريد أن يَحُلَّ المشكلة بمنطق سلطاني إن لم يكن مع الأمير نفسه ، وليس مجتمعيا . إنه يؤكد بأن "مشروع التغيير الديمقراطي والإصلاح السياسي .. يجب أن يكون سلميا ومتدرجا ومبنيا على التوافق" . وهو يدعو "إلى فتح القنوات لحوار وطني شامل" وتمهيد الطريق لعقد مؤتمر وطني ، يمكن أن تشارك فيه جميع القوى الطامحة إلى التغيير ، بما فيها من يقبل بذلك من أهل النظام" . وقد أوضح الرفيق جورج صبرة أن الإعلان يبقى مفتوحا "حتى لمن يقبل به من أهل النظام" . نعم ، هذا هو الطريق الوحيد شرط أن يُعَمِّق برنامج الوفاق الوطني الصراعات الطبقية التي تقود بدورها إلى تَفكُّك السلطة ، ويُوْسِع المكان في مقدمته وفي صلبه وخاتمته لفلسطين والعراق التي لم يعد لها حسب الناصريين والشيوعيين سابقا أي حيز مركزي .
لما كان الإعلان ينصرف عن تعميق الصراعات المجتمعية والقومية فإنه يتحول إلى منطق سلطوي يسعى إلى السلطة الأميرية التي لا تتنافى دوما مع المجالس والانتخابات . وهو الذي لم يَتحرر من عقلية الأمير يريد بالعقلية نفسها أن يجد حلولا سياسية ومجتمعية لسورية . لكن الانتقال الديمقراطي غير ذلك . إذ إن بلوغ مثل هذا الانتقال يُعتَبَر مهمة ينجزها المجتمع وحده بدون الدولة إن لم يكن ضدها . والأسوأ من ذلك ، أن سورية تفتقد إلى الدولة افتقادا كاملا ، بعدما باتت المؤسسة السياسية في سورية مجموعة من الأجهزة القمعية تسيطر على إدارات تنتج الفساد وهي معدومة السلطات . فكيف ننتظر من المؤسسة الحاكمة السلطوية القمعية التغيير ما لم يُعَمِّق إعلان الوفاق الوطني الصراعات الطبقية والقومية التحررية ضمن الأجهزة الحاكمة بفضل رفع درجة النضال المطلبي إلى أقصى حد ؟
* * *
النبي العربي
عَلَّمنا عبد الرحمن الكواكبي أن الحداثة في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين هي مُعاصَرَة الحدث التاريخي وما يَحْمِلُه من قطيعة مع الماضي وتجديد للحاضر . هو الذي أدرك أن الحداثة التاريخية التي تواكب نهاية الدولة العثمانية تَحمِل معها الثورة القومية التي تَقلب العلاقة بين الإسلام والعروبة ، فتجعل العروبة حاملة للإسلام بعدما كان الإسلام حاملا للعروبة . لقد أضاء الكواكبي على هذا النحو الضوء الذي ينبعث من علاقة التلازم بين الانتقال والقطيعة والثورة والحداثة والمعاصرة . ثم ذهب ميشيل عفلق في منحى مشابه إلى حد ما عندما أدرك أن العروبة هي مصدر الإسلام ومرجعيته الثقافية والسياسية . الأمر الذي كان يشكل البوادر الأولية لنمط جديد من التفكير والممارسة يقطع مع الأنماط السابقة ومنها بوجه خاص الفكر الديني ، ويواكب المتغيرات الجذرية للتاريخ . وإن الكواكبي معاصر طالما هو يدرك أن الحاضر هو الذي ينظر إلى الماضي وليس العكس ، وأن القومية هي التي تنظر إلى الدين وتحمله وليس العكس ، وذلك فيما مضى الفكر القومي المحض في غلوائه القومي (ميشال عفلق) إلى حد اشتقاق الإسلام من عروبة يعود تاريخها إلى ما بعد العصر الحجري بقليل .
ولنلاحظ أن الهوية الدينية الثقافية والتمركز الذاتي حولها الذي هو آلية كل أيديوليوجية ، هو نفسه الذي يقود بالإعلان إلى التحدث عما يسميه ب"الانفتاح على الثقافات الجديدة والمعاصرة". ماذا ؟ وكيف ؟ نحن في سورية ننفتح على الثقافات المعاصرة ؟! كلاَّ . الثقافات الجديدة هي التي تنفتح على أوضاعنا ، ونحن نقرأ اليوم - إذا كنا معاصرين وأهل حداثة - ثقافتنا وأوضاعنا من أبو زيد ورمضان إلى الجاهلية بأعين ديكارت وكانط وماركس . هذه الثقافات الجديدة التي هي نتاج شعوب معذَّبه مستَغَلََّة مثلنا ، وإن كانت هي لا تتحدث بلغة الضاد ، ولا تتوجه إلى شبه الجزيرة العربية في شوقها وعشقها للمطلق .
إن الإعلان الذي يؤكِّد على امتداد ستة أسطر أن الثقافة الإسلامية والإسلام "هو دين الأكثرية" . منطق الأكثرية والأقلية في متن الإعلان ديني إثني وليس سياسي بالمعنى البرلماني . والأكثرية هنا هي أهل السنة . والمقصود من زجها هنا هو إرغامنا منذ شهر نوفمبر الماضي على ابتلاع المادة الأولى في الدستور المقبل التي تنص بأن الإسلام هو مصدر االتشريع . أي حرمان المسيحيين من رئاسة الجمهورية ، ومنع المسيحي من الزواج من مسلمة ، وتسجيل الزواج كل لدى محكمته الدينية ، الخ وهلم جرا من التشريعات التي تنفي التساوي بين الأفراد والجنسين من حيث انتمائهم إلى وطن واحد وأمام الحقوق والواجبات نفسها . الأكثرية هنا من حيث هي مقدمة لاضطهاد العلويين والنصارى واليهود والمتصوفة والعلمانيين والملحدين والفرق والطوائف وبرفقتهم الشيوعيين ؟! والبلية العظمى هي أن الإعلان يستنكف عن وصف الفقراء والمعوزين والجائعين بأنهم أكثرية ، ويخص هذه المقولة للدين وحده دون غيره . فباسم أي من الطبقات يتحدث هذا الوفاق الوطني المزعوم ؟! .. لكن الإعلان الذي يَعتبر الثقافة الإسلامية المكون الثقافي الأبرز في حياة الأمة والشعب" ، يعود بالمجتمع السوري إلى عهد ما قبل النهضة العربية التي كانت شهدت ولادة "أم القرى" مع الكواكبي . أم القرى حيث يحمل العربي الخلافة الإسلامية . والإعلان أيضا يعود بالمجتمع السوري إلى عهد ما قبل الفكر القومي الذي يعتبر العروبة مصدرا للدين ، وليس العكس . فإلى أين ولَّى كفاح الشعب السوري من أجل المساواة بين أفراده أمام الدستور وفي الحقوق والواجبات ؟ أم تراه كان ولا يزال حتى اليوم كفاحا من أجل التساوي فقط على أعمدة المشانق وفي غياهب السجون فقط !
وفي سورية ما قبل الاستقلال وما بعده ، فإن الوحدة الوطنية نشأت حول القومية التي ذَوَّبَت الطائفية المجتمعية دون أن تقوى على تذويب ، بصورة مساوية، الطائفية السياسية في مؤسسات الحكم والأجهزة . تارة لأن السياسة متأخرة عن المجتمع دوما وأبدا ، وهي تتمسك بالإسلام كمصدر للتشريع ، وتارة أخرى لأن الأجهزة الحاكمة ما بعد 8 آذار 1963 قَضَتَ على المجتمع نفسه . ها هنا تكمن إحدى المفارقات بين قومية المجتمع السوري وبين الانتماء الديني لدولته . مفارقة قوامها أن القومية التي تَحمِل العلمانية ، وإن كانت هي التي قادت العمل السياسي التحرري والمجتمعي ، إلا أنها قصَّرت في فرض العلمانية القومية على الدولة ، لا لشيء إلا لأن الأجهزة القمعية الحاكمة وتوزيع العمل والثورة على الصعيدين العالمي والمحلي سرقا من الشعب السوري الدولة والمجتمع معا . بيد أن الإعلان ، إذ هو يؤكد على الثقافة الإسلامية ، فإنه يتحدث بالتالي بمنطق الدولة والسلطة وتوزيع الحكم والإدارة في المستقبل مع الأخوان المسلمين والرجعيين ، ويرفض المنطق القومي العلماني للمجتمع.
فالمجتمع القومي المتحرر ، وليس الأجهزة القمعية التي تحكم سورية بدون دولة وبلغة القمع وحده ، هو الذي يَحمل الوحدة الوطنية في سورية . فلقد كانت ثقافة المجتمع السوري منذ الثورة العربية الكبرى ومؤتمر باريس هي الثقافة القومية التحررية (جمال عبد الناصر حظي من الأخوان المسلمين بعدائهم لأنه وضع القومية فوق الدين) ، ولو كان الأمر غير ذلك ، لما كان ظهرت في سورية منذ نهاية القرن التاسع عشر تيارات قومية ، ولما انتشر الفكر الاشتراكي في سورية منذ نهاية الحرب العالمية الأولى . فلقد تَوَحَّدَ المجتمع السوري حول مفاهيم وصراعات لا علاقة لها بالثقافة الإسلامية .
ولا يَخفى على أحد أن إعلان الوفاق الوطني هذا قد تَوسَّع في الإشادة بالثقافة الإسلامية استرضاءً منه للأخوان المسلمين . . وضحَّى ا بكفاح الشعب السوري من أجل المساواة استرضاءً لهم . وهو لم ير مانعا من أجل نيل موافقتهم على نصه أن يعفيهم من الاعتذار للشعب السوري على الجرائم التي ارتكبتها هذه الجماعة بحق مواطنين أبرياء وشرفاء غير ملوثة أيديهم بدماء مواطنيهم . إن الديماغوجية بَلَغَت هنا حدا حتى أن الإعلان نسي أن الأخوان عادوا الوحدة وتواطؤا مع الأحلاف وكرسوا الانفصال الأسود ورفعوا السلاح في نهاية السبعينات ما أدى إلى إجهاض الحركة الديمقراطية في سورية في مطلع الثمانينات وخلال عقدين اثنين . إنهم بالمحصلة ليسوا أهلا لثقة الوحدويين والاشتراكيين والديمقراطيين بهم .
* * *
مقدمة أخيرة
يريد الإعلان أن يفتح الغلق الذي يوصد بإحكام باب الديمقراطية في سورية بمفتاح يدور دورة واحدة في هذا القفل الصدىء ، مفتاح واحد اسمه الديمقراطية . لكن الغلق الذي يسد الباب السوري للديمقراطية يَحُول دون أن يُفتَحَ هذا الباب ما لم يدر المفتاح في هذا القفل ثلاث دورات . دورة أولى من أجل تشييد البدائل المجتمعية لكسر النيوليبرالية والعولمة ، ودورة ثانية من أجل فتح أوسع صناديق الاقتراع أمام أوسع الجماهير ، ودورة أخيرة من أجل مقاومة الأمبريالية والأمبراطورية الأمريكية .
إن إعلانا من هذا القبيل يخلو من أية إشارة إلى السياسة الأمريكية وإسرائيل والعراق وفلسطين ، هو إعلان لا يمت بصلة إلى سورية وتاريخها ونضال قواها التحريرية . إنه يُرضي ، ما في ذلك شك ، أولئك من "اليساريين" الذين يعلنون بصوت مرتفع عن تأييدهم للخلاص من الاستبداد ذي النمط السوري بتدخل خارجي . والأرجح أن المفتاح الذي أراد به إعلان الوفاق الوطني أن يَفتح الأبواب الموصدة للديمقراطية والبدائل المجتمعية الاقتصادية هي ليست سورية ، وإنما هي مفتاح العولمة والنيوليبرالية . ويبدو أن كتّابه لم تتناه إليهم أخبار المعارك التي تخوضها مجتمعات أمريكا اللاتينية ضد الولايات المتحدة والرأسمالية في زمن العولمة ، وأن أنظارهم بقيت معلقة بالاتحاد الأوروبي .
ما هي مهامنا ، ما هو برنامجنا ؟ نشر الثقافة الإسلامية أم نشر ثقافة يسارية تحررية مناهضة للأمبريالية والصهيونية ؟ الإعلان يكشف إلى أي حد تدهور الوعي السياسي في سورية ، حتى أن الوفاق الوطني بات جزءً منه وليس علاجا له . إلى أي درك هبط إليه الفكر السياسي في سورية حتى أنه لم يعد يُميِّز بين اليمين واليسار ، الدين والسياسة ، أنصار المجتمع وتطلعاته القومية والتحررية ، وأعدائه . عساه أن يكون مسودة أولية لمشروع إعلان لا تزال صياغته النهائية في قيد الإعداد.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,562,998,318
- من أجل حملة مناهضة للشراكة الأوروبية المتوسطية
- النداء والأجندة الصادرين عن مجلس الحركات الاجتماعية لبلدان ح ...
- حركة مناهضة العولمة تنصب أول حاجز لها في حوض المتوسط لمقاومة ...
- سورية في زمن الأمبراطورية الأمريكية والنيوليبرالية الجديدة:م ...
- حوض بحر الأبيض المتوسط حيز مركزي في مناهضة العولمة الليبرالي ...
- منتدى بورتو أليغري 2005 : المقاومة الواسعة لليبرالية على مفت ...
- دفاع عن المسألة النظرية : قراءة لكتابات نقولا الزهر
- أسئلة موجهة الى مشروع تقرير المؤتمر السادس للحزب الشيوعي الس ...
- عن التحالفات في سورية على مشارف المنعطف الانتقالي


المزيد.....




- مساعدا وزير الخارجية الأميركي يتحدثان للجزيرة بشأن تطورات ال ...
- الجيش اليمني: مقاتلات التحالف تستهدف عربة للحوثيين شرق صعدة ...
- مسؤول تركي: الهدنة في سوريا كانت متوقفة على طلب تركي
- بومبيو عن اتفاق الهدنة شمالي سوريا: نأمل بتنفيذه كاملا خلال ...
- What You Don’t Know About Getting the Best Smartphone Casino ...
- Effective Strategies for The Basic Facts of New Online Casin ...
- قرية المسلمين في مدينة الخطيئة.. إمام يؤسس بيت النور بلاس في ...
- ضريبة الوات ساب تفجر بركان الغضب اللبناني
- مصر تدين الهجوم الإرهابي على مسجد في أفغانستان
- أردوغان: -نبع السلام- ستتواصل بحزم إذا لم تلتزم واشنطن بوعود ...


المزيد.....

- مقالات إلى سميرة (8) في المسألة الإسلامية / ياسين الحاج صالح
- ثلاث مشكلات في مفهوم الدولة / ياسين الحاج صالح
- العرب التعليم الديني والمستقبل / منذر علي
- الدين والتجربة الشخصية: شهادة / ياسين الحاج صالح
- المناضلون الأوفياء للوطن والمحترفون ل (اللا وطنية) من أجل ال ... / محمد الحنفي
- سورية واليسار الأنتي امبريالي الغربي / ياسين الحاج صالح
- ما بعد الاستعمار؟ ما بعد الاستبداد؟ أم ما بعد الديمقراطية؟ / ياسين الحاج صالح
- كتاب فتاوى تقدمية للناصر خشيني تقديم د صفوت حاتم / الناصر خشيني
- اكتوبر عظيم المجد / سعيد مضيه
- الديمقراطية في النظم السياسية العربية (ملاحظات حول منهجية ال ... / محمد عادل زكي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - حسان خالد شاتيلا - إعلان دمشق تكتيك دفاعي يفتقد إلى جيش مجتمعي