أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرحيم التوراني - امرؤ القيس في درب مولاي الشريف















المزيد.....

امرؤ القيس في درب مولاي الشريف


عبد الرحيم التوراني

الحوار المتمدن-العدد: 5133 - 2016 / 4 / 14 - 01:26
المحور: الادب والفن
    


لم يسبق لأحد منا أن شاهده من قبل على هذه الحال. الرجل الكتوم الذي يجيد ارتقاء "أعلى درجات العزلة"، كان ذلك النهار في غاية قصوى من السعادة والحبور. ومن الارتباك أيضا. رجل يضحك لوحده. يلهو بنفث الدخان من سيجارته دوائر متتالية في الهواء. عيناه زائغتان، لا تتوقفان عن الغمز والجفن سريع الرفرفة. يحرك أصابع يديه مثل عازف إيقاع.

- لا شك أن الرجل أصيب بمس، أو هو ينحدر بقوة في منعرجات فقدان صوابه.
قالت جارة أرملة.

- اتركوا الرجل وشأنه، هل الجنون برخصة وترخيص!!؟
نطق مصلح الدراجات مستهزئا باستنكار، وهو يهم بفتح محله بركن الزقاق.

لكن من أين يأتي الجنون ويتسلل إلى شخص لا يزال محافظا على أناقته وحسن هندامه. شعر الرأس مصفف ومدهون، الذقن حليق، ربطة العنق زاهية تتناغم ولون البذلة والقميص الأبيض، والحذاء مرآة تلمع.

جلس الرجل في ركن المقهى، طلب فنجان قهوة، وأخذ بين يديه جريدة، أما عينيه فعلى حركة الشارع الصاخبة.

من كان مكلفا بمراقبته قال إن الرجل كان يتمتم ويبتسم ويضحك ذلك النهار. كأنه يجالس أشخاصا غير مرئيين لا يراهم أحد سواه. قليلون هم من يعرفون اسمه الحقيقي أو مهنته، أو متى سكن الحي. شقته الصغيرة في الطابق الأخير في عمارة تعد من أقدم بنايات الحي العتيق.

تعددت الأقوال..
هناك من يقول إنه يعمل في مجال التدريس، ومن يقول إنه موطف بالمكتب الشريف للفوسفاط. وهناك من يزعم أنه موظف في وزارة العدل. بل وجدنا من لا يتردد في الشك، ويقول إن صاحبنا ينتمي إلى سلك البوليس السري.
بعض الطالبات في الثانوية القريبة ذكرن احتمال أن يكون مثقفا، شاعر أو كاتب.

- لكن من أن يصرف على عيشه ويحافظ على هذه الأناقة الغالية؟

لا أحد رآه مرة يتحرش بامرأة أو ماشيا جنب امرأة.
- الحق يقال، الرجل زاهد ومحترم بل وعفيف.
علق أحد سكان الحي.

- لكن عزوبته طالت. لم يبق أمامه إلا خطوات ليصل إلى سن العجز.
قالت جارة مطلقة حديثا.

يضيف من كان مكلفا بمراقبته:
- توصلت بالإشارة لتتبع حركاته وجمع أكبر ما يمكن من المعلومات حول هذا الشخص الغامض الذي منحت له الأجهزة تسمية "الرجل اللامرئي".
بعد شهر لم أفز بالشيء الكثير. وأمام الضغط المستفز علي من قبل "أصحاب الوقت"، وليسمح الله، عمدت إلى تلفيق بعض المعلومات عنه.
من البيت إلى مقهى الدرب، إلى وسط المدينة، الحانة، جولة في المكتبات أحيانا، الدخول إلى قاعة السينما، أو حضور معرض تشكيلي...
- ثم ماذا؟
لم يدخل ملعب كرة القدم قط، ولا جلس في المقهى لمتابعة إحدى المباريات. يدخن باعتدال. واضح حبه للموسيقى الكلاسيكية العربية والغربية. لا يبدو عليه أنه مهتم بالأحداث السياسية.
- ثم ماذا؟
لا يكلم أحدا، ومن الصعب استدراجه للكلام.
باختصار بالغ ومفيد، نحن أمام مواطن عادٍ، ولنقل جد عادٍ وأكثر.

جاء القرار سريعا بفشلي في المهمة، وبالتالي تنحيتي من مراقبة هذا الشخص الخطير والغامض.
تنفست الصعداء، وانتظرت ماذا هم فاعلون، بالتأكيد تم تعيين آخر، أو آخرين بالمهمة.

لم يكن بعيدا ذلك اليوم الذي بلغني فيه أن صاحبنا وقع في مشادة كلامية، استدرج إليها مع شخص غريب عن الحي وعن المقهى، هكذا وجد صاحبنا نفسه أمام البوليس، ثم سيق إلى "درب مولاي الشريف"، المعتقل السري الرهيب.

استقبل الرجل بترحاب ما بعده ترحاب من قبل رئيس "الدرب" ومساعديه. جاؤوا بالقهوة والشاي والحلوى. أعطوه أوراقا بيضاء وقلم "بيك" أزرق، وطلبوا منه أن يكتب قصته.
- من أنت؟ ما صلتك بالتنظيم؟ ومن هم رفاقك وقادتك في التنظيم، دورك فيه؟ ما هي الخطط التي يعد لها التنظيم لزعزعة استقرار المملكة؟؟؟
- لا بأس أن تطرح على نفسك الأسئلة التي ترغب وتحب وتجيب عنها، يكون ذلك فضلا منك لن ننساه.. يا...
وانتبه رئيس المعتقل إلى عدم معرفته اسم الماثل أمامهم.
- "بوصباط".. أليس كذلك؟ أم أن الناس هم من أطلقوه عليك...
حجز "الحاج" ابتسامة ساخرة تحت شاربه، ونظر إلى حذاء "بوصباط"، فهم معنى التسمية. كان الحذاء كبير الحجم، نمرة 45 أو 46. عموما فالمقاس يتناسب وقامة الرجل المديدة.
ظل "بوصباط" صامتا. لم ينبس ببنت شفة.
تبادل المحققون النظرات، وبلغة الإشارة شرعوا في إخضاع رهينتهم للخطة "ألف".

الخطة "ألف" لا تختلف عما نشاهده في بعض الأفلام الفرنسية والأمريكية. معاملة إنسانية لطيفة للمستجوب تضمن كافة حقوقه القانونية.
لم تنفع.
انتقلوا إلى تطبيق الخطة "باء".
الخطة "باء" تعني الصراخ والشتم والتهديد والوعيد وطرح أكثر من سؤال في مرة واحدة.
- لم يتحرك الرجل.
اضطر المساكين اضطرارا إلى نهج الخطة "جيم". الجلد والتنكيل.

سيق الرجل إلى القاعة المعتمة في الطابق السفلي، وأخضع لحصص متتالية من التعذيب.

تعبوا وما تعبت الضحية.
وهم يأخذون قسطا من الراحة، للتدخين وارتشاف القهوة، لم يخفوا عجبهم واستغرابهم من المصيبة التي وقعت بين أيديهم.
. - لا شك أننا أمام مناضل كبير
- قد يكون هو رئيس التنظيم.
- من أين يستمد هذا المسخوط كل هذا الصمود والشجاعة الفائقة؟؟؟
- سنرى من سينتصر على الآخر في النهاية ويربح..

مضت ثلاثة أشهر أو أكثر على استضافة الرجل الغامض في "الدرب" من دون أن يظفر أصحاب "الدرب" بشيء منه. كأنه قد م من صخرة ملساء بكماء بلا لسان.
- لكن العجب الأكبر أنه لم يسأل عنه أحد، لا تنظيم ينتمي إليه ولا عائلة ولا أصحاب. مقطوع من شجرة.
وتذكروا شقته في سطح العمارة القديمة.
في غرفته اجتمع نزار قباني وأمل دنقل وأحمد الجوماري وأحمد المجاطي مع مظفر النواب ومحمد بنطلحة وأحمد عبد المعطي حجازي وصلاح عبد الصبور وعبد الكريم الطبال ومحمد الشيخي ومريد البرغوثي وأحمد بنميمون ومحمود درويش ونزيه أبو عفش وعبد الوهاب البياتي مع إدريس الملياني ...
ومعهم ضبط البوليس غادة السمان وعبد الرحمان منيف وجبرا ابراهيم جبرا مع محمد شكري ويحيى الطاهر عبد الله ونجيب محفوط وأحمد بوزفور ومحمد صوف وعبد الستار ناصر ورضوى عاشور ومحمد زفزاف...

نطق أكثرهم حركة وعصبية:
- هذا غاوي شعر وأدب. ولا ورقة لها صلة مباشرة بالسياسة تدينه...

رد عليه صاحبه الأمرد الأكبر سنا:
- لكن هؤلاء الأدباء والشعراء الذين يستضيفهم صاحبنا هم رأس الفتنة.

وحمل الثالث بين يديه ديوان "تخطيطات حديثة في هندسة الفقر" لأحمد بنميمون:
- ألا يكفي هذا الكتاب كدليل لإثبات التهمة على المسخوط لننتهي منه؟

وكمن حصل على ضالته بعد تعب، أشعل سيجارة وأخذ يردد، راقصا، بيت أبو القاسم الشابي:
."إذا الشعب يوما أراد الحياة، فلا بد أن يستجيب القدر"

تأكدوا أن الضحية لا صلة له بالتهمة التي يودون إلصاقها به قسرا.
لكنهم يجهلون هويته.
ربما كان ابنا لإقطاعي من منطقة دكالة. أو ابن سوسي من تجار درب عمر، أو ابن مدللا تاجر ذهب من فاس...؟

لون بشرته البيضاء قد يفصح عن كونه سليل عائلة من الريف في الشمال، لها يد في تجارة الكيف. قال الرئيس ساخرا.
وتكلم الأمرد:
- ولماذا تستبعدون فرضية أن يكون الحرامي لقيطا ابن زنا وابن سِفاح..؟؟

تقرر إطلاق سراح "ابن الزنا" والتخلص منه، مع تشديد المراقبة عليه. لكن المفاجأة غير المنتظرة حدثت. فوجئ الأمرد بولد الحرام في زنزانته يكلم نفسه بصوت عال.
لقد جن الرجل هذه المرة بالفعل. طال شعر رأسه ولحيته وأظافره، صارت له هيأة متسخة ومخيفة. في عينه بريق زائغ، وعلى شفتيه ابتسامة غامضة.

نادى الأمرد زميله، واقتربا من الضحية، يسمعان كلام المخيف بعد أن اعتقدا أنه أبكم مقطوع اللسان. ما أن رآهما حتى أشار إليهما وطفق ينشد معلقة امرؤ القيس:

""قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل، بسقط اللوى بين الدخول فحومل".

إلى أنهى أبيات المعلقة كاملة، وعددها ثمانية وسبعين بيتا:

"كأنَّ أباناً في أفانينِ ودقهِ كَبيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزَمَّلِ
وَألْقى بصَحْراءِ الغَبيطِ بَعاعَهُ نزول اليماني ذي العياب المخوَّل
كَأَنَّ سِباعاً فيهِ غَرقى غُدَيَّةً بِأَرجائِهِ القُصوى أَنابيشُ عَنصُلِ
على قَطَنٍ بالشَّيْمِ أيْمَنُ صَوْبهِ وَأيْسَرُهُ عَلى السّتارِ فَيَذْبُلِ
وَأَلقى بِبَيسانَ مَعَ اللَيلِ بَركَهُ فَأَنزَلَ مِنهُ العَصمَ مِن كُلِّ مَنزِل".

ظل الجلادون متسمرين أمام الرجل الضحية إلى أنهى المعلقة.
شكروه بنفاق واضح على إمتاعهم بالشعر العربي الأصيل.
- الله.. الله.. ما أمتع الجلوس إليك يا امرؤ القيس.. والآن حدثنا قليلا عنك، من أنت؟ والله ظلمناك.. فلتقابل إسائتنا لك بالغفران...
عاد امرؤ القيس إلى صمته المطبق.
ضرب الرئيس كفا بكف وندت منه آهة متعبة.
وزع نظراته على المكان المعتم والسقف، ثم سأل أصحابه:


- ما العمل؟

هنا نطق امرؤ القيس:

- هذا أهم كتاب ألفه فلاديمير ألييتش أوليانوف المعروف بلينين.

ثم عاد الملك الضليل لتُرخى سدول الصمت عليه بكلكل.

صاح الأمرد صيحة اليوناني أرخميديس:
- وجدتها.. وجدتها.. الكلب.. المأبون.. ماركسي خنزير خطير .. وقد اعترف بلسانه العفن...

تم إعداد تقرير الاتهام باستعجال لضم امرؤ القيس إلى مجموعة معتقلي المنظمة السرية الماركسية اللينينية وتقديمه للمحاكمة.
لكن ذلك لم يحصل.

يقول أحد "الحجاج" من رواد مقهى بممر "سوميكا"، وهو ممن عملوا في "الدرب" برتبة جلاد، قبل أن يحال على المعاش:
- لا أحد يعرف من أين وصل الحبل الذي شنق به نفسه في نفس الليلة المذكورة.
دفن امرؤ القيس في الممر الطويل بين الزنازن. وكسي قبره بالجير والتراب.
طوي الملف.
لم يمر وقت طويل حتى وصلت تقارير من المخبرين تتحدث عن ظهور شخص جديد بنفس الحي، له نفس حكاية امرؤ القيس المختطف المغدور.
نطق رئيس "الدرب" هائجا:
- تحققوا لي إن كان من قراء الشعر، وهل يحفظ المعلقات، قبل استضافته.

الدار البيضاء، المغرب





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,322,540,080
- عليكن الثامن من مارس إلى يوم الحادي والثلاثين
- آلام -شوك السدرة- تصل إلى المنتهى
- قبْرٌ.. وبِأيِّ ثَمَنْ؟
- خبر مرعب
- سيدة غرسيف
- قص: المعنى
- إدريس الخوري بخير..
- اعتقال قابيل وإخلاء سبيله
- وسام على صدر -زعيم- المليشيا ( التكريم الملكي للكاتب المغربي ...
- هزيمة حارس المرمى
- اقتراض زنزانة
- شيء من الذاكرة.. حول انتفاضة 20 جوان 1981 الدامية بالدار الب ...
- ق.ق.ج: حساب
- قصة واقعية: حكاية داعشي في قطار فاس - مراكش
- بصدد منع فيلم حول دعارة الخليجيين في المغرب: -الزِّنا اللِّي ...
- (بمناسبة خطبة الوزير الحبيب الشوباني والوزيرة سمية بنخلدون) ...
- عندما يقترف بنكيران -الكلام- وينام عل ضيق ...
- je suis ni charlie.. ni charlot.. stop à lislamophobie
- أغنام وأرانب مغدورة
- مصطفى النهيري.. كاتب من زمن آخر


المزيد.....




- من الحدادة إلى الأفلام.. كيف دخل هذا الشخص عالم هوليوود؟
- مؤتمر غرب الدلتا الأدبى يوصى برفض التطبيع والتأكيد على عروبة ...
- هل يمكن أن يخرج فن الأوبرا من إطار النخبة؟ زينة برهوم تجيب
- من الحدادة إلى الأفلام.. كيف انتهى المطاف بهذا الشخص في هولي ...
- الخلفي ينفي إسناد تدبير ملف أساتذة التعاقد للداخلية
- المغنية أديل تنفصل عن سايمون كونيكي بعد 3 سنوات من زواجهما
- الحياة تدب في مكتبات موسكو ومتاحفها في -ليلة المكتبة-
- خمسة أحداث تاريخية ألهمت صناع مسلسل لعبة العروش
- فيلم -تورنر- يلتقط سيرة وصدمة -رسام انطباعي- أمام دقة الكامي ...
- الشرعي يكتب: الهوية المتعددة..


المزيد.....

- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- ‏قراءة سردية سيميائية لروايتا / زياد بوزيان
- إلى غادة السمان / غسان كنفاني
- قمر وإحدى عشرة ليلة / حيدر عصام
- مقدمة (أعداد الممثل) – ل ( ستانسلافسكي) / فاضل خليل
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في سياقاته العربية ، إشكال ... / زياد بوزيان
- مسرحية - القتل البسيط / معتز نادر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرحيم التوراني - امرؤ القيس في درب مولاي الشريف