أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أحمد صبحى منصور - يسألونك عن الاخوان المسلمين من هم ؟ وكيف نواجههم ؟






















المزيد.....

يسألونك عن الاخوان المسلمين من هم ؟ وكيف نواجههم ؟



أحمد صبحى منصور
الحوار المتمدن-العدد: 1391 - 2005 / 12 / 6 - 10:35
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مقدمة
1 ـ كل المصريين يعرفون السيد البدوى وابراهيم الدسوقى وأبو الحسن الشاذلى وأبو العباس المرسى .. الخ ، ومعظم المصريين يعتبرونهم أولياء مقدسين.
الذى لا يعرفه معظم المصريين ان السيد البدوى ورفاقه كانوا فى الحقيقة زعماء لتنظيم سرى لقلب نظام الحكم فى مصر منذ سبعة قرون ، وقد امتد هذا التنظيم من مكة الى العراق والمغرب واتخذ قاعدته فى مصر، واعتمد هذا التنظيم سياسة النفس الطويل فى تربية الاتباع واعداد القادة ، وبعد قرن تقريبا كان البدوى والرفاعى والدسوقى والشاذلى والمرسى هم قادة المرحلة الأخيرة من التنظيم، فلما فشلوا فى قلب نظام الحكم بقوا حتى الآن فى العقيدة لمصرية كبار الأولياء الصوفية المقدسين حسبما كانوا يقدمون أنفسهم للناس.
الذى لا يعرفه معظم المصريين ان كلا منهم كان له اسمه الحقيقى المختلف عن اسمه الحركى ، وكانت لهم شفرة للاتصالات ، وعندما فشلوا فى اقامة دولتهم انتقموا من الدولة المملوكية القائمة باحراق كل الكنائس المصرية ـ ما عدا الكنيسة المعلقة ـ فى وقت واحد من الاسكندرية الى القاهرة الى اسوان ، وبطريقة واحدة .

2 ـ هذا ما أثبته فى كتابى "السيد البدوى بين الحقيقة والخرافة " الصادر سنة 1982 ، وقد نبهت فى خاتمة الكتاب على التشابه بين حركة الاخوان المسلمين وتلك الحركة التى قامت منذ سبعة قرون وفشلت سياسيا ولكن لا تزال آثارها الدينية قائمة ، ودعوت الى اصلاح الفكر الدينى للمسلمين ومناقشة التراث حتى لا يؤمن به الشباب وتسيل الدماء. كالعادة لم يلتفت أحد لتحذيرى وبعد عشر سنوات تقريبا من صدور الكتاب والضجة التى صاحبته دخلت مصر فى مواجهة بين الارهابيين والأمن لا تزال مستمرة.
أثناء حركة البدوى كان العالم الاسلامى يرزح تحت حكم عسكرى ويواجه الاستعمار الصليبى ، والمسيحيون ضحية الصراع الدينى المسلم الصليبى. والعرب المسلمون يحلمون بدولة عربية اسلامية قوية بدلا من الحكام المتفرقين . هى نفس الظروف تقريبا التى نعيشها الآن والتى أدت الى نشأة الاخوان المسلمين . حركة السيد البدوى اعتمدت على النفس الطويل فى التربية والاعداد الثقافى والدينى ونشر التنظيمات السرية والعلنية، وكذلك يفعل الاخوان المسلمون الآن.
هذا التشابه بين الاخوان وحركة البدوى يؤكد أن الاخوان ليسوا مجرد تنظيم سياسى بل هم ثقافة دينية يجرى اعداد المجتمع على مهل للايمان بها وللتضحية فى سبيلها باسم الاسلام وبها يتم تقسيم الوطن والعالم كله الى معسكرين معسكر الاسلام ومعسكر الكفر لتتحول الحرب المحلية الى حرب عالمية بدأنا نحس بها الآن بعد الحادى عشر من سبتمبر .
3 ـ الكتابات عن الاخوان لا تغوص فى الجذور التاريخية والاصولية. وهذا ما نحول تقديمة فى ايجاز فى هذه المداخلة .
سأضع الموضوع على شكل سؤال وجواب ليكون أكثر تبسيطا.

1) هل الأخوان المسلمون يمثلون الاسلام ؟
بالقطع لا. الاسلام دين ، أى نظرية ومبادىء، وأوامر ونواهى تشمل العقائد والسلوكيات. الاخوان المسلمون فى عقائدهم وسلوكياتهم يتناقضون مع دين الاسلام . أبسط تناقضهم مع الاسلام أن القرآن الكريم يؤكد ان من يستغل الدين لمطامع دنيوية فهو عدو لله تعالى . أى أنهم أعداء الله حين يستخدمون الاسلام مطية للوصول للحكم.
2) هل الاخوان المسلمون يمثلون المسلمين ؟
بالقطع لا. المسلمون الآن ثلاث طوائف كبرى : سنة وشيعة وصوفية. بالاضافة الى طوائف صغرى كثيرة كالقرآنيين والاباضية والبهائية والمعتزلة.
ينتمى الاخوان المسلمون الى طائفة السنة، وهى أكثر المسلمين تعصبا.
3) هل يمثل الاخوان المسلمون كل الطائفة السنية ؟
بالقطع لا . السنيون أربعة مذاهب مشهورة : الأحناف ، المالكية ، الشافعية ، ثم الحنابلة.
الحنابلة هم اشد المذاهب السنية تعصبا. ينتمى الاخوان المسلمون الى المذهب الحنبلى.
4) هل يمثل الاخوان المسلمون كل الحنابلة السنيين ؟
لا . الحنابلة مدارس متنوعة . اكثرهم تشددا مدرسة ابن تيمية. وينتمى الاخوان الى مدرسة ابن تيمية.
5) هل يمثل الاخوان المسلمون مدرسة ابن تيمية ؟
لا. مدرسة ابن تيمية فيها تيارات مختلفة، وأشدها تعصبا الوهابية. والدولة السعودية الراهنة التى أنشأها عبد العزيز آل سعود هى التى أنشأت تنظيم الاخوان المسلمين فى مصر على يد الشيخ رشيد رضا وصديقه الشيخ محب الدين الخطيب وتلميذهما المصرى الشاب حسن البنا سنة 1928 .
6) اذن الاخوان ينتمون الى الوهابية وهى أقلية دينية، فلماذا اكتسبوا كل ذلك النفوذ ؟
بسبب الدولة السعودية التى أنشأت حركة الاخوان المسلمين ، وبتعاونهما معا فى ظل ظروف اقليمية ودولية مواتية اقتنع العالم بأنهم الممثلون للاسلام مع التناقض بين ثقافتهم الدينية وبين الاسلام
7) كيف أنشأ السعوديون الوهابيون حركة الاخوان المسلمين ؟.
عبد العزيز آل سعود هو المنشىء للدولة السعودية الثالثة الراهنة فيما بين 1902ـ 1932 بعد استيلائه على الرياض سنة 1902قام بتجميع شباب البدو وتعليمهم الوهابية وتلقينهم ان الجهاد هو تكفير الآخرين وغزوهم واستحلال دمائهم وأموالهم ونسائهم واحتلال أرضهم ، وان كل من ليس وهابيا من المسلمين فهو مشرك ، وكل يهودى ونصرانى فهو كافر، ولا بد من جهاد الجميع. هؤلاء البدو الوهابيون اشتهروا باسم "الاخوان " وكان اسمهم يرعب الجميع فى الجزيرة العربية والشام والعراق بسبب المذابح التى اعتادوا ارتكابها. وبهم استطاع عبد العزيز توسيع ملكه فضم معظم الجزيرة العربية وهزم اليمن وخرب جنوب العراق والأردن واستولى على الحجاز سنة 1926 .
أراد الاخوان السعوديون الوهابيون بقيادة زعمائهم فيصل الدويش وابن بجاد وابن حيثيلين استمرار غزو العراق ولكن بريطانيا حذرت عبد العزيز وهددته أن لم يكف الاخوان عن الهجوم على العراق، وبنى البريطانيون حصونا على الحدود لتحمى العراق من هجمات الاخوان. اعتبر الاخوان بناء تلك الحصون الدفاعية فى الاراضى العراقية مانعا لهم من استمرار الجهاد وطالبوا عبد العزيز بالتحرك معهم ضدها فرفض خوفا من البريطانيين، فاتهمه الاخوان بموالاة الكفار " الانجليز ".
كان عبد العزيز قد ضم اليه الحجاز بسيوف الاخوان ومذابحهم، وسيطر على موسم الحج والحجاج، فانتهزها فرصة لتكوين تنظيمات اخوانية خارج الجزيرة العربية عوضا عن الاخوان البدو المشاغبين ، ولينشر الوهابية فى بلاد المسلمين مع التركيز على مصر والهند . وعن طريقه تحولت الجمعية الشرعية فى مصر الى الوهابية بدلا عن التصوف، وأنشئت حركة الشبان المسلمين كتنظيم شبه عسكرى نبغ فيه حسن البنا، ثم جماعة أنصار السنة وهى حركة وهابية خالصة يقودها الشيخ الأزهرى حامد الفقى صديق عبد العزيز آل سعود . وفى النهاية أنشئت حركة الاخوان المسلمين بديلا عن اخوان عبدالعزيز وتحمل اسمهم . وكان هدفها المعلن هو التربية الاسلامية ، وهدفها المستتر هو الوصول للحكم لاقامة دولة وهابية. اقامة تلك الجمعيات الوهابية فى مصر قام بها اثنان من الشوام هما رشيد رضا ومحب الدين الخطيب.
8) هذا عن الاخوان المسلمين فى مصر. فماذا حدث للاخوان البدو الوهابيين فى الجزيرة العربية مع عبد العزيز ؟
ثاروا عليه وحاربوه وانتصر عليهم فى معركة السبلة سنة 1929 ، وبعدها وفى سنة 1932 اعطى دولته الجديدة اسم أسرته فأصبحت تسمى المملكة العربية السعودية.

9) كيف سارت العلاقات بين الاخوان المسلمين والسعودية ؟
عن طريق الدعم السعودى استطاع البنا، وهو المدرس الإلزامى البسيط، أن ينشئ خمسين ألف شعبة للإخوان فى العمران المصرى من الإسكندرية إلى أسوان، واستطاع انشاء الجهاز السرى العسكرى الى جانب التنظيم الدولى للإخوان ، وكان من أعمدته الفضيل الورتلانى الجزائرى المساعد الغامض لحسن البنا، وهو الذى فجر ثورة الميثاق فى اليمن لقلب الموازين فيها لصالح السعودية، وقد نجحت الثورة فى قتل الإمام يحيى، ولكن سرعان ما فشلت وتنصلت منها السعودية، ورفضت استقبال الورتلانى بعد هربه من اليمن وظل الورتلانى فى سفينة فى البحرمع الذهب الذى سرقه من اليمن ترفض الموانئ العربية استقباله كراهية لدوره فى اليمن، إلى أن استطاع بعض الإخوان المسلمين تهريبه فى أحد موانى لبنان، وانتقل منها إلى تركيا، ثم ظهر بعد ذلك كالرجل الثانى فى قائمة جبهة التحرير الجزائرية حين توقيع ميثاقها فى القاهرة سنة 1955 وكان بن بيلا فى ذيل القائمة.
واكتشفت الحكومة المصرية ـ بعد ما حدث فى ثورة اليمن سنة 1948ـ خطورة حسن البنا وتنظيمه السرى والدولى وكيف استطاع حسن البنا إجراء ثورة فى اليمن بالريموت كنترول. وبالصدفة وقعت فى ايديهم الوثائق السرية للاخوان المسلمين فيما يعرف بقضية العربة الجيب التى أظهرت الجانب الارهابى السرى للاخوان مما سهل القضاء على حسن البنا سياسيا وجسديا سنة 1948 .
ومعروف بعدها موقف الإخوان من تعضيد الثورة والخلاف بينهم وبين عبد الناصر، وهروب معظمهم الى السعودية وخدمتهم للوهابية ونشرها فى العالم الاسلامى. ثم تحالف السادات مع الإخوان، فعادوا للسيطرة على أجهزة الدولة المصرية فى التعليم والثقافة والحياة الدينية والأزهر والمساجد والإعلام تعززهم ثورة السعودية النفطية وسيطرتها الاعلامية والتليفزيونية ، وأفرزوا تنظيمات مختلفة على نسق التنظيم العسكرى فى عهد حسن البنا كان أهمها الجهاد والجماعة الاسلامية. ثم اختلفوا مع السادات، وقتلوه، واستمرت سيطرتهم فى عصر مبارك الذى آثر مطاردة الإرهاب المسلح مع تدعيم النفوذ السعودى والفكرالاخوانى الوهابى وتقديمه على أنه الإسلام.
10) ماذا قدم الاخوان للوهابية والسعودية ؟
عن طريق الاخوان المسلمين المصريين انتقلت الوهابية والنفوذ السعودى إلى شمال أفريقيا غرباً وإلى الشام شرقا والى الجاليات الاسلامية فى الغرب وأمريكا. كما استطاع الاخوان تقديم الفكر الوهابى للمثقفين المسلمين والطبقة الوسطى فى اسلوب عصرى مفهوم يختلف عن اسلوب محمد بن عبدالوهاب الفقهى الاصولى الجاف.ثم صاغوا الوهابية فى شعارات سياسية مقبولة لجماهير المسلمين مثل الاسلام هو الحل وتطبيق الشريعة، دون الدخول فى تفصيلات. أهم من ذلك كله ان الاخوان المسلمين أجهضوا المشروع الإصلاحى التنويرى للشيخ محمد عبده لصالح الهدف السياسى وهو الحكم الاسلامى – فى الظاهر – والوهابى فى الواقع. وبذلك استطاعوا تغيير المناخ لصالحهم فأصبح أكثر تطرفا وتعصبا ضد الغرب والمسيحيين واليهود والمرأة . الدليل على ذلك ان ما كان محمد عبده يقوله منذ قرن من الزمان فى دعوته الاصلاحية أصبح هرطقة وكفرا فى عصرنا الحالى يستوجب القتل.
11 )ما الذى سبب الوقيعة بين الاخوان والدولة السعودية مع اتفاقهما فى العقيدة الوهابية ؟
منذ البداية رفض عبد العزيز منشىء الدولة السعودية الراهنة ومنشىء الاخوان المسلمين ان تعمل حركة الاخوان داخل بلاده محددا عملها فى الخارج فقط. ولكن أدى تطور الأحداث الى هروب معظم الاخوان الى السعودية هربا من اضطهاد عبد الناصر يحملون معهم تربيتهم السياسية القائمة على النفاق وسياسة الوجهين والتقية. تلك هى خلفيتهم الثقافية التى أرساها حسن البنا طبقا لظروف الاخوان فى مصر والمخالفة للطبيعة البدوية فى الجزيرة العربية والتى ظهرت فيها الدولة السعودية. ومن الاختلاف حدث الاحتكاك وأدى الى نمو المعارضة الوهابية داخل المملكة وضد الاسرة السعودية. الاخوان بفكرهم المتطور ساعدوا فى ولادة المعارضة السعودية، فأخذ النظام السعودى وشيوخه الرسميون يهاجمون سيد قطب وجماعته والاخوان، يبينما تمتدحهم المعارضة الاصولية الوهابية.
11) ما هى نقطة الخلاف بين الاخوان والسعوديين ؟
ظروف نشأة الدعوة الوهابية والدولة السعودية تختلف عن ظروف نشأة الاخوان المسلمين تبعا لاختلاف مصر عن نجد. الاخوان النجديون الصحرايون لهم وجه واحد يتميز بالصراحة والجرأة واستباحة الدم علنا. وهذا ما كان مستحيلا على حسن البنا الجهر به ، لذا اتبع سياسة المداهنة وادعاء الاعتدال .عندما ظهر حسن البنا فى مصر بدعوته كانت أغلبية المسلمين المصريين بزعامة الأزهر صوفية يمقتون الوهابية. تسلل حسن البنا الى المجتمع المصرى المسلم المتدين بفكرة تجميع المسلمين حول هدف واحد هو الحكم الاسلامى مع نبذ الخلافات المذهبية وتأجيلها، وعاونه فى فكرته سقوط الخلافة العثمانية وحنين المسلمين الى استعادتها فى ثوب عربى أصيل. واستغل الليبرالية المصرية وافتقارها الى العدل الاجتماعى بأن تسلل للشريحة الدنيا من الطبقة الوسطى وأوساط الأفندية المتعلمين الحالمين بالعدل والساخطين على التفاوت الطبقلى فاجتذبهم الى فكرة الحل الاسلامى بديلا عن العلمانية الشيوعية والغربية.كان يتحدث لكل فريق باللغة التى يؤثرها متبعا طريق التقية الشيعية ، وكان يرفع لواء التسامح والاعتدال محتفظا فى نفس الوقت بتنظيمه السرى المسلح ليتخلص من خصومه فاذا افتضح امر بعضهم تبرأ منهم على الملأ قائلا : "ليسوا اخوانا وليسوا مسلمين". هذا ما تربى عليه الاخوان على يد حسن البنا طيلة عشرين عاما {1928 ـ 1948 }. وبهذا الفكر تسللوا الى الأحزاب السياسية المعلنة والتنظيمات الشيوعية السرية وخلايا الضباط الأحرار الذين قاموا بانقلاب 1952 . وكان لا بد ان يحدث الاصطدام بينهم وبين عبد الناصر وهو الأعرف بهم حيث كان منهم يمارس نفس اللعبة. تغذى بهم عبد الناصر قبل ان يتعشوا به فهاجر معظمهم للسعودية التى كانت تواجه عبد الناصر ومشروعه القومى اليسارى.
فى السعودية عملوا فى خدمة الوهابية فاكتشفوا تسلط الأسرة السعودية وعنصريتها وفسادها. العادة فى الدولة الدينية أن الحاكم يستمد سلطته السياسية من الفقيه. وهذا ما حدث فى الاتفاق المشهور بين محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب. ابن عبد الوهاب الفقيه أعطى الشرعية الدينية لابن سعود أمير الدرعية ليغزو ويحتل ويحكم باسم الشرع. وبذلك أصبحت الوهابية هى مصدر الشرعية للسلطة السياسية للأسرة السعودية. وصارت أسرة الشيخ {ابن عبد الوهاب } تسير فى ركاب الأسرة السعودية الحاكمة. الاخوان الوهابيون الذين ثاروا على سيدهم عبد العزيز قالوا ان مصدر السلطة هو الوهابية وليس الأسرة السعودية، لكنهم كانوا مجرد جنود غير مؤهلين للجدل الفقهى فىمواجهة فقهاء عبد العزيز. عبد العزيز فى خلافه مع الاخوان الثائرين عليه حسم الموضوع بأن شرعيته فى الحكم ليست مستمدة من الوهابية ولكن من حقه فى استرداد ملك أسلافه الذين أقاموا الدولة السعودية الأولى والثانية . عبد العزيز بهذا أعلى أسرته السعودية على الدعوة الوهابية نفسها ثم أعطى الدولة اسم اسرته. برز هذا الاستعلاء الملكى السعودى أكثر بعد موت عبد العزيز ودخول مملكته عصر النفط وزعامة أسرته للعالم الاسلامى وتحالفها مع امريكا. تجلى هذا الاستعلاء فى تعامل الدولة السعودية مع العرب الوافدين ومنهم الاخوان المسلمون، مما أعاد التفكير فى الفجوة بين الحكم السعودى ومبادىء الوهابية التى ينبغى على الاسرة السعودية الانصياع لها. لم يكن الاخوان المسلمون وحدهم الذين يشعرون بالدونية داخل المملكة السعودية، شعر بها أيضا المتعلمون من أبناء المملكة الذين تخرجوا فى جامعات الغرب ففوجئوا عند التوظيف انهم ليسوا من أهل الثقة مهما كان نبوغهم لأن الدرجات العليا مقصورة على الاسرة السعودية و تحالفاتها القبلية. تقارب الساخطون من الاخوان المسلمين ومن الشباب السعودى المثقف المتدين بالوهابية، ونشأ جيل جديد من الوهابيين السعوديين متأثر بسيد قطب وآرائه الحادة اكثر من تأثره بالفقهاء الرسميين فى النظام السعودى. هذا الجيل السعودى الوهابى أخذ التقية عن الاخوان المسلمين وتحرك فى هدوء تحت السطح ، ومع تراكم الفساد والانحلال فى الاسرة السعودية وتحالفها مع امريكا أثمرالطرح الاخوانى تطورا فى العقلية الوهابية لدى هذا الجيل فأخذ يهمهم بتكفير الحكام السعوديين طبقا للتكفير العام الذى نادى به سيد قطب. جاءت الفرصة لهم بالجهر بالمعارضة بعد احتلال صدام للكويت وصرخةالأسرة السعودية تستنجد بأمريكا لتنقذها من غزو صدام لتؤكد عدم أهليتها للحكم بعد عجزها عن حماية الشعب بعد كل ما أنفقته من بلايين فى شراء السلاح بالملايين . تولدت المعارضة السعودية من رحم حرب الخليج متأثرة بالانفتاح على الاخوان.
هوجم الاخوان من شيوخ الوهابية الرسميين السعوديين، الا ان هؤلاء الشيوخ انفسهم تعلموا النفاق والتظاهر بالاعتدال فى مدرسة الاخوان. يقابلون الغرب بالحديث عن سماحة الاسلام والتبرؤ من ابن لادن ثم يتحدثون عن استمرارية الجهاد بالمفهوم الوهابى.
12) هل يؤثر هذا الخلاف على العلاقة بين السعوديين والاخوان ؟
لم يؤثر فى الثقافة المتفق عليها بينهما وهى الوهابية. هما يعملان معا فى نشر وتعميم الوهابية كممثل للاسلام.. يقدم الاخوان الفكر والخبرة البشرية ويقدم السعوديون النفوذ السياسى والامكانات غير المحدودة فى السيطرة على القنوات الفضائية والصحف ودور النشر والانتاج الدرامى والثقافى والمساجد والمعاهد ومراكز البحوث والدعوة والتنظيمات العلنية والسرية والرسمية داخل وخارج العالم الاسلامى. وبجهدهما معا تم تغيير المناخ فىمعظم بلاد المسلمين ليكون اكثر ميلا للعنف والتعصب وكراهية الغرب وغير المسلم ورفض الاصلاح الدينى للمسلمين من داخل الاسلام ورفض الديمقراطية.
13) ما هى الاستراتيجية السياسية للاخوان ؟
تتلخص فى كلمة واحدة هى التربية الثقافيةالدينية للفرد والمجتمع وصولا الى اخضاعه للسمع والطاعة بدون مناقشة لولى الأمر وفق مبدأ الحاكمية الذى يؤمنون به كعقيدة دينية وسياسية. لو قيل للاخوان الآن تعالوا احكموا لرفضوا الحكم ، لأنه سيكون امتحانا يعرفون مقدما انهم سيخسرون فيه. فى موقع الحكم سيكونون فى متناول النقد والمعارضة ومطالبون بتنفيذ الوعود السياسية فى كيف يكون الاسلام هو الحل وكيف يتم تطبيق الشريعة .هم ليسوا مؤهلين للحكم الديمقراطى اذ لا يعرفون الا الحاكمية التى تعنى أن يكون الحاكم مسئولا فقط أمام الله تعالى يوم القيامة باعتباره الراعى والشعب هو الرعية او الاغنام.
14) ولكن بعض الحركات الاسلامية السياسية وصلت للحكم وتركته وفق تبادل السلطة وقواعد الديمقراطية.. لماذا لا يكون الاخوان كذلك خصوصا وهم يعلنون رضاهم بالديمقراطية ؟
الحركات السياسية الاسلامية التى تقبل الديمقراطية وتتعامل معها ايجابيا تنتمى الى التدين الصوفى المنتشر فى بلادها من تركيا الى ماليزيا واندونيسيا وسنغافورة وبنجلاديش. قلنا ان المسلمين طواف ثلاث كبرى سنة وشيعة وصوفية. السنة أكثرهم تشددا والوهابية هم الأكثر من السنيين تشددا. الصوفية المسلمون اكثر مسالمة واكثر اعترافا بالتعددية ، بل ان التصوف يقوم على اساس التفرق الى طرق صوفية تتفرع وتتفرع الى طرق أكثر وأكثر. ولهذا فالديمقراطية واردة فى تدين التصوف الذى يعترف بالتعددية ويتسامح مع المختلف فى الدين .
15) ولكن الاخوان المسلمين يشجبون الارهاب يعلنون تمسكهم بالديمقراطية وحقوق الانسان وحقوق الأقباط وحرية الرأى والمعتقد وحقوق المرأة .
هى نفس سياسة النفاق التى كان يخدع حسن البنا بها المصريين فى عهده.
16) كيف نتأكد انهم مخادعون ؟ أو كيف نكشف توجهاتهم الحقيقية؟
بأن لا نكتفى بالسؤال، أى نحول السؤال الى استجواب ونقاش علنى أمام أعين الناس فى الاعلام والتعليم والمساجد والمقاهى والنوادى والشوارع وعلى المصاطب ـ وحتى حفلات الزفاف ومناسبات العزاء.
يقولون انهم يؤمنون بحرية المعتقد .. فماذا لو ارتد مسلم عن دينه واصبح مسيحيا أو يهوديا ؟ هل يطبقون عليه حد الردة قتلا، وحينئذ لا يخالفون الاسلام فقط بل يخالفون مبدأ حرية الفكر والعقيدة.؟ ام يقررون فعلا حرية كل انسان فى اختيار ما يشاء من دين والخروج عما يشاء من دين وحريته حتى فى الكفرو والالحاد وفقا لأكثر من خمسمائة أية قرآنية؟ واذا وقفوا مع حقائق الاسلام وحرية المعتقد فعليهم حينئذ اعلان كفرهم بالسنة والفقه السنى لتأكيدهما على قتل المرتد.
يقولون بأنهم ضد الارهاب. وتعريف الارهاب هو قتل المدنيين المسالمين ، أو الاعتداء على من لم يقم بالاعتداء علينا. هذا جميل .. ولكن ماذا يقولون فى الفنوحات العربية التى حملت اسم الاسلام زورا واعتدت على أمم لم تهاجم المسلمين ؟ وماذا يقولون فى الصحابة الذين ارتكبوا هذا الاثم الفظيع المخالف لشرع الله تعالى فى القرآن ؟ وماذا يقولون فى الحديث الضال القائل " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله وان محمدا رسول الله .. الخ ؟ وهو الحديث المخالف لتشريع القرآن الكريم؟ وماذا يقولون فى البخارى الذى رواه؟ وماذا يقولون فى الأعمال الارهابية التى ارتكبها الأخوان ومنظماتهم السرية والعلنية فى الماضى؟ أليس الأجدر بهم الاعتذار عنها والاعلان بعد العودة لها والتبرؤ ممن يرتكبها ؟
يقولون انهم يؤمنون بالمساواة والعدل وحقوق المواطنة بلا تفرقة على أساس الدين والمذهب والمعتقد. فماذا يقولون عن معاملة أهل الذمة فى تاريخ المسلمين وتراثهم، وماذا يقولون عن الأحاديث التى تدعو لتحقير أهل الكتاب وازدرائهم؟ وماذا يقولون عن التفسيرات المذهبية التى تسىء فهم معانى القرآن الكريم فى هذا الاطار ؟ اليس من الواجب عليهم اعلان التبرؤ من هذا الفقه السلفى وتجريمه واعلان عدائه لحقوق الانسان وحقائق الاسلام ؟ ثم تصريحات مرشدهم الأسبق مصطفى مشهور عن منع المسيحيين من التجنيد وتطبيق أحكام أهل الذمة عليهم... ماذا يفعلون بها؟ ألا يجب عليهم التبرؤ منها ودحضها والاعتذار عنها؟ وماذا يقولون فى ولاية غير المسلم ؟ يعنى تولية مسيحى أو يهودى رئاسة الدولة؟ الفقه السلفى يمنع ذلك ولكن تجيزه الديمقراطيات الحديثة التى يعلن الاخوان توافقهم معها؟ اذا وافقوا الفقه تناقضوا مع الاسلام والديمقراطية ، واذا وافقوا الديمقراطية والاسلام فعليهم التبرؤ من الفقه السلفى وأحاديثه الكاذبة المتعصبة.
يقولون بحق المرأة ، فكيف يفعلون بالفقه السلفى الذى ينتمون له وهو ينتهك حقوق المرأة ويجعل النساء ناقصات عقل ودين ومادة للتشاؤم والتطير؟ وماذا يفعلون مع النص القرآنى القائل " واضربوهن " وما قاله الفقه السلفى فى شرح وتقعيد ضرب الزوجة ؟ وهل يقولون بولاية المرأة للقضاء والرئاسة للدولة كما يقول بعض المستنيرين من الفقهاء؟ واذا أيدوهم فلا بد من التبرؤ من أعيان الأئمة المتعصبين من الحنابلة ..
ماذا يقولون فى تطبيق حد السرقة وحد الحرابة ؟ ماذا يقولون فى عقوبة الاعدام خارج القصاص فى القتل مثل حد الرجم الذى ينفذ فى السعودية وايران وقتل الشواذ { وهذا ما حكمت به ايران وتخشى السعودية تطبيقه خوفا من قتل معظم السكان ) وقتل تارك الصلاة طبقا للفقه السنى، وعقوبة شرب الخمر؟ وماذا يقولون فى قتل المخالف للسلطان وحق الراعى فى قتل من يشاء من الرعية .. الى آخر تلك المنكرات المخالفة للقرآن والاسلام؟
اذا أعلنوا تبرأهم من كل هذا التراث وأحاديثه والسنة التى تدعمه وتلصقه زورا بالاسلام فعليهم أيضا التبرؤ مما كتبه شيخهم سيد سابق فى كتابه المشهور " فقه السنة " وهو الكتاب الذى كتب مقدمته حسن البنا ، وهو التشريع الحقيقى للاخوان وهو الذى يجيز قتل الزنديق ، والزنديق عندهم هو المسلم السنى العارف بدينه ولكن يخالف الحنابلة فى آرائهم . يقولون بوجوب قتله دون محاكمة أو استجواب أو نقاش ، يقتلونه حال العثور عليه. هذا ما قاله ابن تيمية وسيد سابق والشيخ ابو بكر الجزائرى ، والمكتوب فى مناهج الأزهر أضل سبيلا. فاذا كان الاخوان مخلصين فى توجههم الديمقراطى ـ اى فى تمسكهم بحقائق الاسلام ـ فلا بد من التبرؤ من كل تلك المؤسسات وأولئك الأئمة وكل ذلك التراث الحنبلى السنى وكل من طبقه ودعا اليه. ولا بد لهم بالتالى من الاحتكام للقرآن الكريم واعادة قراءته من جديد قراءة عصرية موضوعية. اذا فعلوا ذلك ـ وهم لن يفعلوه ـ فسيكتشفون أن الأولوية ليست للوصول للحكم ولكن لاصلاح المسلمين بالاسلام.
سيرفضون بالقطع ليس فقط لأنهم طلاب سلطة وليسوا طلاب اصلاح ، وليس فقط لأنهم لا علم لهم بالاسلام وتاريخ المسلمين وطوائفهم ومعتقداتهم الواقعية وتراثهم واختلافه عن الاسلام. سيرفضون لكل تلك الاسباب ولسبب آخر أهم هو أنهم لن يرضوا مطلقا أن يكونوا تابعين للقرآنيين وشيخهم كاتب هذا المقال.
أرجو أن يوافقوا على التوبة وتغيير جلدهم والوقوف بحسم مع الديمقراطية وثقافتها الاسلامية ومواثيقها الدولية. حينئذ سأكون معهم فى نفس الطريق ومعنا كل مسلم حريص على دينه. عندها سيقدم الاخوان أكبر خدمة للاسلام حين يستخدمون قدرتهم التنظيمية ونفوذهم فى اصلاح المسلمين بالاسلام ليس رغبة فى حطام الدنيا والتحكم السياسى ولكن ابتغاء مرضاة الله تعالى واعلاء لشرعه ودينه بالدعوة السلمية التى تعلى من شأن الانسان وحقوقه حتى لو اختلف معك فى المعتقد. على أن الاخلاص هنا يعنى التفرغ لتغيير المناخ الى الأفضل وهذا يستلزم عملا مضنيا مستمرا فى التنوير والتوضيح والتثقيف للخلاص من الثقافة المتعصبة التى أرساها الاخوان أنفسهم منذ أكثر من نصف قرن .
الواقع يقول انهم على مكانتهم يعملون. ينشرون فكرهم متمسحين بالاسلام، ويعملون على تربية الشباب على أساسه بأناة وتؤدة، وينتظرون الثمار على مهل.
17)ولكن تغيير المناخ كلية وفق ما يشتهيه الاخوان يستلزم وقتا طويلا.
ولكنه هو الخيار الأكثر ضمانا ، ثم هو نفس السياسة القديمة للحركات السياسية الدينية فى العصور الوسطى ، سياسة النفس الطويل وتغيير المناخ على مهل أو بتعبيرهم تربية الفرد ثم تربية المجتمع، فاذا وصل الفرد والمجتمع الى اعتناق الفكر الوهابى مستعدا للتضحية بنفسه كما يفعل الانتحاريون اليوم تهيأ لهم المناخ للحكم بدون معارضة.
18)ولكن الاخوان سعوا للحكم وكادوا ان يصلوا له ، وأحيانا وصلوا له لفترة أو فترات ؟
حدث فعلا وفشلوا ، فتعلموا من أخطائهم ولن يكرروها.
حاول الاخوان الوصول للحكم عن طريق دبابات الجيش فوقعوا ضحية للعسكر.
حاولوا استخدام عبد الناصر فاستخدمهم عبد الناصر ولعب بهم.
فى الجزائر كانوا قواد الحركة الوطنية فى مقاومة المستعمر الفرنسى ولكن بنفوذ عبد الناصر صار العسكريون فى المقدمة ووصلوا للحكم دونهم، حاولوا تعويض ذلك بالسيطرة على التعليم منتهزين فرصة التعريب فى الجزائر، فقام بالتعريب أئمة الاخوان وشبابهم من الغزالى الى الشعراوى وغيرهم ، وبالتعريب تحول الجيل الجديد الى التطرف ، وفى الانتخابات كادوا أن يصلوا للسلطة ولكن عسكر الجزائر وقف لهم بالمرصاد وألغى الانتخابات فى ظل سلبية عامة من جماهير الشعب الجزائرى، فأقام المتطرفون مذابح دموية للاطفال والنساء والأبرياء الجزائريين انتقاما من الحكام العسكر.
فى السودان وصل الترابى الى الحكم تابعا للبشير فما لبث البشير أن ألقى به فى السجن. بسبب الاخوان والحركة السلفية انقسمت الهند الى باكستان والهند، وبالنفط السعودى أنشئت المدارس الوهابية والجامعة الاسلامية فى اسلام أباد. قامت الحركة السلفية والاخوان فى باكستان بتجميع ابناء الفقراء ويتامى الحروب وتعليمهم فى المدارس وكلية الشريعة فى اسلام أباد, وأطلق عليهم الطالبان. أصبح الطالبان قوة عسكرية ضاربة بانضمام أقرانهم من الأفغان على الحدود بين باكستان وافغانستان. انتهى الأمر بوصول الطالبان لحكم أفغانستان ثم انهزموا بعد أن أعطوا نموذجا مفزعا للحكم السلفى الاخوانى.
فى كل الأحوال تبين للاخوان أن العصر الآن ليس ملائما لهم ، لذا هم يعملون بصبر وأناة للمستقبل مستغلين كل ما يحدث الآن لصالح استراتيجيتهم الرامية الى غسيل مخ الأفراد بالثقافة الوهابية وعقيدتها فى الحاكمية. عندها تأتيهم السلطة راكعة وبدون معارضة أو نقاش بل السمع والطاعة .
19) اذا كانت هذه هى استراتيجيتهم ، فما هو التكتيك الذى يتبعونه. ما هى خططهم ؟
المساعدات المجانية تأتى للاخوان المسلمين بلا مشقة ومن الجميع بلا استثناء .
من مصلحة الاخوان تأكيد العداء بين المسلمين واليهود، وقد استغلوا الصراع العربى الاسرائيلى فى هذا. عن طريق حماس تحول النضال السلمى السياسى الى ارهاب يقتل المدنيين اليهود فى الشوارع والفنادق ودور العبادة والنوادى ومحطات المواصلات.مما جعل الوصول لحلول وسطى أكثر تعقيدا. من مصلحة الاخوان تأكيد العداء بين المسلمين والمسيحيين ، وهذا تتكفل به السياسة الأمريكية فى العراق والشرق الأوسط، اذ يسهل تحويل الصراع السياسى الى صراع دينى وفق المفهوم الاخوانى. يريد الاخوان تأكيد العداء بين المسلمين والأقباط فى مصر فيتبرع بعض المتعصبين من الأقباط بالهجوم على الاسلام نفسه عبر مواقع الانترنت فيثيرون المعتدلين المسلمين المتعاطفين مع الاقباط والمناوئين للاخوان. العسكر المستبدون بالسلطة فى الشرق الأوسط هم الأعداء التقليديون للاخوان فى مصر وسوريا وغيرها وهم أيضا الأكثر فائدة للاخوان لأن العسكر يحاولون المزايدة دينيا على الاخوان برعاية أكثر للثقافة السنية الوهابية. وهناك ناحية أخرى اذ يجمع بين الاخوان والاستبداد العسكرى الخوف من الاصلاح الدينى والسياسى ، لذا يتبارى العسكر فى مطاردة دعاة الاصلاح ليبقى الحال على ما هو عليه ولصالح الاخوان.
الاستفادة الكبرى تأتى للاخوان مجانا من جهتين : الأولى دول النفط ونشرها للفكر الوهابى بالقنوات الفضائية ومواقع الانترنت والانتاج الفكرى والثقافى والدرامى والدينى. الجهة الأخرى هى التنظيمات المسلحة المختلفة وعملياتها الارهابية فى كل أنحاء العالم. الهدف الأساسى لهذه العمليات هو شغل الغرب وأمريكا وكل من يهمه الأمر بهذه الضربات الارهابية المتفرقة عن ما هو أخطر، وهو "التمكين".
التمكين فى مصطلحاتهم هو التوغل شيئا فشيئا فى السيطرة على الأفراد عقائديا ، بحيث يكون الفرد مستعدا لتفجير نفسه عندما يؤمر. فاذا تمكنوا من السيطرة على أفراد المجتمع قلبا وقالبا فقد تحقق لهم التمكين والسلطان المقيم. اذا وصلوا الى تربية نصف مليون فرد على السمع والطاعة والاستعداد بحيث يكون كل فرد منهم متحمسا لأن يكون انتحاريا فسيبدأون المرحلة الأولى فى التمكين، وهى الارهاب العام لكل الأقباط والعلمانيين والمعارضين السياسيين والمفكرين لطردهم من مصر. وعندها تخلو لهم مصر بملايينها المستضعفين ليصبحوا رعايا خاضعين لهم وفق ما كان سائدا فى العصور الوسطى.
20) اذن كيف نواجههم ؟
المواجهة هنا فكرية ثقافية تسندها وتؤازرها مواجهة قضائية فى ساحات المحاكم .
قبل التوضيح لا بد أن نبدأ هنا بالممنوعات وهى
أولا: المواجهة بالعنف مرفوضة. اذا واجهت الفكر بالسلاح انتصر الفكر حتى لوكان فكرا سيئ السمعة. اذا قضيت على الدولة الايدلوجية بالسلاح تاركا أساسها الايدلوجى فانها ـ اى الدولةـ لا تلبث أن تنهض طالما بقى بناؤها الايدولوجى قائما وقادرا على خلق الأنصار والأتباع . قضى صلاح الدين الأيوبى على الدولة الفاطمية فى هدوء بموت الخليفة العاضد الفاطمى . ولأن الدولة الفاطمية دولة ايدولوجية عقائدية تقوم على التشيع فان صلاح الدين حارب التشيع من داخل الثقافة السائدة لدى المسلمين ، وكانت التصوف وقتها. استورد صلاح الدين الأيوبى متصوفة الى مصر وخصص لهم خانقاة سعيد السعداء وجعل لهم طقوسا فى الذهاب لصلاة الجمعة ومنحهم وغيرهم الامكانات حتى حولوا المجتمع المصرى من النشيع الى التصوف ، فظل التصوف هو التدين العملى للمصريين الى أن قلص الوهابيون نفوذه أخيرا عن طريق الاخوان المسلمين.
محمد على باشا هزم دمر الدولة السعودية الأولى سنة 1818 واكتفى بهذا الجهد العسكرى تاركا الوهابية دون مواجهة فكرية مع وجود الأزهر وقتها عدوا لدودا للوهابية ،فازدهرت الوهابية وتضاعف أنصارها حتى خارج الجزيرة العربية مما مكن الأسرة السعودية من اعادة ملكهم فى الدولة السعودية الثانية ، ثم الثالثة.
عبد الناصر واجه الاخوان المسلمين بالعنف والتعذيب دون مواجهة للفكر الوهابى الذى تقوم عليه ايدلوجيتهم . ربما أراد باصلاح الأزهر أن يقوم بهذه المهمة ولكن اصلاح الأزهر لم يكتمل وانشغل عنه عبد الناصر بمعارك أخرى ومات تاركا المناخ موائما للاخوان بعد أن اكسبهم شهرة وتعاطفا بسبب ما فعله معهم من تعذيب واضطهاد . استفاد الاخوان من سياسة عبد الناصر العنيفة معهم وخسر عبد الناصر فى صراعه معهم لأنه استخدم السلاح غير المناسب.
المشكلة هى فى نظام مبارك الذى يتفوق دائما على نفسه بالفشل. يدافع بضراوة عن الفكر الوهابى ويجعله ممثلا للاسلام ، ويعاقب القرآنيين المصلحين ويتهمهم بازدراء الدين لأنهم يناقشون الوهابية والفقه السنى بالقرآن والتراث نفسه. وفى نفس الوقت يضطهد الاخوان ويقوم بتعذيبهم ، يعاند الاصلاح الديمقراطى والاصلاح الدينى ويصل بالبلاد الى الحضيض فى كل الميادين، ويحاصر الأحزاب الشرعية فى مقراتها ، ويمنع العمل السياسى فى الجامعات بينما يترك المساجد والأزهر مقصورا على تدعيم فكر الاخوان السياسى والعقائدى مما يجعل الاخوان هم البديل المتاح بعد مطاردة كل المصلحين وتهميش منظمات المجتمع المدنى الممثل الحقيقى للتقدم والاصلاح والديمقراطية. بكل هذا الحمق من النظام نجح الاخوان وكان نجاحهم متوقعا .
ان المواجهة مع الاخوان لا تكون الا ثقافية فكرية عقلية مسالمة. التعامل معهم بالعنف هو الممنوع الأول.
ألممنوع الثانى :هو دخول شخصيات مسيحية أو أفكار مسيحية أو علمانية فى هذه المواجهة الثقافية الدينية و القضائية . لا يقوم بهذه المواجهة الا مسلمون متدينون لهم تاريخهم فى النضال ضد التطرف والارهاب وخبرتهم فى المواجهة ونبوغهم فى الاسلاميات وولاؤهم لحقوق الانسان وحقوق المواطنة والديمقراطية.هم فقط الذين يستطيعون مواجهة الاخوان من داخل الاسلام ومن داخل عقيدتهم وثقافتهم وبنفس اسلوبهم وأدواتهم.هم فقط الذين لا يستطيع الاخوان المزايدة عليهم فى التدين الاسلامى أو فى التبحر فى علوم الاسلام وتاريخه وتراثه.
المواجهة الثقافية :
دعاة التطرف والارهاب ليسوا فقط شيوخا وأئمة ومقدمى برامج دينية ، ولكن أخطرهم هم كاتبو الدراما العادية والدراما التاريخية الاسلامية ، اذ يتم الترويج لأفكار التطرف وثقافة الارهاب بطريق فعال – وغير مباشر – من خلال الدراما التى تتسلل الى عقل المشاهد ووعيه الباطنى وتصيغه وتؤثر فيه وهو مستمتع لما يشاهد دون مناقشة أو احتجاج . لقد أفلح الوهابيون وعملاؤهم فى انتاج دراما من تاريخ المسلمين وتراثهم أسهمت فى نشر التعصب والتطرف.
لا بد من انشاء قنوات تليفزيونية تواجه الوهابية ببرامج ثقافية تناقش المسكوت عنه فى الفكر السلفى الوهابى فى ضوء الاسلام وحقائقه لتثبت ان ثقافةالوهابية والاخوان تناقض الاسلام . وتقدم أيضا مسلسلات درامية مكتوبة بطريقة مدروسة تبتعد عن الغوغائية والوعظ المباشر ، بل تتسلل الى عقل المشاهد فى سهولة ويسر.
هذه القنوات لا بد لها من شركات انتاج للدراما والبرامج تغذيها وتملأ ساعات ارسالها بما يعزز رسالتها ويحقق الغرض منها.. علينا ان نقدم دراما تاريخية واقعية من حاضر المسلمين وتاريخهم توضح وتناقش المسكوت عنه وتشغل المتطرفين بالدفاع عن تراثهم وأكاذيبه. ونفس الحال مع البرامج التليفزيونية التى ستجد مجالات هائلة من المسكوت عنه فى التراث والتاريخ والماضى والحاضر.
هذه الحرب الفكرية بالقنوات الفضائية لا بد من تعزيزها بمواقع على الانترنت .
هذه الحرب الفكرية ستساعد المواجهة القضائية بالدعاية والتنوير وتسليط الضوء على القضية المطروحة امام المحاكم لاجتذاب الرأى العام للحقائق المطلوب اثباتها قضائيا.
المواجهة القضائية
نحتاج الى مراكز قانونية متخصصة لرفع دعاوى ضد سياسات الدولة واجهزتها مثل الأزهر والأوقاف وبقية المؤسسات فى تأكيد العدل وحقوق المواطنة وفى اصلاح التعليم واصلاح الأزهروفق ما يمليه قانون الأزهر نفسه والدستور بل واصلاح الدستور. هناك الكثير من المتاح لنا استغلاله والبناء عليه فى ارساء الاصلاح عبر آليات التقاضى. وتقوم البرامج التليفزيونية بالتعليق عليها لتشرك المجتمع فى المناقشة ولتخلق رأيا عاما مستنيرا يقوم بدوره بالتوعية ونشر ثقافة الديمقراطية وآداب الاختلاف فى الرأى دون تخوين وتكفير ودون اطلاق المفتريات والأكاذيب ، وبذلك يمكن اصلاح المناخ شيئا فشيئا.
الخاتمة
كل مصلح يعلن آراءه وخططه على الملأ ،لأنه لا يريد الا الاصلاح ابتغاء مرضاة الله تعالى فقط . هذا ما أفعله بكل وضوح حين أكتب ما أومن به حتى لو أتعب الكثيرين. لا أهتم برد الفعل لأننى لا أريد شيئا من أحد. ليست لى أجندة سرية لأنه ليس لى أى طموح سياسى ولا أرضى بالحلول الوسطى فيما يخص دينى ووطنى . آمل أن يقوم المخلصون لمصر بتنفيذ ما قلت لانقاذ أم الدنيا .
ان مصرـ بسكانها وبحضارتها القديمة وبحاضرها وبمستقبلها وبتأثيرها ـ توشك أن تقع فى قبضة أشد طوائف الحنابلة تعصبا وتطرفا وانغلاقا وأكثرهم دهاءا.
لقد جرت مصر فى طرق عديدة من القومية العربية الى الاشتراكية، وقد رأينا ارهاصات مما فعله التيار الوهابى الاخوانى قبل أن يصل للسلطة فى مصروفى العراق والجزائر وباكستان و غيرها. . وشهدنا حكم الوهابيين فى الجزيرة العربية وافغانستان . لم يعد لمصر المزيد مما تفقده بعد ان أفقدها نظام مبارك كل شىء . لا نريد ان تكون مصر جثة بين يدى الأخوان يجربون فيها تخلف الفقه السنى الذى لم يكن مناسبا لعصره ، فكيف يكون مناسبا لعصرنا؟
انه نداء لكل مصرى وكل مسلم ـ حتى من الاخوان المسلمين ـ تعالوا الى كلمة سواء نضع فيها كثيرا من النقاط فوق كثير من الحروف قبل أن نقفز بمصر فى الظلام .
لا نريد أن يأتى اليوم الذى يتحسر فيه المصريون على أيام حسنى مبارك الذى وصلنا فيه الى الحضيض .
تسألون عما هو أسفل من الحضيض ؟ سترونه بأعينكم اذا ظللتم على سلبيتكم جثة هامدة تنتقل من عسكر مبارك الى شيوخ الاخوان . عندها اذكرونى بخير فقد صرخت فى البرية أحذركم ناصحا فلم أسمع الا سبا وشتما آتيا من أسفل الحضيض الذى أخشى عليكم منه.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,559,208,659
- مؤتمر الأقباط فى واشنطن
- التناقض بين الدولة الاسلامية العلمانية ودولة الاخوان المسلمي ...
- الماعز و الطبيب البيطرى
- تهديد لأحمد صبحى منصور ورده على هذا التهديد
- أبو هريرة والكلاب
- غزوة بدر والأخوان المسلمون
- نكاح المحلل
- التناقض فى تشريع الطلاق بين القرآن والفقه السني
- زواج المتعة
- ألا تزر وازرة وزر أخرى
- نداء للأمم المتحدة لمحاكمة الحكام المستبدين المتهمين بالتعذي ...
- فى الحفظ والصون
- لذا كتبت هذا المقال !!
- الدعوة الاسلامية ودعوة الجاهلية
- فقه الدعوة الجاهلية
- أيها المصريون: لا تنتخبوا حسنى مبارك
- أعظم رجل انجبته الجزيرة العربية طيلة الف عام - ناصر السعيد ( ...
- ِِشجرة -الاخوان المسلمين- زرعها السعوديون فى مصر فى عهد عبد ...
- هل فعلا يريد تنكريدو – عضو الكونجرس الأمريكى – ضرب الكعبة ؟؟
- من مساوىء توارث الحكم فى تاريخ المسلمين


المزيد.....


- النظرية ُ الإسلامية ِ...سوء ُ تطبيق ٍ ..أم سوءُ تخطيطٍ رباني ... / وليد مهدي
- كيف يرد المثقفون الدين ؟.....2 / محمد الحنفي
- نطلب الهداية.. - 3 - / صلاح الدين محسن
- الحركات الإسلامية بين الجهادية والسياسية / يوسف العادل
- كيف يرد المثقفون الدين ؟.....1 / محمد الحنفي
- هل من علاقة بين الإسلام السياسي والتعذيب: العراق نموذجاً؟ & ... / كاظم حبيب
- لهذه الأسباب يجب حظر جماعة الإخوان المسلمون / مجدى جورج
- بين صلاح الدين وصدام والزرقاوي.. لم نتعلم الدرس / فاخر السلطان
- ٱلثقافة وٱلحداثة / سمير إبراهيم خليل حسن
- نعم.. ثمة مشاكل في الإسلام / حسين ديبان


المزيد.....

- أمير رمسيس: مصطلح «هزيمة اليهود في 73» يخدم إسرائيل.. وفرقوا ...
- اليوم.. عزاء أحمد سيف الإسلام بمسجد عمر مكرم بالتحرير
- البيت الابيض : بايدن اكد للعبادي ان تشكيل حكومة شاملة ممثلة ...
- مصر: استنفارٌ أمني استعداداً لتظاهرات الإخوان اليوم
- مصر: مجلس جامعة الأزهر يدرس فصل أساتذة الإخوان
- أكبر مصرف بتركيا يعتزم تأسيس ذراع تطبق الشريعة ضمن خطط أردوغ ...
- بالفيديو.. تدمير عربة تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية قرب أربي ...
- ماذا يريد السيسى؟
- البنتاغون : العمليات الأمريكية ضد تنظيم " الدولة الاسلامية " ...
- ثلاث حكايات إلى أمي


المزيد.....

- علاقة الدين بالسياسة في الفكر اليهودي / عزالدين عناية
- القرآن وكَتَبَتُه(1) / ناصر بن رجب
- محمد يتوه بين القرى / كامل النجار
- مقدمة في تاريخ الحركة الجهادية في سورية / سمير الحمادي
- ريجيس دوبري : التفكير في الديني / الحسن علاج
- الدين والثقافة .. جدل العلاقة والمصير / سلمى بلحاج مبروك
- رسائل في التجديد والتنوير - سامح عسكر / سامح عسكر
- مالك بارودي - محمّد بن آمنة، رسول الشّياطين: وحي إلهي أم شيط ... / مالك بارودي
- أصول أساطير الإسلام من الهاجادة والأبوكريفا اليهودية / لؤي عشري وابن المقفع
- أصول أساطير الإسلام من الأبوكريفا المسيحية والهرطقات / لؤي عشري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أحمد صبحى منصور - يسألونك عن الاخوان المسلمين من هم ؟ وكيف نواجههم ؟