أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - فاطمة ناعوت - السير يعقوب وليلى ابنة الفقراء














المزيد.....

السير يعقوب وليلى ابنة الفقراء


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 5153 - 2016 / 5 / 5 - 13:27
المحور: حقوق الانسان
    


ربما ليس اسمها "ليلى"، هذا اسمٌ اخترعتُه أنا للضرورة الشعرية. لا أعرف اسمَها، كل ما أعرفه أنها طفلةٌ جميلة، لأن كل الطفلات جميلات. كل ما أعرفه أنها فقيرة، شأن معظم أطفال الريف المصري وصعيده. كلّ ما أعرفه أن أمَّها تعمل في خدمة أحد البيوت، وأنّ الطفلة كسيرةٌ وحزينة، لا تلعب بالدمية، ولا أرجوحةٌ لديها. ليس فقط بسبب فقرها، وقلّة حيلة أبويها، بل بسبب وهن قلبها الصغير الذي لا يتحمّل المرض المبكّر الذي ضربه وهي بعدُ تتلمّس خطاها المتعثّرة الأولى في الحياة.
لم أهتمُّ أن أسأل صديقتي الجميلة عن اسم الطفلة العليلة، ليكون مقالي مُجهّلَ الأسماء فيسري على كل الأطفال والطفلات الذين اختبر الُله ذويهم بمحنة مرض أطفالهم. لم أهتم باسمِها، لأن بطل قصتنا أيضًا لم يهتم بمعرفة اسم الطفلة ولا مركزها الاجتماعي ولا لون بشرتها ولا عقيدتها. هي بالنسبة له طفلة تستحق الحياة، كونها "إنسانًا". بطل مقالي لا ينظر إلى وجوه مرضاه، ولا يفتّش عن اسم الأب والجد وجد الجد ليحدّد نسبها وعقيدتها. لا ينظر إلى ملابس مرضاه، إنما يخترقُ بصرُه تلك الملابس وينفذ إلى ما وراء القفص الصدري ليتأمل تلك العضلة الصغيرة الواهنة، ثم يفتّش عن الداء، ويمسك مباضعه الجراحية ويبدأ العمل.
أما صديقتي الجميلة فهي ابنة أحد رموز مصر النيّرة. المثقفة المستنيرة "أمينة ثروت أباظة"، التي نذرت حياتَها من أجل حقوق فقراء هذا البلد الطيب، وكذلك من أجل حقوق تلك الكائنات المستضعَفة التي لا تقوى على البوح بأوجاعها: الحيوان.
حكت لنا صديقتي عن خادمة شقيقها، وطفلتها التي لا تملك المال ولا السلطان، إنما تملك المرض الذي ينهش أوردة قلبها النحيل وشرايينه. أرسلوا حالتَها للطبيب الشهير، فكانت في اليوم التالي ترقد على أحد أسرّة المستشفى بين يدي البروفيسور العالمي، ولم تنتظر دورَها في قائمة المرضى الطويلة، التي لا ينتظمها إلا شيء واحد وفقط: خطورة الحالة. قائمة المرضى لا تعرف شيئًا اسمه: غنيّ وفقير، مسلم ومسيحي، أبيض أو أسود، إلى آخر تلك التصنيفات العبثية النائتة عن مظلّة الإنسانية، كل ما تعرفه تلك القائمة، وترتّب على أساسه أولولياتها، هو أن هناك قلبًا مريضًا يجب أن يُشفى.
الحكاية تتكرّر كل يوم. طفلة الخادمة مريضة، تذهب بها أمُّها كل نهار من طبيب إلى طبيب، حتى شارفت على الموت والطيران إلى السماء الأرحم بنا منّا على بعضنا البعض. وحين ضربهم اليأس فكّروا في البروفيسور الشهير، لكن من أين لهم بالوساطة التي تدفع الطبيب الشهير لفحص طفلة فقيرة؟! سألوا صديقتي أن تتدخل بنفوذها وشهرتها ومعرفتها بكبار البلد، ولكن، قبل تدخّلها، هاتفوها وأخبروها أن البروفيسور وافق على رؤية الصغيرة لخطورة الحالة، ولا داعي للوساطة، وهم في طريقهم لأسوان، حيث المركز الطبيّ العالمي الكبير. لم يسأل المستشفى عن اسم الطفلة ولا معتقدها الديني ولا مركزها المالي، فقط طلبوا تقرير الأطباء السابقين الذين فحصوها في القاهرة. وخضعت الطفلة لمشارط البروفيسور العالمي، وشُفيت بأمر الله وعبقرية طبيب مصري نبيل، وبالمجّان. دون وساطة، ودون مصالح متبادلة، في دولة لا تُسيّر أعمالها، للأسف، إلا بالوساطة والرشاوى والنفوذ وتبادل المصالح.
بالتأكيد عرفتم الآن مَن فارس مقالي. إنه البروفيسور الذي جاء من أسوان إلى القاهرة لينقذ حياة طفلة أخرى أبوها ليس إلا بائع شاي فقيرًا. أجرى العملية مجانًا ودفع من جيبه تكاليف ما بعد العملية من متابعة وأدوية وأشعات وفحوص. أيضًا دون أن يسأل عن اسم الطفلة المريضة، ولا عن دينها. نعم، هو السير مجدي يعقوب، معجزة مصر الطيبة، وأحد أهراماتها البشرية الشاهقة، أحد أكبر أساطين الطب في العالم، الذي أخبرته الملكة إليزابيث وهي تمنحه لقب "فارس"، أنه هدية مصر للعالم أجمع. فطوبى لمصر بكَ، وطوبى للعالم بعلمك الرفيع وروحك النبيلة.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,565,973,365
- الإمارات تكسر شرانقهم |الأسبوع العالمي للتوّحد
- تعالوا نمشيها نكت
- حُلم | قصيدة للشاعرة فاطمة ناعوت
- دعاء خصم فاطمة ناعوت | كيف ندعو على ظالمينا؟
- أجدلُ السعفَ لأنني أحبُّ
- ما الهزيمة؟
- القطة .... التي كسرت عنقي
- العصفورُ المتوحّد
- أولاد الوزّة
- سامحيني يا سمراء | أم الشهيدة والأرنب المغدور
- أيها الشعراء غنّوا وأُسجنوا!1
- قفص العيب
- مَن هُم خصومُنا؟
- اسمُها زَها حديد
- ثغرة في قانون ازدراء الأديان
- كنتي سيبيه يمسكها يا فوزية!
- توب الفرح يا توب
- لماذا اسمها -آنجيل-؟
- لماذا هرب الجمل؟
- دولة الأوبرا تزدري الطبيعة!


المزيد.....




- “التجديد العربية” تدعم صمود الأسرى الأردنيين في سجون الاحتلا ...
- مصريون يتداولون فيديو لـ-اعتقال سيدة رفضت تفتيش تليفونها-
- احتجاج واعتقالات ومخاوف من إفلات المتهم.. قضية -شهيد الشهامة ...
- ضحايا دارفور: لا سلام بدون مثول البشير أمام المحكمة الجنائية ...
- كارمين وامتحان التأمين
- شهادات مؤثرة لضحايا دارفور.. وإصرار على مثول البشير أمام الم ...
- مئات اللبنانيين يتظاهرون في فرنسا دعما لمواطنيهم المحتجين ضد ...
- برلماني إيراني: اعتقال عدد من موظفي الرئاسة بتهمة التواطؤ مع ...
- بالفيديو.. لبنانيون يتظاهرون أمام سفارة بلادهم في بروكسل
- رايتس ووتش: حفتر يستخف بحياة المدنيين


المزيد.....

- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان
- على هامش الدورة 38 الاعتيادية لمجلس حقوق الانسان .. قراءة في ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- حق المعتقل في السلامة البدنية والحماية من التعذيب / الصديق كبوري
- الفلسفة، وحقوق الإنسان... / محمد الحنفي
- المواطنة ..زهو الحضور ووجع الغياب وجدل الحق والواجب القسم ال ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- الحق في حرية الراي والتعبير وما جاوره.. ادوات في السياسة الو ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - فاطمة ناعوت - السير يعقوب وليلى ابنة الفقراء