أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بشرى رسوان - ثرثرة المنسج















المزيد.....

ثرثرة المنسج


بشرى رسوان
الحوار المتمدن-العدد: 5122 - 2016 / 4 / 3 - 08:56
المحور: الادب والفن
    


لابأس بفنجان قهوة أو اثنين أو ربما لا يجدر بي ذلك اليوم لست ُ أخطط لشيء على أية حال لستُ بارعة في ذلك لا أتوقع أشياءً محددةً أعيش كل يوم بيومه على هواي كالقدماء أعيش بعقلية جدتي و بكل خبرتها في الشتاء أنتظر المطر و في الصيف أغفو أمام التلفاز العشوائية جزء من روتيني أفضل أن أدخل في التجارب مباشرة بلا أدنى فكرة و بلا أحكام مسبقة لهذا أملك رصيدا لابأس به من التجارب الفاشلة من المحتمل أن يزورني أحدهم أخبره بأن أموري كلها على ما يرام أو من المحتمل أن أشاهد فيلما رديء الصنع و الأفكار يدور حول اللاشيء أو من المحتمل أخرج في نزهة بعيدا عن المجمعات السكنية و روائح المطابخ٬-;- الروائح تلتصق بالذاكرة تماما مثل علق المستنقعات لكل شيء رائحة الروائح تشي بالكثير الروائح بارعة أيضا في نسج الحكايا أكاد أشمها رائحة أبي العائد مساءً.. رائحة خالي بعد منتصف الليل .. عطر أمي ..رائحة التراب بعد المطر .. رائحة البخور ...رائحة المستشفيات الباردة رائحة الصوف النتْنة والشبة البيضاء المنثورة على الجلود الألوان البراقة للخيوط الأحمر والأسود والأبيض تتمازج وتتهادى كالأمواج سمفونية المشط على المنسج تطن في أذني أسمعها للآن وأمي العاكفة في منسجها تضع الطعمة تمررها بخفة بين خيوط (السدى) وتضرب بالخلالة يهتز القصب راقصا بينما خالتي تصب الماء على الدقيق وتدلكه أمي ايزة تفرد الصوف بالقرشال بقايا طبق العنب على المائدة المستديرة قطة جدي الرقطاء تستلقي بغنج فوق سور البيت صوت تلفاز الأبيض والأسود يبث أخباره المملة٬-;- وأنا قابعة في الزاوية ٬-;- فاتحة فمي عن أخره بعبطٍ طفولي٬-;- أمارس لصوصيتي المعتادة يستحضران يوميات الدوار.
استدان ولد رشيدة ستة ملايين من القرض الفلاحي السنة الفائتة باعت أمه المحصول لتسديد ديونه السنة التي قبلها باعت ميراثها هذا الابن سيفقدها رشدها ....
تزوجت بنت قاسم ورحلت إلى فرنسا أمها البخيلة أجبرتها على قبول الزيجة..
الذرة يا ابنتي أكلتها الطيور الجلبانة أتى عليها السيل...... المحصول ضعيف
تلك الشجرة الكبيرة أتذكرينها؟! قررت قطعها تجمع أعشاش العصافير...
حفروا البئر ...150 مترا... بلا أي جدوى .. لا ماء في الدوار إنه ملعون.. الأرض قاحلة
غدا سأذهب إلى المحكمة.. ذلك الجار النصاب استولى على ميراثنا وباعه في غفلة منا٬-;- (الدنيا كلبة وتعطي للكلاب أبنيتي)
كل المواضيع تتمحور حول الأرض...عن المواسم القاحلة .. الخراف .. العلف.. الحرث ..المطر و الشمس التي أكلت جلودهم ... كل غصن .. كل شجرة.. كل حبة تراب.. كل حصاة كل بئر جافة .. كل سدرة .. كل دقة و دكة على هذه الأرض يعرفون تاريخها
خلف عدساتها الطبية تلمح جمال عينيها شالها المطرز يخفي ضفائرها الرمادية أمي ﺇ-;-يزة جدتي لأمي فاتنة دكالة أخبرتني يوما أنها سليلة عائلة عريقة من الأشراف جدتها لأمها من عائلة تنحدر من مولاي بوعبيد الشرقي. لم أكن أعي معنى كلمة أشراف أو مولاي بوعبيد الشرقي لكنني شاركتها حكايتها الصغيرة٬-;- في عينيها قرأتُ تفاصيل الحنين دَسستُ رأسي في حضنها أدَارتْ عجلة الزمن إلى الخلف أعادتني إلى سنوات الفرنسيس والمقاومة المسلحة... أيام الجفاف والمجاعة.. قمع ورصاص 1984... تجارة جدها عبيد و جماله ... قبة سيدي بنور ومولاي بوشعيب٬-;-...صلابة حماتها و قسوة أختها غضيفة... كأنها كائنات خارجة للتو من كتاب أساطير قديم افتعلتْ الانشغال لملمتْ حكاياها ونهضتْ ببطء نحو المنسج . طق .. طق ..طق أعتقد أنني كنتُ مستمعة جيدة على نحو ما

في أيام الثلاثاء يوم السوق الأسبوعي تستقبل خيمة أمي ايزة أسراب الوافدين يغدو بيتنا أشبه بالمزار لالة رابحة وابنها المجنون.. فاطنة بنت محمد.. لالة رقية القابلة.. فطومة بنت الفقيه.. مبارك ولد العدول... الحبيب ولد سعيد٬-;- أجمل ما في الدكالين عيونهم الملونة كنت أسأل أختي من أين لهم بهذا الجمال ؟ لا اجابة محددة أو مقنعة .. لعيونهم سحر خاص متفردون في لهجهتم .. في صخبهم.. و في خفة دمهم

كانت أياما حافلة جدا أقضيها بين الضيوف و(صواني) الشاي أسلال العنب وأكوام التين المكدسة في الصناديق الكرموس الهندي٬-;- صباحا أفطر بالسفنج الساخن٬-;- من عند المعلم عبد الرحمان الشباكية والفول والحمص من عند المعلم السالمي. بعد العصر أجلس قرفصاء تحت عريش من القش٬-;- قبالة الشارع الرئيسي أمكث هناك في صمت أحدق في الناقلات التي تستعد لإفراغ حمولتها الحقائب والسلال والخيش بلا ملل بينما أمرر أصابعي في التراب في المحطة دموع ... عناق.. حافلة متأخرة سائق غاضب... قفف... مناوشات... أصوات العربات المجرورة٬-;- الشحنات الكرارس المحملة بالقش والمكدسة بعاملات الشمندر يمضي دواب خيمة سعيد إلى الوادي الأخضر٬-;- ألوح للعابرين و أمضي أنا أيضا
في المساء نفرش البهو ونتحلق حول العنبة التي تسلقت إلى السقيفة وغطت أجزاءً من الجدار نتحلق لشرب الشاي وأكل الرغايف*. مع المغيب يبدأ البعوض بشن حملاته على أجسدنا كثُكنة جاهزة للانطلاق يصوب خراطيمه الدقيقة نحو أنوفنا ..و جوهنا.. أذرعنا كنتُ أجلس بالقرب من الحسكة أراقب الشمعة يسوقني ضوئها الخافت إلى آخر بقاع الأرض٬-;- تحوم أصابعي حولها ذات الشمال وذات اليمين ألتقط دموعها المنسابة وأعيد تشكيلها لم يكن ليحركني من مكاني إلا صوت جدتي كمن قبض عليه متلبسا بجرم مشهود (نوضي أبنيتي غ تطفي لينا الشمعة ..... نوضي الله يهديك يا أبنيتي باركا) أوليها ظهري غير عابئة مستغرقة في حياكة الأوهام علها تشق طريقها إلى السماء.
جلستنا الليلية لا يسدل ستائرها إلا خيال باهت لعقرب ضل طريقه أو أتعبه قيظُ غشت في وقت من الأوقات كنت قد بدأت أخافها حقا٬-;- تلك الحشرات السوداء التي تتبختر بين زوايا الخيمة وفي ثنايا الأغطية٬-;- وعلى جنبات الجدران ٬-;- كانت جدتي مصرة على أن حرز ( ولد الفقيه) المعلق فوق الباب كفيل بإبقائها بعيدة عن أذيَّتنا أكان من الممكن ذلك ؟على الأقل هذا ما آمنت به جدتي ايزة لنصف قرن و نامت في خمول ملئ جفنيها .
كنت أفكر دوما أن الجدات غريبات الأطوار ٬-;-رؤيتهن تجعلني أفكر في نهايتي في البحث عن مكان ما حيث يمكنني أن أقضي فصولي الأخيرة أن أستمتع بليالي الأخيرة٬-;- ولحظاتي الأخيرة٬-;- نهاية تليق بي أقضيها أمام بحيرة أرشق صفحتها الهادئة بالحجارة وأحدق في الدوائر التي تخلفها ثم أعيد الكرَّة٬-;- أو على جبال التيبت أتربع وأمارس اليوغا٬-;- ثم أعوم في اللاشيء أو أمام نهر الكانغ الكبير أضع شموعي وأدفعها ليسحبها التيار بعيدا كوخ فوق سقف العالم لا أريد أن أرى غير زرقة السماء وامتددها اللانهائي ولا أن أسمع سوى أصوات الطبيعة٬-;- نهاية على طريقتي كما أريد أنا سأبني بيتا يشبه بيت حنا الزوهرة بباحة واسعة وإسطبل٬-;- بالضبط كما أراه في خيالي الآن٬-;- وعندما ألفظ أنفاسي الأخيرة أريد أن أدفن إلى جانبها في مولاي التباع حيت يرقد جسدها.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- د الجزيري بين تكريس مفهوم النخبة و الهروب الدائري
- ضحكة الأشرار
- حنا
- اساءة الورق
- بعض من...؟
- تصبحون على سلام
- أي مستقبل ينتظرنا ؟
- على خلفية الخدمة الاجبارية
- كل محفل يصنع مفكرين على مقاسه
- العابرون الى قلبي
- جدار القلب
- أنثى المطر
- اقبضوا على أحلامكم جيداً
- يوميات عادية
- مزاج المطر
- مالكة حبرشيد بين القصيدة والناي الحزين
- سعيدة عفيف (لا أَعْرِفُ أَنْ أَكونَ أَحَدا) .. و (الإنسان نف ...
- يونس بن عمارة... يقومون باستفزازي
- عصافير القلب
- أشياء قديمة


المزيد.....




- دبي السينمائي يعود.. هل تكون السنة الذهبية للأفلام العربية؟ ...
- جائزة البوكر العربية تنظّم ورشة كتابة إبداعية في عُمان
- عاجل..سعد الحريري يتراجع عن استقالته
- وفاة مغني الأوبرا الروسي دميتري خفوروستوفسكي
- وفاة مغني الأوبرا الروسي الشهير دميتري خفوروستوفسكي
- البيئة والبشرية... توأمة تاريخية
- رابطة متفرغي اللبنانية دعت رئاسة الجامعة الى البت بطعون الاس ...
- انعقاد المؤتمر الـ10 لوزراء الثقافة بالدول الإسلامية في الخر ...
- -فوق الحياة قليلا-، و-الحالة دايت-؛ روايتان للروائي والناقد ...
- جائزة ابن خلدون – سنغور للترجمة تختار الدكتور أنور مغيث لجائ ...


المزيد.....

- يوم كان الأمر له كان عظيما... / محمد الحنفي
- التكوين المغترب الفاشل ) أنياب الله إلهكم ) / فري دوم ايزابل Freedom Ezabel
- عندما كان المهدي شعلة... / محمد الحنفي
- تسيالزم / طارق سعيد أحمد
- وجبة العيش الأخيرة / ماهر رزوق
- abdelaziz_alhaider_2010_ / عبد العزيز الحيدر
- أنثى... ضوء وزاد / عصام سحمراني
- اسئلة طويلة مقلقة مجموعة شعرية / عبد العزيز الحيدر
- قراءة في ديوان جواد الحطاب: قبرها ام ربيئة وادي السلام / ياسين النصير
- زوجان واثنتا عشرة قصيدة / ماجد الحيدر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بشرى رسوان - ثرثرة المنسج