أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبد المجيد حمدان - تقاطعات بين الأديان 3 الأضاحي البشرية















المزيد.....


تقاطعات بين الأديان 3 الأضاحي البشرية


عبد المجيد حمدان

الحوار المتمدن-العدد: 5149 - 2016 / 5 / 1 - 22:38
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


تقاطعات بين الأديان
3
الأضاحي البشرية


أظن أن كثيرين منا ، باتوا يعرفون الآن ، أن كل الديانات ، قديمها وحديثها ، وفي كل أقطار الأرض ، عرفت طقوس تقديم الأضاحي لآلهتها . كما باتوا يعرفون أن أغلبية هذه الديانات عرفت تقديم الأضاحي – الذبائح - البشرية ، وأنها انتقلت ، في وقت لاحق ، لاستبدالها بالأضاحي الحيوانية والنباتية . فكيف ومتى حدث هذا الانتقال ؟
ابتدع إنسان مطلع الديانات فكرة التقدمات للآلهة ، ومنها الأضاحي ، بغية استرضائها فنيل ثوابها من ناحية ، واتقاء غضبها ، فتجنب عقابها من ناحية أخرى . ولأن الغضب – غضب الطبيعة كالزلازل والفيضانات وغزوات الوحوش ...الخ – كان هائلا وصاعقا في كثير من ا لأحيان ، فقد تطلب استرضاء الآلهة التفكير في رفع قيمة الأضاحي ، فكانت طقوس التضحية بالبشر ذاتهم ، والأبناء الأبكار ، بما لهم من حظوة عند الوالدين ، في المقدمة .
لكن مسيرة البشرية أمدت الإنسان بفهم أفضل لفعل الطبيعة وكوارثها من جهة ، وبإمكانية استرضائها بما هو أقل من قيمة الإنسان من جهة أخرى . هكذا جاء الانتقال من الأضاحي البشرية – الأطفال بصورة عامة – ، بعد ممارسات مديدة ، إلى الأضاحي الحيوانية والنباتية .
بعض أتباع الديانات الموصوفة بالإبراهيمية ، والسماوية في قول آخر – اليهودية ، المسيحية والإسلام – ينسبون هذا التطور ، إلى هذه الديانات ، استنادا لقصة إبراهيم وذبح ابنه الواردة في كل من التوراة والقرآن . لكنهم ، وهم ينسبون هذا الفضل لدياناتهم ، يتناسون جملة من الحقائق . أولها أن ديانات سابقة على الإبراهيمية ، حققت هذه النقلة النوعية ، ودون معرفة بقصة إبراهيم ، والتي جاءت تالية . فالشريعة السومرية مثلا ، وقبل إبراهيم بأكثر من ألف وخمسمائة سنة ، أحلت الضأن – الكبش – مكان الإنسان في هذه التضحيات . وحذت البابلية الأولى حذوها ، بتقديمها الحمل – الخروف – كقربان للآلهة . وثانيها أن ديانات لم يسمع أتباعها بأي من الديانات الإبراهيمية ، حققت هذه النقلة أيضا ، وفي أزمان سابقة وتالية. منها الديانات الأوروبية القديمة ، وديانات قسم كبير من العالم القديم – شرق ووسط آسيا ، وشمال ووسط أوروبا - . وثالثها أن شعوب العالم الجديد – الأمريكتين ، أفريقيا جنوب الصحراء ، أستراليا والأقيانوسيا – لم تسمع بالديانات السماوية إلا منذ أقل من خمسمائة سنة . وكانت أغلب دياناتها قد تجاوزت طقس التضحيات البشرية . ورابعها أن ديانات بعض أمم أمريكا الجنوبية ، كالمايا ، الأزتيك والأنكا ، واصلت ممارسة طقس الأضاحي البشرية ، حتى الغزو الإسباني لها ، أي إلى بداية القرن السادس عشر . وظل هذا الطقس شديد الوحشية في كل مراحله . إذ لم يكتف القائمون عليه التضحية بالآحاد من الناس ، كما في الديانات الأخرى ، وإنما تجاوزوه إلى التضحية بالجموع . احتاج ذلك لغزو القبائل المجاورة وأسر أفرادها ، وتقديمهم أضاحي جماعية . وأكثر من ذلك ، لم يكتفوا بقتل الضحية وحرقها على المذبح ، بل كانوا يعمدون إلى انتزاع القلب من الأسير وهو حي ، في طلب لرضا الآلهة . وكما أشرنا لم يتوقف هذا الطقس الجهنمي إلا بفعل الغزو الإسباني .

الأضاحي الكنعانية :

وكما نعرف لعبت البيئة الكنعانية – الفينيقية ، دور الحاضنة الاجتماعية والعقائدية للآباء المؤسسين ، لما عرف فيما بعد ببني إسرائيل – إبراهيم ، إسحق ويعقوب الذي انقلب اسمه لإسرائيل - ومن ثم للديانتين ؛ اليهودية والمسيحية ، كما توضح لنا التوراة . كما وعكست تأثيرا بالغ الأهمية ، على البيئة الحجازية ، حاضنة الإسلام .
الديانة الكنعانية - الفينيقية ، مثل سائر الديانات القديمة ، كانت قد عرفت طقس الذبائح البشرية ، وهو ما أكدته المكتشفات الأثرية الحديثة . فقد عثر الأثريون في المرتفعات ، أو المقامات الكنعانية ، والفينيقية ، على بقايا للأضاحي البشرية . والمرتفعات ، وهي غير المعابد ، تقام في الهواء الطلق ، على مرتفع جبلي ، محاطة بمذابح ، بحجارة مقدسة ، وبأفنية واسعة . في هذه الأفنية ، وفي مواقع فينيقية – سواحل جنوب ووسط البحر المتوسط - وكنعانية متعددة ، عثر الأثريون على آلاف من الجرار الحاوية على العظام المحروقة لأطفال غالبيتهم دون سن الثانية ، وقلة في الثانية عشرة ، أحرقوا كأضاحي للآلهة . وعلى الجرار وجدوا كلمة مولك ، أو مولوخ باليونانية . كما عثروا على رسوم منقوشة على أعمدة ، وعلى آنية ، لأهالي يهدهدون أطفالهم المرعوبين ، بغرض تهدئتهم ، ووقف بكائهم قبل تقديمهم للمحرقة .
فسر الأثريون كلمة مولك المكتوبة على الجرار بأنها اسم لإله كنعاني ، كانت تقدم له هذه الذبائح البشرية من الأطفال . ورغم أن البانثيون – مجمع الآلهة - الكنعاني خلا من اسم هذا الإله ، إلا أن الأثريين وصفوه بأنه إله للصواعق والرعود ، يشترك في هذه الصفات مع الإله بعل . ومؤخرا ، وبعد مكتشفات أوغاريت ، وفك رموز اللغة الكنعانية ، اتضح أن مولك تعني الذبيحة البشرية ، وليس اسما لإله ، ووضعها على الجرة ، إشارة لأن الجرة تحوي رفات ذبيحة بشرية .
في الأفنية المشار إليها ، عثر الأثريون على جرار ، تنتمي لحقبة تاريخية متأخرة ، وتحتوي على عظام محروقة لطيور وحيوانات ، وعلى بقايا نباتية . الأمر الذي يشيرلانتقال الكنعانيين – الفينيقيين ، في تقديم الأضاحي ، إلى البدائل الحيوانية والنباتية ، مثلما فعل غيرهم من أتباع الديانات الأخرى ، السابقة والمعاصرة لهم .
إبراهيم وذبح ولده :
ونأتي إلى السؤال : هل حدثت النقلة من الأضاحي البشرية إلى الحيوانية والنباتية بتأثير من الديانات الإبراهيمية ، استنادا لقصة إبراهيم وذبح ولده ؟

في التوراة وردت قصة ذبح إبراهيم لابنه إسحق في الإصحاح الثاني والعشرين من سفر التكوين . وتقول أن الله أراد امتحان إبراهيم ، بأن أمره أن يُصَعِّد ابنه ، وحيده ، إسحق ، محرقة على جبل في أرض الموريا – حسب التسمية التوراتية - . لا تقول التوراة أين كان إبراهيم يقيم حين تلقى هذا الأمر ، وإن يفهم من السياق أنه كان يقيم في جنوب فلسطين – بئر السبع أو الخليل - . امتثل إبراهيم للأمر . شد على حماره . صحب اثنين من عبيده ، وتوجه إلى أرض الموريا بصحبة ابنه ، يبحث عن الجبل الذي عينه له الله . في اليوم الثالث وجد الجبل – جبل جرزيم الذي يحتضن نابلس من الناحية الجنوبية حسب معتقدات طائفة السامريين - . ترك العبدين وصعد الجبل مع ابنه . بنى المذبح . حَضَّر الحطب ، النار والسكين ، وإذا بابنه يسأله : " هو ذا النار والحطب ، ولكن أين هو الخروف للمحرقة ؟ " . رد إبراهيم :" الله يرى له الخروف للمحرقة يا ابني " .
بعد ترتيب الحطب ، ربط إبراهيم ابنه إسحق ووضعه فوق الحطب . وحين أخرج السكين وهَمَّ بذبحه ناداه ملاك الرب – وليس الله الذي سبق وأمره – من السماء ، وأمره قائلا : " لا تمد يدك إلى الغلام ، ولا تفعل به شيئا لأني الآن علمت أنك خائفٌ الله فلم تمسك ابنك وحيدك عني " . توقف إبراهيم ، فك إسحق وأنزله عن المذبح . جال بعينيه حوله فرأى كبشا علق قرناه بين فروع شجرة في الغابة . أخذ الكبش وأصعده محرقة لله .

أما في القرآن فالقصة وردت في سورة الصافات ، ومن الآية 100 إلى الآية 111 ، وعلى النحو التالي : بعد فراره من أهله في جنوب العراق واستقراره في فلسطين بين الكنعانيين ، دعا إبراهيم ربه طالبا منحه خِلفة . { رب هب لي من الصالحين * فبشرناه بغلام حليم * فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين * فلما أسلما وتله للجبين * وناديناه أن يا إبراهيم * قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين * إن هذا لهو البلاء المبين * وفديناه بذبح عظيم * وتركنا عليه في الآخرين * سلام على إبراهيم * كذلك نجزي المحسنين * إنه من عبادنا المؤمنين * } .
تطابق :
باستثناء نحو القصة القرآنية للإيجاز ، وترك التفاصيل ، يلاحظ القارئ تطابق الروايتين ، حتى في تحديد اسم الذبيح . ذلك أن تبشير الرب لإبراهيم بالغلام ، كان لزوجته سارة ، وابنها إسحق . يضاف لذلك تقاطع الرواية التوراتية مع المعتقدات الكنعانية ، وهو ما سنبينه لاحقا . والسؤال الآن : من كان إله إبراهيم الذي طالبه بذبح إنه وتصعيده على المحرقة ؟ هل الذي ورد في النص التوراتي هو الله الذي يعبده أتباع الديانات الموصوفة بالإبراهيمية ، أم هو إله آخر ؟
إبراهيم ، كما توضح التوراة ، والقرآن يحيط الأمر بالإبهام ، خرج شريدا من مدينته أور – جنوب العراق - وطريدا من بني قومه ليستقر به الترحال في أرض الكنعانيين – فلسطين - ، وليعيش في عزلة تامة عن أهلها . لا يعترض على الدين القائم ، ولا يرفض طقوسه كما فعل مع قومه ، كما ولا يبشر بدين جديد . والأهم أنه جاء من عند ديانة رفضها ، مع أنها تجاوزت مسألة الذبائح البشرية ، وقدمت الضأن بديلا ، وسؤال ابنه : "هو ذا النار والحطب ولكن أين هو الخروف للمحرقة ؟ " ، يعكس معرفة الولد ، وتذكيرا للوالد ، بديانة قومه ، و تسبب رفضه لها في غربته هذه . ويعود السؤال : من هو إذن هذا الإله الذي أراد امتحان إيمان إبراهيم به ، فأمره بذبح ابنه ؟ هل هو الله الذي عبده المسلمون واليهود والمسيحيون ، كما توحي التسمية في مقدمة هذه القصة ؟
تحليل الروايتين التوراتية والقرآنية يقول أنه الإله إيل ، إله الكنعانيين . لكن كيف يمتثل إبراهيم لطلب مثل هذا الإله إلا إذا كان إيل هو ذاته إله إبراهيم ؟ وأين هي الشواهد .
1- في الرواية التوراتية السالفة يلاحظ المرء إتقان إبراهيم لاختيار الموقع – المرتفع حسب الطقوس الكنعانية - ، بناء المذبح ، توفر الفناء ، تحضير الحطب ، النار والسكين ، ربط الولد ووضعه على الحطب ، في مطابقة تامة مع ذات الطقوس .
2- يتحدث الإصحاح الرابع عشر عن إغارة عدد من الملوك على أملاك لوط ، سبيه ونجدة إبراهيم له . كسر إبراهيم ورعاته وخدمه للغزاة ، إستعادة المنهوبات ، وفك أسر لوط ، ثم احتفاء عدد من الملوك بنصر إبراهيم هذا . بين المحتفين ورد اسم ملكي صادق ، ملك شاليم ، وكاهن الله العلي ، ومباركته لإبراهيم ؛ " وملكي صادق ملك شاليم أخرج خبزا وخمرا ، وكان كاهنا لله العلي ، وباركه وقال : مبارك أبرام من الله العلي مالك السموات والأرض . ومبارك الله العلي الذي أسلم أعداءك في يدك " . رد إبراهيم – أبرام – بأن أعطى ملكي صادق عشر الغنائم . " وقال ملك سدوم لأبرام أعطني النفوس وأما الأملاك فخذها لنفسك . فقال أبرام لملك سدوم رفعت يدي إلى الرب الإله العلي مالك السموات والأرض لا آخذن خيطا ولا شراك نعل ولا من كل ما هو لك فلا تقول أنا أغنمت أبرام ، ليس لي غير الذي أكله الغلمان . وأما نصيب الرجال الذين ذهبوا معي عانر وأشكول وممرا فهم يأخذون نصيبهم ." . والله العلي ، مالك السموات والأرض هنا هو الإله إيل .
3- القارئ لفصول حركة إبراهيم – أبرام – في ربوع فلسطين ، تلفت نظره مسألة . وهي أن أبرام ، ما أن كان يحط رحاله في أرض ، ولو للاستراحة ، حتى يقوم ببناء مذبح . " فبنى هناك مذبحا للرب ودعا باسم الرب " . والمذبح الذي ظل أبرام يبنيه على مرتفع يختاره مطابق للمرتفع الكنعاني .
4- ونصل إلى أبناء إبراهيم ، والذين يفترض أنهم ورثوا ديانة أبيهم . وتعالوا نتوقف عند قصة يعقوب . يعقوب وبعد أن سرق البكورة من أخيه عيسو ، هرب إلى خاله لابان في حران – شمال العراق - . تزوج ابنتي خاله ، راحيل وليئة ، وخادمتيهما . كما يقول لنا الإصحاح الحادي والثلاثون . وأخيرا ، وبعد خداع خاله في تقسيم الغنم ، رحل بزوجاته وأبنائه ، وغنمه ، هاربا من خاله . في قصة الهرب هذه ، بعيدا عن الخداع والمكر ...الخ ، يلفت النظر سرقة راحيل لأصنام أبيها وتستر يعقوب على السرقة . وأكثر من ذلك ، وحين لحق لابان بيعقوب ، اهتم الأول باستعادة أصنامه ، وقام بتفتيش الأمتعة بحثا عنها . لكن راحيل كانت قد وضعتها في خرج وجلست فوقها ، الأمر الذي حال بين أبيها والعثور على أصنامه . والسؤال هنا : إذا كان يعقوب على دين أبيه إبراهيم ، وهو الدين الرافض للأصنام ، دين التوحيد ، كما يزعم أتباع ديانات التوحيد ، فكيف وافق على سرقة راحيل لأصنام أبيها ، وتواطأ على تخبئتها ، وبديهي عبادة زوجاته لها .؟
5- ونأتي أخيرا إلى يعقوب ومصارعته هذا الإله ، ومن ثم تحويل اسمه من يعقوب إلى إسرائيل ، وتعني الذي صارع إيل . وإيل في الديانة الكنعانية هو الله . وتقول الحكاية ، كما وردت في الإصحاح الثاني والثلاثين – الآيات من 22 إلى 33 : " ثم قام في تلك الليلة وأخذ امرأتيه وجاريتيه وأولاده الأحد عشر وعبر مخاضة يبوق * أخذهم وأجازهم الوادي وأجاز ما كان له * فبقي يعقوب وحده وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر * ولما رأى أنه لا يقدر عليه ضرب حُقَّ فخذه . فانخلع حق فخذ يعقوب في مصارعته معه * وقال أطلقني لأنه قد طلع الفجر . فقال لا أطلقك إن لم تباركني * فقال ما اسمك ، فقال يعقوب * فقال لا يدعى اسمك في ما بعد يعقوب بل إسرائيل . لأنك جاهدت مع الله والناس وقدرت * وسأل يعقوب وقال أخبرني باسمك . فقال لماذا تسأل عن اسمي وباركه هناك * فدعا يعقوب اسم المكان فنيئيل . قائلا لأني نظرت الله وجها لوجه ونجيت نفسي * وأشرقت له الشمس إذ عبر فنوئيل وهو يخمع على فخذه * لذلك لا يأكل بنو إسرائيل عرق النسا ، الذي على حق الفخذ إلى هذا اليوم ، لأنه ضُرب حق فخذ يعقوب على عرق النسا * " .
بنو إسرائيل والأضاحي البشرية :
الحكاية السابقة توضح بجلاء ، وتقطع الشك باليقين ، أن إيل هو إله يعقوب ، وأن إيل إله أبيه إبراهيم . ومع ذلك دعونا نوافق أهل الإسلام في أن إله إبراهيم الذي أمره بذبح ابنه ، امتحانا لإيمانه ، هو الله ، إله المسلمين والمسيحيين واليهود ، لنعود ونسأل : هل كان هذا الطلب وسيلة لحث الكنعانيين ، ومن بعدهم العبرانيين ، على التوقف عن تقديم الأضاحي البشرية واستبدالها بالأضاحي الحيوانية ؟ وهل حققت هذه الوسيلة نجاحا يذكر عند شعوب المنطقة ، وبني إسرائيل في المقدمة ؟
التوراة تجيبنا بلا قاطعة. وتقول في مواضع عدة أن الجميع في المنطقة ، بمن فيهم بنو إسرائيل ، واصلوا طقوس الأضاحي البشرية ، وإلى وقت متأخر ، قرنان أو ثلاثة ق . م . وإذن تعالوا نستعين بالدكتور أنطون القسيس وكتابه :" ملامح من الفكر الديني الكنعاني الفينيقي " ، في عرض شهادات التوراة .
يقدم د . القسيس لعرض الشهادات بالقول :" إن هذه الإشارة الواردة في سفر التكوين حول ذبيحة إبراهيم لا تتكرر خلال العصر البرونزي في التراث العبراني . إذ هناك صمت مطبق ، لا تفسير له خلال تلك الفترة . لكن عند تكوين الممالك العبرية في فلسطين ، خلال العصر الحديدي ، وتحديدا مع حكم داود حوالي 1000 ق . م نلاحظ أن النص التوراتي راح يشير بوضوح إلى ممارسة هذا النوع من الذبائح البشرية عند العبرانيين أو جيرانهم " .
يبدأ د . القسيس بجيران العبرانيين ، مستعينا بسفر الملوك الثاني ، الإصحاح الثالث ، وحصار الإسرائيليين لميشا ملك موآب – القرن التاسع قبل الميلاد - . الملك ، وفي محاولة لرد المحاصرين ، قدم ابنه البكر وولي عهده ، ذبيحة لإله موآب ، وعلى السور أمام أعين العبرانيين . يقول النص : " فلما رأى ملك موآب أن الحرب قد اشتد عليه أخذ سبعمائة رجل مستلي السيوف لكي يشقوا إلى ملك أدوم فلم يقدروا * فأخذ ابنه البكر الذي كان مَلَكَ عوضا عنه وأصعده محرقة على السور . فكان غيظ عظيم على بني إسرائيل . فانصرفوا عنه ورجعوا إلى أرضهم " .
ومن ذات السفر الإصحاح السادس عشر ، ينتقل د. القسيس للإشارة إلى مواصلة بني إسرائيل طقس الأضاحي البشرية . يقول النص :" في السنة السابعة عشرة لفتح بن رَمَلْيا مَلَكَ آحاز بن يوئام - ( 736 – 720 ق .م ) – ملك يهوذا * كان آحاز ابن عشرين سنة حين ملك . وملك ست عشرة سنة في أورشليم ، ولم يعمل المستقيم في عيني الرب إلهه كداود أبيه ، بل سار في طريق ملوك إسرائيل حتى أنه عبر ابنه في النار حسب أرجاس الأمم الذي طردهم الرب من أمام بني إسرائيل * وذبح وأوقد على المرتفعات وعلى التلال وتحت كل شجرة خضراء * " .
ويمضي د. القسيس مقدما مزيدا من الشهادات من الإصحاحات السابع عشر ، والحادي والعشرين ،والثالث والعشرين وفيها يقدم ملوك بني إسرائيل أبناءهم ذبائح ولمن ؟ للإله بعل إله الكنعانيين .
ويستذكر د . القسيس أنه وفي سفر التثنية ، الإصحاح الثاني عشر ، كان إله بني إسرائيل قد نهاهم وبصورة قاطعة عن ذبح أبنائهم قرابين للآلهة ، ولكنهم لم يستجيبوا ، وواصلوا طقوسهم . يقول النص :" لا تفعلوا هذا نحو يهوه إلهكم . فهم فعلوا لآلهتهم كل رجس يكرهه يهوه حتى أنهم أحرقوا بناتهم وبنيهم في النار " . " لا يكن فيما بينكم من يحرق ابنه أو ابنته ذبيحة في النار ، ولا من يتعاطى العرافة ولا الشذوذ ولا الفأل ولا السحر " .
ورغم هذه الأوامر الصارمة ، شديدة الوضوح ، واصل الإسرائيليون ، تقديم الذبائح البشرية ، وإلى الآلهة الكنعانية ، وحتى وقت متأخر . وحتى أن النبيين إرميا وحزقيال ، عزوا غضب الرب على بني إسرائيل ، فالسبي إلى بابل ، إلى مواصلة تقديم الذبائح البشرية وللآلهة الكنعانية . تقول الآيتان 20 و21 من الإصحاح السادس عشر من سفر حزقيال :" وأخذت بناتك وبنيك الذين ولدتهم لي وذبحتهم لها طعاما . أهو ٌقليل هذا من زناك ؟ * أنك ذبحت بني وجعلتهم يجوزون في النار لها ؟ " ، وفي الإصحاح 20 الآية 31 جاء :" وتقدمون بنيكم في النار ذبائح لها وتتدنسون بكل أصنامكم إلى اليوم ".
وماذا عن عرب الجزيرة ؟ :
وإذا كانت ذبيحة إبراهيم لم تنفع عبرة لنسله ، فهل فعلت ذلك لأقوام وشعوب لم تسمع بها ؟ كتب التراث الإسلامي ، خصوصا السيرة النبوية ، تشير إلى أن عرب الجزيرة ، والذين كانوا على احتكاك دائم بأهل الشام ، أي بالمجتمع الكنعاني – الفينيقي ، ومعتقداته وطقوسه الدينية ، عبروا مرحلة الأضحية البشرية ، إلى الأضحية الحيوانية . ولا يشهد على ذلك الهدي وتزيينه ، وذبحه أضاحي في موسم الحج فقط . هناك قصة عبد المطلب وعزمه ذبح ابنه ، الأثير لقلبه ، عبد الله ، والد النبي ، وحيث،في حديث منسوب له، وصف النبي نفسه بابن الذبيحين ؛ إسماعيل وعبد الله .
والقصة أوردتها بالتفصيل ، في الحلقة الأولى من هذه السلسلة – تقاطعات بين الأديان – وتحت عنوان : " عبد المطلب جد الرسول هل كان نبيا ؟ ". إذن تعالوا نستعرضها بإيجاز غير مخل .
عبد المطلب كان قد نذر للآلهة أحد أبنائه ، إن بلغوا العشرة ومنعوه . أجرى كاهن هبل المقيم داخل الكعبة القداح - القرعة – فخرج على عبد الله ، أحب أبناء عبد المطلب وآثرهم على قلبه . سحب عبد المطلب ابنه ، متوجها إلى الكعبة وعازما على ذبحه عند قدمي هبل ، كبير آلهة قريش . قابله وتصدى له كبار قومه ، مذكرينه أنهم تخطوا طقس الذبيحة البشرية ، وأنهم يرفضون العودة إليها . وبالنتيجة ألزموه الالتجاء لعرافة قرب المدينة ، والتي وفرت له الحل ؛ و المتمثل في إعادة كاهن هبل عملية القداح ، وهذه المرة على عبد الله ، وفدية مكونة من عشرة وراء عشرة من الإبل حتى ترضى الآلهة . وهو ما تم حسب الرواية ، عند الرقم مائة .
في الرواية تماثل مذهل مع قصة إبراهيم وذبح ولده الأثير لقلبه ، فاستبدال الضحية البشرية بالحيوان ؛ كبش في قصة إبراهيم ، ومائة بعير في قصة عبد المطلب . ومبرر الذبح ؛ أمر الله في حالة إبراهيم ، والنذر في حالة عبد المطلب ، يبقى مجرد فارق لفظي .
أكثر ما يلفت الانتباه في الرواية ذلك الاحتفاء الإسلامي بها ؛ 1- بإبرازها في صدر السيرة النبوية ، والاستشهاد بها كدليل إضافي على رفعة نسب النبي ، رغم أن القصة في الجانب الآخر منها ، تنحو إلى تعظيم آلهة مكة ، والإقرار بكراماتهم . 2- اعتماد الشرع الإسلامي لقيمة الفدية هذه دية للمسلم القتيل ، وتعريفها باسم الدية المحمدية .
وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال : ما الذي دفع المسلمين لاختراع قصة ذبح عبد الله والد النبي ، ومحاولة إعادة الأضحية البشرية ، على مجتمع كان قد تجاوزها منذ وقت طويل ؟ هل هو مجرد التنافس مع اليهود ، من خلال المقابلة بين إسرائيل – يعقوب - ابن الذبيح إسحق ، ومحمد ابن الذبيح عبد الله ؟ وهل هو تلميح إسلامي بأن إسحق كان ذبيح آلهة وثنية ، كما هو حال عبد الله ؟ والسؤال الأهم لماذا وكيف أبقى الإسلام على الأضحية رغم أنها طقس وثني ، استنه الناس طلبا لرضى آلهتهم ، ودفعا لغضبها . طقس مورس في كل الديانات الوثنية ، وعلى رأسها ديانة مكة ؟ ولماذا أخذ الإسلام عيد الأضحى وهو عيد وثني ، وثبته عيد المسلمين الأكبر ؟
صلح الحديبية :
سيجيب أدعياء الدين برفض علاقة الأضحية الإسلامية ، ومن ثم عيد الأضحى ، بسابقاتها الوثنية . سيفعلون ذلك اعتمادا على ضعف معرفة المسلمين بالقرآن وبتراثهم . ونقول :
حين حط النبي وصحابته رحالهم في الحديبية ، في أول رحلة حج ، نهاية السنة السادسة للهجرة ، تخوفت مكة من احتمالية غزوها ، فاستعدت للحرب . وفشلت رسل الطمأنة ، وبينهم عثمان بن عفان ، في تهدئة المخاوف . وكانت رؤية فرسان مكة الهدي وزينته وقلائده كافية لإزالة تلك المخاوف ، ففتح الطريق للمفاوضات التي انتهت بتوقيع صلح الحديبية . لماذا ؟ لأن الهدي وزينته كان مطابقا لمواصفات وطقوس الحج في ديانتهم الوثنية . وحين حج النبي بعدها بسنة نفذ طقوس الهدي والنحر بحذافيرها . ثم كان أن التنزيل اعتمد هذه الطقوس دون إضافة أو حذف . وزاد على ذلك أن اعتمدت السنة طقوس تعليم وتزيين الهدي ، من قلائد وغيرها .
وفي التوراة تصف عشرات الآيات تنشق وتمتع يهوه ، إله إسرائيل ، بروائح الشواء ، وامتداد لسان من اللهب لشفطه ولحسه من على المذبح .
وما من مسلم سأل : هل الله ، هو مثل كل آلهة الوثنيين الأخرى ، تسكره روائح الشواء ، ويحتاج للأضاحي ؟ سيجيب الأدعياء أن الأضحية ، وإن كانت على اسم الله ، فهي لإطعام الفقراء من أهل مكة وجوارها ، وغيرهم من فقراء المسلمين . ومع أن هذه الوسيلة فشلت على مر التاريخ في حل مشكلة واحدة من مشاكل الفقر ، إلا أنه لا بد من السؤال : لماذا لم يجد الله وسيلة أخرى لإطعام الفقراء ، واستعار وسيلة كان الكفار الوثنيون قد ابتدعوها ؟ ولماذا شرع عيد الكفار ، الذي يأتي خاتمة لطقس الحج ، عيدا أكبر للمسلمين ؟





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,649,687,625
- الإستراتيجية الفلسطينية .....وضرورة التغيير 3/3 البديل تقصير ...
- الإستراتيجية الفلسطينية ......وضرورة التغيير 2/3 الحركة بفعل ...
- الإستارتيجية الفلسطينية .......ضرورة التغيير 1/2 النشأة والأ ...
- في السياسة ......حديث ذو شجون
- الحجاب بين الاجتماعي والفرض الديني 2/2 القرآن ومجتمع المدينة
- الحجاب بين الموروث الاجتماعي والفرض الديني 1/2
- أوروبا ، الغرب .....والإسلاموفوبيا 2-2 تشخيص النبي ومفهوم ال ...
- أوروبا ، الغرب ......والإسلاموفوبيا 1-2
- قراءة في ثورة الشباب المصري 19 براءة مبارك
- ياحضرات المثقفين .....لطفا بتاريخنا السياسي 2 هل نحن أمام سا ...
- يا حضرات المثقفين .......رفقا بالتاريخ الحزبي 1
- بوكو حرام في نيجيريا ....داروين حرام في فلسطين
- في الذكرى ال 66 للنكبة ....ولكن آفة شعبنا قياداته
- انحدار التعليم إلى أين ؟ وإلى متى ؟ .....التلقين وطريق الخرو ...
- تلك نظم ولى زمانها
- تقاطعات بين الديان 2 صفات الآلهة
- تقاطعات بين الأديان 1 عبد المطلب ( جد الرسول ) هل كان نبيا
- حوار أملاه الحاضر 19 عدالة الإسلام 3 فلسطين اللبن والعسل
- حوار أملاه الحاضر 18 عدالة الإسلام 2 العبودية
- حوار أملاه الحاضر 17 العدالة في الإسلام 1 الغنائم


المزيد.....




- الإفتاء المصرية تصدر بيانا بشأن تحذيرات السيسي حول ليبيا
- نتنياهو يشكر ترامب لنشر مرسوم بحظر التمييز ضد اليهود
- عاهل المغرب يدعو إلى اعتماد خارطة طريق تحدث نقلة في مؤشرات ج ...
- ثالث هجوم خلال أسبوع -حركة الشباب- تقتحم قاعدة للجيش...هل تش ...
- ترامب يصدر مرسوماً يقضي بتعريف جديد لليهودية يقيد حركات المق ...
- البابا تواضروس الثاني يتحدث عن -اللقاء الأول- مع الملك سلمان ...
- تواصل فعاليات التضامن مع جمعية الشبان المسيحية
- الحكومات البرلمانية نقيض الطائفية السياسية
- حادث نيوجيرسي: المهاجمان -استهدفا متجرا يهوديا-
- مسؤولية إيطالية: لا تعديل لقانون مقاطعة ?ينيتو بشأن المساجد ...


المزيد.....

- العلمانية في شعر أحمد شوقي / صلاح الدين محسن
- ارتعاشات تنويرية - ودعوة لعهد تنويري جديد / صلاح الدين محسن
- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبد المجيد حمدان - تقاطعات بين الأديان 3 الأضاحي البشرية